من يُضلّل الآخر.. الجمهور أم الصحافة؟

كُنت كغيري أعتقد أن التضليل الإعلامي يسير في اتجاه واحد تكون فيه الصحافة مُضلِلة ويكون فيه الجمهور مُضلَلا به، لكن ما حدث معي قبل ثلاث سنوات أثبت إمكانية عكس القاعدة التي ثبَّتت مصطلح التضليل الإعلامي في قاموسنا كجريمة تمارسها دائما الصحافة على ضحية دائمة هي الجمهور.

في المقابل لم نسمع عكس ذلك ولو لمرة واحدة، وعكس ذلك هو ما أريد تسميته بالتضليل الجمهوري الذي يلعب فيه الجمهور دور المُضلِل وتكون فيه الصحافة ضحية مُضللا بها.

قبل ثلاث سنوات تقريبا، استيقظت على رنين الهاتف بعد الفجر بقليل، على الخط، سألني زميل صحفي إن كنت أعرف ما يجري في مخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، واعتذر عن الإزعاج قبل أن أجيبه عندما سمعني أتثاءب، لكنني نهضت من الفراش بسرعة مدفوعا بقوة الحدث، مر وقت طويل جدا قبل أن نسمع عن اشتباكات مسلحة في مخيم جنين.

فتحت اللابتوب ورحت أبحث عن الأخبار في حسابات أصدقاء من المخيم على فيسبوك الذي يعتبر مصدر معلومات الصحفيين الكسالى في النهار، فما بالكم في عز الليل والنوم.

صار المواطنون في مخيم جنين صحفيين ينشرون أولا بأول على حساباتهم في فيسبوك كل ما يجري في منطقتهم بالصوت والصورة والكلمة، ومثل كل الصحفيين كنت أجمع معلومات تمهيدية لقصة قد أنجزها في الصباح بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية في المخيم.

من خلال ما ينشره سكان المخيم على فيسبوك التقطتً قصة وحددت خياري في التغطية، كنت أعرف أن وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية سوف تُركز في تغطيتها على الشهداء الذين سقطوا في اشتباكات مسلحة، إذن فالأمر محسوم بالنسبة لي، وهو أنني سوف أغطي ما يراه الصحفيون أقل قيمة، لذلك سجلت في دفتري اسم شهيد سقط للتو برصاص قناص من جيش الاحتلال وهو في طريقه إلى المخبز بعيدا عن الاشتباكات.

قرأت في صفحات شبان من مخيم جنين معلومات عن شهيد المخبز ونشر بعضهم فيديو يوثق اللحظات الأولى لسقوط الشهيد برصاص قناص، وعرفت أنه الشاب الوحيد من عائلته الذي يعمل في مخبز ليعيل أمه وإخوته الصغار.

ومع طلوع الصباح خرجتُ من البيت قاصدا المخيم الذي يبعد عني حوالي 20كم، وقبل وصوله عرجت على مستشفى جنين حيث يصل الجرحى والشهداء إليه أولا، فعليا لم أكن مستعجلا في الوصول إلى المخيم لأنني لم أذهب لجمع أخبار عاجلة كانت قد وصلت ونُشرت في وسائل الإعلام وانتهى الأمر قبل طلوع الشمس بفعل الفيسبوك.

مكثتُ في مستشفى جنين حوالي ساعتين في انتظار دوري لدخول ثلاجة الموتى وإلقاء نظرة على الشهداء وفي يدي الكاميرا، سألت شبانا ينتحبون داخل الثلاجة عن شهيد المخبز فرفعوا الغطاء عن وجهه، حفظت ملامحه ومضيت إلى الصدمة على باب مخيم جنين.

بمجرد أن دخلت المخيم صدمتني بوسترات مطبوعة على الجدران لشهيد المخبز ألصقها عناصر من إحدى التنظيمات الفلسطينية، ووضحوا فيها أنهم ينعون قائدا ميدانيا سقط في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال.

لقد قال التنظيم كلمته وانتهى الأمر، وعليَّ كصحفي أن أنقل هذه الرواية كي لا أقع في فخ الاستخفاف بالشهداء في منطقة حساسة، لقد وجدت نفسي في امتحان صعب، ماذا يجب أن أفعل؟

ثم ماذا لو لم أكن أعرف من الفجر قصة الشهيد الذي سقط وهو في طريقه إلى المخبز وهذه لعمري قصة مؤثرة ونهاية لا تقل شرفا عن الاستشهاد في الاشتباكات، لكن التنظيم قال كلمته وانتهى الأمر.

لو لم أكن أعلم بقصة الشهيد كنت سأنقل للجمهور قصة مضللة ولا يستطيع أي شخص مجادلتي أو اكتشاف كذبي فيها لأنني وقتها أخذت رواية التنظيم، وهي الرواية النهائية لما جرى، ثم لو علم الناس الذين كانوا شهودا على الحدث بأن الصحافة قالت غير ذلك سوف يصدقوها على أنفسهم ويعجبون بروايتها لأنها أكثر حماسا بالنسبة لهم، وسوف يحب الصحفيون أيضا روايات ساخنة وتفاصيل اشتباكية.

تجاوزت البوسترات وسألت بعض الشبان في المخيم عن الذي جرى مع شهيد المخبز فأخبروني أنه ارتقى في اشتباكات مسلحة.

بالنسبة لي كصحفي انتهى أمر القصة التي جئت لتغطيتها، ويجب أن أقول ما يقوله الناس، سوف أجري مقابلات معهم ويشرحون ذلك، وهكذا ليس علي حرج. لا، أنا أعرف أنه سقط في طريقه إلى المخبز لإطعام إخوته.. هذه قصة مشرفة، لقد شاهدت الفيديو ونشر الشبان الحقيقة لحظة حصولها قبل أن تستيقظ الفصائل وتشغل مطابعها لتضليل الصحفيين.

اكتشفت في ذلك اليوم الدامي كيف يضلل الناس الصحفيين، ونقلت وسائل الإعلام المحلية رواية الناس والتنظيمات، هذا ما يحب الناس سماعه في الإعلام وهذا ما يحب الصحفيون تلاوته على الناس، وأنا ماذا أفعل؟

ربما من حسن حظي أنني أعمل في قسم القصص الإنسانية والتلفزيونية في وكالتي، وبأنه يمكنني أن أتصل برئيس التحرير وأخبره بأنني عائد إلى البيت من دون قصة لأسباب سأشرحها لاحقا، لكن ماذا كان سيفعل صحفي يعمل مع قناة تلفزيونية حجزت لتقريره مكانا في نشراتها القادمة. أعتقد أنه سيقع في فخ تضليل الناس للصحافة وينجز قصته ويمضي.

أنا حزين الآن لأنني لم أتحداهم ولم أنقل الرواية الحقيقية لما حصل مع شهيد المخبز مع أن ذلك قد يكلفني الكثير، لكنني راضٍ لأنني لم أنقل روايتهم ولم أقل للناس عكس ما أعرف من حقائق.

المزيد من المقالات

أفلام ومسلسلات يجب على الصحفيين مشاهدتها في Netflix

في هذا المادة نجمع لكم عددا من الأفلام والمسلسلات الصادرة مؤخرا، والتي تعالج أحداثا سياسية وتاريخية بمقاربة تفيد الصحفيين حول العالم، والموجودة عبر خدمة Netflix. هذه الأفلام والمسلسلات لا يتحدث معظمها عن الصحافة بشكل مباشر، إنما تستعرض أحداثا وقضايا تهم الصحفيين حول العالم، كما تثير لديهم العديد من التساؤلات حول تحديات الصحافة في العصر الحالي، وكذلك تؤمن لهم مخزونا جيدا من الأفكار التي يمكنهم تطويرها في قصص صحفية. 

محمد خمايسة نشرت في: 26 مارس, 2020
الصحافة في الصومال.. "موسم الهجرة" إلى وسائل التواصل الاجتماعي

من تمجيد العسكر والمليشيات إلى التحوّل إلى سلطة حقيقية، عاشت الصحافة الصومالية تغيرات جوهرية انتهت بانتصار الإعلام الرقمي الذي يواجه اليوم معركة التضليل والإشاعة، والاستقلالية عن أمراء الحرب والسياسة.

الشافعي أبتدون نشرت في: 23 فبراير, 2020
هل طبّع "الصحفيون المواطنون" مع الموت؟

الموت كان يداهم الناس، لكن المصورين كانوا مهووسين بالتوثيق بدل الإنقاذ. لقد أعاد مشهد احتراق طفلة في شقتها أمام عدسات المصورين دون أن يبادر أحد إلى إنقاذ حياتها، نقاش أدوار" المواطن الصحفي" إلى الواجهة: هل يقتصر دورهم على التوثيق ونقل الوقائع للرأي العام، أم ينخرطون في إنقاذ أرواح تقترب من الموت؟

محمد أكينو نشرت في: 2 فبراير, 2020
يوميات صحفي رياضي في كابل (1)

الطريق إلى كابل ولو في مهمة رياضية، ليست مفروشة بالنوايا الحسنة. صحفي سابق لدى قناة "بي إن سبورتس" الرياضية، زار أفغانستان لتغطية مباراة دولية في كرة القدم، لكنه وجد نفسه في دوامة من الأحداث السياسية.. من المطار إلى الفندق إلى شوارع كابل وأزقتها، التقى قناصي الجيش الأميركي، وكتب هذه المشاهدات التي تختصر قصة بلد مزقته الحرب.

سمير بلفاطمي نشرت في: 26 يناير, 2020
معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائمًا

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظ

منتصر مرعي نشرت في: 28 يوليو, 2019
صناعة وثائقي بتقنية الواقع الافتراضي مع مجتمع محلي: سرد قصة كفاح دلتا النيجر

يأخذ الفيلم المصور بتنقية الواقع الافتراضي مشاهده إلى قلب دلتا النيجر، ويسلط الضوء على نضال شابة، تدعى ليسي، في عاصمة النفط في نيجيري

كونتراست الجزيرة نشرت في: 17 يوليو, 2019
دروس من مراسلة حربية.. مقابلة مع زينة خضر

كان هدفنا بسيطاً وهو تسليط الضوء على أهوال الحرب وقتامة الألم الذي يتسبب به الإنسان. وقد تحوّل العمل داخل سوريا إلى كابوس لجميع الصحافيين لما كان يشكّله من خطر على سلامتهم.

عواد جمعة نشرت في: 10 يوليو, 2019
تجارب صحافي محلي مستقل في اليمن

لعلّ أحد أصعب المواقف التي نواجهها في اليمن هو الانتقال من محافظة إلى أخرى. وللوصول إلى قصتك الصحافية، غالباً ما تضطر لتعريض نفسك للخطر.

معتصم الهتاري نشرت في: 16 يونيو, 2019
الخصوصية في العصر الرقمي .. ثقب أسود في حياة الصحفيين

نسبة كبيرة من الصحفيين لازالوا حتّى اليوم يعتقدون أن حفظ أمنهم الرقمي يندرج في إطار "الكماليات والرفاهية"، إذ أن ثقافة الحماية الأمنية حتى الآن غائبة عن حسابات عدد لا بأس به من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأفراد، ويرجع ذلك إلى عدّة اعتبارات

أحمد حاج حمدو نشرت في: 13 يونيو, 2019
التمويل التشاركي في الإعلام... العامة كرئيس تحرير

مشاريع التمويل التشاركي أو الصحافة المستقلة لم تكتفِ فقط بالتحرر من عقد الممول، وإنما بدأت أيضا إعادة طرح أسئلة جوهرية في شكل الصحافة السائد، وكيفية تقديم نوع جديد من الصحافة المعمّقة يستطيع طرح مقاربات جديدة حول الأحداث.

محمد خمايسة نشرت في: 11 يونيو, 2019
أكثر من شهود: صحافة المواطن خلال الثورة المصرية

في الفترة التي سبقت ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كان لأحداث رئيسية دور في تحديد ما قاد إلى الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري في العام 2011.

خالد فهيم نشرت في: 4 يونيو, 2019
تغطية الإعلام الليبي للحرب حول طرابلس.. إشكالية التدقيق والانحياز

عيش وسائل الإعلام فوضى عارمة في انتقاء ونحت المصطلحات التي تهدف من ورائها إلى شيطنة الطرف المقابل للطرف الذي تؤيده.

إسماعيل القريتلي نشرت في: 30 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
شاهد| فيلم منال الأمل .. صحفيات في قلب الحرب اليمنية

مع دخول اليمن عامها الخامس من الحرب، تقوم صحفيتان محليتان، منال وأمل ، برواية قصص الأطفال والأمهات اليمنيات الذين يعيشون في قلب أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

كونتراست الجزيرة نشرت في: 26 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
صحافة عزلاء في الفوضى الليبية

الصحفي الليبي اليوم جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي المعقد شديد الانقسام الذي أدى بالضرورة إلى معركة عنيفة حول رواية الخبر الواحد، مما عرض الصحفي إلى الاغتيال والخطف والاعتداء على مقار المؤسسات الإع

خلود الفلاح نشرت في: 24 فبراير, 2019
وفاة كاسترو.. أكثر من مسودة

في مكتبة صغيرة في زاوية غرفة الأخبار، وُضع على الرف شريط عن سيرة حياة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للبث في حالة وفاته مباشرة.

محمد زيدان نشرت في: 22 فبراير, 2019
التحقيق الاستقصائي.. الجو ماطر أم مشمس؟

إذا كنت ترغب في تغيير العالم، فكل ما تحتاج إليه هو قلم ودفتر وذهنية سليمة. وبواسطة هذه الأمور، يمكنك أن تساهم في سقوط القادة الفاسدين، وفضح تجاوزات الشركات، وإرسال شِرار القوم إلى السجون.

ريتشارد كوكسون نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
صحافة ”القطعة“ بغزة.. فرصٌ محدودة وحقوق مهدورة

 ينتظر الصحفي الغزّي هاني ياسين (22 عامًا) بفارغ الصبر نشر المادة الصحفية التي أعدّها مؤخرًا لصالح موقع إلكتروني عربي يعمل معه بنظام القطعة "الاستكتاب"، حتّى يصبح المبلغ المالي الخاص به مستحق الدفع

محمد أبو دون نشرت في: 23 ديسمبر, 2018