مشهد من الفيلم

فيلم "لا شيء غير الحقيقة".. ضريبة الدفاع عن المصادر

يتعلق الأمر بالصعوبات والتحديات التي تواجه الدور الاستقصائي والرقابي للصحافة حتى في بلد ديمقراطي كالولايات المتحدة الأمريكية. تلك هي الفكرة الرئيسة التي يتناولها فيلم "لا شيء غير الحقيقة"، للمخرج رود لوري.

يبدأ الفيلم بعرض أحداث صاخبة وحالة من الجلبة بسبب قيام جهة مجهولة بمحاولة لاغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهي العملية التي باءت بالفشل، فتقرر الإدارة الأمريكية توجيه مقاتلات لقصف قواعد عسكرية فنزويلية؛ إذ تجاهل الرئيس الأمريكي معلومات من وكالة الاستخبارات الأمريكية قبل إصدار الأمر بتوجيه تلك الضربات.

ثم تأخذ الأحداث منحى خطيرا عندما ستتمكن الصحفية راشيل أرمسترونغ المراسلة السياسية لصحيفة "الكابيتول صن تايمز" بواشنطن من الحصول على المعطيات التي تنفي تورط الفنزويليين في العملية. وقد استندت إلى المعطيات التي توصلت إليها العميلة السرية إيريكا فان دورين التابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكية، والتي أُرسِلَت إلى فنزويلا لجمع المزيد من المعطيات عن المتورطين المحتملين في محاولة الاغتيال التي استهدفت رئيس الإدارة الأمريكية، حيث أبلغت رؤساءها بعدم وجود أي شيء يفيد تورط الفنزويليين في تلك العملية، وهو الأمر الذي تستَّرت عليه واشنطن لأسباب ترتبط بالأمن القومي الأمريكي. 

خلصت الصحفية، وهي تتقصى الحقائق، إلى بطلان دوافع الاعتداء على فنزويلا. راشيل أرمسترونغ ستتلقى كل الدعم من رئيسة تحريرها بوني بنيامين، ومن كبير مستشاري الصحيفة الذي وافق على نشر تحقيقها الذي ستفضح فيه زيف المبررات التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية للاعتداء على فنزويلا. ولأن الصحفية كانت مقتنعة بحقها في نشر ما توصلت إليه، فإنها لم تتردد في القيام بذلك؛ لأن حقوقها مصونة وفقا لما هو محدد في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: (لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود)، ومحمية دستوريا فيما يتعلق بالحق في تلقي المعلومات ونشرها بمقتضى ما تنص عليه مضامين التعديل الأول من الدستور الأمريكي الذي تم إقراره في 15 ديسمبر من سنة 1791، وينص التعديل على ما يلي: "لا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة". 

وفور نشر راشيل للخبر بدعم من جل طاقم صحيفتها، تحول الأمر بسرعة إلى قضية رأي عام، ما خلق حالة من الاستنفار في دوائر صنع القرار الأمريكي إلى درجة رأت معها تهديدا للأمن القومي. 

لقد أدى ذلك إلى التصادم بين السلطة الرابعة والسلطة التنفيذية؛ التي قررت إرسال المدعي العام الوطني باتون دوبوا -وهو شخصية فظة- لإقناع راشيل بالكشف عن مصادرها، وعندما رفضت، أحالها إلى المحكمة، مستندًا إلى قانون ينص على أن كل من كشف هوية أحد عملاء وكالة المخابرات المركزية يكون قد ارتكب خيانة، وأن التسريب حول تقرير العميلة يعرِّض الأمن القومي الأمريكي للخطر.

وسعيا إلى حمايتها من المتابعة القضائية، يتبنى المحامي ألبرت بيرنسايد قضيتها، وهو واثق من قدرته على ربح بعض الوقت لها. ولكن عندما ترفض إفشاء مصادرها في بداية المحاكمة، يتوجه إليها القاضي في المحاكمة قائلا: "سيدة أرمسترونغ، أريدك أن تفهمي أنه في حال طلبت منك أن تكشفي عن مصدرك، ولم تفعلي ذلك، فسأقوم بإيقافك بتهمة ازدراء المحكمة، وسيتم احتجازك". إصرارها على حماية مصادرها بدعم من محاميها الذي توجه للقاضي قائلا: "لا أستطيع أن أنصح موكلتي بأن تخون ما آمنت به" سيؤدي إلى سجنها، في محاولة من المحكمة لإرغامها على تغيير موقفها. 

إلى حدود هذه المرحلة من الأحداث، يبدو أن المخرج قد نجح في أن يوضح لنا بأن السياسة في كل الأحوال ليست تعبيرا عن الخير المطلق، ولا هي تتحرك دوما لخدمة من يسعى لتجسيد قيمه، إنما تسعى في حركتيها التاريخية إلى الحفاظ على الهدنة الاجتماعية ومحاصرة بؤر التوتر، وأحيانا تحت غطاء أن الحكومة تدافع بدورها عن المبادئ باسم المصلحة العليا للبلاد، بصرف النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه الأفراد. أي إن القانون في مثل هذه الحالة صار جهازا أيديولوجيا تتمثل وظيفته في شرعنة السيادة والسيطرة وتخليدها، فيتحول الفرد إلى مجرد رقم مجهول في معادلة المصالح الخفية.

تصميم الصحفية على قول الحقيقة والاستمرار بصلابة في حماية مصادرها سيكلفها خسارات كبرى؛ ففضلا عن السجن، ستنهار علاقاتها الزوجية براي أرمسترونغ الذي سيدخل في علاقة غرامية مع امرأة أخرى، كما ستتأثر علاقتها سلبيا بابنها تيموثي البالغ من العمر سبع سنوات، والذي سيتردد -في البداية-  لزيارتها في السجن، ولكن حرصا منها على صحته النفسية، ستقرر عدم عودته لزيارتها مرة أخرى، قبل أن تفقد حضانته لاحقا. 

وفي السجن ستجد نفسها مجبرة على الدخول في شجار عنيف مع إحدى النزيلات التي سعت إلى احتلال سريرها، وهو ما سيعرضها لضرب مبرح نُقِلَت على إثره إلى المستشفى. كما أن قضيتها، على المستوى الإعلامي، لم تعد بالزخم نفسه كما كان الأمر في البداية، وهو ما حرر الحكومة من ضغط الرأي العام، كما صرحت لها بذلك رئيسة تحرير صحيفتها بوني بنجامين في زيارة لها. 

ورغبة منها لإعادة قضيتها إلى دائرة الضوء، وافقت راشيل على مقابلة تلفزيونية، وفي مقطع معبر جدا على التزامها بما آمنت به بصفتها صحفية، وتأكيدا على صمودها ضد تعسف السلطات الفدرالية، قالت لمحاورتها: "كل صحفي حقيقي سيكون جاهزا لأن يذهب للسجن من أجل أن يحمي مبادئه". 

موقفها المعبر عن حق الفرد في حرية التعبير، وعن حقه في أن يكون سيد أفكاره وسيد أفعاله وممارساته، يذكرنا بالتعريف الذي نسبته الفلسفة الحديثة للإنسان؛ وهو كائن الاختيار الحر عند ديكارت، وذروة هذه الفلسفة تمثلت في مرافعة المحامي القوية جدا "برنسايد" عن الصحفية راشيل أرمسترونغ أمام قضاة للمحكمة العليا؛ إذ قال لهم وهم مشدوهون لفصاحته وبلاغته: "السلطة أصبحت نافذة ومتغلغلة، والسيدة أرمسترونغ  كان بإمكانها أن تتخلى عن مبادئها وتذهب إلى منزلها، لكنها لم تفعل ذلك.. وهذا يعني أن ألا مصدر سيتحدث لها ولصحيفتها مجددا، وفي الغد عندما نسجن صحفيين آخرين من صحف أخرى سنجعل تلك الصحف تفقد وظيفتها الحقيقية، وهذا ما يجعل التعديل الدستوري الأول في غير محله". ويردف متسائلا: "ولكن كيف لنا أن نعرف إن كان الرئيس قد قام بالتغطية على جرائم؟ أو إن كان ضابط في الجيش قد أصدر أمرا بالتعذيب؟ حينئذ سنكون أمة غير قادرة على جعل من لديهم سلطة قابلين للحساب مثل الذين ليس لديهم سلطة. وكيف ستكون طبيعة الحكومة عندما لا يساورها أي شعور بأنها خاضعة للمحاسبة؟ يجب علينا أن نهتز لهذه الفكرة. أن نسجن الصحفيين هو مسلك الدول الأخرى التي تخيف شعوبها... بدأت أشعر بالضغط البشري على موكلتي، لكن عندما قابلتها أدركت أنه مع شعب رائع لا يوجد فرق بين المبدأ والشخص".

الوفاء للمبادئ المهنية والإنسانية هو ما يفاجئنا به المخرج في آخر مشاهد الفيلم، عندما يعود بنا إلى بداية الأحداث فنكتشف بأن مصدر المعلومة للصحفية راشيل هي الطفلة أليسون ابنة عميلة المخابرات وزميلة ابنها في المدرسة.

إن رسالة هذا العمل السينمائي تذكرنا بأمرين: الأول أن أحد أدوار السينما بالدول الديمقراطية هو التربية، والثاني -وهو الذي يهمنا هنا- أن حرية الصحافة في القيام بدورها الاستقصائي والرقابي ضرورية وحيوية لحماية التجربة الديمقراطية، وأنه لا وجود لوطن حر إلا بمواطنين أحرار. 

 

المزيد من المقالات

"عمالقة التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة"

في العدد السابق من مجلة الصحافة، كان السؤال المؤرق الذي يشغلنا: كيف تؤثر الخوارزميات على الممارسة الصحفية. في هذه المراجعة حول كتاب"عمالقة التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة"، يقدم كاتبه رؤية نقدية حادة ضد شركات التكنولوجيا بفعل سعيها المستمر إلى إلغاء دور الصحفيين في إنتاج القصص الصحفية، والقضاء على المؤسسات الصحفية الجادة.

عثمان أمكور نشرت في: 27 ديسمبر, 2021
كتاب السرد في الصحافة.. "نحو ممارسة واعية في الكتابة"

أصدر معهد الجزيرة للإعلام كتاب "السرد في الصحافة" كمحاولة تأسيسية أولى في العالم العربي لمساعدة الصحفيين على بناء قصة صحفية جيدة.

جمال الموساوي نشرت في: 20 ديسمبر, 2021
أخبار سيئة، أخبار جيدة.. قراءة في كتاب "إبستيمولوجية الأخبار الزائفة"

قيمة الأخبار أنها تسائل السلطة، لكن حين تنتشر المعلومات الزائفة تقوض إحدى آليات المساءلة الديمقراطية. "إبستيمولوجية الأخبار الزائفة" كتاب صادر عن جامعة أوكسفورد يشرح كيف تحولت إلى وسيلة لتصفية المخالفين والمعارضين في الأنظمة الشمولية. 

عثمان أمكور نشرت في: 5 ديسمبر, 2021
"438 يوما".. من التحقيق في فساد شركات النفط إلى "سجن شيراتون"

صحفيان سويديان يقرران التحقيق حول تأثير تنقيب الشركات الكبرى عن النفط على السكان المحليين شرق إثيوبيا، ثم يجدان أنفسهما في مواجهة "النيران" حينما قررا الدخول خفية من الحدود الصومالية. بأسلوب سردي، يحكي الصحفيان كيف عاشا تفاصيلها في "سجن شيراتون" حيث يعيش السجناء السياسيون أبشع أنواع التنكيل بينما هيلاري كلينون تمتدح غير بعيد من السجن الرئيس الإثيوبي.

عبد اللطيف حاج محمد نشرت في: 1 ديسمبر, 2021
محمد كريشان يروي: وإليكم التفاصيل

كان محمد كريشان من الجيل الأول المؤسس لقناة الجزيرة. عايش مخاض التأسيس وكان شاهدا على التحولات الكبرى للقناة التي تحتفل هذه الأيام بمرور ربع قرن من عمرها. هذه قراءة في كتابه الجديد، الذي يحكي سيرته الحياتية والمهنية واللحظات المفصلية في تكوينه الصحفي والسياسي.

محمد عبد العزيز نشرت في: 3 نوفمبر, 2021
"غياب الحقد".. عن "اللون الأصفر" للحقيقة

الصحافة مهنة نبيلة، لكنها تؤدي وظائف غير نبيلة في الكثير من الأحيان: تختلق القصص، تغتال سمعة الناس وتضعهم في قفص الاتهام قبل أن يقرر القانون ذلك. "غياب الحقد" فيلم للمخرج الأميركي سيدني بولاك، يناقش بعمقٍ قدرة الصحافة على التحول من مدافع عن الحقيقة إلى مقوّض لها.

شفيق طبارة نشرت في: 22 ديسمبر, 2020
"الصحافة الثقافية" وقد أصبحت مساقا جامعيا

مثلما كان يُنظر للثقافة، كان يُنظر للصحافة الثقافية، مجرّد ترفٍ قد يحضر أو يغيب على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون. وفي الجامعة، لم تحظ بالاهتمام الكافي. كتاب "الصحافة الثقافية" الصادر عن مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، يؤسس لمساق إعلامي جديد يعيد الوهج للتغطية الصحفية للشأن الثقافي.

سعيد أبو معلا نشرت في: 12 نوفمبر, 2020
دليل التحقق من عمليات التضليل والتلاعب الإعلامي

إصدار جديد لمعهد الجزيرة للإعلام بالتعاون مع مركز الصحافة الأوروبي... "دليل التحقق من عمليات التضليل والتلاعب الإعلامي" ... آليات التحقق على المنصات الرقمية والتحرّي عن حسابات التواصل الاجتماعي للكشف عن الأنشطة الموجهّة وعمليات التلاعب بالمحتوى.

مجلة الصحافة نشرت في: 13 أكتوبر, 2020
التغطية الإعلامية الفرنسية لقضايا ”الإرهاب“

بين الإعلام والإرهاب علاقة وثيقة.. الإرهاب يبحث دائما عن الحضور الإعلامي، فلا وجود لعملية إرهابية في السياق المعاصر خارج الدورة الإعلامية.

محمد البقالي نشرت في: 18 مايو, 2017
تنظيم غرف الأخبار لصحافة استقصائية أفضل (1)

بدأ الأمر بصندوق من الورق المقوى مليء بقصاصات الصحف. عام 1947 قام رودولف أوغستين Rudolf Augstein مؤسس وناشر دير شبيغل، بإصدار تعليماته بوجوب جمع الأعداد السابقة وحفظها في أرشيف.

هوك ينسن نشرت في: 18 أبريل, 2017
البحث عن الحقيقة في كومة الأخبار الكاذبة

تزدحم الشوارع العربية بالأحداث الساخنة التي راجت فيها بدائل الإعلام التقليدي بسبب رفض الإعلام التقليدي نشر رواية مخالفة للرواية الرسمية، الأمر الذي جعل التغطيات الصحفية في العالم العربي محل دراسات

مجلة الصحافة نشرت في: 16 مارس, 2017
اتجاه الصحف للاعتماد على صحافة المواطن

يعد مصطلح "صحافة المواطن" تسمية حديثة في المشهد الصحفي على المستوى الدولي والعربي، وهو إشارة إلى تيار جديد تم تشكّله تبعاً لعالم من الإعلام الجديد وتكنولوجيا الاتصال، ونتيجة لاحقة لنقد متواصل لواقع

مبارك بن زعير نشرت في: 21 فبراير, 2017
إستراتيجيات استخدام الشبكات الاجتماعية خلال الأزمات والكوارث

من الثورات العربية إلى بريطانيا مروراً بماليزيا وإعصار هاييتي وحوادث تحطم واختفاء طائرات وصولاً إلى انقلاب تركيا "الفاشل" والعمليات الإرهابية في ألمانيا وفرنسا وغيرهم...نماذج عدة تكشف عن تأثير استخ

محسن الإفرنجي نشرت في: 16 ديسمبر, 2016
الفيديوهات الإخبارية الإلكترونية تغير المعادلة

بين القصة المفعمة بالمشاعر الإنسانية والعاطفية والقصة المبنية على حقائق وأرقام جامدة تدور الحكاية.. حكاية إنتاج فيديوهات إخبارية إلكترونية تقدم الموضوعات بنكهة جديدة شكلا ومضمونا..

محسن الإفرنجي نشرت في: 9 ديسمبر, 2016
في الصحافة.. للحقيقة وجوه عدّة

تعاظمت الأدوار والوظائف المنوطة بالإعلام مُنذْ مدةٍ ليست قصيرة، حيث لم تعد مقتصرةً على وظيفة الإخبار (informer) التقليدية، بل أصبحت وسائل الإعلام تتكفل بوظائف جمّة كالبحث والتحليل والتفسير والتحقيق

بشير الكبيسي نشرت في: 14 سبتمبر, 2016
"تاريخ نظريات الاتصال".. مجموعة علوم في علمٍ واحد!

بطبيعة الحال، يولد الفرد بمفرده ويموت بمفرده، ولكنه حتماً لن يعيشَ إلا بالاتصال مع الآخرين، وهذه سنة من سنن الله في هذا الكون الواسع، وقد ذهب سارتر(1) إلى أكثر من ذلك بقوله: "ليس ثمة عقاب أقسى على

بشير الكبيسي نشرت في: 12 أغسطس, 2016
دراسة في فهم جغرافية الأخبار

في العقود الأخيرة، بُذلت جهود كبيرة في سبيل فهم "جغرافية الأخبار" التي تحدد أنماط المشاهدة في الدول التي تعدّ عنها التقارير الإخبارية، آخذة بعين الاعتبار تعليقات القراء كمؤشر جيد للاستدلال على ذلك

ياسين ميساوي نشرت في: 22 يوليو, 2016