تقنية البث الهجين.. الخيال الذي أصبح واقعاً

(ويست وود) 1973: يدخل البطل الروبوت إلى المختبر، في مشهد يظهر كيفية رؤيته للأشياء أمامه؛ مشهد سينمائي انطبع في ذاكرة الملايين حينها ومثّل أول تجربة لدمج الصور الناتجة عن الكمبيوتر (CGI) مع الأفلام المصورة. غير أن ما كان يعد في السبعينيات خيالاً علمياً، أضحى الآن واقعاً يمكن إدراكه بصرياً، من دون أن يصبح ملموساً.      

استخدمت بعض نشرات الأخبار مؤخراً تقنية الواقع المعزز، محدثةً ثورة في مجال الصحافة والإعلام، إذ جعلت من فن صناعة الخبر عالماً متعدد التقنيات يعتمد بجزء أساسي منه على الفنون البصرية والسمعية التي تتم مقاربتها اليوم بطرق تختلف عن أساليب العقود السابقة. لا يخفى على أحد أن التطور في فنون التواصل البصري خلق مجالات عمل لم تكن في الحسبان، فما عادت وظيفة الفنانين البصريين تقتصر على الفنون الدعائية ولا العمل الغرافيكي المطبوع ولا حتى التحريك الثنائي والثلاثي الأبعاد، بل تخطت ذلك نحو المشاركة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي بهدف خلق عالم واقعي معزّز بتقنيات بصرية افتراضية تأخذ المشاهد في رحلة خيالية نحو أبعادٍ كانت في الماضي القريب مجرد وهم بصري.

وبعيداً عن غرف الأخبار، كانت التغطيات الإعلامية للمباريات الرياضية، تستخدم البيانات والغرافيكس المعدة مسبقاً لتتناسب مع حركة الكاميرات (الروبوت أو الآلية) التي تحافظ في كل المشاهد الملتقطة على نفس المسار في التصوير، لتكون النتيجة على صورة بث مباشر لغرافيكس متحركة معدّة مسبقاً تم دمجها بالصورة الملتقطة عبر الكاميرا. كما أن تقنية الإعداد المسبق للغرافيكس المتحركة ودمجها بالواقع يتم استخدامها في نشرات الطقس على عدة قنوات عالمية منذ سنوات.

إنّ اعتماد الذكاء الاصطناعي لتحرير الكاميرات من المسارات الإجبارية المستخدمة سابقاً، بات يشكل اليوم وجهاً من أوجه الثورة في عالم البث المباشر، إذ أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تسمح ببث فيديو يدمج الغرافيكس مع حركة الكاميرا المحمولة باليد وغير المقيّدة بمسار محدد ومعدّ مسبقاً. يحلّل البرنامج المستخدَم للمونتاج أبعاد الصورة الملتقطة بكاميرا اليد مع كل ارتجاجاتها ويحولها إلى بيانات ليحرك من خلالها الكاميرا الافتراضية في برنامج الغرافيكس ثلاثي الأبعاد، فيخلق في النهاية صورة هجينة تجمع المواد الحقيقية مع الافتراضية، تشكل واقعاً معززاً غير مقيد بحدود حركة الكاميرا.

تُعتبَر هذه التقنية بمثابة فجرٍ جديدٍ في عالم البث التلفزيوني إذا ما أضفنا إليها قدرة برامج الذكاء الاصطناعي على خلق وتحريك شخصيات افتراضية عالية الدقة يصعب التمييز بينها وبين الشخصيات الحقيقية لتحل مكان المراسلين أو المذيعين أو حتى الضيوف. فقد أصبح من الممكن خلق نسخة افتراضية عن أي شخص وتحريكها وبرمجتها لإلقاء أي خطاب يتم تلقينه لها، من دون الحاجة لوجود الشخص نفسه في الأستوديو.

هذا كان عالمياً، أما عربياً فقد تم اعتماد تقنية البث الهجين في عدة فضائيات ناطقة باللغة العربية تقع معظمها في خانة القنوات الإخبارية. أما ورقيّاً فقد أطلقت صحيفة الشرق القطرية حملة الواقع المعزز عبر تطبيق "أوريدو" أواخر العام ٢٠١٨ حيث قام عملاء الصحيفة بتمرير هواتفهم فوق النسخة الورقية بينما كانت تظهر الإعلانات بشكل ثلاثي الأبعاد على هواتفهم.

يتقدم العلم يوماً بعد يوم، فارضاً واقعا جديداً معززاً بالغرافيكس الثلاثية الأبعاد التي كان استخدامها في الماضي القريب يعدّ ضرباً من الخيال. لم يقتصر الأمر على الصحافة فقط، إذ أن قطاع الاتصالات العربي أصبح متطوراً لدرجة جعلت من اتصالات الفيديو الثلاثية الأبعاد أو "الهولوغرام" ثورة علمية أنجزتها شركة الاتصالات "فودافون" وأطلقتها بالتزامن مع الإعلان عن تدشين الجيل الخامس من شبكات الإنترنت أواخر آذار- مارس ٢٠١٩.

أصبح هذا النوع من الاتصالات والذي شاهدناه لأول مرة في فيلم "حرب النجوم"، واقعاً في عالمنا العربي وأداة اتصال يسهل استعمالها لنقل فيديو مباشر ثلاثي الأبعاد للأفراد المُتصل بهم. كما أن إدخال تقنية كهذه إلى عالم البث المباشر ينقل التغطية الميدانية المباشرة إلى مستوى جديد نجسّد من خلاله ساحة المعركة داخل الاستوديو، على هيئة واقع معزز مباشر.

تعطينا تلك التقنيات القادمة من عالم صناعة الترفيه مقاربةً جديدة لتحديات بيئة البث، حيث أن هذه التكنولوجيا الجديدة قادرة على خلق تجارب أكثر إقناعًا للمشاهد إن من ناحية إيصال الخبر أو الاتصالات الثلاثية الأبعاد المباشرة. فهل يشكل هذا التطور التكنولوجي تهديداً للعامل البشري في صناعة الخبر وتحويله إلى مادة بصرية؟ أم أنّ قدرة الآلات تبقى محدودةً أمام قدرة العقل البشري؟

المزيد من المقالات

في زمن التحول.. الصحافة لا تموت

حملَتني مهمتي الصحفية الجديدة مع "بي بي سي" إلى إيران، وفي أحد التقارير التي كنت أعمل عليها، ساقتني بعض ال

علي هاشم نشرت في: 13 أكتوبر, 2019
الإعلام التلفزيوني.. لماذا سيظل مهمًّا؟

قد يظن البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي استطاعت صرف نظر الجمهور عن متابعة الأخبار عبر التلفزيون، لكن أحداثاً كبرى مثل الحروب والكوارث والثورات والانقلابات والانتخابات، أظهرت عكس ذلك.

أسامة الرشيدي نشرت في: 24 سبتمبر, 2019
هل من المفترض تدريس المعلوماتية لطلاب الإعلام؟

يفرض التطور الرقمي على الصحفي اليوم تحديات كثيرة، يبرز المقال أدناه أكثرها أهمية ويركز على ضرورة أن تبدأ عملية التأهيل الرقمي من الجامعات، قبل دخول ميدان العمل.

غسان مراد نشرت في: 15 سبتمبر, 2019
دول الخليج.. وأزمة المصادر الصحفية 

تنص أغلب الدساتير الخليجية على حرية التعبير ولكن هناك رقابة تنظيمية وسياسية قوية على محتوى وسائل الإعلام.

خالد كريزم نشرت في: 10 سبتمبر, 2019
ماذا أضاف الموبايل إلى الصحافة؟

نقاش يدور حول ما إذا كانت صحافة الموبايل يجب أن تصنف نوعاً صحفياً جديداً أم لا.

فاتن الجباعي نشرت في: 25 أغسطس, 2019
كيف يكشف الحجاب الفرق بين الصحافة الأميركية والفرنسية؟

تفسير اختزالي يربط بشكل غير مباشر بين الحجاب والتطرف، دون الغوص في لب المشكلة عن أسباب التشنج الفرنسي كلما تعلق الأمر برمز يتعلق بالإسلام.

أيوب الريمي نشرت في: 17 أغسطس, 2019
ما أهمية تبنّي القيم الصحفية في المنصّات التقنية؟

(ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد).

غابرييلا شوارتز نشرت في: 5 أغسطس, 2019
"السيّد جونز".. الصحفي الذي عرف أكثر من اللازم

إنّ عالم الصحافة ما زال على حاله، باستثناء التطوّر التقني الهائل وسهولة الحصول على المعلومة، إلا أنّ سطوة السياسة على الخبر ما زالت موجودة.

شفيق طبارة نشرت في: 15 يوليو, 2019
رحلتي الأولى في الاستقصاء: من مشهدٍ على الطريق إلى القضاء

ليست مهمة الصحافة الاستقصائية حل المشكلات وإنما كشفها للجمهور، لكن تحقيق ابنة الـ 26 عاماً لعب دورا حاسما في إنهاء سنوات من الاستغلال والتعذيب.

جنى الدهيبي نشرت في: 7 يوليو, 2019
انحياز إلى الأيدولوجيا على حساب الحقيقة.. فتّش عن الأسباب

انعكس الاستقطاب السياسي والأيدولوجي على وسائل الإعلام، فأصبح الاحتفاظ بمعايير المهنيّة والمصداقية أمراً في غاية الصعوبة.

همام يحيى نشرت في: 25 يونيو, 2019
كيف يوظف إعلام الاحتلال الصحافة الفلسطينية لخدمته؟   

باتت الصحافة العبرية أهم المصادر الصحفية لوسائل الإعلام الفلسطينية في ما يخص الصراع مع الاحتلال. ولعل أوضح الأمثلة على أنماط النقل عن الإعلام العبري، الذي يخدم الدعاية الإسرائيلية.

محمد النعامي نشرت في: 23 يونيو, 2019
بين الصحافة وهندسة الجمهور

تستطيع هندسة الجمهور أن تدفع بناخب للتصويت لصالح طرف في الانتخابات، في المقابل، تكمن وظيفة الصحافة في أن تكشف حقيقة أن الدعم المادي الذي تلقاه طرفٌ من طرفٍ خارجي لتحقيق مصالحه مثلاً، وتبيان الوسائل والأدوات التي استخدمها هذا الطرف للتأثير على الجمهور وتوعيته بها وبمخاطرها.

عمر أبو عرقوب نشرت في: 7 مايو, 2019
الأرنب داخل القبعة

"القصة بحاجة إلى وقت كي تتطور، والوقت مهم للسماح للأطراف المتضادة بالرد، وهو مهمٌّ أيضا لإعادة قراءة قصة وردت في دورة أخبار الـ24/7 ثم سقطت حين كان على الكاميرا التحرك لتصوير قصة أخرى في مكان مختلف".

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 23 أبريل, 2019
الحكمة تصل متأخرة لتغطية النزاع الكولومبي

أكثر خطر يواجه الصحفيين هو بقاؤهم محاصرين بصورة واحدة لمنظمة ما، دون ملاحظة التغيرات الطفيفة واليومية التي قد لا نلتفت إليها أحياناً. كانت أولى المهام، هي مقاومة الأحكام المسبقة: الحرب ضد الإرهاب مثلاً، تجعلنا نفكر أن المنظمات المسلحة "إرهابية".

فيكتور دي كوريا لوغو نشرت في: 11 أبريل, 2019
بين الآنية والمتأنية.. هل تنجح الصحافة الرقمية؟

إذا أردنا تحديد موقع الصحافة الآنية داخل مساحةٍ يُحتمل فيها قبول المستويات المختلفة من العمق والتفريعات الصحفية، فيجب أن نتقبل حقيقة الإعلام الرقمي.. إنه المساحة الوحيدة التي يمكن خلالها للصحافة المتأنية أن تزدهر بجانب الصحافة الآنية.

محمد الشاذلي نشرت في: 8 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
كيف تحارب الصحافة المتأنية الوجبات السريعة؟

تسعى الصحافة المتأنية للحفاظ على قيم الصحافة الأصيلة، وتتصدى للأخبار والتحليلات السريعة التي تمنح شعورا بالشبع المعرفي، رغم أضرارها على صحة المتلقّي "المعرفية".

محمد خمايسة نشرت في: 28 مارس, 2019
كيف ساهم الإعلام الاجتماعي في حراك الجزائر

أظهرت الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر وعي شعوب المنطقة بالمنظومة السياسية التي تحكمهاـ ما جعلها تتبنى الإنترنت كفضاء عام لها، بعد أن تم الاستيلاء على الشارع، لتعبر عن آرائها ومواقفها، ولتبرهن مرة أخرى أنها متابعة لشأنها الخاص، وليست انعزالية كما كانت توصف.

عادل خالدي نشرت في: 17 مارس, 2019
بوتفليقة: "الشبح" الذي حمّله الإعلام أكثر مما يحتمل!

مع المظاهرات الأخيرة، برز هذا السؤال في ذهني بعدما أصبح "ظهور" الرئيس المريض طاغياً في وسائل الإعلام، يترشّح ويتراجع، كأي سياسي عادي يكافح لإنقاذ مستقبله السياسي في عزّ أزمة حادة تسبق الانتخابات.

سهام أشطو نشرت في: 14 مارس, 2019
الأوروبيون يفقدون الثقة في الإعلام.. فتش عن اليمين المتطرف

الدراسة الفرنسية أظهرت أن التلفزيون وإن حافظ على صدارة وسائل الإعلام المفضلة لدى الفرنسيين، إلا أن الثقة فيه تراجعت بنسبة 10% في ظرف سنة واحدة فقط.

أيوب الريمي نشرت في: 12 مارس, 2019
"المواطن كين".. تاريخ الصحافة على الشاشة الكبيرة

يظهر كين في بداياته، واضعاً الخطط والجداول، ماذا سينشر؟ وماذا سيقول؟ في المقام الأول أراد خدمة الناس، أراد مصلحة العمال وتقديم ما يهم المتلقّي. ومع مرور الوقت بدأ مساره المهني بالانحراف.

شفيق طبارة نشرت في: 10 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
ترمب.. امتحان الموضوعية في وسائل الإعلام الأميركية

الحقيقة وترمب (Truth Trump)، باللعب بهاتين الكلمتين قررت مجلة نيمان ريبورت، المتخصصة بالصحافة والصادرة عن جامعة هارفارد الأميركية عنونة عددها الصادر خريف 2016، لمراجعة مهنية التغطيات الصحفية للانتخ

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 6 فبراير, 2019
حميد دباشي: قريب وشخصي

في عصر "الأخبار الكاذبة" و"الحقائق البديلة" و"ما بعد الحقيقة" لا يزال السؤال المطروح هو كيف نعرف ما الذي نعرفه فعلاً عن العالم؟… من يقول الحقيقة؟ ما هي الحقيقة؟ ما أهمية ذلك أساساً؟

حميد دباشي نشرت في: 5 فبراير, 2019