عن الفيتشر والأنسنة الصحفية

برزت تقارير القصص الإنسانية -أو ما تسمى تقارير الفيتشر- كنوع جديد من التقارير الصحفية التي تتجاوز وظيفتها مجرد نقل الخبر، إلى حمل الهم الإنساني والكشف عن خفايا شريحة كبيرة من الناس تعيش أوضاعا مريرة قلّما تسلط عليها الأضواء، وهي مهمة تعجز عن القيام بها قوالب أخرى من التقارير الصحفية تراوح بين صياغة الخبر والتزام المحرر بالسياسات التحريرية الجامدة.

حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان يعتبر هذا النوع من التقارير ثانوياً في نشرات الأخبار وصفحات الجرائد المتخمة بأحوال السياسيين والمشاهير وأصحاب المال والسلطة، وكان دور الصحفي ينحصر في رصد الحدث الذي يصنعه الساسة، إلى أن ظهرت الصحافة الإنسانية لتعيد ترتيب الأدوار وتوجه الاهتمام إلى أولئك المهمشين في متن الخبر، المستضعفين خلف ظلال بعيدة لا تصلها عدسات المصورين.

وتجلى بزوغ هذا النوع من الصحافة في تصدّر صورة الطفلة "كيم فوك" الهاربة من قنابل النابالم، مشاهد الحرب الفيتنامية، لتصبح تلك الطفلة الحافية العارية محور الحدث ومركز اهتمام العالم، وليس ظهور الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون معلقا على الحرب.

وفي وقت لاحق، جاءت قصة الطفلة البشتونية شربات جولا التي أصبحت العنوان الأبرز في الحرب السوفياتية على أفغانستان، وليس التدخل السوفياتي لدعم الحكومة الأفغانية.

مثل هذه الصور والقصص التي تحمل بُعدا إنسانيا واجتماعيا، كانت سببا في اتخاذ قرارات تاريخية هامة، فصورة الطفلة الفيتنامية التي أسالت الكثير من الحبر، أوقفت الحرب الأميركية على فيتنام عام 1975. كما ساهمت صورة الطفلة البشتونية وما تبعها من تقارير ومقالات ذات صلة، في لفت أنظار العالم إلى معاناة الأطفال الأفغان تحت وطأة الحرب التي اندلعت في ثمانينيات القرن الماضي، فكانت تلك الحقبة تأسيسا لتفتح الوعي على مدى تأثير الصورة والكلمة في تشكيل وتحشيد الرأي العام بعيدا عن منابر الساسة وخطاباتهم الإنشائية.

 

دور التحرير الصحفي

كل ما سبق، يضعنا أمام طبيعة الدور الذي ينبغي أن يقوم به التحرير الصحفي الحر أو المتحرر من الأطر الكلاسيكية الجامدة، باعتباره محور العملية الإعلامية التي تقوم على نقل الصورة أو الخبر إلى المتلقي، انطلاقا من الإنسان وإليه.

ويقع هذا الدور على عاتق المحرر ومدى قدرته على توظيف مهاراته الأدبية للمزج بين السياسي والإنساني في قصته الصحفية. فالفيتشر سواء كان سياسيا أو اجتماعيا، يستدعي أن يكون لدى الصحفي مهارات خاصة قد لا يحتاجها محررو الأخبار الملتزمون بسياسات تحريرية محددة، مثل: مهارات بناء الأفكار، والسرد الدرامي، والقدرة على توظيف الصور والمفردات ضمن تراكيب لفظية تثري المساحة الأدبية في النص.

وهذه متطلبات قد يرى فيها البعض غلوًّا، لكنها أساسية وضرورية، وتكاد تكون شرطا للخوض في هذا المضمار، لذلك يعتبر الفيتشر أحد أصعب أنواع الفنون الصحفية، إن لم يكن أصعبها.

 

أنسنة القصة الصحفية

يمثل البعد الإنساني محور العملية الإبداعية في كتابة الفيتشر الصحفي، ودون توفر هذا البعد لا قيمة لأي قصة صحفية مهما كانت واقعية، وبالتالي فإن أنسنة القصة أو الخبر هو المدماك الأول في بناء التقرير، ومن ثم تأتي الخطوات التالية تباعا.

فعلى سبيل المثال، إعداد تقرير إخباري يتناول ارتفاع معدلات التلوث في العاصمة الصينية بكين، ومساعي الحكومة للحد من آثاره باللجوء إلى تعزيز وسائل النقل الصديقة للبيئة، لن يترك أثرًا في نفوس المتابعين باعتبار أن الخبر محلي وتداعياته كذلك.

لكن، لو تم إعداد تقرير "فيتشر" يسلط الضوء على قصة أمّ أصبحت بلا معيل بعدما فقدت زوجها وابنها الوحيد نتيجة إصابتهما بأمراض خلفها التلوث كسرطان الرئة، فإن الأثر الذي ستخلفه القصة سيكون أكبر، لأن مأساة هذه الأم ستلامس قلوب آخرين وإن كانوا على بُعد قارة من الصين.

ولا ضير هنا ما دمنا نتناول القصة الصحفية بإطارها الأدبي، أن نستشهد بتأثير الأنسنة وتطبيقها في ألوان أخرى غير الصحافة، كالشعر مثلا. ففي ديوانه الشعري "حالة حصار"، عمد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش إلى أنسنة عدوه الإسرائيلي، وقد تجلى ذلك في قصيدة "إلى قاتل"، حين خاطبه قائلا:
"لو تأملت وجه الضحية..
وفكرت،
كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز،
كنت تحررت من حكمة البندقية..
وغيّرت رأيك:
ما هكذا تستعاد الهوية".

أثر هذه الكلمات دفع منظمات سلام إسرائيلية تترجم القصيدة إلى اللغة العبرية، ليصل معناها إلى ذاك الجندي الذي أفرغ حمولة طائرته فوق رؤوس الأطفال في غزة، ذات حرب لم تبق ولم تذر.

أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن أهم ما يميّز تقارير الفيتشر أنها حية، وبالتالي يمكن قراءتها في كل زمان ومكان، لأنها لا تنتهي بانتهاء الأحداث التي أوجدتْها كما هو الحال في الأخبار، لذلك يتلقاها الناس اليوم وبعد حين بنفس الشغف، لأنها قصص قريبة منهم وُلدت من رحم الإنسانية.

المزيد من المقالات

الصحافة الاستقصائية العلمية.. البحث عن الحقيقة وسط كومة أرقام

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

صارت الصحافة في خندق واحد مع التوّاقين لإسقاط الأنظمة لاسيما بعد موجة الربيع العربي. هكذا تمددت المساحة الرمادية الصحافة والنضال.

أنس بن صالح نشرت في: 13 أغسطس, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020
أين ينتهي عمل الصحفي ويبدأ دور الناشط؟

بين الصحافة والنشاط السياسي مساحة توتر ومنطقة سلام.. يتنافران، لكن يتقاطعان في آن. هذه قصص عن حدود التماس بينهما.

مايكل بلاندينغ نشرت في: 22 أبريل, 2020
السادسة مساء بتوقيت كورونا

توقف زحف صحافة الفضائح والتشهير أثناء أزمة كورونا. وسائل الإعلام الجادة، بدأت تستعيد جزءاً من "الساحة"، وصار الصوت الأعلى، هو صوت المعلومة الصحيحة من مصادرها الدقيقة.

يونس الخراشي نشرت في: 12 أبريل, 2020
الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

"لو كان الفيسبوك موجودا في الثلاثينيات لسمح ببث الخطاب النازي لهتلر".. عبارة لممثل كوميدي مشهور تختصر مأزق وسائل التواصل الاجتماعي مع الدعاية السياسية.

محمد موسى نشرت في: 29 مارس, 2020
الرقابة الذاتية.. "الأنا الأعلى الصحفي"

داخل غرف التحرير، ليست الأنظمة وحدها من تستثمر في الخوف، أو تصادر الحق في التعبير، بل إن المعلنين، والشعور العام، والتقاليد، والأعراف، والدين، والعلاقات الخاصة مع رجال السياسة، كلهم يمارسون تأثيرا بالغا على عمل الصحفيين.

محمد أحداد نشرت في: 23 مارس, 2020
تغطية أزمة كورونا.. العلم ضد الإشاعة

الداء القديم/الجديد الذي صاحب أزمة كورونا هو الأخبار المزيفة. الصحافي لا يملك سوى طوق نجاة وحيد: الاحتماء بالعلم والمختصين أثناء تغطيته اليومية..

عبد الكريم عوير نشرت في: 19 مارس, 2020
كيف تختار ضيف فيلمك الوثائقي؟

في الفيلم الوثائقي، لا يمكن اختيار الضيوف بطريقة عبثية. الانسجام مع الموضوع، وإضافة أبعاد وحقائق جديدة للقصة الصحفية، وعدم تقييد حرية الفيلم؛ مواصفات يجب أن تتوافر في الضيف. هذه قصص حقيقية عن النقاش بين معدي الأفلام والمنتجين حول شروط المشاركة في الوثائقيات.

خالد الدعوم نشرت في: 15 مارس, 2020
التحقيقات من المصادر المفتوحة.. ضيف جديد على غرف الأخبار

كشف حقيقة إسقاط الطائرة الأوكرانية بإيران، وإثبات تورط مصر في دعم جيش حفتر، دلائل على فعالية التحقيق من المصادر المفتوحة. فهل ستجد هذه الأداة طريقها سالكة إلى غرف الأخبار خلال العام 2020؟

لحسن سكور نشرت في: 8 مارس, 2020