كان على المشهور في زمن ليس ببعيد، أن يفعل شيئًا يتجاوز شهرته حتى يصبح جزءًا من أجندة مؤسسة صحفية ما، كفيلم جديد، أو موقف عام، أو قضية قضائية، أو حدث ثقافي أو واقعة لها أثر يتجاوز حياته الخاصة. اليوم يكفي فقط أن يتصدر "الترند" على مواقع التواصل ليصبح ضمن أجندة المنصات الصحفية التي تبادر إلى الاهتمام بالقصة وتنقلها إلى جمهور أوسع.
ما الذي يحدث حين تخرج هذه القصص من دوائر متابعي أصحابها إلى مؤسسات تختلف في جمهورها ورسالتها؟
ظهور مادة خفيفة هنا أو هناك لا يكفي وحده للحكم، لكن تكرار النوع نفسه من القصص لدى منصات نشأت على سياسات وهويات تحريرية مختلفة يجعل السؤال أوسع من جودة مادة منفردة بعينها. إذ تضيق المسافة بين المحتوى الصحفي الذي يحمل قيمة إخبارية وبين المنصات القائمة على "الترفيه" و "الترند"، مما يثير تساؤلات من قبيل: هل من المهنية دفع قصصٍ إلى الواجهة بينما كان يجب التغافل عنها، وكيف تتداخل هوية تحريرية بأخرى من خلال إعادة تدويرالقصص ذاتها؟
يظهر أثر هذا التشابه أولًا في اختيار القصص نفسها، لأن جزءًا من هوية المؤسسة يتشكل مما تقرر يوميًا ضمن أجندتها، وهو ما خلص إليه دبليو جو واتسون، الأستاذ المشارك ورئيس قسم الإعلام والفنون البصرية في جامعة بيكر الأمريكية، في دراسة ميدانية نشرها عام 2016 في دورية Electronic News الأكاديمية المتخصصة في دراسات الأخبار والبث.
تضيق المسافة بين المحتوى الصحفي الذي يحمل قيمة إخبارية وبين المنصات القائمة على "الترفيه" و "الترند"، مما يثير تساؤلات من قبيل: هل من المهنية دفع قصصٍ إلى الواجهة بينما كان يجب التغافل عنها، وكيف تتداخل هوية تحريرية بأخرى من خلال إعادة تدويرالقصص ذاتها؟
تابع واتسون اجتماعات التحرير في المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC في لندن وأجرى مقابلات مع عاملين في مستويات مختلفة، ووجد أن اختيار القصص يتأثر بتصور المؤسسة لجمهورها واحتياجات برامجها وشبكاتها والوعي بالتزامات ميثاقها، وبهذا يصبح الاختيار نفسه أحد المواضع التي تتحول فيها رسالة المؤسسة إلى ممارسة تحريرية يومية.
من هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تبدو بعض المواد غريبة على منصة بعينها حتى عندما تكون مقبولة تمامًا في مكان آخر. فالمتابع لا يفصل القصة عن الجهة التي تقدمها بل يضعها ضمن الصورة التي كوّنها عن المنصة ونوع الصحافة التي اعتاد أن يجدها لديها. ويظهر هذا التغير في ردود بعض الجمهور أيضًا، بالسؤال – استنكاراً – عن قيمة نقل المادة للجمهور. في هذه الحالة يحكم المتابع بناء على صورة المنصة الذهنية لديه، وتوقعاته للمحتوى الذي يجب أن تتناوله.
يدعم ذلك بحث قاده الباحث الألماني روبن لويبرت، من معهد الصحافة وبحوث الاتصال بجامعة هانوفر للموسيقى والمسرح والإعلام، مع ثلاثة باحثين ألمان آخرين، ونشرته دورية Journalism الأكاديمية المحكمة المتخصصة في دراسات الصحافة عام 2024. شملت الدراسة تجربة على 469 مشاركًا في ألمانيا وأظهرت أن تقييم المتلقي لجودة المادة لا يتشكل من مضمونها وحده، بل يتأثر أيضًا بالصورة الذهنية التي يحملها عن المؤسسة التي نشرتها.
وتعاملت مجموعة Mediahuis الإعلامية الأوروبية مع المشكلة من داخل غرف الأخبار، ففي صيف 2025 أطلقت ما سمته "أسابيع الصحافة المميزة"، في محاولة لإعادة تحديد نوع القصص والموضوعات التي تريد أن تُعرف بها كل علامة لديها.
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، نشرت الرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية (INMA) تفاصيل التجربة، ونقلت عن غيربن فان ت هيك، مدير استراتيجية غرف الأخبار في Mediahuis، أن الاعتماد الزائد على بيانات الأداء قد يدفع المحتوى نحو الجريمة والترفيه والمواد الأسرع في جذب التفاعل، حتى إن بعض المشتركين قالوا إنهم لم يعودوا يتعرفون إلى العلامة التي اشتركوا فيها.
دفعت هذه الملاحظات المجموعة إلى إعادة ضبط المزيج التحريري، بحيث تستخدم بيانات الجمهور لقياس أداء الصحافة التي تريد أن تتميز بها، بدل أن تترك المواد الأعلى أداءً تحدد وحدها شكل المنتج.
ويصبح سؤال القيمة المضافة أكثر وضوحًا حين تأتي القصة إلى المؤسسة من حساب أحد المشاهير، بعدما يكون الجمهور قد شاهد مقاطعها وقرأ تصريحاتها وتفاصيلها الأساسية قبل أن يبدأ المحرر العمل عليها.
هنا تتحدد قيمة العمل بما تضيفه المنصة إلى المادة الأصلية وبطريقة معالجتها وإعادة تقديمها، ويبدأ ذلك من قرار الاختيار نفسه ومن السبب الذي جعل هذه القصة، من بين آلاف القصص المتاحة، تستحق وقت الصحفي ومساحة المؤسسة.
قدمت شيرين كونيرز، الصحفية والمحاضرة في الصحافة بجامعة ليدز البريطانية، إطارًا أقرب إلى واقع غرف الأخبار، في دراسة نشرتها دورية Journalism في أبريل/نيسان 2024، واستندت إلى نحو 200 ساعة من الملاحظة المباشرة داخل غرف أخبار رقمية أسترالية.
تتحدد قيمة العمل بما تضيفه المنصة إلى المادة الأصلية وبطريقة معالجتها وإعادة تقديمها، ويبدأ ذلك من قرار الاختيار نفسه ومن السبب الذي جعل هذه القصة، من بين آلاف القصص المتاحة، تستحق وقت الصحفي ومساحة المؤسسة.
ميزت كونيرز بين "الاكتشاف الصحفي"، حين ترى غرفة الأخبار قيمة في قصة ما قبل أن تعرف حجم الطلب عليها، وبين إنتاج مادة بعد أن تكون مؤشرات البحث أو التفاعل قد أظهرت سلفًا وجود طلب رقمي عليها.
في إحدى الحالات التي وثقتها كونيرز عام 2019، رصدت أداة لمتابعة اتجاهات البحث قفزة في البحث عن الممثلة الأمريكية جينيفر أنيستون، نجمة مسلسلFriends، بعدما افتتحت حسابًا على إنستغرام. لم ير المحررون في البداية أن الواقعة تستحق تخصيص وقت لها، لكن إشارة البحث دفعت إلى إنتاج مادة خلال نحو 15 دقيقة، وما إن نُشرت حتى صعدت سريعًا إلى صدارة لوحة Chartbeat، وهي منصة تستخدمها غرف الأخبار لمتابعة أداء المواد وحركة القراء لحظيًا. بالنسبة إلى فريق التحرير، قدمت الأرقام بعد النشر دليلًا سريعًا على نجاح التكليف الذي ترددوا في إنتاجه قبل دقائق.
تكشف هذه الحالة عن أفضلية واضحة للقصة الرائجة قبل دخولها إلى دورة الإنتاج الصحفي، إذ تصل ومعها دليل مسبق على وجود طلب، ما يجعل تقدير كلفتها وعائدها أسهل، بينما تبدأ القصة الأصلية من تقدير الصحفي لقيمتها، وتستثمر المؤسسة فيها الوقت والموارد قبل أن تعرف حجم الإقبال عليها. بهذا المعنى، يدخل الترند إلى غرفة الأخبار بقدر أعلى من اليقين، فيما يسبق الحكم الصحفي الأرقام في القصة الأصلية.
ظهر الضغط نفسه في بيئة عربية، ففي مارس/آذار 2024 نشرت دورية Digital Journalism الأكاديمية المحكمة والمتخصصة في الصحافة الرقمية دراسة بعنوان "قوة الأرقام.. أربع طرق تغيّر بها المقاييس الأخبار" استندت إلى مقابلات معمقة مع 20 صحفيًا مصريًا، ووجدت أن أثر المقاييس وصل إلى وظيفة وضع الأجندة نفسها، مع اتجاه بعض الصحفيين إلى ملاحقة قصص أثبتت انتشارها على شبكات التواصل الاجتماعي بدل تطوير أخرى أصلية، إلى جانب دفع المحتوى نحو مزيد من الإثارة والأخبار الخفيفة.
وجاء دليل كمي أوسع في دراسة نشرتها الدورية الدولية للصحافة والسياسة في يناير/كانون الثاني 2026، بعد تحليل نحو 4.55 مليون منشور صادر عن 28 مؤسسة إخبارية بين 2015 و2019.
ووجد الباحثون أن ارتفاع التفاعل مع موضوع على تويتر (إكس حاليًا) كان يتبعه ارتفاع في حجم ما تنشره المؤسسات عنه على المنصة بعد وقت قصير، بما يشير إلى أن نجاح القصة اجتماعيًا يمكن أن يدفع إلى توسيع تغطيتها لاحقًا. ومع تكرار هذه الدورة، لا يبقى الأثر محصورًا في متابعة قصة بعينها، بل يمتد إلى ترتيب الأولويات داخل المؤسسة، إذ تحصل الموضوعات التي أظهرت رواجًا في السابق على أفضلية متكررة في الاختيار.
وغالبًا ما يُختزل هذا الميل في عبارة "هذا ما يريده الجمهور"، مع أن أرقام النقر والمشاهدة لا تقول كل شيء عن سبب اهتمام الناس بالمادة. فالفضول وحده قد يدفع المستخدم إلى متابعة قصة لا يمنحها أهمية كبيرة، فيما قد يهتم بموضوع آخر من دون فتحه لأنه عرف مضمونه من العنوان أو لم يجد الوقت لقراءته. وتدعم أبحاث سلوك الجمهور هذا التمييز، إذ وجدت أن قرار النقر أو تجاوزه تحكمه اعتبارات متعددة، ما يجعل هذه المؤشرات مفيدة في قياس الانتباه، لكنها أضيق من أن تتحول وحدها إلى تعريف لما يريده الجمهور أو لما يستحق التغطية. ولهذا طوّر معهد الصحافة الأمريكي مشروع Metrics for News لمساعدة المؤسسات على ربط بيانات الجمهور بأهدافها وقيمها التحريرية.
قد تحمل بعض الوقائع الشخصية أبعادًا اجتماعية تستحق التغطية، فيما تبقى القيمة الصحفية مرتبطة بما تضيفه المنصة إلى المادة من معرفة أو سياق يتجاوز ما كان متاحًا أصلًا على حساب صاحبها.
الفكرة التي يقوم عليها المشروع أن لدى كل مؤسسة تغطيات تقع في صميم مهمتها حتى عندما لا تكون الأكثر مشاهدة، وأن دور البيانات هو تحسين فهم جمهور هذه التغطيات ووصولها، لا أن تصبح قائمة "الأكثر قراءة" هي التي تحدد ما يستحق الإنتاج.
وهنا يبرز معيار مهني مهم في التعامل مع أخبار المشاهير، فقد تحمل بعض الوقائع الشخصية أبعادًا اجتماعية تستحق التغطية، فيما تبقى القيمة الصحفية مرتبطة بما تضيفه المنصة إلى المادة من معرفة أو سياق يتجاوز ما كان متاحًا أصلًا على حساب صاحبها.
وتزداد حساسية المسألة لدى المنصة التي بنت هويتها على الوصول إلى قصص لم تصل بعد إلى الجمهور، لأن توجيه جزء أكبر من طاقتها إلى ما أثبت نجاحه مسبقًا يضغط على المساحة المتاحة لما يحتاج إلى اكتشاف وبحث.
وفي الدراسة المشار إليها سابقًا، وثقت كونيرز عملًا استقصائيًا استغرق نحو عامين وأحدث أثرًا عامًا (من دون تسمية المؤسسة أو التحقيق لأسباب بحثية)، بينما استطاع منافسون إنتاج مواد متابعة أقل كلفة بعدما أصبحت القصة معروفة.
ويكشف ذلك الفارق في كلفة الاكتشاف، فالمؤسسة التي أنتجت القصة في البداية تحملت الوقت والمخاطرة، فيما بدأ الآخرون العمل عليها بعد أن اتضح حجم الاهتمام بها.
في المحصلة، لا تُقاس هوية المنصة بما تُعرّف به نفسها، بل بنوعية القصص التي تختار أن تمنحها وقتها ومساحتها. وحين تبدأ مؤسسات مختلفة في ملاحقة الأسماء والموضوعات نفسها لأن منصات التواصل رفعتها إلى الواجهة، يضعف الفارق بينها تدريجيًا، ويصبح الحفاظ على هوية واضحة مرتبطًا بقدرتها على اختيار ما ينسجم مع خطها التحريري.