كيف تختار ضيف فيلمك الوثائقي؟

في أحد الأفلام التي عملتُ عليها، وقعتُ في مشكلة مع زميلي المخرج حول ضيوف الفيلم الذي كان يتتبع قصة توغّل الجيش التركي في المنظومة السياسية التركية، ويبحث في انعكاساته على المجتمع والدولة والاقتصاد.

كنت قد وضعت قائمة ضيوف أغلبهم من الأكاديميين الذين درسوا ظاهرة تغوّل العسكر التركي، ولكن زميلي المخرج اعترض على القائمة وطلب أن تكون أغلبها من العسكريين، وثلثها من الأكاديميين. كما طلب أن يكون وزير الدفاع أو رئيس الأركان ضمن ضيوف الفيلم، فوقعنا في أزمة! كيف نخرج منها إذن؟

بطبيعة الحال، للأفلام الوثائقية التلفزيونية (التي تنتج لصالح التلفزيون) خصوصية كبيرة، فهي لا تخضع لقوانين أو أحكام واضحة، فتختلف بحسب الجهة المنتجة وتصوّر المنتج وما الذي يريده من الفيلم وما الذي يريد أن يصل إليه، فالمنتج هو القانون الذي يرسم الخطوط غالبا.

وفي فيلمنا، سنخضع لرؤية المنتج وسنحاول رسم ملامح لصورة اختيار الضيوف إذا كان تدخله محدودًا. 

كنت قد بدأت بكتابة التصوّر الموضوعي الذي سيحدد معالم الفيلم، وبالتعاون مع المنتج قررنا أن نشرح قصة تدخل الجيش التركي في السياسة وانعكاساته من خلال نخبة من الأكاديميين المتخصصين في الشؤون المدنية والعسكرية الذين درسوا هذه الحالة، حيث يمكن أن يقدموا لنا مادة تفسيرية وتحليلية جديدة مختلفة عن القصة التي يرويها العسكريون الذين هم في الغالب شهود عيان يروون للمشاهد قصة انقلاب وقع في تركيا، وكيف استطاع الجيش السيطرة على مفاصل الدولة عبر بيان متلفز.

قصة من هذا النوع سمعها المشاهد كثيرًا وقرأها غير مرة، ولم يعد هناك شخص لا يعرف قصة انقلاب الجيش التركي على عدنان مندريس وإحكام سيطرته على الدولة عام 1960.

ولكن قلة فقط من المتابعين العرب رصدوا التباين في الانقلابات العسكرية التركية الأربعة، أو كيف أثر التغول العسكري على بنية المجتمع وفكره وعلى علاقة المدنيين بجيشهم ونظرتهم إليه؟

هذه أسئلة بطبيعة الحال قد تبدو جديدة على الفيلم الوثائقي العربي، إذ انحصرت الإجابة عنها عبر أوراق بحثية أكاديمية.

حين وضعت أسس الحلقة بناء على هذه الركائز التي -كما قلنا سابقا- تبحث في تفسير الظاهرة وتحليلها، وتغوص في أسئلة "لماذا وكيف" أكثر من أسئلة "هل ومتى وأين".. فكرتُ قبل كل شيء في البحث عن ضيوف يستطيعون فكها بعيدا عن المعطيات المعروفة.

 

كيف نختار الأكاديمي ونقيم أهميته من عدمها؟

القصة هنا بسيطة.. يكفي حصر المراكز البحثية الأكاديمية المهتمة بالموضوع - وما أكثرها- والبحث فيها عن دراسات وأوراق بحثية عن العلاقات المدنية العسكرية التركية ودراستها، والبحث عن كاتبها وإنجاز ملخص عن الدراسة وعن الضيف، ثم تجميع الدراسات والشخصيات واختيار الأفضل منها.

في هذا الفيلم، وجدت عشرات الدراسات من العالم العربي والغربي ومراكز بحثية تركية، وعندما لخصنا الدراسات توصلنا إلى مفارقات كثيرة بين من يحمل وجهة نظر مؤيدة لتغول العسكر ومن يحمّلهم مسؤولية ضعف الدولة والمجتمع. وثمة دراسات تناولت الموضوع تاريخيا، كما هناك من بحث فيها بالمنهج المقارن، ومن قارنها بانقلابات العالم العربي، ومن اختزلها في المنظور التركي.

وهنا اكتملت الصورة لتقديم مادة فيلمية تجمع المنهج التاريخي والمقارن المؤيد والمعارض بمعناه الواسع لا الضيّق، بينما بقي الإشكال في اختيار وزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان، وهما شخصيتان ترفعان مستوى أي ظهور إعلامي أو فيلم وثائقي أو حتى مقابلة صحفية، ولكن ما مبعث الإشكال في مشاركتهم في الفيلم؟

أولا- في الفيلم الوثائقي المبني على موضوع كالذي عملت عليه، سيصبح وجودهم عنصر ضعف لا نقطة قوة، لأن الشخصيات ستتحدث بشكل رسمي ودقيق وبحذر، ولن تستطيع أن تجيب على أسئلة الفيلم بموضوعية.

ثانيا- غالبا ما تبدي هذه الشخصيات تحفّظا على المشاركين في الفيلم ومضمون كلامهم، والحيز الزمني الذي سيشغلونه في الفيلم.

ثالثا- بحكم تجربتي، فإن غالبية هذه الشخصيات لا تفضل الظهور في الأفلام الوثائقية بشكل عام لأنها تخضع لمونتاج، وبالتالي إمكانية حذف وتركيب بعض الجمل، وهو ما يولّد لديها الخوف من تحريف كلامهم واستخدامه بطريقة مختلفة عن موضوع حديثهم.

اختيار الضيوف ليس مهمة سهلة، بل تحتاج إلى بحث دقيق ودراسات متأنية وموازنة لتصوّر الفيلم ورؤيته (التصور هو الناظم والحاكم).

في فيلم آخر، كنا نعمل بعيدًا عن رؤية محددة من المنتج، وهو فيلم تحقيقي عن نهاية غامضة لشخصية رسمية اعتبارية. عاد النقاش مع الزميل المخرج بخصوص الشخصيات، وطلب أن يكون شخص من عائلته في الفيلم يروي حياته الشخصية وتفاصيلها، وهنا اعترضت على طلبه، لأن رؤية الفيلم تحقق في حادث اغتيال وتفاصيله ومن يقف خلفه. وهنا كان الأجدى أن نبحث عن شهود عيان في مكان الاغتيال، ومن كان يرافق شخصيتنا قبل الحادث، ومن حقق جنائيًّا في الواقعة.

وسيكون الطبيب الشرعي الشخصية الأهم، والمحقق الجنائي الشخصية الأقوى للفيلم، والمسؤولين الرسميين من قضاة ورؤساء شرطة ووزراء داخلية الذين يُفترض أن يكونوا على اطلاع بقصة عملية الاغتيال أهم من عائلة الضحية، باستثناء ما إذا حصل شخص من العائلة على معلومة مؤكدة تساعد صانع الفيلم على إثبات نظرية أو نفيها، وليس البحث عن مكان ولادة الضحية وقصة طفولته وحياته العائلية.

في فيلم آخر، ونحن نتحدث عن مفكر لندرس أحد كتبه والجدل حول مضمونه وقصة منعه، ضمن عناصر محددة هي: جهة المنع التي تقف وراء نشر الكتاب، ومن نقد مضمونه، والأسباب التي أفضت إلى منعه. وهنا ليس مهمًّا استضافة أصدقاء الكاتب وعائلته، بل الأهم أن نبحث عن دار نشر الكتاب لمعرفة الدوافع التي أدت إلى تكفيره والدعوة لقتله.

الفيلم ينعكس على المشاهد بشخصياته، وكل صانع فيلم لا يحسن اختيار ضيوفه لن يُحسن رواية قصته.  

المزيد من المقالات

الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

ليس من أهداف الصحفي أن يصير بطلا أو مشهورا، لكن الكثير منهم أغرتهم الأضواء، وقد غذّت وسائل التواصل الاجتماعي هذه "الموضة". الشهرة تقتل الإبداع، وتحيل الصحفي من ناقل للحقيقة إلى مهووس بالظهور والاستعراض.

عبد الله السعافين نشرت في: 14 أكتوبر, 2020
"كوبا والمصور".. حينما تمتزج الصحافة بالتعاطف

كان الوحيد الذي يسأل كاسترو في حوار مباشر: هل ترتدي سترة رصاص؟ هل تشرب البيرة؟ الصحافي الأميركي جون ألبرت استطاع على مدى عقود أن يصبح "مؤرخا" لتاريخ كوبا من بدايات الثورة الحالمة إلى انكساراتها، لتتحول شهادته إلى فيلم وثائقي مشحون بالعواطف.

شفيق طبارة نشرت في: 5 أكتوبر, 2020
الصحافة الاستقصائية العلمية.. الرحلة من الشك إلى اليقين

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

صارت الصحافة في خندق واحد مع التوّاقين لإسقاط الأنظمة لاسيما بعد موجة الربيع العربي. هكذا تمددت المساحة الرمادية الصحافة والنضال.

أنس بن صالح نشرت في: 13 أغسطس, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020
أين ينتهي عمل الصحفي ويبدأ دور الناشط؟

بين الصحافة والنشاط السياسي مساحة توتر ومنطقة سلام.. يتنافران، لكن يتقاطعان في آن. هذه قصص عن حدود التماس بينهما.

مايكل بلاندينغ نشرت في: 22 أبريل, 2020
السادسة مساء بتوقيت كورونا

توقف زحف صحافة الفضائح والتشهير أثناء أزمة كورونا. وسائل الإعلام الجادة، بدأت تستعيد جزءاً من "الساحة"، وصار الصوت الأعلى، هو صوت المعلومة الصحيحة من مصادرها الدقيقة.

يونس الخراشي نشرت في: 12 أبريل, 2020
الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

"لو كان الفيسبوك موجودا في الثلاثينيات لسمح ببث الخطاب النازي لهتلر".. عبارة لممثل كوميدي مشهور تختصر مأزق وسائل التواصل الاجتماعي مع الدعاية السياسية.

محمد موسى نشرت في: 29 مارس, 2020
الرقابة الذاتية.. "الأنا الأعلى الصحفي"

داخل غرف التحرير، ليست الأنظمة وحدها من تستثمر في الخوف، أو تصادر الحق في التعبير، بل إن المعلنين، والشعور العام، والتقاليد، والأعراف، والدين، والعلاقات الخاصة مع رجال السياسة، كلهم يمارسون تأثيرا بالغا على عمل الصحفيين.

محمد أحداد نشرت في: 23 مارس, 2020