أزمة الإعلام اللبناني.. هل من ضوء في آخر النفق؟

بعد 26 عاما على انطلاقتها، أقفلت شاشة "المستقبل" اللبنانية وأسدلت الستار على إمبراطورية إعلامية أسسها رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري، ليفقد هيكل الإعلام اللبناني أحد أبرز أعمدته.

من بيروت، خرجت قناة "المستقبل" عام 1993 من تحت ركام الحرب الأهلية اللبنانية، فكان حضورها تحدّيًا للأوضاع الصعبة التي كانت تمر بها البلاد، فحملت رسائل الوحدة وبثت روحا جديدة في بيوت جميع اللبنانيين.

ساهمت القناة في رسم صورة جديدة للإعلام اللبناني، وحجزت له مقعدا بين أهم الوسائل الإعلامية العربية، وشكّلت عماد الحقبة الذهبية للإعلام اللبناني. 

ومع اغتيال الحريري عام 2005، دخلت "المستقبل" في نفق أسود. ومع ما تبع الاغتيال من أحداث سياسية وأمنية صعبة، صمدت القناة رغم إحراق مبنى الروشة الخاص بها عام 2008. 

بداية الأزمة المالية كانت في العام 2013، وسرعان ما تفاقمت لتشتد في العام 2017، ليعلن الموظفون في أغسطس/آب 2019 إضرابهم عن العمل ووقف نشرات الأخبار والبرامج السياسية والعامة، بعدما تقطّعت بهم السبل، اعتراضًا على نكث الإدارة وعودها حول تسديد مستحقاتهم المالية المتراكمة، لتنتهي القناة إلى النفق المسدود مرة أخرى. 

ومع إعلان رئيس الحكومة وقتها سعد الحريري تعليق العمل في القناة وتصفية حقوق العاملين والعاملات، طويت صفحة أساسية من تاريخ الإعلام المرئي اللبناني.

قد تكون أزمة قناة "المستقبل" هي الأبرز في المشهد الإعلامي، ولكنها بالتأكيد ليست الوحيدة، بل إن سلسلة من الضربات تلقاها قطاع الإعلام أدّت إلى تنفيذ خطط لإعادة الهيكلة.

 

الإعلام التقليدي "يغرق"
أما بالنسبة إلى صحيفة "المستقبل" المملوكة لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، فتحوّلت إلى موقع إلكتروني باسم "المستقبل ويب". وبدورها، أعلنت قناة "القدس" الفلسطينية توقفها رسميا عن العمل، وإغلاق مكاتبها في لبنان وقطاع غزة، بسبب الأزمة المالية التي تعصف بها، والتي حالت دون استمرارها في أداء رسالتها الإعلامية، وهو ما زج بالعاملين فيها في قائمة العاطلين عن العمل بعدما عانوا على مدى أشهر طويلة من عدم صرف رواتبهم بفعل الديون التي أثقلت كاهل القناة.

كما أدّت الأزمة قبل ذلك إلى إقفال عدد من الصحف مثل صحيفة "السفير"، بالإضافة إلى مكتب صحيفة "الحياة" الرئيسي في بيروت، وسرحت صحيفة "النهار" عددا كبيرا من موظفيها، وأقفلت مؤسسة "الصياد" التي تُصدر صحيفة "الأنوار" وغيرها من المجلات التي استسلمت.

مظاهر الأزمة ليست جديدة على الشاشات وعلى الصحف كذلك، فقد بدأت مع تدهور الأوضاع في الدول العربية المجاورة قبل سنوات، إلا أن الأسباب المالية كانت أهم العوامل التي عمقت "المجزرة الجماعية" بحق منظومة الإعلام في لبنان. ذلك أن الدول التي كانت تدعمه بحثا عن خدمة أجندتها، استغنت عن جزء كبير من الدعم المالي، فكان طبيعيا بعد ذلك أن تغرق في الأزمات المالية المتتالية.

ويمكن قراءة هذا التحول بكون تلك الدول لم تعد تحتاج إلى وسائل إعلام لبنانية لتمرير رسائلها، فصارت تعمد مباشرة إلى تمويل وسائل خاصة بها، فضلا عن تراجع سوق الإعلانات التي تأثرت بالأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد. وهذا التراجع سبّب انكماشا إعلانيا انعكس على الإعلام.

بصيغة أخرى، فإن تراجع النمو الاقتصادي في البلاد، كان وراء كساد سوق الإعلانات بشكل مباشر.

ويخشى الإعلاميون تردي مهنة الصحافة وتراجع معاييرها على نحو قد يطيح بالصحافة اللبنانية التي شكلت مدرسة من مدارس الصحافة العربية في العقود الأخيرة. ولعل أكبر هذه المخاوف يأتي من الصحافة الإلكترونية التي باتت تهدد وسائل الإعلام التقليدية بالانقراض.

 

هواجس عالمية
هواجس انقراض الصحافة المكتوبة وتراجع جزء من الإعلام التقليدي على وجه الخصوص، ليست عربية خالصة، فقد شهدنا توقف عدد من الصحف العالمية عن الصدور، ومؤخرًا كانت صحيفة "الإكسبرس" الأميركية الشهيرة تودع قراءها بعنوان "نتمنى أن تستمتعوا بهواتفكم الحقيرة".

لقد دخلنا منذ زمن، عصر صحافة الهواتف حيث تحول كل من يحمل هاتفا محمولا إلى مراسل وصحفي يمكن أن يوثّق ويقدم للقارئ -القريب والبعيد- المعلومة بسرعة كبيرة، وصار مؤسسة إعلامية فردية مؤثرة، وقد يحقق أرباحا مقابل الإعلانات التي يضعها على حسابه. لذلك، من المفهوم أن تنشئ وسائل الإعلام حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للتعامل مع التغيير الهائل في أساليب التغطية والتأثير الإعلامي.

هي غيمة سوداء تخيّم على كل المحطات المحلية تقريبا، ولا يبدو أنها ستشهد انفراجات مالية وشيكة! وهو ما دفع نقابة محرري الصحافة اللبنانية إلى تنظيم اعتصام في أغسطس/آب الماضي احتجاجا على الإهمال الرسمي لهذا القطاع وإغفال مطالبه.

ومع إطلاق لبنان صفارات الإنذار بالإعلان عن دخول البلاد في حالة طوارئ اقتصادية لمواجهة آثارها، لم يكن أمام الإعلاميين إلا أن يخرجوا بمبادرة لإطلاق نقابة صحافة بديلة عن النقابة الحالية، تدافع عن حقوقهم وتحد من الأزمة التي تعصف بالإعلام في لبنان. 

 

* الصورة: صلاح ملكاوي - غيتي

المزيد من المقالات

"هذا ليس فيلمًا".. عن قصة روبرت فيسك

"يجب أن تبحث عن الحقيقة في الميدان"، هذه كانت وصية روبرت فيسك الأخيرة التي خلدها "هذا ليس فيلما" للمخرج بونغ تشانغ. يروي فيسك قصته مع الراغبين في إخفاء الحقيقة وتبني رواية واحدة هي رواية الغرب دون تمحيص ودون مساءلة السلطات.

شفيق طبارة نشرت في: 29 نوفمبر, 2020
الغرب يشكل "مخيالا" عربيا جديدا

قبل سنوات أصدر المفكر المغربي حسن أوريد كتابه "مرآة الغرب المنكسرة". كان من بين محاوره الكبرى أنه يسعى إلى التدخل عن طريق الإعلام لتشكيل رأي عام جديد. في المقال، شرح مفصل لكيفية توافق الرؤى الإعلامية بين الغرب وتوجهات الأنظمة العربية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

حسن أوريد نشرت في: 24 نوفمبر, 2020
الانتخابات الأميركية.. رحلة الصحفي عكس التيار

بينما كان معظم الصحفيين مأسورين بصورهم أمام البيت الأبيض أو في التجمعات الانتخابية، كان موفد الجزيرة إلى العاصمة الأميركية محمد معوض يبحث عن القصص الإنسانية العميقة في الضواحي والهوامش. اختار معوض أن يتحرر من الأرقام ومن الرأي والتحليل، كي يبحث عن زوايا قد تسعف في فهم السياق الثقافي والاجتماعي الأميركي.

منتصر مرعي نشرت في: 29 أكتوبر, 2020
الصحافة الأميركية.. محاولة لفهم السياق

الصحافة أصبحت مرآة عاكسة لحجم الانقسام الثقافي والأيدولوجي الحاد الذي يعيشه المجتمع الأميركي. ومع قرب الانتخابات الرئاسية، يبدو من المهم جدا أن يفهم الصحفي العربي كيف تتفاعل وسائل الإعلام مع قضايا المجتمع الحيوية.

محمد معوض نشرت في: 28 أكتوبر, 2020
الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

ليس من أهداف الصحفي أن يصير بطلا أو مشهورا، لكن الكثير منهم أغرتهم الأضواء، وقد غذّت وسائل التواصل الاجتماعي هذه "الموضة". الشهرة تقتل الإبداع، وتحيل الصحفي من ناقل للحقيقة إلى مهووس بالظهور والاستعراض.

عبد الله السعافين نشرت في: 14 أكتوبر, 2020
"كوبا والمصور".. حينما تمتزج الصحافة بالتعاطف

كان الوحيد الذي يسأل كاسترو في حوار مباشر: هل ترتدي سترة رصاص؟ هل تشرب البيرة؟ الصحافي الأميركي جون ألبرت استطاع على مدى عقود أن يصبح "مؤرخا" لتاريخ كوبا من بدايات الثورة الحالمة إلى انكساراتها، لتتحول شهادته إلى فيلم وثائقي مشحون بالعواطف.

شفيق طبارة نشرت في: 5 أكتوبر, 2020
الصحافة الاستقصائية العلمية.. الرحلة من الشك إلى اليقين

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

صارت الصحافة في خندق واحد مع التوّاقين لإسقاط الأنظمة لاسيما بعد موجة الربيع العربي. هكذا تمددت المساحة الرمادية الصحافة والنضال.

أنس بن صالح نشرت في: 13 أغسطس, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020