التحقيقات من المصادر المفتوحة.. ضيف جديد على غرف الأخبار

 

"تحقيقات المصادر المفتوحة في طريقها إلى الجماهيرية".. وقعت عيني على هذه الجملة وأنا أقرأ تقريرا في مجلة "نيمان لاب" أعدته حول أبرز التوقعات لعام 2020، ضمن تقليد دأبت عليه المجلة مطلع كل عام. 

مع نهاية كل عام، تستطلع المجلة آراء بعض أمهر الصحفيين وأكثرهم كفاءة عبر العالم، والهدف بسط توقعاتهم وتحليلاتهم لما قد يحفل به العام الجديد للصحافة وصناعة الإعلام الرقمي واتجاهات الجمهور.

ضمن هذه التوقعات، رأى أحد هؤلاء الصحفيين أن التحقيقات من المصادر المفتوحة تتجه في العام 2020 إلى الجماهيرية، ذلك أنها بدأت تفرض نفسها -ولو تدريجيا- على صناع القرار التحريري في غرف الأخبار.

 قد يكون هذا التوقع/ الاستنتاج موغلا في التفاؤل، بحكم أن التحقيق الصحفي بمفهومه التقليدي يبقى مكلفا ماليا وزمنيا، ويحتاج في غالب الأحيان إلى مصادر صحفية حصرية للحصول على المعلومات. ليس ذلك فحسب، بل إن الحكومات وأقطاب المال والأعمال يتفننون في إخفاء المعلومات والأدلة التي قد تدينهم في قضايا مثل الفساد وسوء الحكامة والاتجار بالبشر والإضرار بالبيئة، وغيرها من المخالفات الشائعة. 

غير أن بعض الوقائع والقضايا في السنوات الثلاث الماضية، أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن التحقيق بمفهومه التقليدي ومنهجية عمله المعهودة، قد لا يكون السبيل الوحيد للتقصي، والفضل يعود في ذلك إلى الإمكانيات الهائلة التي باتت توفرها المصادر المفتوحة للصحفيين.

وفي هذا المقال سنتعرف على مفهوم التحقيقات المفتوحة المصادر، ونماذج من القضايا التي كان فيها الفضل لهذا النوع من الصحافة، مع تسليط الضوء على فرص نجاحه في اقتحام غرف الأخبار مستقبلا.

 

ما هي التحقيقات المفتوحة المصادر؟

التحقيقات المفتوحة المصادر مفهوم جديد على التداول اليومي للصحفيين، لم يكسب بعدُ شهرة واسعة ولم يتعرض للتنظير بالشكل الكافي، ويشار إليه في لغة الصحفيين الحديثة بالتعبير الإنجليزي "أوسينت" (OSINT)، وهو اختصار لعبارة "Open Sources Intelligence". 

تشكل الخرائط ووسائل التواصل الاجتماعي وبيانات الطقس ومواقع رصد حركة الطيران المدني والعسكري وغيرها، العمود الفقري للتحقيقات المفتوحة المصادر. وقد تحولت في الآونة الأخيرة إلى روافد رئيسية لإنجاز تحقيقات استقصائية عن قضايا بالغة التعقيد لا تقل أهمية عن التحقيقات الاستقصائية التقليدية.

بدأ الأمر في البداية كهواية لدى بعض الصحفيين، ففي يوليو/تموز 2014 أسس الصحفي والمدون البريطاني إليوت هيغينز موقع "بلينغات" للتحقيقات الرقمية، وسطع نجمه في سماء الإعلام الرقمي عقب نشره تحقيقات من المصادر المفتوحة عن قضايا مثل قصف النظام السوري للغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي، والتوصل إلى نتائج تثبت إسقاط روسيا للطائرة الماليزية المعروفة اختصارا باسم "أم.إتش17".

وبفضل جهود الصحفي البريطاني ومنصة "بلينغات"، أصبحت التحقيقات المفتوحة المصادر منهجا وقالبا صحفيا يزداد الاعتماد عليه في غرف الأخبار عبر العالم، بل إن مشاريع صحفية من هذا النوع حصلت على جوائز قيمة، والنموذج هنا من منصة "عين أفريقيا" التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية.

 

لغز الطائرة الأوكرانية.. الحجة

صباح الأربعاء 8 يناير/كانون الثاني 2020، استيقظ العالم على حدثين عالميين بارزين، قصف إيراني على قواعد عراقية تستضيف قوات أميركية، وتحطم طائرة ركاب أوكرانية بعد دقائق من إقلاعها من مطار الإمام الخميني في طهران. 

طوال اليوم الأول، لم تلتفت الكثير من وسائل الإعلام الدولية إلى حادثة تحطم الطائرة الأوكرانية، وهذا ربما أمر مفهوم، فهجوم الإيرانيين على قواعد تستضيف قوات أميركية حدث جلل من وجهة النظر الصحفية، إذ هو تطور كبير في سياق التصعيد الأميركي الإيراني عقب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في غارة أميركية قرب بغداد.

وبينما استبعدت الحكومة الإيرانية منذ اليوم الأول فرضية إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ خلال ليلة الهجوم على القواعد العراقية، دخل صحفيون غربيون على الخط. مقطع فيديو ومسار تحليق الطائرة من موقع متخصص وخرائط غوغل، كانت كافية لنسف الرواية الرسمية الإيرانية وترجيح كفة فرضية إسقاط الطائرة بصاروخ.

تمكن موقع "بلينغات" بالتعاون مع صحيفة "نيويورك تايمز" من التقصي عن فرضية إسقاط الطائرة، وباستخدام مشاهد من مقطعي فيديو من مواطن كان يقطن في منطقة سكنية مجاورة لمكان تحطم الطائرة الأوكرانية، بالإضافة إلى بيانات تحليق الطائرة ومسارها من موقع "فلايت رادار"، وخرائط غوغل لمحيط موقع التحطم، جرى إثبات الفرضية، فاضطرت السلطات في طهران إلى الاعتراف بإسقاط الطائرة نتيجة ما قالت إنه خطأ بشري من الحرس الثوري الإيراني.

عربيا، لا تزال التحقيقات المفتوحة المصادر أمرا غير مألوف في غرف الأخبار. بيد أن ما يثير الاهتمام أن بعض المؤسسات الإعلامية العربية بدأت تؤمن بقدرة المصادر المفتوحة على تسليط الضوء على بعض القضايا الأكثر تعقيدا.

في قناة "الجزيرة" مثلا، جرى تأسيس وحدة الرصد والتحقق داخل القطاع الرقمي لشبكة الجزيرة الإعلامية، بهدف مسايرة التجارب العالمية الرائدة في رصد المحتوى من المصادر المفتوحة والتحقق منه.

في ديسمبر/كانون الأول الماضي، رصدنا في الوحدة من خلال لقطات تلفزيونية بثها الإعلام الحربي التابع لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وجود مدرعات عسكرية يشتبه في أنها مصرية، ضمن عتاد عسكري أثناء تدريبات عسكرية. 

استطعنا بالاعتماد على صور ومقاطع فيديو في مواقع التواصل ومواقع متخصصة في التسليح من إثبات أن المدرعات فعلا مصرية أميركية الصنع، وجرى تزويد قوات حفتر بها من قبل الجيش المصري، وهي جزء من حملة الدعم التي توفرها مصر لحليفها في الشرق الليبي رغم وجود حظر دولي على تصدير الأسلحة إلى ليبيا.

 

ضيف جديد على غرف الأخبار

بالعودة إلى السؤال المطروح في مقدمة هذا المقال، يتوقع مراقبون لمسيرة الإعلام الرقمي وتطوراته المتسارعة أن تجد التحقيقات المبنية على المصادر المفتوحة موطئ قدم في غرف الأخبار داخل المؤسسات الإعلامية خلال العام 2020.

ولعل ما يدعم هذه الفرضية هو الاعتماد المتزايد من قبل وسائل الإعلام على المصادر المفتوحة في التغطية الصحفية، وبدء هذا النوع من الاستقصاء الصحفي من كسب الاعتراف والفوز بجوائز مرموقة.

وحتى يتحقق هذا المراد، لا بد في البداية أن يضع الصحفيون رواد التحقيقات من المصادر المفتوحة مناهج علمية وإستراتيجيات عملية لتنفيذ هذا النوع من الاستقصاء الصحفي. كما يقتضي الأمر وضع معايير أخلاقية للتعامل مع هذه المصادر، وطريقة استغلالها في التحقيق الصحفي، حتى لا تتقاطع في جوانب منها مع عمل وكالات الاستخبارات.  

 

* الصورة من موقع "بيلينغات". 

المزيد من المقالات

الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

ليس من أهداف الصحفي أن يصير بطلا أو مشهورا، لكن الكثير منهم أغرتهم الأضواء، وقد غذّت وسائل التواصل الاجتماعي هذه "الموضة". الشهرة تقتل الإبداع، وتحيل الصحفي من ناقل للحقيقة إلى مهووس بالظهور والاستعراض.

عبد الله السعافين نشرت في: 14 أكتوبر, 2020
"كوبا والمصور".. حينما تمتزج الصحافة بالتعاطف

كان الوحيد الذي يسأل كاسترو في حوار مباشر: هل ترتدي سترة رصاص؟ هل تشرب البيرة؟ الصحافي الأميركي جون ألبرت استطاع على مدى عقود أن يصبح "مؤرخا" لتاريخ كوبا من بدايات الثورة الحالمة إلى انكساراتها، لتتحول شهادته إلى فيلم وثائقي مشحون بالعواطف.

شفيق طبارة نشرت في: 5 أكتوبر, 2020
الصحافة الاستقصائية العلمية.. الرحلة من الشك إلى اليقين

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

صارت الصحافة في خندق واحد مع التوّاقين لإسقاط الأنظمة لاسيما بعد موجة الربيع العربي. هكذا تمددت المساحة الرمادية الصحافة والنضال.

أنس بن صالح نشرت في: 13 أغسطس, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020
أين ينتهي عمل الصحفي ويبدأ دور الناشط؟

بين الصحافة والنشاط السياسي مساحة توتر ومنطقة سلام.. يتنافران، لكن يتقاطعان في آن. هذه قصص عن حدود التماس بينهما.

مايكل بلاندينغ نشرت في: 22 أبريل, 2020
السادسة مساء بتوقيت كورونا

توقف زحف صحافة الفضائح والتشهير أثناء أزمة كورونا. وسائل الإعلام الجادة، بدأت تستعيد جزءاً من "الساحة"، وصار الصوت الأعلى، هو صوت المعلومة الصحيحة من مصادرها الدقيقة.

يونس الخراشي نشرت في: 12 أبريل, 2020
الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

"لو كان الفيسبوك موجودا في الثلاثينيات لسمح ببث الخطاب النازي لهتلر".. عبارة لممثل كوميدي مشهور تختصر مأزق وسائل التواصل الاجتماعي مع الدعاية السياسية.

محمد موسى نشرت في: 29 مارس, 2020
الرقابة الذاتية.. "الأنا الأعلى الصحفي"

داخل غرف التحرير، ليست الأنظمة وحدها من تستثمر في الخوف، أو تصادر الحق في التعبير، بل إن المعلنين، والشعور العام، والتقاليد، والأعراف، والدين، والعلاقات الخاصة مع رجال السياسة، كلهم يمارسون تأثيرا بالغا على عمل الصحفيين.

محمد أحداد نشرت في: 23 مارس, 2020