يتكشف لنا يوميا أن تغطية حرب الإبادة بنسقها اليومي، كانت أكثر يسرا بالنسبة لمهمات الصحفي ومسؤولياته في ترتيب العمل من اليوم التالي لوقف إطلاق النار. كان تركيزنا ينصب طوال 471 يوما على تغطية جرائم الاحتلال وما تخلفه من تداعيات فظيعة: نحصي الشهداء والمصابين، ونرصد الدمار والخراب، ونروي قصص الفقد واليتم، ونحكي الأمل الذي تحمله النفوس بأن تتوقف الحرب. كنا نشتغل في دائرة مغلقة من المهمات، مسيجة بالموت وإبادة الإنسان والمكان وفرص النجاة منها.
أما اليوم، فقد دخل صحفيو غزة بعد وقف إطلاق النار في حالة أقرب إلى التيه بشأن الأولويات، ليس فقط لأننا عدنا إلى وضع مطالبين فيه بالوقوف أمام مسؤولياتنا الشخصية تجاه أبنائنا وعائلاتنا وصرنا ملزمين تجاههم بتأمين المسكن ومتطلبات الحياة كافة من تحت الصفر -بعد أن وضعناها في الحرب في الدرجة الثانية من سلم الاهتمام- بل لأن الواجبات والمسؤوليات التي تفرضها عليك مهنة الصحافة أضحت أكثر اتساعا وتداخلا وتعقيدا، ويجب الوقوف عندها والتفكير فيها جيدا.
من جهة، نحن أمام قدر هائل من الدمار والخراب كشفه الانسحاب الإسرائيلي، وأمام تكشف يومي لآثار حرب الإبادة القاسية؛ إذ لم تكن الإبادة لفظة فارغة، إنها واقع على الأرض يعيش الآن الأهالي في غزة تبعاته القاسية كل دقيقة، ونشهد مرحلة يمكن أن نقول عنها، إنها: انتقال من الموت إلى صناعة الحياة من العدم. تُضاف إلى ذلك ملفات مركزية لها علاقة بحرب الإبادة، وأمام مستجدات سياسية كبيرة على صعيد القضية الفلسطينية عموما وعلى صعيد مستقبل قطاع غزة خصوصا. فكم تبدو مهمة مواكبة هذه التحولات معقدة، ومتشعبة، ويصعب على الصحفي أمامها، أن يرتب أولوياته في العمل، وهو أمر يتطلب قدرا كبيرا من الجهد والتفكير؛ لأن التركيز على جانب وإغفال آخر يعني الحكم بالإلغاء والتهميش على جزء جوهري من المشهد. هنا، أتذكر كم يصدق القول الدارج في غزة الآن: "انتهت حرب وبدأت حروب كبرى!"
دخل صحفيو غزة بعد وقف إطلاق النار في حالة أقرب إلى التيه بشأن الأولويات، ليس فقط لأننا عدنا إلى وضع مطالبين فيه بالوقوف أمام مسؤولياتنا الشخصية تجاه أبنائنا وعائلاتنا وصرنا ملزمين تجاههم بتأمين المسكن ومتطلبات الحياة كافة من تحت الصفر، بل لأن الواجبات والمسؤوليات التي تفرضها عليك مهنة الصحافة أضحت أكثر اتساعا وتداخلا وتعقيدا.
إذًا، نحن الآن أمام تحول في مهمات الصحافة والصحفيين في غزة ومسؤولياتهم، لنحاول معا فهم ما الدور الذي يجب أن تضطلع به الصحافة أمام فصول مختلفة من حدث فارق في التاريخ الحديث، وفي مستقبل الفلسطينيين. ولننطلق من النقاش الدائر منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، بشأن التركيز في التغطية على سبيل المثال على ردة فعل الشارع على وقف إطلاق النار أو الموقف من فعاليات تسليم الأسرى الإسرائيليين، والبحث عن مكانة الفلسطينيين بين ثنائيات الهزيمة والانتصار.
يأتي هذا النقاش في وقت نشهد فيه معاناة يومية للأهالي إثر التدمير الشامل لكل مظاهر الحياة، ومعاناة الناس مع ملفات معقدة مثل وجود أكثر من 10 آلاف مفقود ومغيب قسريا، وآلاف الشهداء الذين يبحث الأهالي عن جثامينهم تحت الركام، ومقابر الأموات التي محيت عن وجه الأرض، ومليون إنسان يعيشون على هامش الخراب، بلا مساكن ولا خيم ولا مياه صالحة للشرب ولا أدنى متطلبات الحياة، وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين كان محكوما عليهم بالموت في محبسهم، وإعلان فصائل المقاومة عن استشهاد قادتها. بالموازاة مع ذلك، ينبغي الانتباه إلى مشاريع التآمر والتصفية الأمريكية المتمثلة في مشاريع الاقتلاع والتهجير وردة الفعل الشعبية عليها، والهواجس الكبرى التي يعيشها الغزيون من عودة الحرب وعرقلة الإعمار وتعطل الحياة المدنية من تعليم وصحة واقتصاد، وشكل المستقبل المرتقب. ويكفي هنا مراجعة التغطية، لفهم، كيف يُغيِّب التركيز على جانب محدد، جوانب كثيرة مركزية، فكيف يتعامل الصحفي مع كل هذه الملفات المعقدة؟
بناء على تجربة شخصية ميدانية، أتصور أن أهم الإرشادات لتحديد أولويات الصحفيين تتمثل في:
- التركيز على آثار حرب الإبادة واستمرار الفلسطينيين في غزة في مقاومة تبعاتها وتمسكهم بالبقاء على أرضهم في ظل الطرح الإسرائيلي - الأمريكي الذي انتقل بالقضية الفلسطينية من التسوية إلى التصفية. وهنا، تبرز قيمة إظهار الأحياء المدمرة التي يعمرها الأهالي أو يحاولون إصلاحها، بما يحمله ذلك من رسائل التشبث بالأرض والبلاد أيّا كانت ظروفها، من دون إغفال معنى الجريمة التي تعرضوا لها، وضرورة المطالبة بتقديم الإغاثة العاجلة ومتطلبات الحياة الآدمية، ومن دون نزع المشهد الحياتي والإنساني من بُعديه السياسي والحقوقي، كأن الخراب الذي خلفته حرب الإبادة كان نتيجة كارثة طبيعية، لا نتيجة فعل إجرامي مارسه جيش احتلال دموي بدعم يكاد يكون مطلق من الدول الغربية في مقدمتها الإدارة الأمريكية. ولعل القصة الإنسانية هي الإطار الأنسب للاقتراب من معاناة الناس وتتبع الضحايا في معيشهم اليومي.
تبرز قيمة إظهار الأحياء المدمرة التي يعمرها الأهالي أو يحاولون إصلاحها، بما يحمله ذلك من رسائل التشبث بالأرض، من دون إغفال معنى الجريمة التي تعرضوا لها أو نزع المشهد الحياتي والإنساني من بُعديه السياسي والحقوقي، كأن الخراب الذي خلفته حرب الإبادة كان نتيجة كارثة طبيعية، لا نتيجة فعل إجرامي مارسه جيش احتلال دموي بدعم من القوى الغربية.
- تكثيف العمل على صناعة وتخليد الأيقونات التي تحفر نفسها في العقل والوجدان والشعور الإنساني؛ لأن الشعوب والحضارات تنتهي عندما تعجز عن تخليد تضحياتها ونماذجها البشرية المشرفة. وفي الحالة الغزية، كل قصص الضحايا يمكن تخليدها في مساحات أيقونية وتعميمها على المستوى الدولي من خلال كثافة الكتابة والتوثيق المصور. في الأزقة وفي مراكز الإيواء، ثمة مئات الآلاف من القصص التي لم تُروَ بعد. لقد حفظ العالم أسماء مثل هند رجب، وحمزة أبو حليمة، وطفل متلازمة داون محمد بهار، والدكتور رفعت العرعير، والصحفي وائل الدحدوح، والدكتور محمد أبو سلمية، والدكتور حسام أبو صفية، وتحولت أسماء بعضهم إلى عناوين لمؤسسات وهيئات حقوقية تلاحق المجرمين وتطالب بتقديمهم للعدالة، ولم يكن ذلك ليتم، لولا دور الصحافة وجهودها.
- مواصلة استدعاء الصورة الحضارية المشرقة لغزة ما قبل الإبادة، من جامعات ومراكز ثقافية ومكتبات عامة ومطاعم وفنادق وقصص نجاح، رغم الحصار الطويل وسياسة العزل التي كان يفرضها الاحتلال على القطاع طوال السنوات التي سبقت حرب الإبادة. وينبغي مقارنتها، لا بمشاهد الدمار فقط، بل بمحاولات استعادة الحياة والتمرد على الخراب؛ المطاعم والمقاهي التي استعادت نشاطها، والمدارس الخاصة والشركات التي بدأت بترميم نفسها، هذه المشاهد تنفي الفكرة التي يراد تعميمها بأن غزة ليست سوى موقع للهدم والاستثمار العقاري، وترسِّخ الارتباط والتفاعل والانتماء والتمسك بالبلاد والمسيرة الحضارية للمدينة، التي سبقت الإبادة وستليها.
لابد من تكثيف العمل على صناعة وتخليد الأيقونات التي تحفر نفسها في العقل والوجدان والشعور الإنساني؛ لأن الشعوب والحضارات تنتهي عندما تعجز عن تخليد تضحياتها ونماذجها البشرية المشرفة. وفي الحالة الغزية، كل قصص الضحايا يمكن تخليدها في مساحات أيقونية وتعميمها على المستوى الدولي من خلال كثافة الكتابة والتوثيق المصور.
- تقديم المطالب الحياتية مثل المطالبة بالتعليم والطعام والمسكن والإغاثة العاجلة والعلاج للجرحى والمرضى وإعادة تأهيل الحياة، ضمن سقف سياسي مرتفع، والحذر ما أمكن من التوقف عند الجزئيات البسيطة مثل دخول غاز الطهي لأول مرة على اعتبار أنها منجزات ومكرمات من الاحتلال؛ فمتطلبات الحياة الكريمة هي حق آدمي بشري، يدان الاحتلال ويُجرَّم دوليا بسبب عرقلته لها، وتقرير المصير والتمسك بالحقوق الوطنية هو نسق شعبي مستدام لا يجب مقايضته بأي شيء.
هذه الملفات الكبيرة والمعقدة التي على الصحافة وصحفيي غزة أن يتعاملوا معها بمسؤولية عالية؛ لأن الواقع والتجربة يقولان إن الصحافة هي حجر الأساس لكل البدايات، إذ رأينا كيف تستند المؤسسات الحقوقية والتحركات الدولية إلى الوثائق التي يقدمها الصحفي المرابط في الميدان، وكيف أسهمت في بناء حراكات وحفظ الحق الفلسطيني والدفاع عنه، وهو أمر يذكر بمركزية الصحافة وحساسية دورها.