الدعاية السياسية على غوغل وفيسبوك.. البحث عن حفظ ماء الوجه

في مقابل قرار مواقع إلكترونية عملاقة مثل "سبوتيفاي" و"تويتر" وقفَ نشر الدعايات السياسية المدفوعة الثمن بالكامل، ومع بدء العام الجديد 2020 وحتى إيجاد آليات خاصة للتدقيق في صحة المعلومات التي تتضمنها هذه الدعايات، عدّلت مواقع أخرى مثل "غوغل" و"فيسبوك" أخيرًا من قوانينها الخاصة بنشر هذه الدعايات.

تأتي هذه الخطوات استجابة لانتقادات شعبية وحكومية واسعة في العامين الأخيرين، وعلى إثر اتهامات لبعض من هذه المواقع بأنها غيّرت البوصلة السياسية في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بل إن هناك من يزعم أن التزييف والدعايات الملفقة على مواقع التواصل الاجتماعي رجّحت كفة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوصول إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2016 المثيرة للجدل.

والحال أن الاهتمام بالدور المتعاظم لمواقع التواصل في العمليات السياسية والديمقراطية بدول غربية، بدأ بعد الفوز الذي كان غير متوقع لترامب في الانتخابات الأميركية الأخيرة. ثم جاء بعدها الكشف عن حصول شركة معلومات تدعى "كامبريدج أناليتيكا" على بيانات 87 مليون مستخدم لموقع فيسبوك، ليزيد من الشكوك حول دور هذه المواقع في الانتخابات الأميركية تحديدًا. 

ولعل كلمة الممثل الكوميدي البريطاني المعروف ساشا بارون كوهين في تجمع "رابطة مكافحة التشهير" خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تُعد أقسى انتقاد وجه لمواقع التواصل الاجتماعي، صدر عن شخصية معروفة.

ففي كلمته، هاجم كوهين شركات فيسبوك وغوغل ووصفها بأنها "أكبر ماكينة للبروباغندا السياسية في التاريخ". بل إنه زعم أن الفيسبوك لو كان موجودا في ثلاثينيات القرن الماضي، لسمح لأفكار الزعيم النازي أدولف هتلر بالانتشار عبر منصته، حتى تلك التي دعا فيها إلى قتل اليهود.

 

ما الذي تغيّر؟

حسب الإعلان الصحفي الأخير الصادر عن فيسبوك، يُمكن لمستخدميه -والقوانين نفسها تنطبق على موقع إنستغرام- تحديد عدد الدعايات السياسية التي تظهر على "التايملاين" الخاص به. بيد أنه لا يمكن وقف هذه الدعايات كليًّا.

كما يفرض فيسبوك في قوانينه الجديدة على المعلنين السياسيين في الدول التالية: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والبرازيل، الكشف عن هوياتهم ومكان وجودهم، قبل إطلاق إعلاناتهم على منصات فيسبوك وإنستغرام. كما ستكون المعلومات الخاصة بهم، والعدد الذين كانوا يرتجون الوصول إليه، مُتاحة ومحفوظة في "مكتبة الإعلانات" في فيسبوك، ولفترة سبعة أعوام.

بيد أن فيسبوك لن يتدخل في محتوى الإعلانات السياسية، وهو أمر يقلق الكثيرين، إذ تتضمن الكثير من الدعايات مغالطات ومعلومات مزيفة تحتاج إلى تدقيق مستقل. 

بالمقابل، أعلنت شركة غوغل في بيان لها أنها غيّرت قوانين نشر الإعلانات السياسية على منصاتها، إذ إنها لن تمنح المعلنين معلومات مفصلة عن مستخدميها كما كان الحال في الماضي، وإن المعلومات التي ستوفرها عنهم ستقتصر على الآتي: العمر، والجنس، ومكان السكن. 

ويُتوقع أن يقلل هذا الإجراء الجديد من قوة الإعلانات الصغيرة (micro-targeted) التي تتوجه إلى مجموعات صغيرة من المستخدمين، اعتمادا على معلومات مفصلة مستقاة من سلوكهم على محرك البحث في غوغل، أو منصاته المتنوعة مثل يوتيوب وغيرها.

 

دعاية فعالة 

ورغم تعدد الوسائط الرقمية التي يمكن أن يَصِل بها السياسي إلى الجمهور اليوم، ما زال الإعلان السياسي التقليدي البناء والمُباشر في رسالته وتوجهه، يحتفظ بأهمية خاصة، وتعقد عليه آمال واسعة. وكما تشير البيانات الضخمة التي بدأ المتنافسون على الانتخابات الأميركية القادمة يدفعونها للدعايات السياسية، وقبل أشهر عديدة من الموعد الرسمي لحملات انتخابات عام 2020، صَرَفَ الرئيس ترامب 11.1 مليون دولار على إعلانات فيسبوك وغوغل في النصف الأول فقط من العام 2019، علما بأنه قادر على إيصال صوته إلى الملايين من متابعيه على موقع تويتر الذي يتابعه نحو 82 مليون شخص.

لا شك أن طبيعة الإعلان السياسي المثيرة والمغلفة بالتحريض، والرسائل المبطنة والعاطفية التي يضعها صناع هذه الإعلانات داخل منتجهم المتقن، وهم الذين يملكون خبرات طويلة في علم النفس، هي من ترفع أهمية الإعلان السياسي المحكم الصنع للمرشحين.

كما يلعب التعاون المشترك بين المعلنين والمنصات الرقمية التي ينشرون عليها إعلاناتهم، دورا في الوصول السريع إلى فئات خاصة من الجماهير، بعضها شعر بالتهميش من قبل الإعلام التقليدي ولسنوات طويلة، ولم يعد يرى ذاته فيه. لذلك يمكن أن تكون الدعايات السياسية الذكية التي صُمم بعضها على مزاج وأهواء هذه الفئات، حاسمة في اختيار هذا المرشح أو ذاك.

كما أن المخاطرة في مواصلة التضييق على الإعلانات السياسية الجدلية أو الغوغائية -كما يحدث في الوقت الحاضر- ربما يدفع جهات معينة لدفع هذه الإعلانات من الواجهة إلى "ظلام" الإنترنت. والأخير لا يعني فقط الإنترنت السري الذي يحتاج إلى خبرات تقنية خاصة للوصول إليه، فمواقع التواصل الاجتماعي العملاقة توفر الإمكانيات لإنشاء مجموعات مغلقة تجمع مستخدمين يبحثون عن أقران لهم، وتوفر بدورها حريات كبيرة نسبيا لتبادل الأفكار، بعضها غير مستساغ أو تعاقب عليه قوانين هذه المواقع.

ويمكن لهذه المجموعات أن تتحول إلى منصات أساسية لدعايات سياسية بعيدة عن انتباه الإعلام والسلطات، وتركز على فئات واسعة من الجمهور الذي أدار ظهره للإعلام التقليدي.

 

العائدات الضخمة للدعايات السياسية

تؤكد المبالغ الضخمة التي صرفت على الإعلانات السياسية في الانتخابات الأميركية عام 2016، الأهمية التي ما زال الإعلان السياسي يستحوذ عليها، والآمال المعلقة عليه في تغيير أهواء الناخبين في أي انتخابات مهمة.

فوفق تقرير لمؤسسة "بوريل" (Borrell) الأميركية المختصة بالسياسات الإعلانية، وصل إجمالي المبلغ المصروف على الإعلانات السياسية في هذه الانتخابات إلى 9.8 مليارات دولار. وبلغت حصة القنوات التلفزيونية الأميركية الكبرى من هذه العائدات 4.4 مليارات، انخفاضا عن 5.45 مليارات في انتخابات عام 2012. وعانت محطات الراديو الأميركية من انخفاض بنسبة 23% من عائداتها من الإعلانات السياسية لعام 2012، بينما بلغت 621 مليون دولار في العام 2016.

واللافت هو الزيادة الهائلة على الأموال المصروفة على الإعلانات السياسية على المنصات الرقمية ما بين انتخابات عام 2012 و2016، حيث بلغت في الانتخابات الأخيرة 1.25 مليار دولار، بزيادة بنسبة 789% عن انتخابات عام 2012، في حين تواصل الصحافة الورقية تقهقرها لجهة مكانتها عند المعلن السياسي.

وبلغت عائدات الصحف الورقية عام 2016 نحو 659 مليون دولار، متراجعة بنسبة 3.3% عن عام 2012. ولا يختلف الحال بالنسبة للمجلات الورقية الأميركية التي شهدت عائداتها انخفاضا في انتخابات 2016 بنسبة 10.7% عن انتخابات 2012، لتبلغ نحو 140 مليون دولار.

المزيد من المقالات

الغرب يشكل "مخيالا" عربيا جديدا

قبل سنوات أصدر المفكر المغربي حسن أوريد كتابه "مرآة الغرب المنكسرة". كان من بين محاوره الكبرى أنه يسعى إلى التدخل عن طريق الإعلام لتشكيل رأي عام جديد. في المقال، شرح مفصل لكيفية توافق الرؤى الإعلامية بين الغرب وتوجهات الأنظمة العربية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

حسن أوريد نشرت في: 24 نوفمبر, 2020
الانتخابات الأميركية.. رحلة الصحفي عكس التيار

بينما كان معظم الصحفيين مأسورين بصورهم أمام البيت الأبيض أو في التجمعات الانتخابية، كان موفد الجزيرة إلى العاصمة الأميركية محمد معوض يبحث عن القصص الإنسانية العميقة في الضواحي والهوامش. اختار معوض أن يتحرر من الأرقام ومن الرأي والتحليل، كي يبحث عن زوايا قد تسعف في فهم السياق الثقافي والاجتماعي الأميركي.

منتصر مرعي نشرت في: 29 أكتوبر, 2020
الصحافة الأميركية.. محاولة لفهم السياق

الصحافة أصبحت مرآة عاكسة لحجم الانقسام الثقافي والأيدولوجي الحاد الذي يعيشه المجتمع الأميركي. ومع قرب الانتخابات الرئاسية، يبدو من المهم جدا أن يفهم الصحفي العربي كيف تتفاعل وسائل الإعلام مع قضايا المجتمع الحيوية.

محمد معوض نشرت في: 28 أكتوبر, 2020
الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

ليس من أهداف الصحفي أن يصير بطلا أو مشهورا، لكن الكثير منهم أغرتهم الأضواء، وقد غذّت وسائل التواصل الاجتماعي هذه "الموضة". الشهرة تقتل الإبداع، وتحيل الصحفي من ناقل للحقيقة إلى مهووس بالظهور والاستعراض.

عبد الله السعافين نشرت في: 14 أكتوبر, 2020
"كوبا والمصور".. حينما تمتزج الصحافة بالتعاطف

كان الوحيد الذي يسأل كاسترو في حوار مباشر: هل ترتدي سترة رصاص؟ هل تشرب البيرة؟ الصحافي الأميركي جون ألبرت استطاع على مدى عقود أن يصبح "مؤرخا" لتاريخ كوبا من بدايات الثورة الحالمة إلى انكساراتها، لتتحول شهادته إلى فيلم وثائقي مشحون بالعواطف.

شفيق طبارة نشرت في: 5 أكتوبر, 2020
الصحافة الاستقصائية العلمية.. الرحلة من الشك إلى اليقين

في العلم كما في الاقتصاد، تفسر الأرقام بمنطق "الرأسمال جبان"، ووسط الأرقام والمعطيات تضيع الحقائق وتزدهر أرباح الشركات. في هذه المساحة تجد الصحافة الاستقصائية العلمية موطئا لها. وهذه قصة تحقيق استقصائي بدأ بلقاء مع "تاجر سلاح" وانتهى في مختبر علمي.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية.. "كيف تشرح فكرة لطفل في الخامسة"؟

بأسلوب سردي وكلمات بسيطة وبقدرة عميقة على الاستقصاء وتوظيف ملكات النقد، ينبغي أن يدخل الإعلاميون غمار الصحافة العلمية، دون الحاجة إلى بنية الخبر التقليدي، فالسبق في الخبر العلمي لا يعني شيئا.

علي شهاب نشرت في: 1 سبتمبر, 2020
الصحافة والنضال.. الحدود الرمادية

صارت الصحافة في خندق واحد مع التوّاقين لإسقاط الأنظمة لاسيما بعد موجة الربيع العربي. هكذا تمددت المساحة الرمادية الصحافة والنضال.

أنس بن صالح نشرت في: 13 أغسطس, 2020
ثقافة الشاشة.. تاريخ من "الدعاية"

"ثقافة الشاشة" لريتشارد بوتش، كتاب يستعرض مسارا طويلا من سطوة الشاشة وقدرتها على إحداث التأثير في المجتمع كنسق ثقافي رمزي قابل للتصدير.

عثمان كباشي نشرت في: 12 أغسطس, 2020
الصحافة بعد كورونا.. خيارات الصحفيين الحتمية

ضيقت أزمة كورونا كثيرا من خيارات الصحافة والصحفيين، وبدا واضحا أن البحث عن نموذج اقتصادي يجمع بين منطق المقاولة والبحث والتقصي، أمر صعب. لكن الأزمة بيّنت أيضا، إلى أيّ حد صار امتلاك مهارات جديدة أمرا ضروريًّا، خاصة في المجال الرقمي.

علي شهاب نشرت في: 9 أغسطس, 2020
الحب والفقدان في زمن الثورة

انتهت المغامرة الصحفية على ظهر خيل.. داهمه الموت وهو يحاول عبور الحدود التركية السورية. ندى بكري تسرد قصة تمتزج فيها لحظات الفرح والمأساة لصحفي جرّب أن يخاطر بحياته بحثا عن الحقيقة.

ندى بكري نشرت في: 21 يوليو, 2020
"الإعلام الجديد".. لماذا استفادت الأنظمة العربية وفشلت الشعوب؟

"الشبكات الاجتماعية صنعت الربيع العربي، لكنها فشلت في المحافظة عليه"..

يونس مسكين نشرت في: 8 يوليو, 2020
الصحافة كوسيلة للدعاية الإيديولوجية

في بلد يمتزج فيه كل شيء بالسياسة، تمثل الصحافة اللبنانية نموذجا أصيلا "للمناضل الصحفي". ولفترة طويلة، لم يكن الفرز ممكنا بين "القبعتين"، ولا يظهر أنهما سيفكان الارتباط عما قريب.

سميح صعب نشرت في: 6 يوليو, 2020
الإعلام الغربي.. الاستشراق عدوًّا للحقيقة

يصر جزء كبير من الإعلام الغربي على تناول قضايا حساسة بنظرة استشراقية، فتُبتَر السياقات وتُقصى الحقائق لتشبع خيالات قارئ مهووس بالعجائبية. والدليل: التغطية السطحية لقضية زراعة الحشيش في المغرب.

محمد أحداد نشرت في: 1 يوليو, 2020
مقتل جورج فلويد.. "حراك أخلاقي" في غرف التحرير

لم يفض مقتل جورج فلويد في أميركا إلى احتجاجات صاخبة فقط، بل أحدث شرخا كبيرا داخل غرف التحرير التي وجدت نفسها في قلب نقاش أخلاقي حول التغطية الإعلامية لقضايا السود، انتهى باستقالات واتهامات بالتمييز وكثير من الجدل حول المعايير التحريرية.

عثمان كباشي نشرت في: 23 يونيو, 2020
أبطال بلا مجـد

الصحفي شاهدٌ يبحث عن الحقيقة، ومن شروط الشهادة المهنية والموضوعية. لكن حينما يتدثر السياسي بالصحافة تتقلص مساحة الحرية وتبدأ الأيدولوجيا التي من وظائفها معاداة الحقيقة.

جمال بدومة نشرت في: 16 يونيو, 2020
أساتذة الصحافة.. "فاقد الشيء لا يعطيه"

يشكّل الأستاذ ركنا رئيسيا في عملية تكوين صحفي قادر على ولوج سوق العمل. لكن بعضهم لم يتخلص من "استبداده" داخل القسم الدراسي، لتنشأ علاقة "صارمة" لا تساعد على التعلم. كما أن بعضهم لا يتوفر على المناهج الحديثة في التدريس. كيف ينظر الطلبة إلى أساتذتهم؟ وما تقييمهم للمناهج التي يدرسون بها؟ وما الذي يحتاجه الطلبة للتمكن من المهارات الصحفية الحديثة؟

صلاح الدين كريمي نشرت في: 1 يونيو, 2020
كيف يحمي الصحفي نفسه من السياسة التحريرية؟

في الكثير من الأحيان تتحول السياسة التحريرية لوسائل الإعلام إلى نوع من الرقابة الشديدة على قناعات الصحافيين ومبادئهم. هل ثمة فرق بين "الخط التحريري" وبين الانصياع خدمة للدعاية؟

أحمد طلبة نشرت في: 20 مايو, 2020
كيف تدمّر الصحافة حياتك في 88 يوما؟

بمشرط جارح ودون تجميل الواقع أو تطييب الخواطر، يناقش المخرج الأميركي كلينت إيستوود قضايا "الجنس مقابل المعلومات"، والأخبار الزائفة، وأخلاقيات المهنة التي تنتهك كل يوم.

شفيق طبارة نشرت في: 19 مايو, 2020
كيف أصبحت الصحافة تحت رحمة الشبكات الاجتماعية؟

وسائل التواصل الاجتماعي أحكمت قبضتها على الصحافة. ولا شيء قادر اليوم على الحد من تأثيرها على المحتوى الإخباري ولا على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية..

إسماعيل عزام نشرت في: 27 أبريل, 2020
الصحافة الصحية.. لم تعد قضية "ترف"

كان ينظر إلى الصحافة الصحية في السابق على أنها مجرد "مكمل" تؤثث به البرامج الصباحية لكن أزمة كورونا أثبتت أنه لا محيد عنها في غرف التحرير.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 26 أبريل, 2020
أين ينتهي عمل الصحفي ويبدأ دور الناشط؟

بين الصحافة والنشاط السياسي مساحة توتر ومنطقة سلام.. يتنافران، لكن يتقاطعان في آن. هذه قصص عن حدود التماس بينهما.

مايكل بلاندينغ نشرت في: 22 أبريل, 2020