أثر الـ "سي أن أن".. عن المفهوم وأبعاده في عالم الصحافة اليوم

لوسائل الإعلام دور بالغ الأهمية في تشكيل رأي العامة ومَن هم في السلطة بشأن مختلف القضايا والأحداث بمستوياتها كافة على الصعيدين المحلي والعالمي. ومِن المعلوم أن وجود وسائل إعلام معنيّة بالاستقلالية والموضوعية أمرٌ لا غنى عنه من أجل نقل المعلومات الضرورية للعامة عبر عملية محددة وملائمة لنشر الأخبار واختيار الملائم والأكثر أهمية منها.

هذه العملية الأخيرة، المعروفة في علم الاتصال باسم "حراسة البوابة" أو (Gatekeeping)، تؤثر على العامة في المقام الأول، وقد يختلف تعريفها باختلاف طبيعة العملية المتبعة في "حراسة البوابة" (1) .

وعليه، فإن الإطار الذي تقع ضمنه عملية وضع الأجندة عنصر ضروري يساعد على تحقيق الوسيلة الإعلامية للآثار المقصودة، أو التعرّف على الآثار المباشرة للإعلام. وفي هذا السياق، يمكن أن يتسع النقاش ليشمل الكيفية المتبعة في وضع الأجندة. فهل هذه الوسيلة الإعلامية مثلًا تتمتع بالاستقلالية في وضع أجندتها الخاصة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تعريف وجه العلاقة بين وسائل الإعلام والأطراف الأساسية في دائرة التفاعل معها، وهذا يشمل الرأي العام، و"السلطة" أو صناع القرار. فإن كانت وسيلة الإعلام مستقلة ولها القدرة على إثارة ردود فعل من العامة في حال تغطيتها لواقعة حساسة، أو نقلها لخبر لافت للاهتمام، فإنها ستكون -بالمحصلة- قادرةً على توسيع رقعة تأثيرها لتوليد ردود فعل من طرف صناع القرار. إن لوسائل الإعلام القدرةَ على خلق هذه الديناميكية، وهو كثيرًا ما يحصل في حال كان الخبر ذا طبيعة إنسانية، تؤدي تغطيته إلى ما بات يعرف باسم "أثر السي أن أن" (2).

 تسعى هذه الورقة إلى الحديث عن هذه الظاهرة، واستكشاف معناها ومدى أهميتها، وهو حديث سيقودنا بالضرورة -نظرًا لطبيعة المفهوم والقضايا التي تحيط به- إلى مناقشة الافتراض المركزي حول استقلالية وسائل الإعلام وما إذا كانت التغطية الإخبارية تحرّكها الأحداثُ بالفعل.

يُحيل مصطلح "أثر السي أن أن" إلى مفهوم يرسم العلاقة بين وسائل الإعلام وصناع القرار. ولغرض التوصل إلى فهمٍ أفضل لهذا المفهوم، فإننا سنتناول في هذه الورقة مستويين من التعريفات. في المستوى الأول نعرّج على عدد من الأحداث التاريخية التي كان لها دور مهم في بروز المفهوم نفسه، والذي تعود جذوره إلى بداية التسعينيات، إبان التدخل العسكري الأمريكي في العراق (1991)، والذي تبعه تدخل عسكري آخر في الصومال (1992)، والبوسنة (1995)، وهي تحركات أتت في نظر بعض المراقبين نتيجة للتغطية الإعلامية المباشرة والمتواصلة لأشكال المعاناة والنزوح هربًا من قوات صدام حسين، أو لصور المجاعة والتشرد في الصومال، وفظائع الحرب الأهلية الدموية في البوسنة. تلك التدخّلات بحسب روبنسون (3)، فُسّرت على أنها استجابة من صناع القرار لتغطية وسائل الإعلام لوقائع ذات طبيعة إنسانية. فمن خلال التركيز على الصور الفظيعة الناجمة عن تلك الأزمات وتقديم التغطية المباشرة بلا انقطاع حول تطوراتها على الميدان، تمكنت وسائل الإعلام من استثارة الرأي العام، وهو ما لحقه استجابة من دوائر صنع القرار أدت إلى تدخل عسكري .

تفترض هذه الملاحظة بشكل أساسي أن أثر وسائل الإعلام قد انعكس على أداء السياسة الخارجية، وهو ما يمكن اعتباره مثالًا على مدى قوة "السلطة الرابعة" وقدرتها على التأثير في رسم أجندة صناع القرار. في هذا السياق، يثير كينان (4) بعض الأسئلة ويجادل بأن التغطية الإعلامية المصوِّرة لتلك المآسي البشرية (في الصومال مثلًا) استحوذت على القنوات التي يتم عبرها تخطيط السياسة الخارجية وتنفيذها. ولذا فإنه من الوارد أن تكون سياسة التدخل قائمة على أسس خاطئة، أو أنها ردود أفعال على مستوى السياسة الخارجية نتيجة ضغوط من وسائل الإعلام على السياسيين (5).

وأيًّا كانت طبيعة ما ينجم عن أثر وسائل الإعلام على مستوى السياسة الخارجية، فإن ثمّة درسَين أساسيين يمكن استخلاصُهما هنا. الأول هو أن النقاش قد ينسحب على دور وسائل الإعلام وتأثيرها على صناع القرار، ليس على صعيد السياسة الخارجية فحسب، بل على صعيد السياسات المحلية أيضًا. والثاني أن ذلك يثير سؤال استقلالية وسائل الإعلام وعلاقتها مع "السلطة" أو صناع القرار. إنّ "أثر السي أن أن"، ينطلق، مبدئيًا على الأقل، من تأكيد على أمرين اثنين، الأول: هو أن وسائل الإعلام مستقلة وتتمتع بالقدرة على وضع أجنداتها الخاصة، والثاني: هو افتراض القدرة على استثارة استجابات من طرف صناع القرار.

يقوم مفهوم "أثر السي أن أن" على افتراض أن وسائل الإعلام مستقلة. وفقًا لبينيت وآخرين (6)، وبينيت ولورنس (7)، وما كُتب من دراسات سابقة حول ذلك، فإن الصور الحيّة ونقل الأحداث الصادمة والإنسانية بالصور والفيديو قد يؤدي إلى زيادة الميل نحو الاستقلالية لدى وسائل الإعلام ومستوى نقدها للرواية الرسمية للأخبار. إن العوامل الأساسية التي تمنح وسائل الإعلام هذه الاستقلالية هو مدى فظاعة الأحداث نفسها (8)، حيث تصبح وسائل الإعلام مؤسسات أكثرَ قدرةً على المبادرة ووضع أجنداتها الخاصة. فحوادث إطلاق النار العشوائي، مثلما حصل في حادثة إطلاق النار في ثانوية كولمبيا عام 1999 كانت بحاجة إلى تفسير، وهو ما خلق فرصة أمام وسائل الإعلام لِلَفْت انتباه صناع القرار إلى سردية متسقة مع خط وسائل الإعلام وأجندتها فيما يتعلق بأسباب تلك الفاجعة، والتي تشمل المشكلات الاجتماعية، ومسألة ضبط حيازة السلاح، وثقافة العنف السائدة.

إن استقلالية وسائل الإعلام، كما أوضحنا آنفًا، قد تتيح الاستفادة من صور المآسي والجانب الإنساني في بعض الأحداث التي يتم تغطيتها من أجل إثارة استجابة من قِبَل صناع القرار، أما القناة التي تحصل عبرَها هذه الاستجابة فهي الرأي العام، حسبما يوضح روبنسون (2005)، وستروبل (1996، و1997) (9).

من الناحية النظرية، فإن اهتمام العامة بالأحداث يتولد عند تغطيتها إعلاميًّا بشكل متواصل ومباشر، بعرض صور ومقاطع عن فظائع حرب أو مجزرة وتسليط الضوء على السياق الإنساني لأي أجندة، بحسب ما تقترح وسائل الإعلام.

وفي حال تفاعل العامّة، فإن الشارع سيزيد الضغط على السياسيين الذين قد يكون لديهم ميل نحو التدخل، سواء كان الشأن محليًّا أم خارجيًّا، ما دام ذلك التدخل مدعومًا من الرأي العام.

وعليه فإن "أثر السي أن أن" يعتمد على تشكيل تصوّر الرأي العام، وهو ما يتبعه تأثير على أجندة صناع القرار. وبناء على ما سبق، فإنه يمكن تعريف "أثر السي أن أن"، في السياق الإنساني والليبرالي، بأنه أجندة وسائل الإعلام المستقلة التي تشجع النقاش بين العامة وترفع وعيهم؛ بهدف خلْق استجابة على مستوى السياسات الرسمية، حيالَ القضية التي تعمل على تغطيتها.

ورغم أن العامل الرئيسي الذي يبدو محوريًّا فيما يخص "أثر السي أن أن" هو السياق الإنساني للأحداث، إلا أنه ثمة عوامل مساهمة أخرى تطرّق إليها الباحثون في هذا المجال. فالتطورات التقنية في حقل الإعلام والبث والمرتبطة بالاعتماد على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة المحمولة قد جعلت نقل آخر الأخبار والعواجل بشكل مباشر ومتواصل أمرًا ممكنًا من أية بقعة في العالم (10). فالأجهزة الذكية المحمولة والمنصات الإعلامية الرقمية أتاحت لمراسلي الأخبار حرية الحركة والتنقل بعيدًا عن قيود الأسلاك، كما سهّلت وصولهم إلى مناطق النزاعات (ودون أن يلاحظهم أحد في بعض الأحيان). وعلى الصعيد الدولي والسياسات الخارجية، فإن نهاية الحرب الباردة ساهمت، بشكل مهم، في صعود "أثر السي أن أن" ليكون محركًا للسياسة الخارجية، على الرغم من التباين في التفسيرات. يجادل ليفنغستون (1997) على سبيل المثال بأن الولايات المتحدة كانت تفتقر إلى المسوغات المقنعة فيما يخص سياستها الخارجية، أما إينتمان (2004) (11) فيرى أن نهاية الحرب البادرة قد خلقت فرصة للمزيد من الاستقلالية الصحفية في تغطية الأحداث ونقلها.

وبناء على النقاش أعلاه، فإن "أثر السي أن أن" مهم للغاية وله فاعلية إيجابية، وجدواه تتصل، بشكل أساسي، بالجانب الإنساني لبعض الأحداث، إضافة إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي هذا السياق تُورِد المراجعُ المختلفة عددًا من التصريحات لصناع القرار حول مسألة استقلالية وسائل الإعلام وتأثيرها الفاعل. فعلى سبيل المثال، يورد روبنسون (2005) أن ريتشارد هولبرك، الدبلوماسي الراحل والمبعوث الأمريكي الخاص بالبلقان، أثنى على دور وسائل الإعلام في تسليط الضوء على الأزمة الحاصلة في البوسنة وكوسوفو وتحويلها إلى قضية رأي عام، ورأى أنه قد كان للتغطية الإخبارية أثر إيجابي على قرار التدخّل. ومثله السيد أنتوني ليك، المستشار الأسبق لشؤون الأمن القومي، والذي تحدث بإيجابية عن نجاح وسائل الإعلام في لفت الانتباه إلى الأزمات الإنسانية حول العالم (روبنسون). أما على مستوى السياسات، فإن السياسة الخارجية في إدارة بيل كلينتون كانت قد صيغت أيضًا للتعامل مع الأبعاد الإنسانية، وهو كذلك موقف صدر عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والذي عبر عام 1999 عن التزامه بـ "سياسة خارجية أخلاقية".

وثمة إقرار كذلك في هذا السياق بالقوة التي تحوزها وسائل الإعلام. فرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مثلًا كان قد تكهّن (12) بالدور متعاظم القوة لوسائل الإعلام في المجتمع وقدرتها على التأثير في النقاشات السياسية، على الصعيد المحلي. كما تحدث توني بلير، بحسب ما ورد في كتاب روبنسون (2005)، عن أن وسائل الإعلام- وكان يقصد السي أن أن- ستكون قادرة على دفع الحكومات على التدخل خارجيًّا في حال أفسح لها المجال لذلك.

ويجادل فريدمان (2000) (13) أنه ورغم المبالغة في تقدير سلطة وسائل الإعلام، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن صناع السياسات قد باتوا على قناعة كبيرة بتأثيرها الكبير. ويرى فريدمان أنه لو لم يحصل التدخل في كوسوفو، لعمدَت وسائل الإعلام للردّ على ذلك بتغطية نقدية.

في المقابل، لا نعثر في الدراسات المتوفرة على ما يكفي من الأدلة القاطعة التي تؤكّد على "أثر السي أن أن". فوفق ليفنغستون وبينيت (2003) (14) على سبيل المثال، وعبر النظر في تغطية السي أن أن للقضايا الدولية على مدى 8 سنوات، فإن النُّخب السياسية والمسؤولين الرسميين قد ظهروا بشكل متكرر ويشاركون في الأخبار بمعدل متزايد، على الرغم من التطور الحاصل في تقنيات جمع الأخبار وما تتيحه من التوسع في المصادر. وعلى ذات النحو وجدَت إشباو-سوها (2016) (15) أن وسائل الإعلام التقليدية قد قدمت تغطية إخبارية مكثفة للشؤون الرئاسية. وثمة دراسات أخرى، مثل كولفر وساغارزازو (2005) (16) ترى شُحًّا في الأدلة التي تدعم وجود "أثر السي أن أن"، وهذا مخالف للتكهنات التي ادَّعت أن صحفيي ما بعد الحرب الباردة سيميلون إلى ممارسة قدر أكبر من الاستقلالية في نقل الأحداث.

إلّا أن الحال على خلاف ذلك، كما يظهر في ألثاوس (2003) (17) بعرض الأدلة المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية، إذ يظهر أن وسائل الإعلام الرئيسية لا تقدم تغطية نقدية للرواية الرسمية التي تعرضها الحكومة.

ثمة مراجعات نقدية لفكرة "أثر السي أن أن" على عدد من المستويات. الأولى هي النظرة إلى وسائل الإعلام باعتبارها تتولى دورًا في صناعة السياسات ووضع الأجندات، وهو ما ينجم عنه سياسات "غير مدروسة بعناية" كما يجادل كينان (1993)، وستروبل (1996، و1997). كما نجد أن تشومسكي (1999) (18)، وهاموند وهيرماند (2000) لا يتفقون مع فكرة وجود دوافع إنسانية خلف جميع التدخلات العسكرية. بل إن تشومسكي (1999) وهاموند وهيرمان (2000) يرون أن التدخلات العسكرية ليست إلا امتدادًا للقوة السياسية التقليدية التي تستغل السياق الإنساني لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية للحكومات الغربية. مثل هذه الآراء تثير تساؤلات بخصوص مدى استقلالية وسائل الإعلام. فإن لم تكن وسائل الإعلام مستقلة، فما هي إذن طبيعة العلاقة بين السلطة أو صناع القرار ووسائل الإعلام؟

تقدم نظريات "صناعة[SAS1]  القَبول" (Manufacturing Consent) تفسيرًا بديلًا حول دور وسائل الإعلام، وتُعرِّف طبيعةَ التفاعل بين وسائل الإعلام والسلطة. يحيل مصطلح "تصنيع القَبول" عمومًا على نطاق من النظريات التي تشكك في استقلالية وسائل الإعلام وتركز على دور الحكومات في تشكيل أجندة الأخبار (روبنسون 2002). وبمعناها الأوسع، فإن ما كُتب عن "تصنيع القبول" يرى أن الحكومات أو النخب السياسية (صناع السياسات) لهم القدرة على التأثير في شكل المخرجات التي تظهر على وسائل الإعلام. ويتم ذلك عبر آليات محددة تخلق ممارسات صحفية تحضر فيها "الرقابة الذاتية" وبقوّة. أما مخرجات هذه الممارسات فتؤدي إلى مقاربة كافة الأحداث بشكل متسق مع نظرة النخب السياسية والاجتماعية. وثمة عدد من النظريات التي يمكن الاعتماد عليها لتوضيح أثر وسائل الإعلام وطبيعة علاقتها مع الحكومات.

من بين التفسيرات الممكنة يبرز "نموذج البروباغاندا" الذي وضعه هيرمان وتشومسكي (1998) (19)، ويرى أن وسائل الإعلام الرئيسية المملوكة لمؤسسات خاصة تمتلك القدرة والتأثير -بواسطة الإعلام- على حماية مصالح النخب السياسية والاجتماعية. ويفترض هذا النموذج أن مؤسسات الإعلام الإخبارية تقدم المعلومات للعامة بما يتسق مع تصورات واعتبارات النخب السائدة. ووفقًا لهذا التعريف ينتفي افتراض الاستقلالية لدى وسائل الإعلام، ويظهر أنها، بخلاف فكرة "أثر السي أن أن"، ليست مؤسسات مدفوعة بالحدث نفسه. هنالك في المقابل عدد من الإشكالات في هذا النموذج، منها مثلًا أنه لا يأخذ بالاعتبار المؤسسات الإعلامية في بعض الديمقراطيات الغربية مثل المملكة المتحدة وألمانيا والدول الإسكندنافية؛ وهي مؤسسات تابعة للقطاع العام (20).

 

4
"أثر سي أن أن" لا يمكن أن يؤدي وظيفته ما لم تكن الصحافة مستقلة (تصوير: نيل هول - إ ب أ).

 

وبعيدًا عن نوع الملكية للمؤسسات الإعلامية، فإن هنالك على الدوام قيودًا تَحُول دون التغطية الإعلامية بشكل يعكس حقيقة الأحداث على نحو كامل، ويعيد إلى الواجهة سؤال استقلالية وسائل الإعلام. يحدد بورديو (2001) (21) عددًا من القيود ذات الصلة التي تقع على كل من وسائل الإعلام التابعة للقطاعين العام والخاص، ومنها العوامل السياسية والاقتصادية، والتي تخلق حالة من الرقابة وتحرم العامة من معرفة الحقيقة الكاملة. وعليه فإن الأجندة التي تضعها وسيلة الإعلام ليست مستقلة، وهي لا محالة مرتبطة بشكل أو بآخر بتأثيرات السلطة أو النخب التي لها القدرة على التلاعب بهذه القيود. فمن الوارد مثلًا أن ترتبط هذه القيود بالحاجات التمويلية للمؤسسة الإعلامية، وهو ما يثير حالة من المنافسة بين المؤسسات الإعلامية على حصتها في السوق وعلى الإعلانات والرعايات الإعلامية. أما في وسائل الإعلام المملوكة للقطاع العام، فقد يكون للحكومة السيطرة الكافية عبر المخصصات المالية للمؤسسات التابعة لها، ولها القدرة عبر ذلك على توجيه أجندة الأخبار فيها (بورديو 2001). في هذا السياق، يرى روبنسون (2002) وجود نسخة "تنفيذية" من صناعة القبول يكون فيها مسؤولون في الحكومة أعضاء في المجالس التنفيذية للمؤسسات الإعلامية. هذه النسخة تعبر عن المدى الذي يمكن أن يتطابق به محتوى الأخبار مع الخط الرسمي الذي تحدده الحكومات.

ثمّة نسخة أخرى على الطرف المقابل، وهي النسخة "النخبوية"، والتي تشير إلى مدى اتساق التغطية الإخبارية مع آراء وتصورات النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون أن تكون هنالك حاجة لتولي أفراد هذه النخب أي مناصب اجتماعية أو سياسية (روبنسون 2002).

وغير بعيدٍ عن افتراض الاستقلالية ضمن مفهوم "أثر السي أن أن"، ينحو بينيت (1991) (22)، وبينيت وآخرون (2006) منحى مختلفًا قليلًا عن المقاربات الماضية. فيقدّم بينيت (1991) الفرضية التوجيهية (Indexing hypothesis)، والتي ترى أن الأخبار المرتبطة بحدثٍ ما تتحول من التمحور حول الحدث نفسه إلى التأثر بقيود المعايير الصحفية التي تشتمل على العمل ضمن أطر توجيه القصّة الصحفية بما يتسق مع وجهات النظر والرواية التي تحظى بالإجماع عليها لدى السلطة والنخبة. وبعبارة أخرى، فإن هذه الفرضية ترى أن وسائل الإعلام قد تتعاطى مع حدث ما كما هو متوقع وفق مفهوم "أثر السي أن أن"، وتُظهر ميلًا نحو الاستقلالية النسبية في فرض أجندة الأخبار، إلا أنها بعد ذلك تصطدم بقيود الممارسات الصحفية التي توجه القصة والأحداث وفق وجهة نظر السلطة أو النخبة. هذه النظرية وفق ما يرى بينيت (2006) تتيح ملاحظة كلا العنصرين ومدى تأثيرهما في التغطية الإخبارية، أي التمحور حول الحدث وتوجيه الحدث. لتوضيح ذلك يستخدم بينيت (2006) مثال فضيحة "أبو غريب"، حيث ظهر نموذج التغطية التي يحرّكها الحدث بسبب التسريبات التي اشتملت على نشر صور ووثائق لم تستطع الحكومة السيطرة عليها. ثم سرعان ما ظهر نموذج التوجيه، وقد بدأ ذلك وفق بينيت وآخرون (2006) حين انخرط مسؤولون وشخصيات في الكونغرس بالمسألة وأدلوا بتصريحات، وعقدوا جلسات استماع رسمية ونشروا وثائق تشجب التعذيب وتستنكر التسريبات المرتبطة بالفضيحة. لكن المسؤولين، في إدارة بوش حينها، وضعوا إطارًا عامًا بوسعه "احتواء" كافة الروايات ويتجاوز كافة الأدلة المتوفرة (Bennett et al, 2006). إضافة إلى ذلك، فإن الأمر حين يتعلق بفضائح المسؤولين، فإن وسائل الإعلام الأمريكية لا تخضع لنسق معيّن وتكون انتقائية في تغطيتها، ما يحول في معظم الحالات دون مساءلة الحكومة (23).

وأخيرًا، فإن هذه المقالة قد سعت بشكل أساسي إلى توضيح مفهوم "أثر السي أن أن" وبيان أهميته، وهو مفهوم بدأ بشكل عملي بعد نهاية الحرب الباردة وفي الفترة التي تعزَّزَ فيها حضور التقنيات الحديثة في مجال البث التلفزي. وعلى الرغم من الجدل الدائر حول الحرب الباردة وأهميتها في هذا السياق، إلا أنها أسهمت في نشأة مفهوم وممارسة صحفية ذات انعكاسات واضحة على صعيد صناعة السياسات. وعلى ضوء النقاش أعلاه يمكن الجدال -نظريًا- بأن "أثر السي أن أن" مفهوم ذو صلة وتأثير في وضع الأجندة لغايات تتعلق بصنع السياسات، إلا أن ثمّة أدلة نظرية وعملية أخرى لا تؤيّد "أثر السي أن أن". وثمة مقاربات أخرى ذات صلة بنظرية التوجيه، والتي تلحظ جانب التغطية التي يحركها الحدث من جهة، وجانب "صناعة القبول" والذي يتعارض بشكل جوهري مع فكرة استقلالية المؤسسات الإعلامية عن تأثير النخب المختلفة في وضع أجندة الأخبار وتوجيهها.

 

المراجع:

 

 

 

المزيد من المقالات

الصحافة والسوسيولوجيا.. الحوار الحذر

لا يمكن أن توجد الصحافة والسوسيولوجيا على طرفي نقيض، لأنهما تنطلقان من نفس المبدأ: بناء الحقيقة الاجتماعية بتوظيف نفس الأدوات تقريبا. لكن بينهما سوء فهم، وكثير من الحذر. عالم الاجتماع يقول إن الصحفي اختزالي وسطحي، والصحفي يقول إن السوسيولوجي يغلق على نفسه في البيت.

محمد أحداد نشرت في: 6 أبريل, 2021
التسريبات في تونس.. الصحافة تدخل "الغرف المظلمة"

تحول جزء من الصحافة التونسية إلى فضاء للتسريبات والتسريبات المضادة، لكن نادرا ما طرح السؤال عن المعايير الأخلاقية والمهنية في التحقق منها، ومدى ملاءمتها للمصلحة العامة..

أمين بن مسعود نشرت في: 28 مارس, 2021
أخلاقيات الصحافة الرقمية.. تحولات دائمة

 نشرت صحيفة "إلباييس" الإسبانية يوم 8 فبراير/شباط 2021، مقالا مطولا حول فاجعة إنسانية أليمة حصلت شمال المغرب،

يونس مسكين نشرت في: 22 مارس, 2021
آلان جريش: الصِّحافة في فرنسا يتحكَّمُ فيها رجالٌ بيضٌ يمينيون "لا يُحِبُّون الإسلام"

للصّحفيّ "آلان جريش" تاريخٌ طويل في الدفاع عن القضية الفلسطينية وعن الإسلام في وسائل الإعلام؛ إذ كان دائمًا مُعارِضًا للصورة التنميطيّة التي تصوِّرُ المسلمين على أنّهم يحتضنون الإرهاب. وفي كلّ القضايا الهُويّاتيّة الحادّة التي عاشَتها فرنسا، كان "جريش" -الذي يُدير اليوم مجلة "أوريان 21"- يقفُ وأحزاب اليمين والحكومة الفرنسية على طرفَي نقيض. والأهمُّ من ذلك، أنّه يُعَدُّ من الأصوات الصّحفية القليلة التي لا ترغبُ في النَّظَر إلى المسلمين وقضاياهم وفق أحكام جاهزة مُسَبَّقًا. في هذا الحوار مع "مجلة الصِّحافة"، يشرح جريش الأسبابَ التي تجعلُ الصِّحافة الفرنسيّةَ تستعدي المسلمين؛ مُتغذِّيَةً بخطابِ اليمين المتطرِّف، قبلَ سنةٍ واحدةٍ فقط من الانتخابات الرئاسية.

حنان سليمان نشرت في: 21 مارس, 2021
بايدن والصِّحافة.. هل هي حِقْبَةٌ جديدة؟

بات جلياً أن الرئيس الأميركي جون بايدن يعمل جيداُ لرأب الصدع الذي أحدثه سلفه ترامب بعلاقة الرئيس مع الإعلام، ولكن هل سيتعاملُ الإعلامُ مع بايدن على أساس أنّ ولايته هي الولاية الثالثة لأوباما؟

نوال الحسني نشرت في: 2 مارس, 2021
تمويل الدورات التدريبية.. حق قد يراد به باطل

في الظاهر، الدورات التدريبية للصحفيين لا محيد عنها لامتلاك مهارات جديدة، لكن حين تمول من دول أجنبية، بتركيز شديد على قضايا محددة، يصبح مشروعا طرح السؤال: هل تريد المنظمات أن تخلق صحفيا مقولبا مفصولا عن بيئته الثقافية والاجتماعية؟

يونس مسكين نشرت في: 23 فبراير, 2021
قصة الطرد "المسموم" ولعنة الرواية الرسمية

في تونس، وبينما كان الرئيس يروّج لقضية الظرف المسموم، كان الصحفيون في الجهة الرسمية، يتبنون هذه الرواية دون تحقق أو تشكيك. في عصر التواصل الاجتماعي، لم يعد للصحفيين من مبرر لاحتضان الرواية الرسمية سوى السقوط في فخ الدعاية.

أروى الكعلي نشرت في: 14 فبراير, 2021
كيف نظّمت الصحافة العلمية العلاقة بين العلم والعموم؟

ليس من مَهامِّ الصحفيّ فقط أن يبسط المعطيات العلمية وأن يجعلها متاحةً للجمهور، بل عليه أن يتقصّى في مراحل البحث والتثبت من النظريات. يجب أن يكون ذلك جزءًا من عمله؛ لأن الرأي العام تهمه المعلومة، لكن يهمه أيضا مسارها.

ملاك مكي نشرت في: 7 فبراير, 2021
لماذا صحافة حقوق الإنسان؟

في زحمة الأخبار السياسية والأمنية ضاعت القصة الإنسانية. لماذا تكتسي صحافة حقوق الإنسان أهمية قصوى اليوم؟ وكيف يمكن للصحفي أن ينتشل نفسه من "منطقة الراحة"، حيث ينتقل من مجرد ناقل للخبر السياسي إلى متشابك مع هموم الناس وأوجاعهم ليمارس دوره في مراقبة السلطة.

مصطفى سعدون نشرت في: 3 فبراير, 2021
الإعلام سلاح الحرب والسلام.. بين المبادئ المهنية والمسؤولية الاجتماعية

الحرب قبل كل شيء "عرض إعلامي"، لكن الصحافة يجب أن تضيف إلى أدوارها أن تكون فاعلا في السلام، لا وقودا في النزاعات والصراعات. هذه دراسة عن "دعم مسارات التغيير السياسي للمجتمعات بوسائل سلمية تحفظ السلم والانسجام بين القوى والشرائح المكونة للمجتمع".

نزار الفراوي نشرت في: 31 يناير, 2021
"جماعي".. الصحافة الرياضية أيضا ضد السلطة

صحيفة رياضية تحقق في قضية سياسية، ثم يتحول التحقيق إلى قضية رأي عام تطيح بوزير الصحة. "جماعي" فيلم يروي بالتفاصيل كيف استطاع صحفيون "خارج اختصاصهم" أن يكشفوا فساد السلطة، وفساد المنظومة الصحية التي قتلت عشرات الأبرياء.

شفيق طبارة نشرت في: 25 يناير, 2021
النزاهة المهنية أهم ضامن لحماية الصحفيين

في الحرب، تمتد ساحة المعركة إلى حيث الأفكار حتى تتعرّض للاضطهاد وهذا يشمل الإعلام. فمختلف الأطراف أو الفصائل تتصارع للفوز بتأييد الجمهور. غير أنه في النزاعات الأخيرة، نرى بشكل متزايد أن الصحافيين لا يكتفون بأن يكونوا شهوداً أو مراسلين في هذه الصراعات بل أصبحنا، من حيث التعريف، أدوات تستخدم لخوض الحرب نفسها.

بيتر غريستي نشرت في: 24 يناير, 2021
التمويل الأجنبي أفسح المجال لحرية التعبير خارج الضغط السياسي

ديانا مقلد، من مؤسسي تجربة "درج" المستفيدة من التمويل الأجنبي، تتحدث لـ "مجلة الصحافة" عن تجربتها، وتجيب عن الأسئلة "الحارقة" حول تأثير أجندات الممولين على مصداقية المؤسسات العربية وعلى المبادئ العامة التي تؤطر مهنة الصحافة.

مجلة الصحافة نشرت في: 19 يناير, 2021
تحقيق صحفي حول جملة منسية.. "الإخبار حماية للشعب"

"الإخبار حماية للشعب"، كانت محل بحث استقصائي لصحافي فرنسي راح يبحث عن جذور حماية التعبير في ظرفية تشهد "بلاد الأنوار" احتجاجات متواصلة ضد قانون مكمم لأفواه السلطة الرابعة.

محمد مستعد نشرت في: 3 يناير, 2021
ليس خيرا كله وليس شرا كله

التمويل الأجنبي للصحافة العربية لا يمكن أن يخضع لنظرة حدية مطلقة، فالكثير من التجارب أسست لصحافة تثير ما يحاول السياسي إخفاءه بسب تقديس "القيم الوطنية"، لكن الكثير منها أيضا تقدم النموذج الغربي بأنه الأمثل لكل شعوب العالم. هذه نظرة كاتب إسباني عن التمويل الأجنبي للمؤسسات الإعلامية العربية.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 23 ديسمبر, 2020
"غياب الحقد".. عن "اللون الأصفر" للحقيقة

الصحافة مهنة نبيلة، لكنها تؤدي وظائف غير نبيلة في الكثير من الأحيان: تختلق القصص، تغتال سمعة الناس وتضعهم في قفص الاتهام قبل أن يقرر القانون ذلك. "غياب الحقد" فيلم للمخرج الأميركي سيدني بولاك، يناقش بعمقٍ قدرة الصحافة على التحول من مدافع عن الحقيقة إلى مقوّض لها.

شفيق طبارة نشرت في: 22 ديسمبر, 2020
التمويل الأجنبي.. "استعمار جديد" أم بحث عن استقلالية مفقودة؟

في قضية التمويل الأجنبي للمؤسسات العربية ثمة فريقان كبيران، كلاهما يتوفر على صك دفاع يراه صائبا: الأول يقول إنه وسّع هامش الحرية وكسر الاستقطاب السياسي وسطوة المعلنين، بينما يرى الثاني أن التمويل ينطوي على أجندات تتخذ من "الاستقلالية" و"التنمية" يافطة من أجل ترسيخ "الاستعمار الجديد".

أحمد أبو حمد نشرت في: 21 ديسمبر, 2020
الصحفي والرئيس

السياسيون أصبحوا أكثر انزعاجا من الصحفيين. يريدون منهم أن "يكونوا لطفاء". ماكرون يرفض أن ينشر خبر عن لقاء ممثلين له بمسؤولي حزب الله وترامب يرفض تفعيل "خاصية" تدقيق التصريحات. بين السلطة والصحافة خطوط تماس كثيرة، كيف يدبرها الصحفيون، وأين تبدأ المهنة وأين يجب أن تنتهي الصداقة؟

محمد أحداد نشرت في: 13 ديسمبر, 2020
التمويل الأجنبي والاستشراق.. في الحاجة إلى الصحفي العضوي

قبل أن يكتب أنطونيو غرامشي أطروحته الشهيرة حول "المثقف العضوي" في سجنه، كان صحفيا يقرأ مجتمعه وينظر في أسباب مشكلاته والكيفية التي تُحل بها. فما مدى حاجتنا اليوم لأجندة صحفية تنطلق من واقع المجتمع المحلي بعيدا عن إملاءات مؤسسات التمويل الغربية؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2020
الإعلام اليميني.. حينما تصبح الكراهية مجرد حرية تعبير

لم يتوان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مهاجمة ما أسماه التطرف الإسلامي، لكنه لم يشر، ولو بكلمة واحدة، أنه توصل بتقرير من لجنة حقوق الإنسان، يثبت أن "الخطاب العنصري تحرَّر في وسائل الإعلام الفرنسية وصار عاديًّا وغير صادم".. كيف يوظف اليمين وسائل الإعلام لنشر خطاب الكراهية والعنصرية؟ ولم أصبحت مواضيع الإسلام والأقليات "بضاعة" رائجة للصحافة الفرنسية؟

علاء الدين بونجار نشرت في: 7 ديسمبر, 2020
نقاش حول الحياد في الصحافة

أثارت اتهامات صحفيات لمذيع دنماركي شهير بالتحرش، نقاشا تحريريا عميقا حول قدرتهن على ضمان كتابة قصص مهنية وحيادية في موضوع يهمّهن بشكل مباشر. مواثيق المهنة في الغالب لا تمنع الصحفيين من أن تكون لديهم تحيزات أو انتماءات، لكنها تمنع عليهم أن تؤدي إلى التأثير على القصص الإخبارية.

أحمد أبو حمد نشرت في: 1 ديسمبر, 2020
"هذا ليس فيلمًا".. عن قصة روبرت فيسك

"يجب أن تبحث عن الحقيقة في الميدان"، هذه كانت وصية روبرت فيسك الأخيرة التي خلدها "هذا ليس فيلما" للمخرج بونغ تشانغ. يروي فيسك قصته مع الراغبين في إخفاء الحقيقة وتبني رواية واحدة هي رواية الغرب دون تمحيص ودون مساءلة السلطات.

شفيق طبارة نشرت في: 29 نوفمبر, 2020
الغرب يشكل "مخيالا" عربيا جديدا

قبل سنوات أصدر المفكر المغربي حسن أوريد كتابه "مرآة الغرب المنكسرة". كان من بين محاوره الكبرى أنه يسعى إلى التدخل عن طريق الإعلام لتشكيل رأي عام جديد. في المقال، شرح مفصل لكيفية توافق الرؤى الإعلامية بين الغرب وتوجهات الأنظمة العربية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

حسن أوريد نشرت في: 24 نوفمبر, 2020
الانتخابات الأميركية.. رحلة الصحفي عكس التيار

بينما كان معظم الصحفيين مأسورين بصورهم أمام البيت الأبيض أو في التجمعات الانتخابية، كان موفد الجزيرة إلى العاصمة الأميركية محمد معوض يبحث عن القصص الإنسانية العميقة في الضواحي والهوامش. اختار معوض أن يتحرر من الأرقام ومن الرأي والتحليل، كي يبحث عن زوايا قد تسعف في فهم السياق الثقافي والاجتماعي الأميركي.

منتصر مرعي نشرت في: 29 أكتوبر, 2020