تغطية المونديال.. الكرة في الهامش

تغطية المونديال.. الكرة في الهامش

المونديال وأشياء أخرى..

جرت العادة، بالنسبة إلى وسائل الإعلام الدولية الكبرى، أن تتعاطى مع كأس العالم لكرة القدم (ومع الأحداث الرياضية الكبرى بشكل عام) باهتمام منقطع النظير؛ إذ ترسل إلى الدول المنظمة فرقا متكاملة للعمل، تتضمن صحفيين وتقنيين وفنيين وغيرهم ممن يسهلون عمل الإعلاميين، على أن ينصَبّ تركيز التغطية كله على الملاعب.

ومع مرور الوقت، ظلت وسائل الإعلام الكبرى تتوسع في اهتمامها؛ إذ انتقلت من التركيز المحصور بكرة القدم والمنافسة في حد ذاتها، إلى مجالات أخرى اكتشفت أنها مهمة للغاية. وهذا لم يحدث فقط لأن التطور التقني فرضه، أو لأن المتلقي صار يعرف أكثر من قبل، ولكن أيضا لأن تلك المجالات -التي كان يُنظر إليها على أنها هامشية- تحولت إلى تغطيات مطلوبة في حد ذاتها، لا سيما بفعل ترابط الأشياء ببعضها.

فالفعل الرياضي، الذي كان ينحصر في الملاعب، ويتابعه المهتمون فقط، صار -بفعل ضخ الأموال وتدخل السياسة- ظاهرة اجتماعية ذات امتدادات اقتصادية وثقافية كبيرة. أما وقد حدثت الطفرة الرقمية، وتلاها انفجار وسائل التواصل الاجتماعي، فقد صار تأثيرها غير محدود، بل أحيانا غير مأمون (أحداث الشغب/اعتراض الجماهير على إقامة سوبر أوروبي)، وبالطبع، صار كل ما يحيط بها كذلك موضوعا لقصص الصحفيين.

فقصة إخبارية ذات بعد غير رياضي، ولكنها تهم لاعبا أو مدربا ما، وتتضمن عناصر الإثارة، قد تلفت إليها الجماهير أكثر من التدريبات، بل أحيانا أكثر من المباريات نفسها. بل إن أحداثا أخرى قد تكون بعيدة عن الملاعب تماما، ولكنها تتزامن مع تنظيم كأس العالم أو مسابقة كبرى، ربما تلقى الاهتمام غير المتوقع؛ فقط لأنها كانت في بوتقة الحدث، واتضح أنها مثيرة أو مسلية، أو تضيف معلومة إلى المتلقي، لا سيما إذا حظيت بانتشار كبير عل وسائل التواصل الاجتماعي (مثلا: ما أثارته مواقف رئيسة كرواتيا، كوليندا كيتاروفيتش، على هامش مونديال روسيا، وحتى وهي بعيدة عنه، أكثر مما أثاره أغلب اللاعبين ممن شاركوا فعليا في المباريات؛ سواء من الكروات أو غيرهم).

 

تجربة مونديالية

كنا بصدد الإعداد للذهاب إلى روسيا لتغطية مونديال 2018، حين بدأت تنهال عليّ أسئلة تخص الأسلوب الأنجع لنقل الحدث. وقررتُ، قبل ركوب الطائرة، أن أركز على "الأشياء الأخرى" التي لن توجد بالضرورة في الملاعب.

فالمباريات لا تشكّل، في العادة، سوى جزء من الحدث العالمي الكبير، الذي هو كأس العالم لكرة القدم. وبما أنها تكون مادة دسمة، حد التخمة، للقنوات الفضائية وصفحاتها على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي؛ بالتصوير، والتحليل، والتعليق، والتدقيق، فضلا عن وقوعها "فريسة" بين يدي "الصحفي المواطن"، فيحسُن بالصحفي الذي يشتغل بالصحافة الرقمية أو المطبوعة أن ينتبه إلى "الأشياء الأخرى"، ويدع "الكرة في الهامش"، ولا نقصد بالهامش ألا تكون الحدث الرئيسي.

أن أكتب عن المنتخب الوطني المغربي، وعن لاعبيه، وعن مدربه، وحتى عن المنتخبات الأخرى، وضمنها على الخصوص منتخب البرتغال، الذي كان يوجد مع منتخبنا في المجموعة ذاتها، ويمتلك نجما عالميا شهيرا هو كريستيانو رونالدو، هو أمر طبيعي للغاية، ومتوقّع، ومفهوم. ولكن مواضع كهذه كانت ستشكّل، لا محالة، مادة دسمة لغيري من الصحفيين، فيما كنت أريد أن أتميز بشيء آخر مغاير ومثير وهادف في آن واحد.

 

 

زوايا معالجة "أخرى"

من بين أول الأشياء التي أثارت انتباهي، عند البدء بالتحرك لإنجاز تغطيات خاصة بالمونديال (فضلا عن جمالية موسكو، وعمرانها، ونظافة شوارعها، وشساعتها المبهرة، وكثرة المناطق الخضراء، وتلك التماثيل المتناثرة لزعماء الثورة البلشفية، خاصة لينين) هو وجود محلات لماركات أمريكية عالمية في مول يوجد أسفل الساحة الحمراء تماما!

شعرت، في تلك اللحظات، بالمكر الحقيقي للتاريخ، بل قل رأيته ماثلا أمامي، يسخر من كل شيء. وكتبت مادة في الموضوع، بعنوان "ستالين ماكدونالدز". كانت عبارة عن وصف للمكانين معا، وكيف صار رمز بارز للشيوعية المندثرة، وهو الساحة الحمراء، يحتضن رمزا مرموقا للرأسمالية (اقتصاد السوق)، هو ماكدونالدز، بين جنبيه، في تناغم عجيب!

في واقع الأمر، وجدتُ أشياء كثيرة مثيرة للكتابة، عدا ما يقع في الملعب من تدريبات ومباريات وحركية للجماهير وغيرها. ومما زاد الأمر إثارة تلك الصور الرائعة التي كان يتحفني بها زميلي المصور، عبد المجيد رزقو، رفيقي في الرحلة. فما إن أرى تطويعه للحظات العابرة في صور، حتى أتحفز أكثر فأكثر، وأرغب في المزيد. والمصور ينبغي أن يكون صحفيا قادرا على التقاط التفاصيل، ويساعد المحرر في اختيار القصص.

عندما ذهبنا إلى مدينة سان بطرسبورغ، عاصمة القياصرة، كتبتُ عنها باعتبارها "متحفا مفتوحا"، وعن سائق التاكسي الذي يشبه "زوربا". وحين زرنا مدينة كالينينغراد، كتبتُ عنها باعتبارها "إيفران مزيدة ومنقحة"، في إشارة إلى مدينة إيفران المغربية، التي يعدها كل المغاربة "سويسرا المغرب"، بشجرها وقرميدها الأحمر، وجمالها الفتان، وطبيعتها الخلابة، كما كتبتُ عن سوق السمك المجفف في كالينينغراد.

وحين عدنا إلى موسكو، حيث كان مقر الإقامة المركزي لرحلتنا، كتبتُ عن أشياء كثيرة؛ من ضمنها، مثلا، محطات الميترو الرائعة، وحركة السير، واحتفاء الروس بلغتهم؛ حتى إنهم يكتبون "ماكدونالدز" بالروسية، فضلا عن المراحيض، والحدائق، والعمران، وجمال الروسيات، والمسجد الكبير للعاصمة؛ تحت عنوان "مسجد موسكو.. الجلال والجمال"، وقباب الكنائس، وغير ذلك.

كنت أنشر المواضيع، تباعا، عبر صفحتي في موقع فيسبوك، حتى يصلني رد الفعل عفويا، فأعرف ما إن كنت أمضي في الطريق الصحيح أم يتعين علي أن أصححه، أو أغيره تماما. وكانت النتيجة، ولو نسبيا، ممتازة. بل إن المسؤولين في الصحيفة، على الخصوص، طلبوا مني المزيد من تلك الربورتاجات؛ على اعتبار أنها لقيت الاستحسان.

 

 

الكتابة لوسائط متعددة..

كنت موفدا، في تلك الأثناء، من صحيفة أخبار اليوم المغربية، الورقية، وموقعها الإلكتروني اليوم 24. وهكذا، كنت مطالبا، في الآن نفسه، بالتعاطي، إخباريا، مع أسلوبين مختلفين من الكتابة، بل قُل في التعامل مع ما كل يدور حولي، سواء في الملاعب أو خارجها.

لم يضِرْني، حينئذ، أنني لست أوجد ضمن فريق عمل، مثلما هو عليه الحال بالنسبة إلى صحفيين من تلك المؤسسات العالمية التي كانت حاضرة بقوة في مونديال روسيا، بل رحت أخوض المعركة، مسلحا بالطموح، والشهية المفتوحة، وكثرة الأشياء التي تستحق أن أكتب عنها، فضلا عن وجود مصور بارع للغاية، يعطي للمادة الصحفية فرادة خاصة، وفوق ذلك استثمار فرصة يمكن أن تأتي مرة في العمر.

وبما أنني كنت موزعا بين الصحيفة الورقية والموقع الرقمي، فقد أتاح لي ذلك -ولو على حساب راحتي المفتقدة كليا- أن أتابع منتخبنا الوطني، ونشاطه، ونشاط محيطه، فضلا عن بقية المنتخبات في المجموعة، بأخبار قصيرة، تفي للموقع بالغرض، قبل أن تطور شيئا ما، ليصبح لها مكانها الطبيعي في صفحات الرياضة بالصحيفة الورقية.

وهكذا، فحين كنت أتابع، مثلا، مباراة المغرب ضد إيران، في ملعب سانت بطرسبورغ، اشتغلت على اللحظة لفائدة الموقع، بالخبر، والصورة، والفيديو أيضا؛ حيث كانت المواد تنشر في حينه، وتباعا، فيما لم أنشغل بما يتعين وضعه في الصحيفة الورقية؛ فالمباراة وافقت مساء الجمعة، وهو اليوم الذي تُغلق فيه الجريدة مبكرا، وتضم عددي السبت والأحد (نهاية الأسبوع)، على أن يبدأ العمل في عدد الإثنين (بداية الأسبوع) يوم الأحد.

الصحافة مهنة المتاعب، لكنها أيضا مهنة المتعة. والشيء الوحيد الذي يحول المتاعب إلى متعة هو أن يكون الصحفي عاشقا لمهنته، ولديه القدرة على أن يتحول إلى طفل، يندهش باستمرار، ويطرح الأسئلة، ويلتقط الأفكار العابرة، ويحول الأشياء التي قد تبدو هامشية إلى بؤرة الاهتمام.

حدث معي شيء من ذلك في مونديال روسيا 2018، وحدث مرارا مع صحفيين يعشقون مهنتهم، فتحولت أعمالهم إلى تأريخ جميل لليومي، يجعل منه، في الأوقات اللاحقة، ذاكرة لا ينفك يحن إليها المتلقي، حتى ولو كانت لذكريات غير جميلة.

 

 

 

 

 

 

 

More Articles

International media has abandoned Afghanistan

The international community will be vital in helping Afghanistan to survive Taliban rule - but it has to start with a change of approach by Western media

Sayed Jalal
Sayed Jalal Shajjan Published on: 22 May, 2022
Let’s help refugees escape from the media’s ‘Ghetto of Compassion’

We must not lump all migrants and asylum seekers together when we report about refugees - ignoring nuance doesn’t solve problems

Alejandro
Alejandro Luque Published on: 15 May, 2022
The occupation of Palestine is not a conflict of equal sides - media needs to start telling the truth

Western media's response to the killing of veteran journalist Shireen Abu Akleh by Israeli forces in Palestine is shameful. Until the media starts reporting the truth about Israeli brutality in Palestine, the killing of journalists doing their jobs will continue

Nina Montagu-Smith
Nina Montagu-Smith Published on: 11 May, 2022
The US is on its way to criminalising journalism

Billed as a ‘super fact checker’, Joe Biden’s new ‘Disinformation Governance Board’ is the first step on this path

Martin Jay
Martin Jay Published on: 9 May, 2022
Beware of activist journalists - they won’t always tell the ugly truth

It is the job of journalists to report the full truth - even when that might cast the ‘good’ guys in a ‘bad’ light

Ilya
Ilya U Topper Published on: 25 Apr, 2022
Bangladesh’s Digital Security Act is criminalising journalism

Bangladesh has been quietly strengthening its laws curtailing freedom of expression - with dangerous results

Rokeya
Rokeya Lita Published on: 18 Apr, 2022
Moscow’s journalistic lights are dimmed, but their story needs to be told

Russia is waging a war on independent journalists who dare to question or contradict the official government line - we must do more to support them

Aidan
Aidan White Published on: 7 Apr, 2022
Why healthy democracies need news junkies

Studies show that news junkies are more likely to register to vote and be politically engaged, but they are not better at predicting future events

Justin
Justin D Martin, Krishna Sharma Published on: 3 Apr, 2022
We need more raw coverage of conflict zones to make people care about all refugees

Coverage of Ukrainian refugees has been more sympathetic because it is usually accompanied by images of the crisis they are fleeing

Tomasz
Tomasz Lesniara Published on: 27 Mar, 2022
Facebook is showing its double standards over freedom of speech

Hate speech is a bad idea. A good idea would be for platforms to show consistency in their content moderation, particularly when it comes to Palestine

A picture of the author, Abeer alNajjar
Abeer Al-Najjar Published on: 17 Mar, 2022
When women are being smeared - listen to what they are saying

Cassandra was cursed to always see the future, but to never be believed. For female journalists like Carole Cadwalladr, long dismissed as a 'mad cat lady', it’s a familiar tale

Nina Montagu-Smith
Nina Montagu-Smith Published on: 16 Mar, 2022
Zimbabwe’s Fourth Estate is under siege

With few job opportunities, harassment by the authorities and a global pandemic, the picture for balanced and truthful journalism is not a pretty one

Derick M
Derick Matsengarwodzi Published on: 13 Mar, 2022
The irony of fake news - sometimes it serves to highlight injustice

Last week, the image of a blonde-haired Palestinian girl standing up to an Israeli soldier was wrongly credited as an image of a Ukrainian girl confronting a Russian soldier. The intention was to garner sympathy for Ukraine - instead, it had a rather different outcome

Muhammad Khamaiseh Published on: 6 Mar, 2022
‘You must know how to haggle!’ - racism in journalism starts in the classroom 

Even though I didn’t choose to, I quickly became that one ‘annoying’ journalist of colour who had to keep mentioning racism in my journalism school. It was humiliating and exhausting, to the point of nearly quitting

Azraa
Azraa Muthy Published on: 24 Feb, 2022
Human rights lessons from a ‘terrorist’ journalist

It has ever been the case that when a journalist reports crimes by a despot, militant group or even, these days, a so-called democratic state, he is liable to be labelled a criminal.

Clive Stafford Smith
Clive Stafford Smith Published on: 30 Jan, 2022
How should we talk about Pakistan?

How do journalists report accurately about a country which suffers sectarian violence without reinforcing Islamophobic tropes?

Haroon Khalid
Haroon Khalid Published on: 24 Jan, 2022
'Both sides’ journalism does not always show us the truth

Journalists are bound to tell the truth, not give platforms to positions which are demonstrably wrong in a misguided attempt to be ‘impartial’.

Sakhr2
Sakhr Al-Makhadhi Published on: 17 Jan, 2022
Forget superheroes - science journalists will save the world

Science journalism is not just about test tubes, it's about everything. And the past few years have shown that the world needs science journalists more than ever before.

Osama
Osama Abu El Rub Published on: 16 Jan, 2022
The media must stop obsessing about ‘economic migrants’

The use of the term ‘economic migrants’ to describe desperate people trying to find a better life for themselves and their families conceals the reality of the brutality they face at Europe’s borders.

Lucy Papachristou Published on: 13 Dec, 2021
Life as a journalist on a US ‘kill list’

The US continues to shroud policies for the ‘War on Terror’ behind a veil of secrecy. This undermines democracy and a free press, and means no justice for one American journalist who claims he has been targeted for assassination on five separate occasions, nor for countless civilian casualties of US drone attacks.

Pauline Canham
Pauline Canham Published on: 28 Nov, 2021
No, you are NOT the story

A writer reflects on the absurdity - and naivety - of journalists who place themselves at the centre of the stories they cover.

Noe
Noe Zavaleta Published on: 21 Nov, 2021
It’s time to put an end to ‘parachute’ journalism

While global media organisations continue to fly in their own correspondents, relying on local journalists only for translation and ‘fixing’, the world will never get to know the real stories happening in the Global South.

Dina Aboughazala
Dina Aboughazala Published on: 7 Nov, 2021
Julian Assange and Wikileaks are no model for responsible journalism

Punishing journalists who publish leaked information is an assault on democracy, but journalists still need to handle such information with care and integrity.

JulieB
Julie Bindel Published on: 31 Oct, 2021
When journalists are blind to their privilege, the ‘true’ story may not be told

It took me years to see how my privilege would influence the outcome of interviews with minority Hindus in Pakistan. This ‘positionality’ is something journalists should pay closer heed to.

Haroon Khalid
Haroon Khalid Published on: 24 Oct, 2021