روبرت فيسك.. "صحفي خنادق" أفنى حياته من أجل "لماذا؟"

لم يخلُ خبر وفاة الصحفي البريطاني روبرت فيسك، من جدل مشابه للجدل الذي أثارته معظم قصصه الصحفية التي عمل عليها على مدى أربعة عقود خلت. كما وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" ذات يوم، بأنه واحد من أكثر الصحفيين جدلا في عصره.

وما إن انتشر الخبر عن وفاة فيسك في منزله بمدينة دبلن الإيرلندية، حتى بدأ صحفيون ينعونه ويبدون مواقف متعددة حول مسيرته. فبين طرف رأى فيه أيقونة ناصعة لم يشُبها من نواقض المهنية الصحفية شيء، لا سيما أولئك الذين انطلقوا من مقاربة أعماله الصحفية المتعلقة بفلسطين والجهد الذي كرّسه في نقل سردية الفلسطينيين في الإعلام الغربي، وطرف آخر رأى أنه انتحر مهنيا منذ الأشهر الأولى التي تلت الثورة السورية؛ بسبب ما رأوه من "تلميع" لصورة بشار الأسد ونظامه في قصص فيسك الصحفية، حاول طرف ثالث أن يُنصف الرجل في تاريخه، إلا أنه وضعه تحت المساءلة في قضايا رأى أن فيسك حاد فيها عن أعراف المهنية الصحفية.

وبين هذه المواقف؛ يحث الدافع المهني على قراءة مسار روبرت فيسك الذي رحل عن دنيانا قبل أيام؛ من زاوية صحفية خالصة، "لا ملائكة ولا شياطين"، أو كما جرت عليها قواعد كتابة قصص عرض الشخصية صحفيًّا. 

برز اسم فيسك في عالم الصحافة عام 1972 كمراسل لصحيفة "التايمز" البريطانية في إيرلندا، وانتقل بعدها ليصبح مراسلا للشؤون الخارجية متنقلا بين عدة مناطق في البلقان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى مدى سنوات، تحوّل فيسك من مجرد صحفي، إلى ما يمكن اعتباره "عينا أخرى للغرب" في الشرق الأوسط.

فهذا البريطاني المولد، الإيرلندي الجنسية، بصم لوحده على تجربة صحفية مميّزة وثرية، عنوانها الانغماس في الميدان، ونقد الصورة المثالية التي يحملها البعض عن الصحافة الغربية، ونبذ "صحافة الفنادق" الكسولة لحساب "صحافة خنادق" شجاعة ومغامرة، تؤرخ للحروب بانتصابها لأداء الشهادة وقول الحقيقة، لا شيء غير الحقيقة.

 

نقد السردية الغربية في الإعلام

عن سن 74 عاما، فارق فيسك عالما عاش فيه بشغف مهني كبير، كتب فيه قصصا صحفية بارزة ساهمت بشكل كبير في تسليط الضوء على قضايا كان يمكن أن تموت في الظلام لولاه، فهو أول صحفي أخبر العالم بوقوع مجزرة في حماة السورية عام 1982 راح ضحيتها الآلاف، ارتكبها حافظ الأسد ضد معارضيه. وكان فيسك أيضا ضمن أول فريق صحفي دخل مخيمي صبرا وشاتيلا، وكشف للعالم فظاعة المجازر التي ارتُكبت فيهما بدعم من إسرائيل، إضافة إلى تغطيته لأبرز الأحداث التي غيرت وجه الشرق الأوسط، كالثورة الإيرانية والحرب الإيرانية العراقية. كما أنه أكثر الصحفيين الغربيين محاورة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

قضى روبرت فيسك العقود الطويلة من تغطياته لشؤون المنطقة العربية مُناصبا العداء للسردية الغربية، ومهاجما الإعلام الغربي السائد القائم على قراءة كل ما يحدث في الضفة الجنوبية الشرقية للبحر المتوسط من منظور التناحر المذهبي والطائفي والعرقي، وتجاهل باقي العوامل والدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمصالح الدولية التي غالبا ما تقف وراء مآسي ونكبات شعوب هذه المنطقة. 

رغم كل ذلك، أنهى فيسك حياته بلغز كبير اسمه نظام بشار الأسد في سوريا، حيث ظلّ ركوبه قوافل الجيش السوري وقربه من كبار مسؤولي دمشق، واكتفاؤه بأحاديث فضفاضة عن المجازر التي ارتكبوها، بل التشكيك في بعض الروايات حول المجازر المرتكبة؛ موضوع تساؤلات واتهامات بالانحياز. 

 

من بلفاست إلى بيروت

ولد روبرت فيسك عام 1946 في بلدة "ميدستون" التي تبعد عن العاصمة البريطانية لندن بنحو 50 كلم، في أسرة مكونة من أب يعمل محاسبا مؤتمنا على صندوق مالية المدينة، بعدما شارك في الحرب العالمية الأولى وعجز عن خوض غمار الثانية لتقدمه في السن. 

أول رحلة لفيسك خارج بريطانيا كانت نحو فرنسا، حين كان في العاشرة من عمره ورافق والده في رحلة بحثه عن ذكرياته خلال فترة الحرب. كانت الأخبار السياسية -المتعلقة بالمستعمرات البريطانية خصوصا- فُطور روبرت شبه اليومي، حيث كان والده يحرص على الاستماع إلى الإذاعة، الأمر الذي جعل روبرت يلتحق بالمدرسة وهو حامل لمعرفة تاريخية غزيرة حول الحربين العالميتين وخطب تشرشل وما يجري في العالم، علاوة على كتب التاريخ العديدة التي أثثت فضاء طفولته.

التحق روبرت فيسك بمدرسة خاصة تمتاز بتدريس طلبتها اللغة اللاتينية، ثم واصل دراسته الجامعية متخصصا في اللسانيات واللغة اللاتينية وحاز فيها درجة الماجستير، ليلتحق مباشرة بعد ذلك بصحيفة "صنداي إكسبرس" اللندنية، ثم بعدها بصحيفة "التايمز" قبل أن "يسيطر عليها (روبرت) مردوخ ويدمّر نزاهتها".

ابتداء من العام 1976، أصبحت بيروت عاصمة لعمل فيسك الصحفي في منطقة الشرق الأوسط، حيث بات الشاهد الغربي الأكبر على أهم أحداث المنطقة، بدءا من حرب لبنان الأهلية والثورة الإيرانية وحربي الخليج الأولى والثانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان، وصولا إلى حروب المنطقة خلال العقدين الأخيرين في كل من العراق وأفغانستان.

في العام 1989، انتقل فيسك من "التايمز" إلى "الإندبندنت" رافضا سياسة مردوخ في الأولى، ومقدرا حرص رؤساء التحرير في الثانية على "نشر ما يكتبه الصحفيون لا ما يريده المالكون"، علما بأنه ظل يوضح أن مالكي الصحيفة أيضا يريدون نشر ما يكتبه الصحفيون، وهو وضع "سحري" نادر. 

وكان مما سهّل نجاح فيسك -في تقديره- هو عدم سقوط الصحافة البريطانية في الطقس الأميركي القائم على عدم ترك المراسلين في نفس المكان لأكثر من ثلاث أو أربع سنوات، "فما إن يبدأ في تعلم اللغة والثقافة المحلية حتى ينقل إلى مكان آخر، هذا يجعلك تعرف كل شيء عن لا شيء، ولا شيء عن كل شيء".

تزوّج روبرت فيسك بالصحافة وحافظ على وفائه لها طيلة مساره، فالارتباط الأسري الرسمي الوحيد في حياته جمعه بصحفية أميركية اسمها "لارا مارلو". استمرت علاقتهما بين عامي 1994 و2006، لكنها انتهت كما بدأت، بدون أبناء. 

 

فيلم هتشكوك الملهم

شغف فيسك بالصحافة وُلد من رحم شغف آخر بالسينما والأفلام، فما جعله يصبح صحفيا ومراسلا دوليا، هو فيلم شاهده في سن الثانية عشرة عبر شاشة تلفزيون بالأبيض والأسود، لألفريد هتشكوك بعنوان "المراسل الأجنبي". ويحكي الفيلم قصة الصحفي الأميركي الذي انتقل إلى لندن لتغطية أطوار الحرب العالمية الثانية، ليتمكن من اكتشاف أكبر عميل نازي في عاصمة بريطانيا، ويصبح بالتالي هدفا لمطاردة مثيرة. ورغم كل ما تنطوي عليه هذه الحياة من مخاطر، فإن فيسك بات منذ ذلك الحين يحلم بتقمصها.

حصل روبرت فيسك سبع مرات على جائزة الصحافة البريطانية التي يطلق عليها لقب "أوسكار" الصحافة، في صنف الصحافة الدولية. كما نال جائزة "أورويل" وعددا من التكريمات التي استحقها نظير تغطياته المميزة لأحداث منطقة الشرق الأوسط، في حين كانت مساهماته البحثية والتكوينية في مجال الصحافة سببا لمنحه شهادات فخرية من عدد من جامعات العالم، من بينها الجامعة الأميركية في بيروت وجامعات بريطانية وإيرلندية.

وحاز هذا المراسل فوق العادة براءة اختراع مهني اسمه نبذ "صحافة الفنادق"، وهي العبارة التي أطلقها خلال وجوده في العراق لحظة اجتياح بغداد من طرف القوات الأميركية، ولاحظ كيف أن جلّ زملائه المراسلين الأجانب يكتبون عن الحرب من داخل غرفهم الفندقية الآمنة.

تبرُّم مزمن رافق هذا الصحفي طيلة حياته، من الصحفيين الكسالى الذين يزيّفون الحقائق ويدّعون الحضور في أماكن وأحداث لمجرد وجودهم في فنادق فخمة أمّنتها لهم دعوات سخية. 

"سوف يهينك الزملاء إذا كنت صحفيا متوسط النجاح"، قال روبرت فيسك في أحد تعليقاته، متهما في تعليقات أخرى الصحف باحتراف الكذب الذي أدى بالناس إلى هجرها نحو الإنترنت، ومعلنا في أحد حواراته الكبرى أن مهمة الصحفي الدائمة هي تحدي السلطات.

أبدى روبرت فيسك شراسة في انتقاد ومهاجمة صناع القرار الغربيين، خاصة في فترة تزامن جورج بوش وتوني بلير على رأس السلطتين التنفيذيتين في الولايات المتحدة وبريطانيا. 

وأثبت فيسك على الصحافة الغربية التحامها مع الطبقة السياسية والحاكمة في بلدانها، من خلال ترديد العبارات والمصطلحات التي "طبخها" السياسيون والعسكريون دون تساؤل أو تحقق، والخضوع للإملاءات وتوجيه البيانات الرسمية مع الانتقائية والانحياز في بث الأخبار والصور، مع الامتناع التام عن طرح الأسئلة الجوهرية والحقيقية، من قبيل سبب وجود القوات الأميركية في العراق مثلا.

 

لماذا حدثت هجمات 11 سبتمبر؟

برز روبرت فيسك كمرجعية مهنية مميزة في شؤون المنطقة العربية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي ظل يردد أنها جريمة ضد الإنسانية لا إرهاب يتحمل مسؤوليته المسلمون. فعبارته الشهيرة تردّدت في الأركان الأربعة من العالم، وخلاصتها أن الإعلام توقّف عند سؤال "من فعلها؟" ولم يتساءل أبدا "لماذا حدث ذلك؟". 

ظل الرجل إلى آخر أيام حياته مصرًّا على وجود علاقة تواطؤ غير صحي ولا مفيد بين الصحافة الغربية والسلطة، وقدّم في موقفه هذا حزمة متماسكة من الإثباتات والأدلة، أهمها القاموس الذي تعتمده الصحافة الغربية في وصف ما يجري بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تصبح فلسطين المحتلة "أرضا متنازعا عليها"، وجدار العزل العنصري الإسرائيلي مجرد حاجز أمني.

إلمام فيسك الكبير بقواعد وتقنيات حماية الصحفيين أثناء تغطيتهم للحروب والكوارث، لم يشغله عما ظل يعتبره أهم وأخطر.. "إنه انقيادهم السهل وقبولهم التلقائي بالروايات الحكومية المبتذلة واللطيفة والمضللة، وترديدهم إياها في تقاريرهم". وكان أول ما بدأ به أن نبه صحيفته "الإندبندنت" إلى أن الحرب الأميركية في العراق ليست حربا على الإرهاب ولا حربا من أجل الديمقراطية، بل هي حرب على أعداء أميركا، وربما على أعداء إسرائيل في المنطقة. 

منذ التحاقه بمنطقة الشرق الأوسط مكلَّفا بتغطية أحداثها، هاجم روبرت فيسك بعنفٍ تعاطي الصحافة الغربية مع قضايا المنطقة، واستنكر قبول كبريات الصحف والقنوات بتحوّل السلطة إلى رئيس التحرير الفعلي، والانخراط في القواميس التي تمتح من مرجعيات دينية مسيحية متعصبة، تعتبر الغرب مصدر "الخير" والآخرين مصدر الشرور. 

عاتب فيسك كبريات الصحف الأميركية التي مهّدت لحرب بوش في العراق بتقارير وقصص تختلق صلات بين أسامة بن لادن وصدام حسين، كما شجب دخول هذا الإعلام لعبة الربط بين ياسر عرفات وزعيم القاعدة. ولم يستبعد فيسك وهو يحاضر في سبتمبر/أيلول 2002 في برشلونة الإسبانية، أن تصبح دمشق ثم بيروت -ولم لا الرياض- الأهداف التالية للهجمات بعد كابل وبغداد.

هذا الموقف المنتصر للمهنية والحياد، كان روبرت فيسك قد عبّر عنه قبل أكثر من عشر سنوات من أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث خرج بمجرد اندلاع حرب الخليج الثانية التي استهدفت العراق إثر اجتياحه الكويت عام 1991، ليدين ارتداء صحفيي قناة "سي.أن.أن" الأميركية الزي العسكري للجيش الأميركي. 

ورغم خروج القناة لتوضح أن الصحفيين أجبروا على ذلك من طرف الجيش، فإنه ظل مصرا على أن الصحفي لا يملك أي مبرر لمثل هذا السلوك، وأن "الصحفيين لا شأن لهم بإطاعة الأوامر العسكرية التي تجعلهم يبدون كالمقاتلين".

 

"وحشيتنا سبب وحشيتهم"

"أحداث 11 سبتمبر لم تغيّر العالم.. أرجو من زملائي أن يكفوا عن نشر وبث هذه الكلمات"، هكذا تحدث روبرت فيسك في الذكرى الأولى للهجمات على برجي التجارة العالمي في نيويورك، خلال محاضرة ألقاها بمركز ثقافي في مدينة برشلونة الإسبانية. 

"إنها واحدة من كبرى الأكاذيب التي يروّجها الصحفيون"، يضيف فيسك مصرا على موقفه، ومتابعا أن "أحداث 11 سبتمبر ربما منحت ذريعة لجورج بوش لتغيير العالم والتلاعب بمشاعر الخوف والحزن، لإطلاق حرب لا علاقة لها بما وقع في نيويورك".

لم يكن الحديث يطول بروبرت فيسك حتى يكشف أنه يقصد منطقة الشرق الأوسط تحديدا، كهدف لهذا التلاعب الذي كان يرى أن الإعلام الغربي شريك رئيسي فيه.. "أخشى أنها ستكون المحاولة التي تثير أكبر قدر من الرعب لتغيير خريطة الشرق الأوسط منذ الانتصار الفرنسي البريطاني على الإمبراطورية العثمانية"، يقول فيسك في نبوءته المبكرة هذه، متوقعا انخراط جل مراسلي القنوات التلفزيونية في ترديد عبارة "الحرب على الإرهاب" بمجرد انطلاق المعارك.

عاش روبرت فيسك حاملا هوسا خاصا بالتاريخ، واعتبر نفسه دائما بمثابة المؤرخ للحظات والأحداث التي عاشها، والتي لم يكن اختيارها عبثيا، فكانت تجربته المهنية موزعة بين نقاط الخط الملتهب الذي خلفته توافقات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي الحدود التي رسمت في كل من إيرلندا ويوغسلافيا والشرق الأوسط. وعندما كان يواجَه بسؤال "لماذا لم تصبح مؤرخا؟"، كان يردّ بتوتّر واضح، منبّها إلى أن المراسل الدولي يقوم بوظيفة التأريخ أيضا؛ "إذا كنت مراسلا دوليا فإنك مؤرخ نوعا ما".

عندما انتقل إلى الحدود الباكستانية الأفغانية لتغطية الحرب الأميركية على أفغانستان، وأصبح هدفا للغاضبين من الهجوم الغربي ضد المنطقة، وتعرّض لإصابات دامية، لم يمنعه ذلك من تحويل الموقف إلى "فرصة" مهنية، حيث نشر تفاصيل ما حدث معه معلّقا أن "وحشيتنا سبب وحشيتهم". 

فرغم تعرّض سيارته لهجوم عنيف بالحجارة، وبعدما كاد يقتل يومها، فإن ما حرص فيسك على تذكره هو تلك اليد التي امتدت إليه من عالم دين أفغاني أنقذه من يد الغاضبين، وروى الحادث من زاوية تفسّر لماذا أقدموا على مهاجمته.. "أنا أكره القصص الإخبارية التي تركز على ماذا وأين، لكنها تغفل سؤال لماذا؟"، يقول فيسك في إحدى محاضراته.

 

كتب وأفلام

إلى جانب مقالاته الصحفية، خصّص روبرت فيسك كتابا كاملا لتوثيق موقفه النقدي تجاه الغرب وسياساته الموجهة إلى المنطقة العربية، اختار له عنوان "الحرب العظمى من أجل الحضارة.. غزو الشرق الأوسط". كما أثمر مقامه الطويل في لبنان ومعايشته فصول الأحداث الكبرى لهذا البلد العربي كتابا بعنوان "ويلات أمة"، سوف تتم ترجمته لعدة لغات بعد نشره عام 1990.

"كانت كتاباته شفافة وجريئة في تفكيك العقل السياسي العربي، وجمع بين مهارات الكتابة الصحفية والتفكيك الثقافي لقرابة خمسين عاما" يقول محمد الشرقاوي خبير الإعلام وأستاذ تسوية النزاعات في جامعة "جورج ميسون" الأميركية ، مضيفا أن فيسك اختار لنفسه منحى نقديا يجمع بين المهارة الإعلامية ورؤية السوسيولوجي.

لم يقتصر عمل روبرت فيسك على المكتوب، بل أنتج عام 1993 فيلما وثائقيا يحمل عنوان "من بيروت الى البوسنة"، عالج فيه واقع معاناة المسلمين، والأسباب التي تفسر نقمتهم على الغرب. أظهر الفيلم مشاهد مروعة لأطفال تناثرت أشلاء أجسامهم الصغيرة بقنابل إسرائيلية، وحين سئل عن تلك المشاهد، اكتفى بالقول: "إنها بالضبط ما شاهدته في الواقع".

السؤال الذي كان يسكن فيسك وحاول أن يجيب عنه عبر ثلاثية "من بيروت إلى البوسنة"، هو: ما الذي يحمل عددا كبيرا من المسلمين على كره الغرب؟ وصوّر مشاهده في كل من لبنان والضفة الغربية وداخل إسرائيل وغزة ومصر، وفي البوسنة وكرواتيا. 

لكن الفصل الأخير من حياة روبرت فيسك كان الأكثر غموضا وإثارة للجدل، فالرجل كان الصحفي الغربي الأقرب إلى مصادر الخبر والقرار الرسميين في سوريا، وغاصت أقدامه تدريجيا في وحل الاتهام بموالاة بشار الأسد وتلميع صورته، وتكرّس ذلك عام 2018 حين حاول التشكيك في صحة التقارير التي تتهم نظام الأسد باستعمال السلاح الكيميائي في مدينة دوما.

مهما كان الجدل حول حياة الرجل، إلا أنه طبع مسار الصحافة العالمية، ولاشك أن رحيله سيشكل خسارة لقضايا الشرق الأوسط التي ما يزال الإعلام الغربي يتعامل معها بنظرة المصالح لا بنظرة الحياد. 

 

مصادر:  

1-  https://tbsnews.net/world/robert-fisk-journalists-job-challenge-authority-all-time-152770

2-  https://tbsnews.net/world/robert-fisk-journalists-job-challenge-authority-all-time-152770

3- https://aayadi.wordpress.com/2010/06/02/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85/

4-  http://www.cccb.org/rcs_gene/fisk.pdf

5-  https://tbsnews.net/world/robert-fisk-journalists-job-challenge-authority-all-time-152770

6-  https://www.facebook.com/mohammed.cherkaoui.129/posts/10164497084485637   

 

 

 

المزيد من المقالات

مختبرات الجزيرة.. كيف تستخدم البيانات لإنتاج قصص صحفية؟

يعرض التقرير مجموعة بيانات تساعد على فهم عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة والقواعد التي تنظم هذا العمل.

استيراد المصداقية.. لماذا يستثمر الإعلام الخاص الأجنبي في السوق العربية؟

بينما كان منتظرا أن يؤدي الاستثمار في العلامات الإعلامية الأجنبية إلى ترسيخ مزيد من قيم المهنية والموضوعية، انتعشت الأخبار الكاذبة و"ذُبحت" القيم التحريرية للمؤسسات الأم، وراج الخطاب السياسي على حساب الصحافة. والنتيجة: مؤسسات بدون بوصلة.

أحمد أبو حمد نشرت في: 15 نوفمبر, 2020
التفاوت الجندري في الصحافة المصورة

تتراوح نسبة الإناث العاملات في مجال التصوير الصحفي بين 5 إلى 20% فقط، فكيف تعمل غرف الأخبار في "نيويورك تايمز" و"بلومبرغ" و"سان فرانسيسكو كرونيكل" على حل هذه المشكلة؟

دانيلا زانكمان نشرت في: 10 نوفمبر, 2020
الانتخابات الأميركية واستطلاعات الرأي.. النبوءة القاصرة

مع بداية ظهور أرقام التصويت في الانتخابات الأميركية، كانت صورة النتائج النهائية تزداد غموضاً، وبدا أن استطلاعات الرأي التي ركنت إليها الحملات الانتخابية والمؤسسات الإعلامية محل تساؤل وجدل. فأين أصابت وأين أخفقت؟

أيوب الريمي نشرت في: 8 نوفمبر, 2020
صحافة "اللحظة" على إنستغرام.. سمات خاصة وسرديات جديدة

ما تزال منصة إنستغرام تتأرجح بين الترويج والسرد، ولا يبدو أنها ستحسم في هويتها قريبا. مع ذلك، تسارع وسائل الإعلام الكبرى لإيجاد موطئ قدم لها على إنستغرام بابتكار قوالب سردية جديدة تتواءم مع طبيعة جمهور يتزايد يوما بعد يوم.

فاتن الجباعي نشرت في: 25 أكتوبر, 2020
البودكاست.. من التجريب إلى الاستثمارات الكبرى

يواصل البودكاست شق طريقه بخطوات ثابتة مستثمرا التطور التكنولوجي، ومستثمرا أيضا الإمكانيات التي يتيحها "السرد الصوتي". ومع ارتفاع الاستثمارات فيه، يبدو مستقبل البودكاست مرتبطا بشكل وثيق بقدرة الصحافة الحديثة على التأثير.

لمياء المقدم نشرت في: 21 أكتوبر, 2020
"تدقيق الحقائق" في العالم العربي.. صحفيون في حقل ألغام

أمام تصاعد موجة السياسيين الشعبويين، صار "تدقيق الحقائق" من صميم الممارسة الصحفية، لكنها في العالم العربي ما تزال تشق خطواتها الأولى في بيئة يصعب أن تقبل أن يكون السياسيون موضع تكذيب.

ربى سلمى نشرت في: 19 أكتوبر, 2020
جائحة كورونا.. ماذا فعلت بالصحافة والصحفيين؟

‏ لم نكن في مجلة "الصحافة"، ونحن نؤصّل للصحافة العلمية عبر إجراء حوارات وإصدار أدلة تعريفية وعقد منتدى كامل، نتوفر على مؤشر رقمي حول مقدار الحاجة للتدريب على الصحافة العلمية، حتى أفصح المركز الدولي للصحفيين أن 66% من المستجوبين في استطلاع حول "الصحافة والجائحة"، عبّروا عن حاجتهم للتدرب على أدواتها. المزيد من المؤشرات المقلقة في القراءة التي قدمها عثمان كباشي للتقرير.  

عثمان كباشي نشرت في: 18 أكتوبر, 2020
لماذا يحتاج الصحفيون التونسيون إلى "محكمة شرف"؟

أثبتت تجربة التنظيم الذاتي للصحفيين نجاعتها في الكثير من البلدان بعيدا عن السلطة السياسية. في تونس ما بعد الثورة، حاول الصحفيون البحث عن صيغة للتنظيم الذاتي، لكن المخاوف ما تزال تتعاظم حول إفراغ التجربة من محتواها أمام استبداد المال السياسي وتجاذبات الأطراف المتصارعة.

محمد اليوسفي نشرت في: 12 أكتوبر, 2020
مهنة الصحافة في ليبيا.. لا تتحدث عن السياسة

من السهل جدا أن يذهب الصحفيون في ليبيا إلى السجن. بعد الثورة، ساد الاعتقاد بأن مساحة الحرية ستتسع أكثر، لكن بعدها بسنوات قليلة، عادت الأمور كما كانت وسط حالة الاستقطاب السياسي الحادة، والنتيجة: اعتقال الصحفيين بتهم غريبة.

عماد المدولي نشرت في: 11 أكتوبر, 2020
الجاسوسية.. شبهة تلاحق صحافة الحرب

"أنا جاسوس يعمل للمصالح السرية بتغطية مثالية: صحفي".. هكذا اختصر الصحفي الفرنسي باتريك دونو قصة انتقاله من تغطية الحروب إلى عميل لأجهزة المخابرات. هذا "الانحراف" جعل الكثير من صحفيي الحروب يكونون دائما موضع شك وريبة.

نزار الفراوي نشرت في: 7 أكتوبر, 2020
في باكستان.. الإعلام الرقمي يبحث عن موطئ قدم

رغم العقليات المقاومة للتغير، ورغم كل الصعوبات التي يواجهونها، يبحث صحافيون باكستانيون عن فرص لتطوير المحتوى الرقمي. أزمة كورونا أثرت على المقاولات الناشئة لكنها منحت فرصا للتفكير في مزيد الرقمنة.

لبنى ناقفي نشرت في: 4 أكتوبر, 2020
الشبكات الاجتماعية.. الصحافة وسط أسراب "الذباب"

بعدما أحكمت قبضتها الكاملة على الإعلام التقليدي، تسابق الأنظمة الزمن لاحتكار فضاء المنصات الرقمية الذي بدا مزعجا لها ومهددا لأسسها. في هذا الجو المطبوع بالتدافع الحاد، يجب على الصحفي أن يجد له موطئ قدم وسط الشبكات الاجتماعية كي لا يجد نفسه عرضة للاندثار.

يونس مسكين نشرت في: 27 سبتمبر, 2020
مأساة "التطبيع" مع الأخبار الزائفة

"الكذبة عندما تتكرر مئة مرة تصبح حقيقة"، مثل شعبي تتداوله الألسن، لكنه يعبر بعمق عن إشكالية الأخبار المزيفة التي تجتاح وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. هذه تجربة إسبانية في التحقق، رصدت مئات الأخبار التي كان لها تأثير مباشر على الحسم في اتجاهات الرأي العام.

أليخاندرو لوكي دييغو نشرت في: 22 سبتمبر, 2020
الصحافة الاستقصائية أو ثمن مراقبة السلطة

في بيئة تغلق منافذ الوصول إلى المعلومات، ومحكومة بعلاقة وثيقة بين المؤسسات الصحفية وشركات الإعلان واستبداد الدول، يعمل الصحفي الاستقصائي بحثا عن ممارسة دوره الحيوي: مراقبة السلطة.

محمد أبو قمر  نشرت في: 13 سبتمبر, 2020
الصحافة العلمية أصدق إنباء..

من كان يتوقع أن تحتل أخبار الصحافة العلمية شاشات الأخبار، وتتراجع السياسة إلى الوراء؟ ومن كان يتوقع أن يعوض الأطباء والمتخصصون رجال السياسة ومحلليها؟ هل كانت الصحافة العربية مستعدة للظرف الاستثنائي؟ وهل أصبح الممولون مقتنعين بضرورة الاستثمار في الصحافة العلمية في زمن الوباء؟

هاني بشر نشرت في: 10 سبتمبر, 2020
الصحافة الصحية.. ما بعد كورونا ليس كما قبلها

بعيدا عن ضجيج السياسة وأخبار الحروب، استحوذت أخبار الصحة طيلة شهور على شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. وكان واضحا جدا أن تقديم المعطيات العلمية الصحية المرتبطة بانتشار فيروس كورونا، يحتاج إلى مهارات دقيقة تسمح بأن يصبح الصحفي وسيطا بين عالم الطب والرأي العام.

دعاء الحاج حسن نشرت في: 10 سبتمبر, 2020
وسائل الإعلام ما بعد أزمة "كوفيد 19".. المستقبل يبدأ الآن!

التحولات العميقة التي أحدثها انتشار فيروس كورونا على النظام العالمي لم تستثن المؤسسات الصحفية. عودة الإعلام التقليدي إلى التأطير الجماهيري، وانهيار النموذج الاقتصادي، أبرز سمات هذه التحولات.

يوسف يعكوبي نشرت في: 6 سبتمبر, 2020
الصحة النفسية للصحافيين في مهنة حافلة بالمخاطر

تفضي الممارسة الصحفية إلى تأثيرات نفسية عميقة. وفي ثنايا تناقضات صارخة وتضييق لا ينتهي، يعيش الصحفيون مضاعفات سيكولوجية تختلف درجة تحملهم لها. هذه مقابلة مع متخصص، تتحدث عن الآثار النفسية للممارسة المهنية على حياة الصحافيين.

فاطمة زكي أبو حية نشرت في: 2 سبتمبر, 2020
كيف يقتل راسموس 10 ذبابات بضربة واحدة؟! عن حدود السخرية في الإعلام

أين تنتهي النكتة؟ وما هي حدود السخرية السياسية؟ الكثير من وسائل الإعلام، وتحت شعار حرية التعبير، تتخذ من السخرية مطية لترسيخ أحكام القيمة والنيل من الأشخاص والمجتمعات بطريقة مهينة. في هذا المقال، ترسيم للحدود بين النكتة والإهانة، وبين أخلاقيات المهنة والصور النمطية.

أحمد أبو حمد نشرت في: 30 أغسطس, 2020
أزمة المعلمين في الأردن.. حظر النشر أو السردية الواحدة

رغم أن إضراب المعلمين شكل الحدث الأبرز، لكن قرار حظر النشر الذي اتخذته السلطات الأردنية أفسح المجال أمام سيطرة الرواية الواحدة، وهي رواية السلطة. وبعد قرار الإفراج عن أعضاء مجلس النقابة اليوم سارعت وسائل الإعلام المحلية لنشر الخبر، على الرغم من صمتها تجاه الأزمة التي امتدت طوال الشهر الماضي.

هدى أبو هاشم نشرت في: 23 أغسطس, 2020
الصحفي المغترب.. في الحاجة إلى "اللغة الجديدة"

حينما يقرر الصحفي أن يخوض تجربة الاغتراب، يجب أن يكون واعيا بأن أهم تحدٍّ سيواجهه هو القدرة على امتلاك اللغة كمفتاح أساسي للاندماج في البيئة الصحفية الجديدة.

أحمد طلبة نشرت في: 23 أغسطس, 2020
عن الدارجة والفصحى في الإعلام

مع تطور وسائل الإعلام، ظهر تيار واسع يدعو إلى اعتماد اللغة الدارجة للتواصل مع الجمهور، لكن كاتبة المقال لا تتفق مع هذا الطرح، مستندة إلى دراسة أجرتها على مجموعة من الصحف.

شيماء خضر نشرت في: 19 أغسطس, 2020
من ميادين الثورة إلى غرف التحرير 

في الربيع العربي أزهرت صحافة المواطن أيضا.. هواتف صغيرة تحولت إلى مقوض لأكاذيب الإعلام الرسمي، لكنها تجربة لم تخلُ من انتهاكات.. هذه رحلة النشطاء من الهواية إلى الاحتراف. 

محمود الزيبق نشرت في: 18 أغسطس, 2020