قراءة في تاريخ الصحافة الأمريكية

تعتبر الصحافة إلى حد بعيد انعكاسا وصورة للمجتمعات ولتاريخها، أليست الصحافة هي تلك المسودة الأولى للتاريخ؟ 

في الأوساط الإعلامية العربية، كثيرًا ما لا يتم التمييز بين المنظومة الصحفية في أمريكا وبين مواقف النظام السياسي القائم في البلاد، وهما أمران مختلفان رغم تداخلهما. إذ غالبًا ما يتم الحكم على وضعية الصحافة الأمريكية من زاوية سياسات هذا البلد تجاه قضايا الشرق الأوسط. فإذا كانت السياسات الأمريكية ظالمة عمومًا تجاه القضايا العربية، فإن المنظومة الصحفية ليست كذلك دائمًا لأنها ليست مرآة للسياسة الرسمية لواشنطن. دليل ذلك أن الإعلام الأمريكي نفسه، كثيرًا ما يصطدم بسلطة بلده كما حدث في قضايا عدة؛ كحرب فييتنام، أو "فضيحة ووترغيت"، ومؤخرًا خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترامب الحافل بالعلاقات المتوترة مع وسائل الإعلام.

 

تسمي مجلة Editor Publisher  نفسها بـ "إنجيل صناعة الصحافة في أمريكا". قد يكون ذلك تجسيدًا لتضخمها واعتدادًا مبالغًا فيه بالذات، من قبل مجلة عريقة تأسست في القرن التاسع عشر، لكن جل الأخصائيين يشهدون بحرفيتها وسمعتها. رأت مجلة E&P، كما تسمى اختصارًا، النور في عام 1884 ولا تزال تصدر إلى اليوم. آخر إنجازاتها تمثل في تحويل أرشيفها الورقي إلى محتوى رقمي متوفر على الإنترنت، ما يسمح القيام برحلة تاريخية رائعة لتقصي مختلف مجالات حياة الأمريكيين على مدى حوالي قرن من الزمان. خطوة تندرج في إطار التحول الرقمي الذي تعيشه هذه المجلة المهتمة بكل ما يتعلق في صناعة الصحف والتوزيع، وجوائز الصحافة وحتى بفرص العمل، هذا إلى جانب دفاعها عن حرية الصحافة؛ إذ تقدم نفسها على أنها "صوت مستقل يدافع عن الحقوق التي يضمنها التعديل الأول للدستور للصحفيين في حرية التعبير وفي تبنيها لمبادئ الصحافة الاستقصائية".

 

أصبح الأرشيف الكامل للمجلة إذن متوفرًا على الموقع الأمريكي المتخصص في الأرشيف https://archive.org/ بفضل مبادرة مالكها الجديد مايك بلاندر Mike Blinder الذي قرر دعم عملية تحولها إلى العالم الرقمي عند إدارتها في عام 2019. هذه العملية، غير المكلفة ماديًا، تطلبت منه فقط تسليم ميكروفيلم يضم الأعداد الورقية للمجلة، في خطوة ذات قيمة كبرى؛ فهي تخدم جمهور القراء والتاريخ الوطني الأمريكي. خطوة ينبغي أن تستلهمها الصحف العربية التي يعيش أرشيفها الورقي، غالبًا، محفوظًا في أماكن متداعية داخل صناديق كرتونية يملؤها الغبار بعيدًا عن الفهرسة والأرشفة العصرية باستثناء بعض المبادرات المتفرقة (1).

 

لولا العلم لضاعت الصحافة

من بين الجوانب الأساسية التي يكشفها أرشيف مجلة E&P هو الارتباط العضوي والوثيق بين الجامعة والصحافة في أمريكا، ما ساهم في بروز مهنة الصحافة وتطورها. يشهد على ذلك مقال نشرته المجلة في عام 1936 حول وصية تركتها زوجة الصحفي الشهير لوسيوس ليمان Lucius Nieman، وهبت فيها جزءًا من ثروتها لإنشاء قسم متخصص في الصحافة داخل جامعة هارفارد، بهدف التكوين والتعليم لرفع مستوى الصحافة في أمريكا، بشرط أن يستفيد من التكوين الأشخاص الموهوبون والمؤهلون فعلًا في هذا المجال. 

كانت هذه المنح الجامعية تقدر آنذاك بحوالي 5000 دولار. ويعتبر هذا الجانب مهما لفهم تميز الصحافة الأمريكية بفضل الروابط البنيوية والتعليمية التي نشأت بين الصحفيين المهنيين في الميدان والتعليم الجامعي من جهة، وبين وجود روح مجتمعية قائمة على التبرع وعلى خدمة الصالح العام من جهة ثانية.  

 

التنظيم المهني للصحفيين لا يقل أهمية أيضًا عن التربية والجامعة. ومن بين الأحداث التنظيمية التي يتوقف عندها أرشيف المجلة، تأسيس أول نقابة للصحفيين بمدينة كليفلاند في عام 1923 كانت تضم 102 صحفيًا. ومن بين التعليقات الطريفة والمضيئة التي أرفقتها مجلة E&P بهذا الحدث، تعليق يتناول جدلية الانتماء والاستقلالية التي تحدد مواقع نساء ورجال الصحافة. يقول كاتب التعليق: "الصحفيون قد يتظاهرون بأنهم متطرفون وشيوعيون لكن الحقيقة أنهم يحبون أن تطلق الأوصاف والألقاب على الآخرين وليس عليهم هم، إذ إن معظم الصحفيين يحبون أن يبقوا بعيدين وعلى مسافة معينة".

 

وقد تواصلت مع مرور السنين المحطات التنظيمية للمهنة، ففي عام 1933، ودائمًا بمدينة كليفلاند، قامت جمعية للمحررين يطلق عليها Cleveland Newspaper Guild بتغيير اسمها بهدف إعطاء تنظيمها هذا طابعًا وطنيًا. وهكذا تحولت إلى ما يشبه نقطة تجميع وتقاسم للمعلومات تتكامل داخلها كل التنظيمات الوطنية لتتطور لاحقاً ويصبح لها شكل تنظيمي يسمى اليوم بـ News Guild ، وهي تكتلات لعدد من الصحفيين غرضها تفعيل ومأسسة ما يمكن تسميته بشعار "الاتحاد قوة" لأن المهنة لا يمكنها أن تتطور بدون اتحاد وبدون تضامن وتكتل لتدافع عن حقوقها.

 

"صحفيو القمامة" أو "الصحفيون المزعجون"

في تاريخ الصحافة الأمريكية، لعب الآباء المؤسسون، مثل الرئيس بينجامين فرانكلين، الذي مارس الصحافة في شبابه، أدوارًا أساسية في بناء الدولة الأمة، وكذلك في تطوير وتعزيز حرية الصحافة والتعبير. وساهمت الصحف بشكل قوي في حركة المطالبة باستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، حيث شنت في عام 1765 حملة ضد الضريبة التي فرضها المستعمر على المطابع الأمريكية من أجل استهداف الصحف. ثم ما لبثت الحملة وأن انتقلت من صفحات الجرائد إلى الشارع، فاندلعت المظاهرات في عدة مدن. كانت هذه الأحداث بمثابة الشعلة التي ألهبت الحماس، وعززت اللحمة الوطنية التي ساهمت في التعبئة العامة والتنظيم السياسي المؤطر لمطالب الاستقلال. شكل ذلك تحولًا صحفيًا وسياسيًا ومجتمعيًا لخصه جاك أطالي بقوله: "حرية الصحافة هي السد المنيع الضامن لحرية الشعب" (2).

 

لكن هذا الارتباط التاريخي المؤسس بين الصحفيين والسياسيين لا يعني التبعية الميكانيكية؛ فقد بنت الصحافة الأمريكية تدريجيًا مكانتها كسلطة رابعة مستمدة من الدستور ومن مجتمع يقدس حرية التعبير، وسمحت هذه البيئة بتطور مهنة الصحافة واستقلاليتها. ومن تجليات ذلك، ظهور ما يسمى بتجربة "صحفيو القمامة" (Muckrackers) أو "الصحفيون المزعجون"، وهو لقب أطلق على الصحفيين والكتاب الذين اشتهروا بالتحقيق في القضايا السياسية والاقتصادية الحساسة، مثل الرشوة أو تضارب المصالح أو استغلال النفوذ. 

وقد ظهر هؤلاء "المزعجون" إبان ما يعرف بـ "العصر التقدمي" في أمريكا الممتد من عام 1890 إلى 1920. تميز هذا العصر بإصلاحات سياسية واجتماعية قطعت مع المنهج الليبرالي السائد سابقًا، ما سمح بسن تشريعات وسياسات اشتراكية تنتصر لحقوق العمال والمرأة التي حصلت لأول مرة على حق التصويت. 

ولا تزال آثار هذه المدرسة الصحفية حاضرة من خلال تقاليد التحقيق القوية في الصحافة الأمريكية. ومن بين الصحفيين الذين اشتهروا في هذا المجال إيدا ترابيل Ida Tarbel التي ألفت في عام 1904 كتابًا عن "تاريخ شركة ستاندراد للبترول" كشف عن فساد جون روكفيلي، مدير الشركة وأغنى شخصية في التاريخ الأمريكي. وتعرّف ترابل "البحث الصحفي في القمامة" كما يلي: "هو عملية الكشف عن الممارسات أو الظروف أو السياسات المعمول بها داخل المؤسسات أو في أوساط مجموعات من الناس... وطالما أن الناس يجتمعون للقيام ببعض الأمور في السر والخفاء، فستكون مهمة الصحفيين هي الكشف عنها". ومن بين الأسماء التي برزت أيضا في هذا الشأن، دافيد غراهام فيليبس الذي قام في عام 1906 بالكشف، عبر سلسلة مقالات، عن فضائح الرشوة في أوساط عدد من البرلمانيين الأمريكيين، والتي كشفت بدورها بعض الثغرات القانونية، ما أدى لاحقًا إلى تعديل الدستور الأمريكي لمحاربة هذه الظاهرة. حادثة تثبت مدى قوة وتأثير الصحافة التي يمكن أن تصل إلى درجة تغيير الواقع الدستوري والسياسي.

 

فضيحة ووترغيت.. الرمز الكبير

النموذج المؤسس والأشهر لقوة واستقلالية الصحافة الأمريكية يبقى كشف صحفيي "واشنطن بوست"، بوب وودوارد وكارل برنشتاين، تورط الرئيس ريتشارد نيكسون في عملية تجسس على مقر الحزب الديمقراطي عام 1972، ما أنهى حياة نيكسون السياسية وألزمه بالاستقالة من منصبه. وعرفانًا بهذا الإنجاز، نقلت مجلة E&P في ذلك التاريخ خبر تتويج وودوارد وبرنشتاين ورئيس التحرير باري بوسمان، بجائزة مؤسسة Drew Pearson Foundation، البالغ قدرها 6 آلاف دولار. لكن، وعلى الرغم من دور رئيس التحرير المحوري في التحقيق، إلا أن الأضواء غالبًا ما تسلط على وودوارد وبرنشتاين فقط. وساهم في ذلك الفيلم الشهير الذي تناول الفضيحة، "رجال الرئيس"، للمخرج آلان باكولا المتوج بالأوسكار، عبر تهميش دور بوسمان، لينتقده موقع "نييمان" ويعتبر أن "نسيان ذكر باري سوسمان في فيلم "رجال الرئيس" كان بمثابة جريمة في حقه" (3).  

 

ومن بين النماذج المبدعة أيضًا لصحافة التحقيق، نذكر إنجاز جريدة "نيويورك ديلي نيوز" في 2008 المغامر وغير المسبوق. قامت الجريدة بتزوير وثائق عقارية بهدف الاستيلاء على مبنى المقاطعة الملكية Empire State Building الشهير في نيويورك. ونجحت فعلًا في تزوير الوثائق والتلاعب بمصالح المحافظة العقارية بالمدينة وإقناعها بأن الجريدة أصبحت هي مالكة العمارة. لكنها عادت، بعد مرور 90 دقيقة بالتمام، إلى الاتصال بالمحافظة العقارية لتكشف لها حقيقة الخدعة، ولترد العمارة إلى أصحابها. كان الهدف يتعلق بتحدي وتنبيه الإدارة إلى مخاطر التزوير وسهولة الاستيلاء على أملاك وعقارات الناس في نيويورك. ويسلط ذلك الضوء دور الصحافة في تعزيز المواطنة وخدمة الصالح العام عبر الكشف عن الثغرات الإداراية والقانونية (4). 

 

صحافة الحرب: هيروشيما نموذجًا

تشكلت في أمريكا أيضًا معالم مجال صحفي خاص بالحرب له مبادئه وقواعده. كانت الحرب بمثابة امتحان لروح الوطنية من جهة، ومحكمًا لمدى التزام الصحافة بأدوارها في إخبار المواطنين وإطلاعهم على المجريات من جهة أخرى، في ظل ضغوطات ومتطلبات الحفاظ على الأمن القومي. ومثل غالبية البلدان، توجد في الولايات المتحدة جريدة خاصة بالجيش تسمى Stars and Stripes إلا أن تجربتها لها مسار خاص. صدر أول عدد منها في عام 1861 إبان الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وعاشت بعدها عدة تحولات أبرزها التركيز على مخاطبة الجنود الأمريكيين المنتشرين حول العالم والصدور على شكل نشرات خاصة بكل منطقة يوجد فيها هؤلاء الجنود كنشرة أوروبا أو نشرة الشرق الأوسط وغيرها. وفي عام 1919، توقفت المجلة مؤقتًا مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم استأنفت الصدور إلى اليوم على شكل جريدة ورقية وإلكترونية. المجلة تتمتع باستقلالية فريدة من خلال عملها تحت إشراف كل من البرلمان ووزارة الدفاع، إذ برز فيها صحفيون كبار وكتاب من بينهم هارولد روس، مؤسس مجلة "النيويوركر" المعروفة، والناقد الدرامي الشهير ألكسندر وولكوت.

لا شك أن الحرب تطرح معضلة أخلاقية ومهنية على الصحفيين تتمثل في قول حقيقة الحرب وأهوالها. ومما له دلالته في هذا الصدد، تعاطي الصحافة مع قنبلة هيروشيما. فبعد أيام على إطلاق الأمريكيين القنبلة على اليابان، سافر إليها الصحفي جون هيرسي من مجلة "النيويوركر" وأعد استطلاعًا تضمن حوارات مع 6 يابانيين ناجين من المجزرة، لتنشره المجلة في عدد كامل مخصص لهذا الحدث المأساوي. بعد عام، صدر هذا الريبوتاج في كتاب بعنوان "هيروشيما". وهكذا نال هيرسي شهرة عالمية واختير عمله كأفضل ريبورتاج في القرن العشرين. 

 

ولتعميم الحقائق الفظيعة التي كشف عنها الكتاب، سمحت المجلة، في 7 أيلول/سبتمبر من عام 1946، لجميع الجرائد الأخرى بإعادة نشره بالمجان، وهو مؤشر يدل على قيم الصحافة غير المبنية على الربح، وإنما على كشف الحقيقة أمام المواطنين. إذنُ المجلة بإعادة نشر الكتاب مجانًا بني على شرطين، أولهما أن ينشر الكتاب كاملًا بما يضمه من 30 ألف كلمة ومنع اقتطاع أجزاء منه أو تلخيصها، والآخر أن تذهب مداخيل هذا النشر إلى الصليب الأحمر الأمريكي لمساعدة الضحايا. وبالفعل، تم نشر الكتاب على نطاق واسع دون أي رقابة، وبفضله استطاع الأمريكيون والعالم أجمع التعرف على العواقب الإنسانية المهولة التي خلفتها القنبلة. 

 

إلى جانب صحفيي الحروب، ظهرت روح المغامرة لدى آخرين في ما يعرف بظاهرة "الصحفيين المتجولين عبر العالم"، والذين كانوا يراسلون عدة صحف في نفس الوقت. ومن بين هؤلاء هانتر طومسون، الذي كان يعمل مراسلًا صحفيًا حرًّا داخل بلاده أمريكا، ثم أصبح مراسلًا لعدد من الصحف الأمريكية خلال جولاته عبر أمريكا اللاتينية ابتداء من سنة 1962. والملاحظ هنا أن غالبية هؤلاء الصحفيين يصبحون كُتابًا أو يصدرون كتبًا بعد تخصصهم في مجال معين، الأمر الذي ساهم في تطوير تقنيات الكتابة وتجدديها. ويعتبر جون هيرسي من رواد ما يسمى بـ "الصحافة الجديدة" التي تستعمل تقنيات السرد القصصي والروائي عند كتابة الريبورتاجات الإخبارية.

 

 

 

العنصرية في الصحافة الأمريكية

تقول المفكرة الأمريكية ذات الأصل الألماني حنة آرندت، والتي كتبت في مجلات شهيرة مثل "النيويوركر"وأقامت في أمريكا وتعمقت في فهم بنيات اشتغال المجتمع، إن "التناقض الرئيسي في هذا البلد هو وجود حرية سياسية مقترنة بالعبودية الاجتماعية" (5).  

هذا العمق العنصري للمجتمع الأمريكي كان له تأثير واضح على مسارات الصحافة. فقد كان عدد من الصحفيين، خاصة في جنوب البلاد المعروف تاريخيًا بعنصريته التي كانت أحد أسباب اندلاع الحرب الأهلية، يتبنون بشكل علني وجهات نظر عنصرية في ستينات القرن الماضي. لدرجة أنهم كانوا ينتقدون حركة الحقوق المدنية للمطالبة بالمساواة للسود. من بين هؤلاء الصحفيين جيمس كيلباتريك، الذي كان يقول علانية إن "الجنس الأسود هو عرق أدنى وليس له مساهمة في الحضارة الغربية". بل إنه كان يعارض المساواة حتى في التعليم بين السود والبيض. وهي مواقف لا نزال نجد بعض أصدائها اليوم وسط أتباع اليمين المحافظ.

وردًا على الحركات العنصرية، تأسست أول جمعية للصحفيين السود في عام 1967، تحت اسم "آفاق سوداء "Black Perspective" بهدف تحسين صورة السود في الحياة الأمريكية". ومن بين الصحفيين المؤسسين لها إيد رادلي وبوبي ماينار.

الصحافة لعبت كذلك أدوارًا مهمة في دعم نضالات زعيم حركة الحقوق المدنية القس الشهير مارتن لوثر كينغ. ومن بين المبادرات التضامنية، يذكر التاريخ قيام الصحفي واين ماكوري، مدير جريدة بمدينة مونتغومري، بحملة لجمع الأموال من قراء جريدته لأداء مصاريف الدفاع عن لوثر كينغ خلال محاكمته بتهمة تنظيم حملة لمقاطعة الحافلات بالمدينة احتجاجًا على التمييز ضد السود. وقد وجه القس الشهير لاحقًا رسالة شكر لهذا الصحفي جاء فيها: "إن روح شجاعتكم تعطي أملًا جديدًا لأولئك الذين أجبرتهم الضرورة الطائفية على المعاناة من التفرقة والتمييز". وعرفانًا بمواقف ماكوري، أطلق اسمه على كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة مونماونت Monmouth University بولاية نيو جيرسي.

 

بين الحقيقة والأخبار الزائفة 

إشكالية الكذب والحقيقة ومصداقية الصحافة كانت دائمًا حاضرة في تاريخ الصحف الأمريكية عبر العديد من المحطات. بمعنى أنها ليست إشكالية جديدة تعززت اليوم مظاهرها نتيجة موجات الشعبوية السياسية التي اجتاحت العالم، مدفوعة بسلبيات وسائل التواصل الاجتماعي، وبتحريك من قادة سياسيين ركبوا هذه الموجة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 أو في الاستفتاء على البريكسيت في بريطانيا. 

فعلى الرغم من مراكمتها لإنجازات مهمة ولبناء طويل النفس للمصداقية، فإن صراع الصحافة الأمريكية مع الأخبار الزائفة كان حاضرًا دائمًا، كما هو الحال في الصحف حول العالم عمومًا. ويكشف الأرشيف أنه في عام 1981 مثلًا، استطاعت صحفية تدعى جانيت كوك أن تخترع قصة مقال كاذب بالكامل بعنوان "عالم جيمي" Jimmy’s World تحكي فيه بلمسة إنسانية خادعة عن طفل متشرد في الثامنة يتعاطى المخدرات. وقد صدقتها "الواشنطن بوست" ونشرت القصة، بل إن الأمر انطلى حتى على لجنة جائزة "بوليتزر" الشهيرة التي منحت صاحبتها الجائزة تلك السنة. شكلت هذه الحادثة ضربة موجعة لمصداقية الصحافة، ما جعل توم وينشيب رئيس تحرير جريدة "بوسطن غلوب" يكتب: "إن مسألة عدم وضع الثقة في الصحافة هي مسألة أزلية، وثقة الرأي العام في الصحافة اليوم متدنية". 

ومن بين آخر الخلاصات التي يمكن الخروج بها من هذه الجولة في أرشيفEditor Publisher أن الصحافة في أمريكا مرتبطة أشد الارتباط بالعائلات. فالعديد من الصحف الكبرى ملك عائلات أسستها وتوارثتها عبر الأجيال حتى اليوم، كما هو الحال مع "الواشنطن بوست" أو "النيويورك تايمز" وغيرهما. وهي ظاهرة بنيوية تفسر، جزئيًا، استمرارية الصحف واستقلاليتها. 

وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى تجربة كاتارين غراهام التي تولت مسؤولية جريدة "الواشنطن بوست" بعد انتحار زوجها. واستطاعت، كما كشف فيلم ستيفن سبيلبرغ، "أوراق بنما" Panama Papers، رغم ضغط السلطة ووزارة الدفاع خلال حرب فييتنام، أن تطور الجريدة وتجعلها من أقوى المنابر في أمريكا والعالم. وقد سبق لكاترين غراهام في عام 1961، وبمناسبة مرور 100 سنة على ملكية عائلتها لهذه الجريدة، مدح نظام الملكية والثناء على نجاعته قائلة: "قد تكون العائلات هي أسوأ أشكال ملكية الصحف باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي تم تجريبها". تستعير غراهام  في هذه الجملة مقولة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل الشهيرة عن الديمقراطية بأنها "أقل الأنظمة سوءًا". ولعل استلهام الفكر السياسي لوينستون تشرشل مؤشر دال على أهمية البيئة السياسية بالنسبة لأي تطور أو ازدهار للصحافة. إذ بدون حرية وديمقراطية لا يمكن للسلطة الرابعة أن تنشأ وتعيش وتزدهر.

 

 

مراجع:

 

  1. انظر موقع https://ijnet.org/ar الذي يقدم أرشيف بعض الصحف العربية.

  2. جاك أطالي "تاريخ وسائل الأعلام. من الإشارات الدخانية إلى شبكات التواصل وما بعدها"، منشورات فايار، نسخة رقمية، 2021. ص 100).

  3. رابط المقال: 

https://www.niemanlab.org/2021/02/thanks-to-the-internet-archive-the-hi…

  1. رابط المقال:

https://www.batiactu.com/edito/empire-state-building-vole-par-un-quotidien-new-yorkais-21769.php

  1. مجلة لوبوان الفرنسية. عدد خاص عن المفكرة آنة أرندت. سلسلة "كبار المفكرين" عدد 29 ص 22.

المزيد من المقالات

في ظل "احتلال الإنترنت".. مبادرات إذاعية تهمس بالمعلومات لسكان قطاع غزة

في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وقطع شبكات الاتصال والتضييق على المحتوى الفلسطيني، يضحي أثير الإذاعة، وبدرجة أقل التلفاز، وهما وسيلتا الإعلام التقليدي في عُرف الإعلاميين، قناتين لا غنى عنهما للوصول إلى الأخبار في القطاع.

نداء بسومي
نداء بسومي نشرت في: 3 مارس, 2024
خطاب الكراهية والعنصرية في الإعلام السوداني.. وقود "الفتنة"

تنامى خطاب الكراهية والعنصرية في السودان مع اندلاع حرب 15 أبريل/ نيسان، وانخراط صحفيين وإعلاميين ومؤسسات في التحشيد الإثني والقبلي والعنصري، بالتزامن مع تزايد موجات استنفار المدنيين للقتال إلى جانب القوات المسلحة من جهة والدعم السريع من جهة أخرى.

حسام الدين حيدر نشرت في: 2 مارس, 2024
منصات تدقيق المعلومات.. "القبة الحديدية" في مواجهة الدعاية العسكرية الإسرائيلية

يوم السابع من أكتوبر، سعت إسرائيل، كما تفعل دائما، إلى اختطاف الرواية الأولى بترويج سردية قطع الرؤوس وحرق الأطفال واغتصاب النساء قبل أن تكشف منصات التحقق زيفها. خلال الحرب المستمرة على فلسطين، واجه مدققو المعلومات دعاية جيش الاحتلال رغم الكثير من التحديات.

حسام الوكيل نشرت في: 28 فبراير, 2024
كيف نفهم تصاعد الانتقادات الصحفية لتغطية الإعلام الغربي للحرب على قطاع غزّة؟

تتزايد الانتقادات بين الصحفيين حول العالم لتحيّز وسائل الإعلام الغربية المكشوف ضد الفلسطينيين في سياق الحرب الجارية على قطاع غزّة وكتبوا أنّ غرف الأخبار "تتحمل وِزْر خطاب نزع الأنسنة الذي سوّغ التطهير العرقي بحق الفلسطينيين"

بيل دي يونغ نشرت في: 27 فبراير, 2024
حوار | في ضرورة النقد العلمي لتغطية الإعلام الغربي للحرب الإسرائيلية على غزة

نشر موقع ذا إنترسيبت الأمريكي، الذي يفرد مساحة واسعة للاستقصاء الصحفي والنقد السياسي، تحليلا بيانيا موسعا يبرهن على نمط التحيز في تغطية ثلاث وسائل إعلام أمريكية كبرى للحرب الإسرائيلية على غزّة. مجلة الصحافة أجرت حوارا معمقا خاصا مع آدم جونسون، أحد المشاركين في إعداد التقرير، ننقل هنا أبرز ما جاء فيه.

مجلة الصحافة نشرت في: 25 فبراير, 2024
في فهم الفاعلية: الصحفيون وتوثيق الجرائم الدولية

إن توثيق الجرائم الدولية في النزاعات المسلحة يُعد أحد أهم الأدوات لضمان العدالة الجنائية لصالح المدنيين ضحايا الحروب، ومن أهم الوسائل في ملاحقة المجرمين وإثبات تورطهم الجُرمي في هذه الفظاعات.

ناصر عدنان ثابت نشرت في: 24 فبراير, 2024
الصحافة في زمن الحرب: مذكرات صحفي سوداني

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في منتصف نيسان/أبريل 2023، يواجه الصحفيون في السودان –ولا سيما في مناطق النزاع– تحديات كبيرة خلال عملهم في رصد تطورات الأوضاع الأمنية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد جراء الحرب.

معاذ إدريس نشرت في: 23 فبراير, 2024
محرمات الصحافة.. هشاشتها التي لا يجرؤ على فضحها أحد

هل من حق الصحفي أن ينتقد المؤسسة التي يعمل بها؟ لماذا يتحدث عن جميع مشاكل الكون دون أن ينبس بشيء عن هشاشة المهنة التي ينتمي إليها: ضعف الأجور، بيئة عمل تقتل قيم المهنة، ملاك يبحثون عن الربح لا عن الحقيقة؟ متى يدرك الصحفيون أن الحديث عن شؤون مهنتهم ضروري لإنقاذ الصحافة من الانقراض؟

ديانا لوبيز زويلتا نشرت في: 20 فبراير, 2024
هل يفرض الحكي اليومي سردية عالمية بديلة للمعاناة الفلسطينية؟

بعيدا عن رواية الإعلام التقليدي الذي بدا جزء كبير منه منحازا لإسرائيل في حربها على غزة، فإن اليوميات غير الخاضعة للرقابة والمنفلتة من مقصلة الخوارزميات على منصات التواصل الاجتماعي قد تصنع سردية بديلة، ستشكل، لاحقا وثيقة تاريخية منصفة للأحداث.

سمية اليعقوبي نشرت في: 19 فبراير, 2024
شبكة قدس الإخبارية.. صحفيون في مواجهة الإبادة

في ذروة حرب الإبادة الجماعية التي تخوضها إسرائيل ضد غزة، كانت شبكة القدس الإخبارية تقاوم الحصار على المنصات الرقمية وتقدم صحفييها شهداء للحقيقة. تسرد هذه المقالة قصة منصة إخبارية دافعت عن قيم المهنة لنقل رواية فلسطين إلى العالم.

يوسف أبو وطفة نشرت في: 18 فبراير, 2024
آيات خضورة.. الاستشهاد عربونا وحيدا للاعتراف

في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 استشهدت الصحفية آيات خضورة إثر قصف إسرائيلي لمنزلها في بيت لاهيا شمالي القطاع، بعد ساعات قليلة من توثيقها اللحظات الأخيرة التي عاشتها على وقع أصوات قنابل الفسفور الحارق والقصف العشوائي للأحياء المدنية. هذا بورتريه تكريما لسيرتها من إنجاز الزميل محمد زيدان.

Mohammad Zeidan
محمد زيدان نشرت في: 16 فبراير, 2024
"صحافة المواطن" بغزة.. "الجندي المجهول" في ساحة الحرب

في حرب الإبادة الجماعية في فلسطين وكما في مناطق حرب كثيرة، كان المواطنون الصحفيون ينقلون الرواية الأخرى لما جرى. "شرعية" الميدان في ظروف حرب استثنائية، لم تشفع لهم لنيل الاعتراف المهني. هذه قصص مواطنين صحفيين تحدوا آلة الحرب في فلسطين لنقل جرائم الحرب التي يرتكبها الاحتلال.

منى خضر نشرت في: 14 فبراير, 2024
السقوط المهني المدوي للصحافة الغربية في تغطيتها للإبادة الجماعية في فلسطين

بعد سقوط جدار برلين بشّر المعسكر الرأسمالي المنتشي بانهيار الاتحاد السوفياتي، بالقيم الديمقراطية في مقدمتها الحرية التي ستسود العالم. مع توالي الأحداث، أفرغت هذه الشعارات من محتواها لتصل ذروتها في فلسطين، حيث سقطت هذه القيم، وسقط معها جزء كبير من الإعلام الغربي الذي تخلى عن دوره في الدفاع عن الضحايا.

عبير النجار نشرت في: 12 فبراير, 2024
رواية فلسطين في وسائل الإعلام الغربية و"الأجندة المحذوفة"

تحاول هذه المقالة تقصّي ملامح الأجندة المحذوفة في المعالجة الإعلامية التي اعتمدتها وسائل الإعلام الغربية الرئيسية لحرب غزّة. وهي معالجة تتلقف الرواية الإسرائيلية وتعيد إنتاجها، في ظلّ منع الاحتلال الإسرائيلي مراسلي الصحافة الأجنبية من الوجود في قطاع غزّة لتقديم رواية مغايرة.

شهيرة بن عبدالله نشرت في: 11 فبراير, 2024
البرامج الحوارية في الولايات المتحدة.. التحيز الكامل للرواية الإسرائيلية

كشف تحليل كمّي جديد لمحتوى أربع برامج حوارية سياسية شهيرة في الولايات المتحدة طريقة المعالجة المتحيّزة لوقائع الحرب المدمّرة على قطاع غزّة، وبما يثبت بمنهجيّة علميّة مدى التبعيّة للرواية الإسرائيلية في الإعلام الأمريكي والتقيّد الصارم بها.

مجلة الصحافة نشرت في: 10 فبراير, 2024
ناقلو الحقيقة في غزة.. "صحفيون مع وقف الاعتراف"

أكثر من 120 صحفيا اغتالهم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، واستهدف عائلاتهم ومنازلهم، بينما ما تزال بعض المنظمات والنقابات تعتمد منهجية تقليدية تنزع الاعتراف المهني عن الكثير من ناقلي الحقيقة من الميدان. منسيون يقاومون الحصار الإعلامي المضروب على الرواية الفلسطينية، "غير مشاهير"، وأبطال بلا مجد في جبهات القتال، تروي لندا شلش قصصهم.

لندا شلش نشرت في: 7 فبراير, 2024
كيف يكشف تحليل كمي عن مدى التحيز في تغطية الإعلام الأمريكي للحرب على غزة؟

يتطلب تحليل التغطية الإعلامية لقضية ما الاعتماد على لغة البيانات؛ وذلك للمساعدة في البرهنة على أنماط المخالفات المهنية لدى وسائل إعلام معينة. وهذا ما اضطلع به تحقيق صدر مؤخرا عن موقع ذا إنترسيبت بتحليله 1100 مقال من ثلاث صحف أمريكية، يعرض هذا التقرير أهم النتائج التي توصل إليها.

Mohammad Zeidan
محمد زيدان نشرت في: 12 يناير, 2024
كيف اختلفت التغطية الإخبارية للحرب على غزة بين شبكتي الجزيرة وسي أن أن؟

ماهي الاختلافات المهنية والتحريرية بين تغطية شبكتي الجزيرة وسي أن أن للحرب الإسرائيلية على غزة؟ ماهو شكل هذه التغطية؟ وماهي طبيعة المصادر المعتمدة؟ يرصد أحمد سيف النصر في هذا المقال أبرز أوجه الاختلاف بناء على قراءة في مضامين التغطية أثناء الحرب.

أحمد سيف النصر نشرت في: 4 يناير, 2024
إسكات "المتمردين" في غرف الأخبار والتهمة: فلسطين

العشرات من الصحفيين فقدوا وظائفهم أو تعرضوا لحملة "قمع" شديدة من طرف المؤسسات المؤيدة لإسرائيل فقط لأنهم دافعوا عن قيمة الحقيقة أو احتجوا على الرواية المنحازة لوسائل الإعلام. ثمة "تكتيك" بنمط متكرر يستهدف الصحفيين "المتمردين" بغاية إسكاتهم.

إسراء سيد نشرت في: 1 يناير, 2024
شهود الحقيقة وضحاياها: كيف مرَّ عام 2023 على الصحفيين الفلسطينيين؟

عام أسود عاشه الصحفيون الفلسطينيون الذي يغطون العدوان الإسرائيلي على غزة. ووسط صمت يكاد يرقى إلى درجة التواطؤ من بعض المنظمات الدولية، قتل أكثر من مئة صحفي خلال 3 شهور فقط فيما استهدفت المقرات ومنعت الطواقم من الوصول إلى الميدان لنقل الحقيقة إلى العالم.

هدى أبو هاشم نشرت في: 31 ديسمبر, 2023
قصص وتجارب حية لصحفيين اختاروا "الفريلانس"

اختيار العمل كصحفي فريلانسر لا يكون دائما مدفوعا بالاضطرار بل بالرغبة في التحرر واكتساب مهارات جديدة لا يتيحها العمل بالدوام الثابت. من لبنان، تسرد الصحفية جنى الدهيبي قصص ثلاثة صحفيين من مجالات مختلفة، يعملون فريلانسرز.

جنى الدهيبي نشرت في: 27 ديسمبر, 2023
كيف يتراجع نمو اقتصاد المستقلين في المؤسسات الإعلامية العربية؟

يكاد يصبح نموذج العمل الحر هو خيار وسائل الإعلام الأول في العالم العربي، مستفيدة من خبرات وكفاءات الفريلانسرز دون القدرة على الانخراط في بيئة العمل. الصورة ليست قاتمة تماما، لكن التجربة بينت أن الصحفيين الفريلانسرز، وبدافع الخوف، يرضون على "انتهاكات" ترفضها المنظمات والقوانين.

سمية اليعقوبي نشرت في: 26 ديسمبر, 2023
التصوير السري في الصحافة الاستقصائية.. خداع أم وسيلة إثبات؟

قد يعتبر التصوير السري أو العمل خفية أحد أبرز أساليب الصحافة الاستقصائية التي ترعى اهتمام الناس بقضية ما. مهنياً ليست القرار الأفضل دائماً، ونسبة الصواب والخطأ تحتمل العديد من التحديات القانونية والأخلاقية.

بديعة الصوان نشرت في: 24 ديسمبر, 2023
2024 ما الذي تحمله لصناعة الصحافة؟ حضور طاغ للذكاء الاصطناعي

بسرعة كبيرة، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه على غرف الأخبار، مع تزايد الحاجة إلى التعلم والتدريب. بالمقابل ثمة تخوفات كبيرة من آثاره الأخلاقية والاجتماعية

عثمان كباشي نشرت في: 18 ديسمبر, 2023