تغطية أزمة كورونا.. العلم ضد الإشاعة

ما إن تفشى الوباء الجديد في الصين حتى بدأ الفزع والهلع يطال الجميع، لكن الذي رسخ هذه الحالة هو عدم فهم الكثير من الصحفيين لماهية المرض الجديد، أو ما هو الخطر الكامن وراءه. لذلك، نشرت الكثير من التقارير الصحفية المتضاربة، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بقدر كبير من الأخبار بل والنصائح الطبية المختلفة وأغلبها لم يكن صحيحا بالمرة.

ومنذ اللحظة الأولى كان لزاما على جميع الصحفيين البدء بوضع خطة تحريرية لمواجهة الطلب المتزايد على المحتوى المتعلق بفيروس كورونا وشح المعلومات في المقابل، وهو ما تعرضنا له في مجلة نقطة العلمية على سبيل المثال حيث انهالت علينا عشرات الأسئلة من الجمهور حول الموضوع. 

 

"الفخ"

تسعى جميع المواقع الإخبارية أو مؤسسات المحتوى للسرعة في نقل المعلومة، وهو ما يجعلها متميزة أمام جمهورها الباحث عن المعلومة السعية، وهذا لا ينطبق على المواضيع الصحية فقط، بل يمكن أن يشمل باقي الميادين الأخرى.

لكن شح المعلومات المتوفرة حول المرض، حتى من أكبر المراكز البحثية حول العالم تجعل التسرع في نشر الأخبار فخًا حقيقيًا للكثير من الصحفيين، ومن هنا بات إحداث التوازن بين سرعة نقل المعلومة والتأكد من صحتها أمرا ضروريا للغاية. 

فخ آخر تسببت به الأخبار العاجلة هو التهويل الذي أًصاب الجمهور بالهلع الشديد أثناء متابعة الأخبار. فعند الاطلاع على أي شاشة إخبارية عربية أو أجنبية، أو الاشتراك في مجلة عبر الإنترنت، سيصلك في اليوم الواحد كم كبير من الأخبار عن حالات الإصابات المتكررة في الصين وإيران وإيطاليا وبلدان أخرى ونفس الكم من الرسائل عن حالات الموت مما يؤدي إلى ضغط على نفسية المتلقي.

في الغالب، يجب ألا أقلق وأنا أعيش في الأردن على سبيل المثال من حالة جديدة ظهرت في بيلاروسيا، ولكن السياق العام يظهر الخبر العاجل لأول إصابة في هذا البلد وكأنها تمسني بشكل شخصي. وهكذا توالت الأنباء من دول مختلفة بإصابة هنا أو موت هناك مما يدفع الناس إلى بناء تمثلات عن المرض قد لا تكون حقيقية. 

 

لابد من بعض الأمل 

بعض وسائل الإعلام حاولت أن تتفادى السقوط في هيستيريا الأخبار العاجلة، حيث استعانت بالمختصين والأطباء للتوعية بسبل الوقاية من تفشي الفيروس تمثلا لدوره التثقيفي.

هذا بالذات، ما اعتمدناه في مجلة "نقطة" العلمية، إذ شرعنا من الوهلة الأولى بتخصيص ملف للحديث عن فيروس كورونا آخذين بعين الاعتبار الأسئلة المتواترة عن طبيعة الأطعمة التي تعزز مناعة الجسم ضد فيروس كورونا.

تبين من خلال التواصل مع عدد كبير من الأطباء وعلماء الأوبئة أن الهلع والذعر مرده الأساس إلى الوعي بأن هناك ضعف في مناعة الجسم، ولذلك حاولنا أن نبث نوعا من الأمل لدى الناس بدل نشر صورة سلبية بالكامل عما يجري.

المشكلة في تقديري تتأتى من التقارير الصحافية التي تتحدث عن عدم القدرة عن السيطرة على المرض، الأمر الذي يفضي إلى ما يسمى بـ"الالتهاب العاطفي" الذي يؤثر على الصحة الجسدية والنفسية والعاطفية للمتلقين.

لا نريد القول، بأي حال من الأحوال، إن الفيروس ليس خطيرا ويجب أن نطمئن أن لا شيء سيقع، لكن يجب على الصحفي وهو يحرر مقالاته أن يوازن بين خطورة المرض وبين الأخبار الكاذبة التي تنشر عنه.

ثمة نقطة غاية في الأهمية أريد أن أشير إليها ترتبط بتعمد بعض وسائل الإعلام إلى التذكير ببعض الأوبئة السابقة التي سحقت البشرية كالحديث عن طاعون عمواس أو الحمى الإسبانية أو غيرها من الأوبئة التي قتلت عددا لا حصر له من سكان العالم. 

إثارة هذه المواضيع يمكن أن يكون من زاوية أخرى غير التي تسوق في الوقت الحالي وهي أن النظام الطبي تطور بشكل غير مسبوق وبالتالي قدرته على مواجهته وهو ما لم يكن متاحا في السابق. كما أن وسائل الاتصال والتكنولوجيا المتطورة التي تستعمل اليوم في محاولة لاحتواء المرض، لم تكن متوفرة في الماضي، لكن للأسف بعض وسائل الإعلام لا تنتبه إلى ذلك.

 

داء  الأخبار الكاذبة 

الداء الكبير الذي يهد الصحافة اليوم يتمثل في الأخبار الكاذبة والإشاعات التي صارت ظاهرة ملازمة للأزمات الكبرى والغريب أن جزء منها يحبه الجمهور، مثل القول إن الفيروس أنتج في مختبرات الصين أو الولايات المتحدة الأميركية.

ورغم أن العلماء من مختلف دول العالم تحدثوا أن الوباء لم يصنع في المختبرات، إلا أن المقالات التي تحدثت عن الموضوع حصدت أكثر القراءات خاصة بعد تصريح مسؤول صيني عن إمكانية أن تكون الولايات المتحدة الأميركية قد أرسلت الفيروس إلى الصين دون التوفر على دليل يصمد أمام العلم. 

الإعلام العربي، عليه أن يكون ذكيا وقت الأزمات، وكي يربح معركة المهنية، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار دائما المصلحة العامة.

 

* الصورة: إيمانويل كريماشي - غيتي. 

المزيد من المقالات

الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

"لو كان الفيسبوك موجودا في الثلاثينيات لسمح ببث الخطاب النازي لهتلر".. عبارة لممثل كوميدي مشهور تختصر مأزق وسائل التواصل الاجتماعي مع الدعاية السياسية.

محمد موسى نشرت في: 29 مارس, 2020
الرقابة الذاتية.. "الأنا الأعلى الصحفي"

داخل غرف التحرير، ليست الأنظمة وحدها من تستثمر في الخوف، أو تصادر الحق في التعبير، بل إن المعلنين، والشعور العام، والتقاليد، والأعراف، والدين، والعلاقات الخاصة مع رجال السياسة، كلهم يمارسون تأثيرا بالغا على عمل الصحفيين.

محمد أحداد نشرت في: 23 مارس, 2020
كيف تختار ضيف فيلمك الوثائقي؟

في الفيلم الوثائقي، لا يمكن اختيار الضيوف بطريقة عبثية. الانسجام مع الموضوع، وإضافة أبعاد وحقائق جديدة للقصة الصحفية، وعدم تقييد حرية الفيلم؛ مواصفات يجب أن تتوافر في الضيف. هذه قصص حقيقية عن النقاش بين معدي الأفلام والمنتجين حول شروط المشاركة في الوثائقيات.

خالد الدعوم نشرت في: 15 مارس, 2020
التحقيقات من المصادر المفتوحة.. ضيف جديد على غرف الأخبار

كشف حقيقة إسقاط الطائرة الأوكرانية بإيران، وإثبات تورط مصر في دعم جيش حفتر، دلائل على فعالية التحقيق من المصادر المفتوحة. فهل ستجد هذه الأداة طريقها سالكة إلى غرف الأخبار خلال العام 2020؟

لحسن سكور نشرت في: 8 مارس, 2020
التهويل هو الوباء

"طبيعتنا المولعة بالإحصاء هي من أثار الأمر بهذا الشكل"، تختصر نزعة البشر نحول التهويل من انتشار فيروس كورونا.. الصحافيون، اطمأنوا للأحكام الجاهزة، ومع قليل من الاستعراض وكثير من التهويل، ضاعت الحقيقة في كومة من الأخبار الكاذبة.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 3 مارس, 2020
عن الفيتشر والأنسنة الصحفية

خلف ضجيج السياسيين وقصص المشاهير التي تملأ وسائل الإعلام، تختفي آلام إنسانية ظلت دائما مغيبة. "أنسنة الصحافة" تبحث عن "الظلال البعيدة" بأسلوب لا يلتزم بالقواعد الجامدة، بل يحتاج إلى سرد قصصي درامي، وملكات خاصة يجب أن تتوفر في كاتب الفيتشر".

علي أبو مريحيل نشرت في: 3 مارس, 2020
"البرنامج الصباحي".. عن المرارة التي تقبع وراء اللمعان

الحقيقة في الكواليس ليست الحقيقة نفسها على التلفاز. "البرنامج الصباحي" يعرّي حقيقة الإعلام الأميركي الذي يتخفى وراء الإبهار واللمعان. تبدأ يومك بأول سلسلة لمنصة "أبل تي.في+"، لتجد نفسك وسط كومة من الأبطال المتوهمين، فتظهر الحقيقة في قالب درامي: تمييز، تحرش، ذكورية طاغية، انتهازية، وصولية، نفاق… وابتسامات مصطنعة.

شفيق طبارة نشرت في: 1 مارس, 2020
الصحافة والأكاديميا.. حدود التماس

بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الصحفية حدود تماس كثيرة. هل يستطيع الصحفي أن يتحرر من الصياغة السريعة، وينفلت من الضغط اليومي، ليبحث عن قصص علمية بأسلوب لا يتخلى عن جوهر المهنة ولا يغرق في الصرامة الأكاديمية؟ إنه نمط صحفي جديد ينمو في العالم العربي، بدأ يجد لنفسه موطئ قدم، بعيدا عن الأحكام الجاهزة التقليدية التي تقول: لن يقرأ لك أحد إذا كان مقالك معمقا.

محمد فتوح نشرت في: 16 فبراير, 2020
الأردن.. حجب المعلومات يعزز الإشاعات

تُخفي الحكومة الأردنية معلومات كثيرة عن الصحافة والمواطن حول قضايا مهمّة ولا تقف ممارساتها عند حجب المعلومات وحسب، بل تتعدى إلى إصدار النائب العام لقرار حظر النشر في بعض القضايا التي تُثير الرأي العام، ويكون فيها مصدر المعلومات من مكان آخر غير الدوائر الرسميّة. فما تأثير ذلك على انتشار الإشاعات في الأردن؟

عمار الشقيري نشرت في: 4 فبراير, 2020
الصحافة التكاملية.. جسور لا خنادق

أدركت وسائل إعلام كثيرة أنه ثمة حاجة ملحة إلى تغيير أساليب العمل الصحفي، كان أبرزها الصحافة التكاملية التي تستند على تعاون مؤسسات إعلامية مختلفة في إنتاج قصة صحفية واحدة، كالتعاون الذي سبق نشر تحقيقات وثائق بنما.

عثمان كباشي نشرت في: 28 يناير, 2020
اللاجئون السوريون يتعلمون الصحافة ليحكوا قصصهم

تُرجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس-جامعة هارفارد

ماغي كويك نشرت في: 21 يناير, 2020
لجنة تطوير الإعلام الأردني.. معركة الشرعية الصحفية

فتحت مبادرة الديوان الملكي الأردني بتشكيل لجنة تهدف لتطوير الإعلام في البلاد، النقاش على مصراعيه بين الصحفيين حول المشاكل التي يعاني منها القطاع، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والإعلام، وأسباب استثناء العديد من الجهات المعنية بالإعلام من هذه اللجنة على رأسها نقابة الصحفيين نفسها.

أحمد أبو حمد نشرت في: 16 يناير, 2020
صحفيون عرب في وسائل إعلام أوروبية... التأثير في السرديّة

دور الصحفي الناطق بالعربية يكمن في مناهضة الخطاب السلطوي في الغرب، سواء كان صريحا أو متخفيا، تماما كما يعمل على فضح ممارسات الأنظمة والبنى المجتمعية المتسلطة في المنطقة العربية.

بشير عمرون نشرت في: 7 يناير, 2020
"جبروت الصورة" على وسائل التواصل الاجتماعي

رغم أن الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تنتهك حميمية الناس، وتؤسس لهوية غير حقيقية، فإن العولمة والتطور التكنولوجي استثمرا في الخوف والعزلة، والنتيجة أنه "لا محيد لنا عن الصور مهما كانت عابرة، كاذبة، قاتلة، مرعبة".

عبد الفتاح شهيد نشرت في: 5 يناير, 2020
صحافة الحلول.. ضد الإثارة

"لا بد أن تقترح حلا"، عبارة تشكل عصب "صحافة الحلول" التي أصبحت أسلوبا إعلاميا جديدا يغزو غرف الأخبار. صياغة المقال ينبغي ألا تقتصر على تشخيص القضايا، بل لا بد من البحث عن الحلول ودراسة كل آثارها المحتملة على المجتمع.

داود كتّاب نشرت في: 1 ديسمبر, 2019
العربية في الإعلام.. هل سقط الصحفيون في فخ "الأعرابي"؟

هل يعد لجوء صحفيين عرب إلى المجاز اللغوي؛ محاولة للهروب من فقر بضاعة الصحفي للوقائع والحقائق؟ أم أن ذلك ينطلق من خوفهم على ضياع العربية في بحر من اللهجات المختلفة؟

أيوب الريمي نشرت في: 26 نوفمبر, 2019
أزمة الإعلام اللبناني.. هل من ضوء في آخر النفق؟

قناة "المستقبل" تسدل الستار عن مشهدها الأخير.. صحف ومجلات تقفل أبوابها.. صحفيون يواجهون شبح البطالة.. تراجع سوق الإعلانات بات يخنق المؤسسات الإعلامية، وكل المؤشرات تنذر بإغلاق مؤسسات أخرى.

غيدا جبيلي نشرت في: 19 نوفمبر, 2019
في زمن التحول.. الصحافة لا تموت

حملَتني مهمتي الصحفية الجديدة مع "بي بي سي" إلى إيران، وفي أحد التقارير التي كنت أعمل عليها، ساقتني بعض ال

علي هاشم نشرت في: 13 أكتوبر, 2019
الإعلام التلفزيوني.. لماذا سيظل مهمًّا؟

قد يظن البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي استطاعت صرف نظر الجمهور عن متابعة الأخبار عبر التلفزيون، لكن أحداثاً كبرى مثل الحروب والكوارث والثورات والانقلابات والانتخابات، أظهرت عكس ذلك.

أسامة الرشيدي نشرت في: 24 سبتمبر, 2019
الأونروا.. مسألة شخصية: درْء الصمت عن المخيم

تمتد الأمكنة في الفيلم من قاعة العرض، إلى الأستوديو، والمقهى، ثم البيت؛ أربعة أماكن بمثابة زوايا نظر تبرز التزاما بقضية المخيم ومسألة الأونروا.

عبد الفتاح شهيد نشرت في: 18 سبتمبر, 2019
هل من المفترض تدريس المعلوماتية لطلاب الإعلام؟

يفرض التطور الرقمي على الصحفي اليوم تحديات كثيرة، يبرز المقال أدناه أكثرها أهمية ويركز على ضرورة أن تبدأ عملية التأهيل الرقمي من الجامعات، قبل دخول ميدان العمل.

غسان مراد نشرت في: 15 سبتمبر, 2019
دول الخليج.. وأزمة المصادر الصحفية 

تنص أغلب الدساتير الخليجية على حرية التعبير ولكن هناك رقابة تنظيمية وسياسية قوية على محتوى وسائل الإعلام.

خالد كريزم نشرت في: 10 سبتمبر, 2019
ماذا أضاف الموبايل إلى الصحافة؟

نقاش يدور حول ما إذا كانت صحافة الموبايل يجب أن تصنف نوعاً صحفياً جديداً أم لا.

فاتن الجباعي نشرت في: 25 أغسطس, 2019
تقنية البث الهجين.. الخيال الذي أصبح واقعاً

استخدمت بعض نشرات الأخبار مؤخراً تقنية الواقع المعزز، محدثةً ثورة في مجال الصحافة والإعلام، إذ جعلت من فن صناعة الخبر عالماً متعدد التقنيات يعتمد بجزء أساسي منه على الفنون البصرية والسمعية التي تتم مقاربتها اليوم بطرق تختلف عن أساليب العقود السابقة.

شربل بركات نشرت في: 19 أغسطس, 2019