الإعلام التلفزيوني.. لماذا سيظل مهمًّا؟

 

يتذكر المتابعون في أنحاء العالم كيف أطل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الهاتف المحمول للإدلاء بأول تصريح له أثناء محاولة الانقلاب العسكري ليلة 15 يوليو/تموز 2016. وقد اعتبر البعض ذلك دليلا على ازدياد أهمية وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة، وقدرتها على نقل الحدث بصورة تؤدي إلى تغييره كليا، وأن الإعلام التلفزيوني لم يعد مهما كما كان، لدرجة أن البعض قال إن أردوغان هزم الانقلاب بهاتفه المحمول.

لكن هذه المقولات تتجاهل عددا من الدلائل الأخرى التي تشير إلى أن التلفزيون -كوسيط إخباري- ما يزال الأكثر أهمية وتأثيرا، خاصة خلال الأحداث الكبرى، رغم تطور التكنولوجيا الحديثة، ورغم اعترافنا بأهميتها التي لا يستطيع أحد أن ينكرها.

أول هذه الدلائل سنستمدّه من واقعة أردوغان نفسها، فالرئيس التركي ظهر عبر الهاتف فعلا، ولكن عبر قناة "سي.أن.أن ترك" الواسعة الانتشار في تركيا، وهو ما ساهم بقوة في توصيل الرسالة عبر كافة أنحاء البلاد، وظهر ذلك في نزول الأتراك إلى الشوارع لمواجهة الانقلاب كما طلب منهم أردوغان.

الدليل الثاني يتعلق بالحدث نفسه، إذ شكك الكثير من المتابعين في مدى قوة موقف الرئيس التركي بعدما ظهر بهذه الصورة الباهتة عبر الهاتف المحمول. وقد تساءل هؤلاء عن السبب الذي جعل أردوغان يلجأ إلى هذه الطريقة، رغم أنه يستطيع نظريا إلقاء بيان تلفزيوني يبث عبر القنوات الفضائية والأرضية الحكومية، وهو ما جعلهم يؤكدون وقتها أن الرئيس التركي في موقف ضعيف، وأنه لا يستطيع إلقاء ذلك البيان التلفزيوني المنتظر، ولذلك لجأ إلى هذه الوسيلة. ولولا مواجهة قوات الشرطة وجماهير الشعب للانقلابيين لربما تغيرت معالم المشهد بصورة كلية. وقد كشف المتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية إبراهيم كالين لقناة الجزيرة في وثائقي "ليلة الانقلاب.. كيف صنعت تركيا انتصارها؟"، عن سبب لجوء أردوغان إلى هذه الطريقة لتوصيل أولى رسائله ليلة الانقلاب، فقد قام الرئيس بتسجيل بيان تلفزيوني بالفعل، وكان مقررا إرساله من مقر تواجده في مدينة مرمريس ليبث عبر التلفزيون، لكن شبكة الإنترنت كانت بطيئة في ذلك المكان، وبالتالي لم تكن هناك إمكانية لإرسال الفيديو لإذاعته عبر شاشة التلفزيون الرسمي، وهو ما يعد تأكيدا إضافيا على أن الرئاسة التركية لم تكن تحبّذ طريقة الهاتف المحمول في البداية، وأنها كانت على وعي تام بأن تلك الطريقة ستثير من التساؤلات والشكوك أكثر مما ستثير مشاعر الطمأنينة لدى الجمهور. وقد استمر ذلك التشكيك حتى ظهر أردوغان على الهواء بعد ذلك في تصريح متلفز لإعطاء دفعة قوية للشعب التركي في مواجهة الانقلابيين.

أما الانقلابيون فقد لجؤوا إلى إذاعة بيانهم الأول عبر التلفزيون، بعد السيطرة على قناة "تي.آر.تي هبر" (TRT HABER) الرسمية، وإجبار المذيعة على تلاوته، وهو ما خدع كثيرين تصوروا أن الانقلاب نجح وأن الأمور قد حسمت على الأرض، لدرجة أن رئيس الوزراء وقتها بن علي يلدريم لجأ إلى قناة خاصة هو الآخر لتأكيد وقوع محاولة الانقلاب ومواجهة خطاب الانقلابيين. وبعدما تمكنت الجماهير وقوات الشرطة الموالية للحكومة الشرعية في تركيا من استعادة السيطرة على مبنى القناة التي أذاعت بيان الانقلابيين الأول، كان هناك حرص على إظهار نفس المذيعة مرة أخرى لإعلان تبرئها من البيان الانقلابي، وتوصيل رسالة تفيد بأن الأمور تحت السيطرة وأن الانقلاب فشل، وهو ما دفع الانقلابيين إلى قصف مقر القمر الصناعي التركي "ترك سات" والسيطرة عليه، في إشارة إلى إدراكهم لأهمية احتكار الصورة ورواية الحدث تلفزيونيا. وقد حاولوا قطع إرسال كل وسائل الإعلام، من قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية وحتى شبكات الإنترنت، لكنهم فشلوا، إذ لم يكن لديهم الخبراء اللازمون للتعامل مع ذلك. كل هذا يكشف أهمية التلفزيون الذي تسيطر عليه قوات الجيش أولا قبل القيام بأي تحرك، لضمان إذاعة "البيان رقم 1" الذي تعلن فيه رسميا استيلائها على السلطة، وهو ما حدث في انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 في مصر، وكذلك أثناء عملية الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير في أبريل/نيسان 2019، وأيضا في الكثير من الدول الإفريقية الأخرى التي ما زالت تشهد انقلابات عسكرية.

وعلى الرغم من أن الجمهور قد ينصرف عن متابعة الأخبار عبر التلفزيون في الأوقات العادية، ويفضل عليها الوسائط الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية على شبكة الإنترنت، فإن الأحداث الكبرى لا تزال تثبت أهمية الإعلام التلفزيوني، مثل الحروب والكوارث والثورات والانقلابات والانتخابات.

وقد شهدت الأزمة الخليجية بين قطر ودول الحصار الأربع مثالا واضحا على ذلك، فقد كان من أهم مطالب المحاصرين إغلاق شبكة الجزيرة الإعلامية. وقد جاء ذلك المطلب رغم زعم وسائل الإعلام التابعة لدول الحصار -خاصة المصرية- أن الجزيرة فقدت مصداقيتها، وأنها لم تعد بنفس الأهمية التي كانت تتمتع بها قبل ذلك. وقد حاول مسؤولون من دول الحصار تدارك الموقف بعد ذلك، فزعم وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش أن النشطاء السعوديين على موقع تويتر استطاعوا هزيمة الجزيرة، ليأتي الرد المنطقي من عدد كبير من المتابعين -وحتى من بعض مذيعي الجزيرة وموظفيها- متسائلين: إذا كانت الجزيرة فاشلة كما تدعون، فلماذا طالبتم بإغلاقها؟ وهو ما يكشف تناقضا كبيرا في خطاب دول الحصار. وقد كانت الجزيرة بالفعل أحد العوامل الرئيسية في تفنيد ادعاءات دول الحصار على المستوى الدولي، خاصة مع امتلاكها قناة قوية وناجحة باللغة الإنجليزية.

ادعاء وسائل الإعلام المصرية ومن يمولها ويديرها بأن الجزيرة متراجعة، ربما يعود إلى اعتقادها بأنها نجحت في تأليب الرأي العام المصري على الرئيس المعزول محمد مرسي، وحشد الجماهير ضده في مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013، وهو حشد اعتمد بالدرجة الأولى على الإعلام التقليدي (الصحف والفضائيات) بصورة أكبر بكثير من الإعلام الجديد الذي اعتمدت عليه ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في الحشد والتعبئة للتظاهر ضد حسني مبارك، وهي مفارقة تكشف عن الفارق بين الاثنين، لكنها تكشف أيضا أن الأحاديث عن سطوة مواقع التواصل الاجتماعي في بداية الربيع العربي احتوت مبالغات كثيرة وتفاؤلا لم يكن في محله، أو أن تلك السطوة ستتحقق بعد سنوات عديدة في أفضل الأحوال. كما أن أهم النجوم الذين ظهروا في البداية على مواقع التواصل "باسم يوسف" سرعان ما تم احتواؤه في برامج تلفزيونية ضخمة التكلفة تبث على القنوات الفضائية، وهو ما يمكن اعتباره "ردة" عن التطور المفترض. فوفقا للسردية التي تتحدث عن تفوق الإعلام الإلكتروني والإعلام الجديد، كان ينبغي أن يبدأ باسم يوسف من التلفزيون ثم يتوجه إلى الفضاء الإلكتروني، باعتباره الوسيط الأكثر متابعة وتأثيرا وتطورا، لكن ما حدث هو العكس. أو أن ذلك ببساطة يمكن اعتباره مفارقة تكشف أن التلفزيون ما يزال يمتلك بريقا وسطوة، ويمكنه احتواء الظواهر الجديدة وتدجينها ووضعها في إطار محدد، خاصة أن مجال الإعلانات ما زال مسيطرا عليه من قبل التلفزيون.

وقد أثبتت استطلاعات رأي مهمة بعضا مما يذكره المقال، ففي استطلاع "المؤشر العربي" لعام 2018، الذي يجريه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنويا، تبين أن 57% من جمهور الرأي العام في المنطقة العربية يعتمد على التلفزيون لمتابعة الأخبار السياسية، بينما حلت شبكة الإنترنت في المركز الثاني بنسبة 22%، والراديو ثالثا بنسبة 8%، وجاءت الصحف اليومية في المركز الأخير بنسبة 5%، وهو ما اعتبره القائمون على الاستطلاع دليلا على أن النسبة الأكبر من الرأي العام ما زالت تعتمد على التلفزيون مصدرا للأخبار، وأن "القنوات التلفزيونية هي الأكثر أهمية في التأثير في مواطني الدول العربية"، خاصة في مصر والعراق ولبنان، إذ تراوحت نسبة متابعي التلفزيون باعتباره المصدر الأول لمتابعة الأخبار السياسية في تلك البلدان بين 70 و88%. 

إذا كنا استعرضنا في الجزء السابق أسباب وعوامل قوة وسطوة الإعلام التلفزيوني، ففي هذا الجزء سنستعرض الوجه الآخر من الظاهرة، ألا وهو سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، وإستراتيجيات أنظمة الحكم في تدجينها والسيطرة عليها مثلما تحاول السيطرة على المجال العام والإعلام التقليدي بالضبط. وقد تحقق لبعض تلك الأنظمة نجاحات معتبرة في ذلك، وهو ما يجعل المرء حذرا في تقييم النظرة المتفائلة للبعض حول قدرة الإعلام الجديد على كسر القيود الحكومية وإتاحة الفرصة للأصوات المهمشة والجماهير.

شملت جهود الأنظمة العربية عدة مجالات، منها إصدار تشريعات وقوانين تتعامل مع الفضاء الإلكتروني مثلما تتعامل مع وسائل الإعلام التقليدية، وتشمل معاقبة مستخدمي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والتنكيل بهم، وتطوير تقنيات وحجب المواقع التي لا تريد لها أن تصل إلى الجمهور، وتكوين ما يعرف باسم "الجيش الإلكتروني" أو "الذباب الإلكتروني" الذي تتلخص مهمته في نشر خطاب السلطة، والهجوم على المعارضين وتشويه سمعتهم، ونشر أخبار زائفة عنهم لدفعهم للانسحاب من الفضاء الإلكتروني، وصناعة وسوم مؤيدة للسلطة ودفعها للوصول إلى قمة "الترند" للإيحاء بوجود شعبية كبيرة لنظام الحكم، والترويج لإنجازات وهمية، والإبلاغ عن التغريدات والمنشورات المعارضة.

كما شملت جهود الأنظمة العربية: الاستعانة بفرق متخصصة في اختراق الحسابات الإلكترونية وتقنيات التجسس والتعقب الإلكتروني، خاصة الإسرائيلية منها، لملاحقة النشطاء والمعارضين، وتحديدا الذين ينشطون عبر مواقع التواصل بأسماء مستعارة وحسابات لا تكشف عن شخصيتهم الحقيقية. وقد كشف عن عشرات الحالات من هذه الأمثلة عبر الصحف العالمية، وكانت آخرها ما أوردته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بشأن وجود شبكة روبوتات لنشر المحتوى الموالي لدولة الإمارات والمناهض لقطر وإيران بين القراء الإسرائيليين على تويتر. 

هذه الجهود امتدت أيضا إلى محاولة التأثير على الشركات الكبرى التي تتحكم في أهم المواقع والشبكات الإلكترونية على الإنترنت، وقد أسفرت بالفعل عن خضوع نسبي من عدد من الكيانات التي تدير مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن أن نذكر هنا عددا من الأمثلة الدالة، فقد رضخ موقع "سناب شات" للضغوط السعودية، وقرر حجب حساب شبكة الجزيرة في المملكة بحجة "الالتزام بالقوانين المحلية". كما رضخت شبكة "نتفليكس" وحذفت حلقة كوميدية تنتقد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من السعودية، قدمها الفنان الكوميدي الأميركي حسن منهاج الذي انتقد "شركات وادي السيليكون التي تسبح في المال السعودي" على حد قوله، مطالبا تلك الشركات برفض الاستثمارات القادمة من المملكة. كما حذف موقع يوتيوب آلاف الفيديوهات التي توثق جرائم نظام بشار الأسد في سوريا خلال الأعوام الماضية، بحجة أن تلك الفيديوهات مرتبطة "بالمنظمات الإرهابية"، وهو ما يمكن أن يؤثر على جهود جمع الأدلة ضد النظام السوري لاستخدامها مستقبلا.

أما عن المحتوى الفلسطيني، فما أكثر الصفحات والحسابات الفلسطينية التي حُذفت خدمة لإسرائيل وانتصارا لها، لدرجة أن تلك الانتهاكات أصبحت توثق شهريا من قبل مراكز متخصصة. فمثلا، أعلن عن 20 انتهاكا تعرض لها نشطاء فلسطينيون على موقع فيسبوك خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شملت حذف حسابات ومنعا من النشر، وفقا لتقرير مركز "صدى سوشيال" المتخصص في الإعلام الاجتماعي.

وسبق أن تعرضت قناة "شبكة قدس" على يوتيوب وإنستغرام للحذف، وكذلك قناة "فلسطين اليوم"، استجابة لضغوط وبلاغات إسرائيلية. كما حظر محرك البحث "غوغل" حسابات نشرت أخبارا وتقارير عن استخدام إسرائيل الأسرى الفلسطينيين كفئران تجارب لأدوية جديدة، بينما تعرضت قناة تلفزيون "هيسبان" الإيراني على يوتيوب وقناة تلفزيون "برس تي.في" قبل أشهر للحظر بالسبب نفسه. كما شهد مايو/أيار 2019 هجمة جديدة من فيسبوك ضد الحسابات الفلسطينية، ووثق المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) إغلاق فيسبوك 69 صفحة لإعلاميين ونشطاء فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة يومي 23 و24 مايو/أيار 2019، وشملت صفحات لصحفيين وكتاب ونشطاء ومواطنين فلسطينيين، دون أن يتلقى أصحابها أي إنذارات مسبقة أو تفسيرات للإغلاق.

وموقع تويتر بالذات تدور شكوك واتهامات كثيرة بحق مكتبه الإقليمي في دبي، وسياساته الموالية والداعمة للسلطات في الإمارات والسعودية. وتتمثل هذه الشكوك في حذف عدد من الحسابات والتغريدات والوسوم بسبب تعارضها مع سياسات الدولتين.

وقد شهد كاتب هذه السطور بنفسه تجربة حية توثق هذه السياسة، عندما عطّل الموقع خاصية البحث عن كلمة "الفجيرة" عدة ساعات، بعد ورود أنباء عن وقوع انفجارات في ميناء المدينة يوم 12 مايو/أيار 2019، قبل أن تعلن الخارجية الإماراتية عن تعرض سفن تجارية لما سمتها "عمليات تخريبية" قرب الميناء. وكُشِف سابقا عن فضيحة تورط فيها موظف سعودي بمكتب دبي، سرّب بيانات حسابات سعودية معارضة على تويتر، لتعتقل السلطات السعودية أصحابها، ومنهم تركي الجاسر صاحب حساب "كشكول"، فيما تتحدث تقارير صحفية بأنه قتل تحت التعذيب. حتى الناشطة السعودية منال الشريف أعلنت إغلاق حسابها على تويتر، قائلة إن الموقع يشكل خطرا على حياتها.

وقد امتدت هذه السياسة إلى مصر، بعدما أغلق تويتر حساب الناشط البارز وائل عباس، الذي وثق انتهاكات حقوق الإنسان في الجمهورية، منذ ما قبل ثورة يناير وبعدها. وكانت "الجزيرة" نفسها قد تعرّض حسابها على تويتر للحذف لعدة ساعات بدون إبداء أي أسباب، قبل أن يعود الحساب فجأة كما حذف فجأة، بدون تقديم أية توضيحات.

هذه الشواهد تكشف أيضا عن ظاهرة أخطر، وهي: كيف يمكن أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي عرضة للتلاعب والتحكم بها والسيطرة عليها وتوجيهها نحو ما تريده أنظمة بعينها؟ وقد عرف العالم تفاصيل الاختراق الروسي الناجح لمواقع التواصل في الولايات المتحدة لتوجيه دفة الرأي العام الأميركي عبر فيسبوك بهدف التأثير في نتائج انتخابات الرئاسة عام 2016، مما لا يحتاج إلى كثير من الشرح. فضلا عن أن انتشار مواقع التواصل أدى إلى زيادة هائلة في انتشار ما باتت تعرف "بالأخبار الكاذبة" أو "الأخبار الزائفة" التي ملأت مواقع التواصل في عدد كبير من البلدان.

وتعد الصور ومقاطع الفيديو الزائفة التي تناولت ما يحدث لأقلية الروهينغا في ميانمار دليلا واضحا على ذلك؛ فرغم حملة القمع الوحشية التي تعرض لها المسلمون في ذلك البلد منذ أعوام، والتي وثقتها منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، فإن البعض لجأ إلى نشر صور ومقاطع فيديو لأحداث وحشية تدور في مناطق وبلدان أخرى من العالم، والادعاء بأنها وقعت في ميانمار، وهو ما أضر كثيرا بجهود التوعية بالقضية وجعل كثيرين يتشككون في مصداقية ما يتعرض له الروهينغا ككل، حتى إن البعض أنشأ صفحات متخصصة لمحاربة انتشار تلك الأخبار والشائعات وتفنيدها، مثل صفحة "ده بجد" وصفحة "متصدقش" على فيسبوك، وهما صفحتان تركزان بشكل أساسي على تفنيد أبرز الشائعات والأخبار الزائفة على مستوى مصر والوطن العربي بشكل عام. 

لكن مواقع التواصل الاجتماعي كانت مسرحا لنشر خطاب الكراهية والتحريض في ميانمار نفسها من قبل النظام الحاكم في البلاد ورجال الدين البوذيين المتشددين ضد المسلمين. وقد أقر موقع فيسبوك بأنه لم يقم بجهود كافية من أجل مواجهة استخدام الموقع في التحريض على العنف في ميانمار.

قد تفسر هذه الشواهد التي عرضت في هذا المقال ما قامت به شركة غوغل عندما نظمت حملة إعلانات تلفزيونية موجهة لمشاهدي التلفزيون في مصر، إذ ما زال التلفزيون يمتلك الجزء الأكبر من مساحة سوق الإعلانات، وكذلك الرغبة في الوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، خاصة كبار السن والشباب اليافع. ربما لا تستخدم هاتان الشريحتان موقع غوغل كثيرا، لأن نسبة معتبرة من الكبار لا تجيد التعامل مع التكنولوجيا بشكل عام، أما الصغار فقد تفتح وعيهم على عالم الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل مباشرة، فإذا أرادوا معرفة أي معلومة توجهوا في الأغلب بالسؤال إلى أصدقائهم عبر حساباتهم على مواقع التواصل المختلفة، أو كتابة السؤال عبر المجموعات المغلقة في تلك المواقع، بدلا من كتابة السؤال أو المعلومة المراد معرفتها عبر غوغل، وهو تحليل قد يفسر تلك الحملة الإعلانية التي اعتمدت بالتأكيد على إحصائيات موثوقة تثبت الفرضيات التي استندت إليها حول أهمية التلفزيون.

وبالطبع فإن كل هذه الشواهد التي نعرضها هنا ليست حكما نهائيا باستمرار أفضلية التلفزيون وتفوقه، لكن المقال يطرح عددا من القضايا التي لا يزال الإعلام التلفزيوني يحقق فيها تقدما وأفضلية، مقابل عدد من التحديات التي تواجه وسائل الإعلام الجديدة والفضاء الإلكتروني الذي لا شك أن له فوائد وإيجابيات كبيرة.

المزيد من المقالات

في زمن التحول.. الصحافة لا تموت

حملَتني مهمتي الصحفية الجديدة مع "بي بي سي" إلى إيران، وفي أحد التقارير التي كنت أعمل عليها، ساقتني بعض ال

علي هاشم نشرت في: 13 أكتوبر, 2019
هل من المفترض تدريس المعلوماتية لطلاب الإعلام؟

يفرض التطور الرقمي على الصحفي اليوم تحديات كثيرة، يبرز المقال أدناه أكثرها أهمية ويركز على ضرورة أن تبدأ عملية التأهيل الرقمي من الجامعات، قبل دخول ميدان العمل.

غسان مراد نشرت في: 15 سبتمبر, 2019
دول الخليج.. وأزمة المصادر الصحفية 

تنص أغلب الدساتير الخليجية على حرية التعبير ولكن هناك رقابة تنظيمية وسياسية قوية على محتوى وسائل الإعلام.

خالد كريزم نشرت في: 10 سبتمبر, 2019
ماذا أضاف الموبايل إلى الصحافة؟

نقاش يدور حول ما إذا كانت صحافة الموبايل يجب أن تصنف نوعاً صحفياً جديداً أم لا.

فاتن الجباعي نشرت في: 25 أغسطس, 2019
تقنية البث الهجين.. الخيال الذي أصبح واقعاً

استخدمت بعض نشرات الأخبار مؤخراً تقنية الواقع المعزز، محدثةً ثورة في مجال الصحافة والإعلام، إذ جعلت من فن صناعة الخبر عالماً متعدد التقنيات يعتمد بجزء أساسي منه على الفنون البصرية والسمعية التي تتم مقاربتها اليوم بطرق تختلف عن أساليب العقود السابقة.

شربل بركات نشرت في: 19 أغسطس, 2019
كيف يكشف الحجاب الفرق بين الصحافة الأميركية والفرنسية؟

تفسير اختزالي يربط بشكل غير مباشر بين الحجاب والتطرف، دون الغوص في لب المشكلة عن أسباب التشنج الفرنسي كلما تعلق الأمر برمز يتعلق بالإسلام.

أيوب الريمي نشرت في: 17 أغسطس, 2019
ما أهمية تبنّي القيم الصحفية في المنصّات التقنية؟

(ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد).

غابرييلا شوارتز نشرت في: 5 أغسطس, 2019
"السيّد جونز".. الصحفي الذي عرف أكثر من اللازم

إنّ عالم الصحافة ما زال على حاله، باستثناء التطوّر التقني الهائل وسهولة الحصول على المعلومة، إلا أنّ سطوة السياسة على الخبر ما زالت موجودة.

شفيق طبارة نشرت في: 15 يوليو, 2019
رحلتي الأولى في الاستقصاء: من مشهدٍ على الطريق إلى القضاء

ليست مهمة الصحافة الاستقصائية حل المشكلات وإنما كشفها للجمهور، لكن تحقيق ابنة الـ 26 عاماً لعب دورا حاسما في إنهاء سنوات من الاستغلال والتعذيب.

جنى الدهيبي نشرت في: 7 يوليو, 2019
انحياز إلى الأيدولوجيا على حساب الحقيقة.. فتّش عن الأسباب

انعكس الاستقطاب السياسي والأيدولوجي على وسائل الإعلام، فأصبح الاحتفاظ بمعايير المهنيّة والمصداقية أمراً في غاية الصعوبة.

همام يحيى نشرت في: 25 يونيو, 2019
كيف يوظف إعلام الاحتلال الصحافة الفلسطينية لخدمته؟   

باتت الصحافة العبرية أهم المصادر الصحفية لوسائل الإعلام الفلسطينية في ما يخص الصراع مع الاحتلال. ولعل أوضح الأمثلة على أنماط النقل عن الإعلام العبري، الذي يخدم الدعاية الإسرائيلية.

محمد النعامي نشرت في: 23 يونيو, 2019
بين الصحافة وهندسة الجمهور

تستطيع هندسة الجمهور أن تدفع بناخب للتصويت لصالح طرف في الانتخابات، في المقابل، تكمن وظيفة الصحافة في أن تكشف حقيقة أن الدعم المادي الذي تلقاه طرفٌ من طرفٍ خارجي لتحقيق مصالحه مثلاً، وتبيان الوسائل والأدوات التي استخدمها هذا الطرف للتأثير على الجمهور وتوعيته بها وبمخاطرها.

عمر أبو عرقوب نشرت في: 7 مايو, 2019
الأرنب داخل القبعة

"القصة بحاجة إلى وقت كي تتطور، والوقت مهم للسماح للأطراف المتضادة بالرد، وهو مهمٌّ أيضا لإعادة قراءة قصة وردت في دورة أخبار الـ24/7 ثم سقطت حين كان على الكاميرا التحرك لتصوير قصة أخرى في مكان مختلف".

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 23 أبريل, 2019
الحكمة تصل متأخرة لتغطية النزاع الكولومبي

أكثر خطر يواجه الصحفيين هو بقاؤهم محاصرين بصورة واحدة لمنظمة ما، دون ملاحظة التغيرات الطفيفة واليومية التي قد لا نلتفت إليها أحياناً. كانت أولى المهام، هي مقاومة الأحكام المسبقة: الحرب ضد الإرهاب مثلاً، تجعلنا نفكر أن المنظمات المسلحة "إرهابية".

فيكتور دي كوريا لوغو نشرت في: 11 أبريل, 2019
بين الآنية والمتأنية.. هل تنجح الصحافة الرقمية؟

إذا أردنا تحديد موقع الصحافة الآنية داخل مساحةٍ يُحتمل فيها قبول المستويات المختلفة من العمق والتفريعات الصحفية، فيجب أن نتقبل حقيقة الإعلام الرقمي.. إنه المساحة الوحيدة التي يمكن خلالها للصحافة المتأنية أن تزدهر بجانب الصحافة الآنية.

محمد الشاذلي نشرت في: 8 أبريل, 2019
إعلام ما بعد الربيع.. ما يُمكن أن تقترحه "الهوامش" المأزومة

ماذا نفعل بالإرث؟ وأين نذهب بمُمكنات الحاضر؟ الإرث هنا ما راكمناه إعلامياً خلال قرابة قرن وعقدين، ومُمكنات الحاضر تُشير إلى القواعد والقوالب الصحفية والتقنيات المتاحة اليوم.

معاد بادري نشرت في: 1 أبريل, 2019
كيف تحارب الصحافة المتأنية الوجبات السريعة؟

تسعى الصحافة المتأنية للحفاظ على قيم الصحافة الأصيلة، وتتصدى للأخبار والتحليلات السريعة التي تمنح شعورا بالشبع المعرفي، رغم أضرارها على صحة المتلقّي "المعرفية".

محمد خمايسة نشرت في: 28 مارس, 2019
كيف ساهم الإعلام الاجتماعي في حراك الجزائر

أظهرت الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر وعي شعوب المنطقة بالمنظومة السياسية التي تحكمهاـ ما جعلها تتبنى الإنترنت كفضاء عام لها، بعد أن تم الاستيلاء على الشارع، لتعبر عن آرائها ومواقفها، ولتبرهن مرة أخرى أنها متابعة لشأنها الخاص، وليست انعزالية كما كانت توصف.

عادل خالدي نشرت في: 17 مارس, 2019
بوتفليقة: "الشبح" الذي حمّله الإعلام أكثر مما يحتمل!

مع المظاهرات الأخيرة، برز هذا السؤال في ذهني بعدما أصبح "ظهور" الرئيس المريض طاغياً في وسائل الإعلام، يترشّح ويتراجع، كأي سياسي عادي يكافح لإنقاذ مستقبله السياسي في عزّ أزمة حادة تسبق الانتخابات.

سهام أشطو نشرت في: 14 مارس, 2019
الأوروبيون يفقدون الثقة في الإعلام.. فتش عن اليمين المتطرف

الدراسة الفرنسية أظهرت أن التلفزيون وإن حافظ على صدارة وسائل الإعلام المفضلة لدى الفرنسيين، إلا أن الثقة فيه تراجعت بنسبة 10% في ظرف سنة واحدة فقط.

أيوب الريمي نشرت في: 12 مارس, 2019
"المواطن كين".. تاريخ الصحافة على الشاشة الكبيرة

يظهر كين في بداياته، واضعاً الخطط والجداول، ماذا سينشر؟ وماذا سيقول؟ في المقام الأول أراد خدمة الناس، أراد مصلحة العمال وتقديم ما يهم المتلقّي. ومع مرور الوقت بدأ مساره المهني بالانحراف.

شفيق طبارة نشرت في: 10 مارس, 2019
مقدم البرامج الإذاعية.. صمام أمان الراديو

مع مرور الوقت وفي ظل تزايد الأبحاث والدراسات التي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على الراديو؟ ما مستقبل الراديو في العالم الرقمي؟

لمياء المقدم نشرت في: 26 فبراير, 2019
ترمب.. امتحان الموضوعية في وسائل الإعلام الأميركية

الحقيقة وترمب (Truth Trump)، باللعب بهاتين الكلمتين قررت مجلة نيمان ريبورت، المتخصصة بالصحافة والصادرة عن جامعة هارفارد الأميركية عنونة عددها الصادر خريف 2016، لمراجعة مهنية التغطيات الصحفية للانتخ

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 6 فبراير, 2019
حميد دباشي: قريب وشخصي

في عصر "الأخبار الكاذبة" و"الحقائق البديلة" و"ما بعد الحقيقة" لا يزال السؤال المطروح هو كيف نعرف ما الذي نعرفه فعلاً عن العالم؟… من يقول الحقيقة؟ ما هي الحقيقة؟ ما أهمية ذلك أساساً؟

حميد دباشي نشرت في: 5 فبراير, 2019