بوتفليقة: "الشبح" الذي حمّله الإعلام أكثر مما يحتمل!

تطغى الأحداث الحالية في الجزائر على تغطية وسائل الإعلام العربية والدولية، خاصة بعد "استجابة" الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمطالب المسيرات الحاشدة بسحب ترشحه لعهدة خامسة. تناولُ شخصِ بوتفليقة شكّل تحدياً ضمنياً لوسائل الإعلام حتى قبل المظاهرات الحالية. شخص مقعد، مريض، ندر ظهوره منذ إصابته بجلطة دماغية إلى أن غاب عن الأنظار تماما في الفترة الأخيرة، حتى بدأ إطارُ صورته يعوضه في مناسبات عامة!

لا توجد معلومات دقيقة حول الحالة الصحية لعبد العزيز بوتفليقة، لكنها سيئة لدرجة أن الحديث عنه في السنوات الأخيرة أصبح مقترنا إما بنِكَات على مواقع التواصل الاجتماعي حول صموده أمام المرض، أو الشائعات حول وفاته. وأحيانا وفي عزّ الحديث عن متاعبه الصحية في مستشفيات سويسرا، يُطل علينا فجأة هذا الرجل العاجز من خلال أخبار نشرات مختلف القنوات العربية والعالمية، وهو يعلن ويخاطب ويخطط ويترشح وذلك دون صوت أو صورة! وكأن الأمر يتعلق بشخص آخر...

ذات يوم من العام الماضي وأنا أحضر نشرتي كمذيعة، كان من بين ما احتوته خبرا حول "تأكيد بوتفليقة عزمه ترسيخ علاقات الاحترام مع المغرب، دون الرد على دعوة للعاهل محمد السادس لفتح الحوار وتجاوز الخلافات القائمة بين البلدين...". كان إلى جانبي زميل جزائري وأنا أحضر الخبر، فعلّق قائلا: "بالله عليك، هل تصدقين أنه قادر على صياغة بيان أو إبداء موقف أو حتى التفكير أصلا؟" الجواب طبعا واضح والملاحظة لطالما تبادرت إلى ذهني كلما قرأت تصريحا أو موقفا للرئيس المريض، لكن ما العمل في هذه الحالة؟ دار بيني وبين الزميل نقاش حول ما إذا كان الأصح هو تبني الخبر كما جاء، على اعتبار أنه يعبر في النهاية عن الموقف الرسمي للدولة الجزائرية ورئيسها، بصرف النظر عما إذا كان فعليا موقفه أو موقف جهات أخرى تسير المشهد السياسي في الكواليس، وهو ما لا يمكن، على كل حال، التأكد من حيثياته، أم صياغة الخبر بطريقة أخرى. وفي هذه الحالة يبقى السؤال: ما هي الطريقة المثلى؟

بوتفليقة الحاضر في الإعلام الغائب في الواقع

مع المظاهرات الأخيرة، برز هذا السؤال في ذهني بعدما أصبح "ظهور" الرئيس المريض طاغياً في وسائل الإعلام، يترشّح ويتراجع، كأي سياسي عادي يكافح لإنقاذ مستقبله السياسي في عزّ أزمة حادة تسبق الانتخابات. وانكبت البرامج الحوارية، من كل حدب وصوب، على "قرارات بوتفليقة"، تحللها وتناقش "خطواته" وتطرح السيناريوهات المحتملة، بينما على مواقع التواصل الاجتماعي، الأقربِ إلى الناس وخطابِ الشارع، ساد الانشغال بأسئلة أخرى: هل الرجل في وعيه أصلا؟ أما زال على قيد الحياة؟ هل يعلم بأنه تم ترشيحه؟ ومن يا ترى يكتب عوضا عنه تلك البيانات التي تخرج بها وسائل الإعلام؟؟

لا يوجد عاقل يُصدّق أن بوتفليقة قادر على إصدار قرار أو موقف أو بيان في وضعه الحالي، وبات هناك إجماع على أن بقاءه في السلطة حتى الآن ما هو إلا رغبة جهات معينة في السلطة، لكن رغم كل ذلك تخرج وسائل الإعلام التقليدية "جداً" لتقول إنه قال وفعل وسيفعل. وكأنها لعبة: شخص يتلقى كذبة ويلقيها، وهو يعلم أنها كذلك، والمتلقي يعلم أيضا، لكن الكل متصالح مع الوضع.  لربما كان الأمر كله غريبا على وسائل الإعلام الغربية على اعتبار أن التعامل مع رئيس مريض لحد العجز عن الكلام ليس أمرا معتادا لكي تكون قد تكونت خبرة في طريقة التعامل مع وضع كهذا. وربما ليس بالموضوع الهام جدا لها لتغوص وتبحث كبرى وسائل الإعلام في العالم عن منهجية ما في التعامل معه، منهجيةٍ تحترم مهنية الإعلام وذكاء المتلقي.

المعادلة الصعبة أمام الإعلام المهني

أما في العالم العربي، الذي تعتبر الجزائر أكبر بلدانه مساحة، وبكل ثقل هذا البلد وإرثه وأهمية ما يشهده الآن وحضوره في الإعلام، تشغلني كصحفية هذه الأسئلة: هل من الضروري الالتزام بادعاء أن بوتفليقة مازال يحرك شيئا في بلد المليون شهيد وهو غير قادر حتى على تحريك وجهه؟ هل الصواب نقل خبر لا يصدقه أحد، بمن في ذلك الشخص الذي يلقيه، فقط لأن وكالة الأنباء الجزائرية جاءت به ويبقى بذلك الصحفي أو المذيع مجرد وسيلة أو"بوق" يسخره الآخرون بسهولة لينقل ما يريدون أن ينقله؟ أليس هذا مساهمة في دعاية كاذبة مجانية؟ هل العادي هو أن تتصالح الوسيلة الإعلامية مع هذا الوضع "الشاذ"، وتبحث عن صور أرشيفية تضعها في خلفية خبر يقول إن رئيساً يعلن ويفعل شيئا ما الآن، وكأنها تساير من خلقوا هذا الوضع؟ أم أن شخصية الصحفي ومهنية الوسيلة الإعلامية وسمعتها ومبدأ احترام ذكاء المتلقي يتطلب الاجتهاد في مسألة كهذه؟

في هذه الحالة تطرح الإشكالية التالية نفسها: كيف يمكن الحفاظ على التوازن بين عدم الانجرار وراء الموقف الرسمي بحذافيره، وفي نفس الوقت نقل خبر صحيح بحيادية؟ لأنه في نهاية المطاف، صحيح أن لا أحد يصدق أن الرئيس المريض هو من يتخذ القرارات ويعلنها، ومن جهة أخرى لا يمكن الجزم رسمياً بأنّه ليس من يفعل ذلك، بما أن المعطى الوحيد المتوفر بين يدي الصحفي هو البيان الذي تنشره الوكالة الرسمية.

إن كان لي أن أقترح حلولا ما، فسأتجه شخصياً نحو وضع مسافة بين الوسيلة الإعلامية والخبر "المشكوك فيه" تماماً كما جرت عليه العادة عند التعاطي مع معلومات أخرى لسنا متأكدين منها أو لا نريد أن نتبناها، فنقول مثلا بدلا من "أعلن الرئيس الجزائري بوتفليقة في بيان سحب ترشيحه للعهدة الخامسة..." "أعلن بيان قيل إنه صدر عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نية الأخير سحب ترشيحه للعهدة الخامسة" أو كما اقترح زميلي في نهاية نقاشنا: "أعلنت الرئاسة الجزائرية أن...."

حالة بوتفليقة، والاجتهاد في التعامل معها إعلاميا، قد تبدو للبعض جزئية صغيرة في بحر ما يمكن للإعلام التركيز عليه في الجزائر، لكنها قد تصبح مدخلا لأساليب جديدة يتبناها، في مثل هذه الحالات، الإعلام الذي يريد الاحتفاظ بمهنيته ومصداقيته والبقاء قريباً من متابعيه في عصرنا الذي تقلصت فيه بشكل كبير المسافة بين الإعلام والشارع.

المزيد من المقالات

الصحافة والأكاديميا.. حدود التماس

بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الصحفية حدود تماس كثيرة. هل يستطيع الصحفي أن يتحرر من الصياغة السريعة، وينفلت من الضغط اليومي، ليبحث عن قصص علمية بأسلوب لا يتخلى عن جوهر المهنة ولا يغرق في الصرامة الأكاديمية؟ إنه نمط صحفي جديد ينمو في العالم العربي، بدأ يجد لنفسه موطئ قدم، بعيدا عن الأحكام الجاهزة التقليدية التي تقول: لن يقرأ لك أحد إذا كان مقالك معمقا.

محمد فتوح نشرت في: 16 فبراير, 2020
الأردن.. حجب المعلومات يعزز الإشاعات

تُخفي الحكومة الأردنية معلومات كثيرة عن الصحافة والمواطن حول قضايا مهمّة ولا تقف ممارساتها عند حجب المعلومات وحسب، بل تتعدى إلى إصدار النائب العام لقرار حظر النشر في بعض القضايا التي تُثير الرأي العام، ويكون فيها مصدر المعلومات من مكان آخر غير الدوائر الرسميّة. فما تأثير ذلك على انتشار الإشاعات في الأردن؟

عمار الشقيري نشرت في: 4 فبراير, 2020
الصحافة التكاملية.. جسور لا خنادق

أدركت وسائل إعلام كثيرة أنه ثمة حاجة ملحة إلى تغيير أساليب العمل الصحفي، كان أبرزها الصحافة التكاملية التي تستند على تعاون مؤسسات إعلامية مختلفة في إنتاج قصة صحفية واحدة، كالتعاون الذي سبق نشر تحقيقات وثائق بنما.

عثمان كباشي نشرت في: 28 يناير, 2020
اللاجئون السوريون يتعلمون الصحافة ليحكوا قصصهم

تُرجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس-جامعة هارفارد

ماغي كويك نشرت في: 21 يناير, 2020
لجنة تطوير الإعلام الأردني.. معركة الشرعية الصحفية

فتحت مبادرة الديوان الملكي الأردني بتشكيل لجنة تهدف لتطوير الإعلام في البلاد، النقاش على مصراعيه بين الصحفيين حول المشاكل التي يعاني منها القطاع، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والإعلام، وأسباب استثناء العديد من الجهات المعنية بالإعلام من هذه اللجنة على رأسها نقابة الصحفيين نفسها.

أحمد أبو حمد نشرت في: 16 يناير, 2020
صحفيون عرب في وسائل إعلام أوروبية... التأثير في السرديّة

دور الصحفي الناطق بالعربية يكمن في مناهضة الخطاب السلطوي في الغرب، سواء كان صريحا أو متخفيا، تماما كما يعمل على فضح ممارسات الأنظمة والبنى المجتمعية المتسلطة في المنطقة العربية.

بشير عمرون نشرت في: 7 يناير, 2020
"جبروت الصورة" على وسائل التواصل الاجتماعي

رغم أن الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تنتهك حميمية الناس، وتؤسس لهوية غير حقيقية، فإن العولمة والتطور التكنولوجي استثمرا في الخوف والعزلة، والنتيجة أنه "لا محيد لنا عن الصور مهما كانت عابرة، كاذبة، قاتلة، مرعبة".

عبد الفتاح شهيد نشرت في: 5 يناير, 2020
صحافة الحلول.. ضد الإثارة

"لا بد أن تقترح حلا"، عبارة تشكل عصب "صحافة الحلول" التي أصبحت أسلوبا إعلاميا جديدا يغزو غرف الأخبار. صياغة المقال ينبغي ألا تقتصر على تشخيص القضايا، بل لا بد من البحث عن الحلول ودراسة كل آثارها المحتملة على المجتمع.

داود كتّاب نشرت في: 1 ديسمبر, 2019
العربية في الإعلام.. هل سقط الصحفيون في فخ "الأعرابي"؟

هل يعد لجوء صحفيين عرب إلى المجاز اللغوي؛ محاولة للهروب من فقر بضاعة الصحفي للوقائع والحقائق؟ أم أن ذلك ينطلق من خوفهم على ضياع العربية في بحر من اللهجات المختلفة؟

أيوب الريمي نشرت في: 26 نوفمبر, 2019
أزمة الإعلام اللبناني.. هل من ضوء في آخر النفق؟

قناة "المستقبل" تسدل الستار عن مشهدها الأخير.. صحف ومجلات تقفل أبوابها.. صحفيون يواجهون شبح البطالة.. تراجع سوق الإعلانات بات يخنق المؤسسات الإعلامية، وكل المؤشرات تنذر بإغلاق مؤسسات أخرى.

غيدا جبيلي نشرت في: 19 نوفمبر, 2019
في زمن التحول.. الصحافة لا تموت

حملَتني مهمتي الصحفية الجديدة مع "بي بي سي" إلى إيران، وفي أحد التقارير التي كنت أعمل عليها، ساقتني بعض ال

علي هاشم نشرت في: 13 أكتوبر, 2019
الإعلام التلفزيوني.. لماذا سيظل مهمًّا؟

قد يظن البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي استطاعت صرف نظر الجمهور عن متابعة الأخبار عبر التلفزيون، لكن أحداثاً كبرى مثل الحروب والكوارث والثورات والانقلابات والانتخابات، أظهرت عكس ذلك.

أسامة الرشيدي نشرت في: 24 سبتمبر, 2019
الأونروا.. مسألة شخصية: درْء الصمت عن المخيم

تمتد الأمكنة في الفيلم من قاعة العرض، إلى الأستوديو، والمقهى، ثم البيت؛ أربعة أماكن بمثابة زوايا نظر تبرز التزاما بقضية المخيم ومسألة الأونروا.

عبد الفتاح شهيد نشرت في: 18 سبتمبر, 2019
هل من المفترض تدريس المعلوماتية لطلاب الإعلام؟

يفرض التطور الرقمي على الصحفي اليوم تحديات كثيرة، يبرز المقال أدناه أكثرها أهمية ويركز على ضرورة أن تبدأ عملية التأهيل الرقمي من الجامعات، قبل دخول ميدان العمل.

غسان مراد نشرت في: 15 سبتمبر, 2019
دول الخليج.. وأزمة المصادر الصحفية 

تنص أغلب الدساتير الخليجية على حرية التعبير ولكن هناك رقابة تنظيمية وسياسية قوية على محتوى وسائل الإعلام.

خالد كريزم نشرت في: 10 سبتمبر, 2019
ماذا أضاف الموبايل إلى الصحافة؟

نقاش يدور حول ما إذا كانت صحافة الموبايل يجب أن تصنف نوعاً صحفياً جديداً أم لا.

فاتن الجباعي نشرت في: 25 أغسطس, 2019
تقنية البث الهجين.. الخيال الذي أصبح واقعاً

استخدمت بعض نشرات الأخبار مؤخراً تقنية الواقع المعزز، محدثةً ثورة في مجال الصحافة والإعلام، إذ جعلت من فن صناعة الخبر عالماً متعدد التقنيات يعتمد بجزء أساسي منه على الفنون البصرية والسمعية التي تتم مقاربتها اليوم بطرق تختلف عن أساليب العقود السابقة.

شربل بركات نشرت في: 19 أغسطس, 2019
كيف يكشف الحجاب الفرق بين الصحافة الأميركية والفرنسية؟

تفسير اختزالي يربط بشكل غير مباشر بين الحجاب والتطرف، دون الغوص في لب المشكلة عن أسباب التشنج الفرنسي كلما تعلق الأمر برمز يتعلق بالإسلام.

أيوب الريمي نشرت في: 17 أغسطس, 2019
ما أهمية تبنّي القيم الصحفية في المنصّات التقنية؟

(ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد).

غابرييلا شوارتز نشرت في: 5 أغسطس, 2019
"السيّد جونز".. الصحفي الذي عرف أكثر من اللازم

إنّ عالم الصحافة ما زال على حاله، باستثناء التطوّر التقني الهائل وسهولة الحصول على المعلومة، إلا أنّ سطوة السياسة على الخبر ما زالت موجودة.

شفيق طبارة نشرت في: 15 يوليو, 2019
رحلتي الأولى في الاستقصاء: من مشهدٍ على الطريق إلى القضاء

ليست مهمة الصحافة الاستقصائية حل المشكلات وإنما كشفها للجمهور، لكن تحقيق ابنة الـ 26 عاماً لعب دورا حاسما في إنهاء سنوات من الاستغلال والتعذيب.

جنى الدهيبي نشرت في: 7 يوليو, 2019
انحياز إلى الأيدولوجيا على حساب الحقيقة.. فتّش عن الأسباب

انعكس الاستقطاب السياسي والأيدولوجي على وسائل الإعلام، فأصبح الاحتفاظ بمعايير المهنيّة والمصداقية أمراً في غاية الصعوبة.

همام يحيى نشرت في: 25 يونيو, 2019
كيف يوظف إعلام الاحتلال الصحافة الفلسطينية لخدمته؟   

باتت الصحافة العبرية أهم المصادر الصحفية لوسائل الإعلام الفلسطينية في ما يخص الصراع مع الاحتلال. ولعل أوضح الأمثلة على أنماط النقل عن الإعلام العبري، الذي يخدم الدعاية الإسرائيلية.

محمد النعامي نشرت في: 23 يونيو, 2019
بين الصحافة وهندسة الجمهور

تستطيع هندسة الجمهور أن تدفع بناخب للتصويت لصالح طرف في الانتخابات، في المقابل، تكمن وظيفة الصحافة في أن تكشف حقيقة أن الدعم المادي الذي تلقاه طرفٌ من طرفٍ خارجي لتحقيق مصالحه مثلاً، وتبيان الوسائل والأدوات التي استخدمها هذا الطرف للتأثير على الجمهور وتوعيته بها وبمخاطرها.

عمر أبو عرقوب نشرت في: 7 مايو, 2019