الصحافة التفسيرية.. مع المعرفة ضد الشعبوية

 

في تونس، وإزاء تصاعد وتيرة مظاهر الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، وتنامي خطابات الكراهية والشعبوية داخل مؤسّسات الدولة وخارج السلطة في المجال العمومي، ومع تعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ظلّ تعثّر مسار الانتقال الديمقراطي، تطفو على السطح الصحافة التفسيرية خلال السنوات الأخيرة، كجنس صحفي يحظى بطلب اجتماعي ملحّ، بعد أن تسلحت بها بعض وسائل الإعلام المهتمة بالصحافة البديلة وصحافة الجودة والعمق، أكثر من أي وقت مضى.

 

هذا الاهتمام بصحافة الجودة والعمق، بدأ يتزايد ليس في تونس وحدها بل حتى في الفضاء العربي. ويمكن تفسير هذه المكانة المتصاعدة والجديرة بالتمعّن، بشكل أوّلي، بهاجس مواجهة الكم الهائل من الأخبار الزائفة والمضلّلة والمغالطات التي تتسلّل يوميا إلى أذهان الجمهور والمتابعين في كل مكان، لاسيما عبر صفحات وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي؛ كالفيسبوك وغيره من الوسائط الحديثة.

 

غير أنّه من المهم قبل المضي قدما في هذا المجال البحثي، الوقوف عند تعريف وتاريخية مسارات تطوّر هذا الجنس الصحفي، وصولا إلى مدى مشروعية الدعوات القائلة بضرورة تعزيز حضوره في المضامين والممارسة الإعلاميّة في تونس على وجه الخصوص. وترتبط هذه الدعوات بالسياق العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلا عن التحديات التي تواجهها المهنة في سياق التقلبات والرهانات المتواترة التي تزيد في تعقيد مهمة الصحفيين المحترفين.

 

 الصحافة التفسيرية.. طوق نجاة

تعدّ الصحافة التفسيرية Explanatory Journalism جنسا صحفيا قديما متجدّدا؛ حيث تعود جذورها الجنينية الأولى في الممارسة المهنية الصحفية والاتجاهات التحريرية، إلى ما يفوق قرنا من الزمن. ويمكن اعتبار المدرسة الصحفية الأنجلوسكسونية (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على وجه الخصوص) الرائدة في هذا المجال، في حين تأتي المدرسة الفرانكفونية (فرنسا بشكل خاص) في مرتبة ثانية. وما تزال التجربة العربية في هذا التخصّص والتوجه محدودة وملتبسة؛ وهو ما يجعلها في حاجة للمزيد من التأصيل والتفكير رغم بعض المحاولات الجادّة والجديرة بالتثمين.

 وقد شهد هذا الصنف من الصحافة فترات من الصعود والأفول، إذ اقترنت فترات نمائه خاصة بالأزمات والأحداث التي شكلت منعطفات تاريخية، وكذلك ببروز الظواهر المعقدة والمركبة التي كان لها تأثيرات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وبيئية، ومناخية، وصحيّة كبيرة، لعلّ آخرها أزمة جائحة فيروس كوفيد-19.

تقوم الصحافة التفسيرية على شرح المواضيع بكل جوانبها، وإتاحة المجال للمتلقي لاستخلاص النتيجة بنفسه كما يراها، لكن شريطة أن يضمن العمل التفسيري شرحا كاملا لأركان الموضوع المختار وزواياه.

وتُعرّفُ الصحافة التفسيرية بأنّها صحافة تتناول القضايا المركّبة والمعقّدة في كافة مجالات الحياة بهدف تبسيطها للجمهور العريض. ويمارس هذا الجنس/النمط الصحفي صحفيون مختصون، يتولّون بواسطة التقنيات الحديثة تفسير المواضيع المختارة التي سيتم الاشتغال عليها. ولبناء قصص الصحافة التفسيرية لابد من الاعتماد على نوع كتابة يعرض بشكل واضح ودقيق وجذاب مضامين المواضيع المختارة، كما يمكن أن يكون المضمون التفسيري في قالب فيديو يتولّى شرح المحتويات بشكل يستقطب الجمهور.

وليست الصحافة التفسيرية صحافة رأي أو صحافة تحاليل إخبارية تقليدية، وإنّما صحافة تجيب على ركنيْن أساسييْن من أركان المقال الصحفي: "لماذا؟" و"كيف؟" وفق تعبير البروفيسور الصادق الحمامي، الأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بمنوبة (تونس).

يمكن لهذا النوع الصحفيّ -إذا لقيَ رواجا- أن يحدّ من انتشار الشائعات؛ لأنّه يؤدّي وظيفة أساسيّة وهي إطلاع الجمهور العريض على كل ما يستحقه من معلومات بالتوازي مع زيادة وعيه، حتّى يتمكّن من التمييز بين الأخبار الزائفة والصحيحة (1). 

 ويُطلَق على الصحافة التفسيرية أيضا تسمية الصحافة التوضيحية، أو الصحافة البيداغوجية، أو الصحافة الشارحة. وتقوم الكثير من الصحف في العالم لاسيما الغربية، بتفسير الأخبار المتناولة في صحيفتها، وذلك من خلال البحث عن المواد التي تساعد محرريها في شرح وتبسيط وتأطير الأخبار من مختلف الزوايا، فمن سمات الصحفي الناجح ألا يقتصر عمله فقط على تناول الأخبار وتغطيتها، بل على التعمق في تفسيرها (2).

لقد رصدت جامعة كولومبيا منذ 1985 جائزة لهذا النوع الصحفي، تحت مسمى التقارير التفسيرية Explanatory reporting ضمن جوائز بوليتزر (3). ونجد في العالم الكثير من الأمثلة التي اعتمدت الصحافة التفسيرية على غرار موقع صحيفة "الغارديان"، و"بي بي سي" و"واشنطن بوست"، و"نيويورك تايمز"، ومجلة "سلايت"، ووكالة "بلومبيرغ".

 

ويعد موقع (VOX) الأمريكي الذي يرفع شعار "افهم الأخبار" (4)، من التجارب الملهمة في هذا المجال، والمثيرة للجدل في الآن ذاته. يعرّف القائمون على هذا الموقع منصتهم الرقمية بأنّها مختصة في شرح الأخبار، معتبرين أنّنا نعيش اليوم في عالم تنتشر فيه الكثير من المعلومات والقليل من السياقات، الكثير من الضوضاء والقليل من البصيرة، الأمر الذي يستدعي إطلاق منصة تجعل من الصحافة التفسيرية جوهر عملها اليومي. 

أطلقَ هذا الموقع في عالم الصحافة الأمريكية في سنة 2014 ثلّةٌ من الصحفيين الأمريكيين، يتقدمهم إزرا كلاين وماثيو إيغليسياس وميليسا بال من مؤسسة "VOX Media". كان مضمون افتتاحية رئيس التحرير إزرا كلاين عند إطلاق الموقع عاكسا لفلسفة المنصة، التي تعتبر من أهم التجارب في مجال الصحافة التفسيرية في الزمن الراهن. فقد اختار كلاين طرح سؤال: "كيف تجعل منّا السياسة أغبياء؟" كعنوان للمقال الافتتاحي، محاولا شرح خيبته من الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية زمن حكم الرئيس باراك أوباما، ومستلهما في مقاربته الصحفية أفكارا من إحدى نظريات أستاذ القانون بجامعة ييل، دان كاهان، حول كيف يحمي الناس أنفسهم من معطيات ومعلومات حقيقية تتصادم مع معتقداتهم الأساسيّة والشخصيّة (5). 

إنّ تجربة موقع VOX وغيرها من التجارب البارزة على الصعيد العالمي، تعكس الوجه المتجدّد للصحافة التفسيرية التي أضحت تستفيد من التقنيات والأدوات التكنولوجية الحديثة، سواء بالتقاطع مع الصحافة متعدّدة الوسائط والحوامل؛ كالبودكاست، والفيديوهات التبسيطية، وتقنية الفيديو وول، والصور والرسوم الإحصائية والتوضيحية، أو صحافة البيانات أو الصحافة العلميّة (6).

ولا شك أنّ قيمة الصحافة التفسيرية بوصفها جنسا/نمطا صحفيا يندرج ضمن مجال صحافة الجودة والعمق، تكمن في إدراج المعلومات والوقائع في سياقاتها، مع إعطاء المتلقي من الجمهور المعطيات التي تتيح له فهما شاملا من مختلف الزوايا دون توجيه عبر فرض رأي أو موقف ما مسبق من قبل الصحفي.

ومن المهم الإشارة إلى أنّ الصحافة التفسيرية كمفهوم عام، لا تقتصر فقط على التقارير الإخبارية التوضيحية التي ترتكز على الشرح والتمحيص والتبسيط والنبش، في مختلف الزوايا المتعلقة بالحدث أو بالظاهرة التي تكون قيد المعالجة الصحفية. بل إنّ الحوارات الصحفية التفسيرية البيداغوجية (التعليمية)، خاصة حينما يتعلق الأمر بمحاورة خبراء مختصين، وكذلك التحقيقات والقصص التفسيريّة، هي الأخرى يمكن إدراجها في نفس الخانة، مع ضرورة احترام تنوّع واختلاف المقاربات والمنهجيات. لكن تبقى التقارير الصحفيّة التفسيرية هي التعبير الأبرز للصحافة الشارحة، حيث تُعدّ الأكثر استعمالا خاصة في الصحافة الأنجلوسكسونية.

في المحصّلة، يمكن توصيف صحافة التفسير بأنها صحافة إنارة العقول لمواجهة صحافة إثارة الغرائز والعواطف والأيديولوجيات المحنطة، التي يصبح معها اللون الأسود الداكن أبيض ناصعا، والشائعات حقائق لا تقبل النقاش والدحض. وفوق ذلك، هي صحافة ميدانية بالأساس عكس الصحافة الجالسة التي تكتفي فقط بنقل التصريحات والمواقف، وما ينشر من بلاغات رسمية على صفحات التواصل الاجتماعي، وكل ما هو متاح من مصادر على الإنترنت في شكل تقارير صحفيّة سطحيّة وعامّة. فالصحفي المفسّر مطالب في قصصه – بالضرورة - بالجمع بين نقل المعلومات وتفسيرها وشرحها، بعد التدقيق والفرز والربط بالسياقات وفق طرح متسلسل، وبشكل بيداغوجي لا يسقط في مطب تمرير رأي شخصي. هنا يمكن الحديث عن شكل من أشكال الصحافة الاندماجية التي تربط المنهج الصحفي التفسيري بالمنهج البحثي الأكاديمي والإخراج الفنّي التقني الإبداعي.

 من المهم، أيضا، أن يقوم الصحفي المختص في الصحافة التفسيرية بالمقابلات اللازمة مع الخبراء المختصين، وأن يطرق كل المصادر المتاحة/ المفتوحة (كتب، دراسات، وثائق، شهادات، نصوص قانونية… إلخ)، وغير المتاحة إن أمكن، من أجل تجميع أكثر ما يمكن من المعلومات والمعطيات لتعزّز طرحه التفسيري للموضوع قبل نشرها في قالب فني جذاب، يُسهم في تبسيط الأخبار والمعلومات والقضايا والإشكاليات الشائكة.

تساهم الصحافة التفسيرية بقسط كبير في تربية المتلقي على التعامل بشكل أكثر عقلاني وفطنة مع وسائل الإعلام والصحفيين. فهي تساعد الجمهور على أن يكون أكثر ذكاء في فهم الأخبار وتفهم الظواهر والقضايا الخلافية والجدلية. ولهذا تبدو الصحافة التفسيرية لمجموعة من المهتمين بقضايا الإعلام والشأن العام في تونس خيارا حتميا وضروريا في مواجهة آلات التضليل، لاسيما السياسي.

 

الصحافة التونسية في مواجهة آلات التضليل

تعتبر الصحافة التفسيرية بمفهومها الحديث، شأنها شأن الصحافة الاستقصائية، جنسا/نمطا صحفيا حديث العهد في الخطاب الأكاديمي والممارسة الإعلامية في تونس. إذ يُجمع العديد من الباحثين والصحفيين المختصين على أنّه قبل ثورة 2011، وما رافقها من طفرة وحرية إعلامية، لا يمكن الحديث عن محاولات جديّة وواعية بالصحافة التفسيرية في الصحافة التونسية. كما أنّ مفهوم الصحافة التفسيرية كفكرة وكجنس صحفي، لم يكن حاضرا في تمثّلات الصحفيين التونسيين للممارسة المهنية الاحترافية.

لقد خلقت مناخات الثورة في تونس هوامش ومساحات كبيرة من الحريات الصحفية، حيث تُعدّ من الاستثناءات القليلة في الفضاء العربي وفق تصنيفات منظمة مراسلون بلا حدود على سبيل الذكر لا الحصر (7). 

ومن المعروف أنّ الصحافة التونسية - بما في ذلك المستقلة قبل الثورة - كان يطغى عليها البعد الإخباري عموما، وصحافة الرأي بشكل خاص، مثلما هو الحال في جلّ الأقطار العربية في القرن الماضي. لذلك، فإن أجناسا صحفية من قبيل الصحافة التفسيرية، كانت غائبة عن الممارسة الإعلاميّة. ولعلّ التحاليل الإخبارية هي الجنس الذي كان حاضرا بقوّة في جلّ الصحف، فضلا عن مقالات الرأي وبقية الأشكال الصحفية، مثل الربورتاجات، والتقارير، والقصّة الخبرية، والبورتريهات.

ويعود بروز بعض التجارب والمحاولات في الصحافة التفسيرية في المشهد الإعلامي التونسي أساسا، إلى ظهور موجة من المواقع والمنصات الصحفية الرقمية التي تصنّف نفسها في خانة الصحافة البديلة.

في هذا المضمار يمكن الإشارة إلى تجارب قيّمة مثل مواقع "نواة"، و"انكفاضة"، و"الكتيبة"، و"كشف ميديا"، و"إنسان"، وبعض الإذاعات الجمعياتية، مثل إذاعة "نزاهة" المختصة في مكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة.

ولعلّ القاسم المشترك بين هذه التجارب هو انتماء الغالبية منها إلى الإعلام الجمعياتي المستقلّ الذي ليس له غايات ربحية، مثلما هو الحال في الإعلام التجاري التقليدي لاسيما الخاص.

لكن الملاحظ، أنّ موجة انتشار الصحافة التفسيرية وصلت في السنوات الأخيرة أيضا إلى المؤسّسات الصحفية التقليدية، مثل صحيفتي المغرب والصباح، والإذاعات الخاصة، كديوان إف إم، وشمس إف إم، وموزاييك إف إم، بالإضافة إلى بعض البرامج والنشرات الإخبارية التلفزية، وإن كان هذا لماما ومناسباتيا.

إنّ قضيّة المراهنة على الصحافة التفسيرية كجنس صحفي، جدير بمزيد التجذير والاستزادة في الممارسة الصحفية في المشهد الإعلامي التونسي. هذا التجذير يجد مسوغا من خلال التوصيات والتقارير التي تصدرها منظمات مهنية مثل النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، وهياكل تعديلية، مثل هيئة الاتصال السمعي البصري، فضلا عن مجلس الصحافة (8) الذي تأسّس حديثا.

في هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى البلاغ التوجيهي الذي أصدرته الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس بتاريخ 5 يوليو/تموز 2021، والذي دعت فيه الصحفيين إلى التحلي بالمسؤولية تجاه تأزم الوضع الصحيّ، وذلك بناء على ما أسمته رصد تشنج في التعاطي الإعلامي مع الأزمة الصحيّة، تجاوز في بعض الأحيان حدود التعامل العقلاني مع الأحداث والمواضيع ذات العلاقة.

وقد دعت الهيئةُ الصحفيين إلى ضرورة الانتباه إلى مخاطر الإسهاب في استعراض المشاعر الشخصية على حساب الوقائع والحيثيات دون تقديم الإضافة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى الانسياق وراء خطابات "شعبوية" غير مسؤولة، تدعو المواطنات والمواطنين إلى عدم الاكتراث بمؤسسات الدولة بمبرر فشلها في إدارة الأزمة الصحية.

وذكّرت في الآن ذاته، أنه من واجب الصحفي حثّ المواطنات والمواطنين على الاهتمام بالشأن العام، وتنمية التفكير النقدي، ومراكمة تقاليد الرقابة على أجهزة الدولة وتصرفها في المال العام، وترسيخ قيم المساءلة، داعية إلى عدم الاكتفاء بصحافة الرأي وبضرورة اعتماد الأجناس الصحفية الأخرى التي تساعد على الفهم والإدراك والتحليل، وخاصة منها الصحافة التفسيريّة (9).

لا شك في أنّ هذه الدعوة الصريحة والمباشرة الصادرة عن أهم مؤسّسة تعديلية في المشهد الإعلامي التونسي، تعكس حالة الوعي بقيمة وبأهميّة الصحافة التفسيريّة، والتي رغم تقدمها في التجربة التونسية بخطوات وبإيقاع مختلف يعتريها بون شاسع بين الصحافة البديلة ووسائل الإعلام التقليدية لاسيما القنوات التلفزية الخاصة، فإنّ السياق الراهن في تونس أضحى يدفع بشكل جلّي نحو الاعتماد على هذه المقاربة كضرورة حتمية يفرضها السياق العام.

إنّ الحديث عن السياق العام التونسي الراهن، بكلّ ما فيه من تعقيدات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية في ظلّ سطوة "الشعبوية" على الخطاب السياسي، وطغيان المعلّقين السياسيين على المشهد التلفزي والإذاعي والذين لدى معظمهم انتماءات سياسيّة واضحة، يستلزم اليوم البحث عن صحافة أكثر جدية قادرة على الفرز وعلى إيصال الحقيقة للجمهور دون تحيزات.

وعلى هذا النحو، ينخرطون في الاصطفاف والاستقطاب بعيدا عن جوهر العمل الصحفي المستقل والنزيه، الذي يجعل الخبر مقدسا والتعليق حرا، وهو ما يقودنا بالضرورة إلى المهام التي يمكن أن تضطلع بها الصحافة التفسيرية لمواجهة آلات التضليل والتلاعب السياسي في الملفات الحارقة التي يتم من خلالها توجيه الرأي العام، دون أن يكون هناك تبيان للخيط الأبيض من الخيط الأسود.

في الحقيقة يجب أن نميز، هنا، بين صحافة التحري ومكافحة الأخبار الزائفة من جهة (والتي تكاد تتحول إلى موضة في تونس)، وصحافة التفسير من جهة ثانية. بين النمطين ثمة فروقات شاسعة رغم التكامل الذي يربطهما؛ فالصحافة التفسيرية هي أكثر عمقا، وتستلزم منهجية مختلفة لا تكتفي فقط بالتحري في الخبر، بل تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال تفسيره وشرحه وتقديمه بشكل بيداغوجي مبسط وسلسل، مع تنزيله في سياقه العام والخاص من مختلف الزوايا التي يقوم الصحفي المفسر بالنبش فيها.

تكمن قيمة الصحافة التفسيرية على المستوى الاستراتيجي في الممارسة الصحفية في المشهد التونسي في النأي بالصحفيين عن "الشعبوية" والأدلجة، والتي يمكن أن تزج بهم في خندق الدعاية لهذا الطرف أو ذاك والذي قد يفضي إلى خلق فجوة بين الصحافة والجمهور.

كانت الصحافة التونسية، على امتداد عقود من الزمن، حبيسة النموذج الفرانكفوني في التعاطي المهني الذي يرتكز أساسا على الخبر والرأي بدرجة أولى. لكن اليوم، وفي ظلّ التحديات الراهنة التي يجب أن تراعي طبيعة المرحلة سياسيا، وانتظارات الجمهور مهنيا، من الضروري أن تنهض مقاربة جديدة تنطوي على نهج يعكس انفتاحا أكبر على النموذج الأنجلوسكسوني، الذي يولي مكانة أبرز وحظوة أهم للصحافة التفسيرية الشارحة التي تخاطب العقل في القضايا الكبرى، بما فيها الملفات التقنية المتشعبة وصعبة الفهم والاستيعاب بالنسبة للمتلقي من قبيل الإشكاليات المالية والاقتصادية... إلخ.

إنّ هذا المخاض المضني في مسار تجديد وتطوير المقاربات الصحفية في المشهد الإعلامي التونسي، يحتاج إلى حاضنة مهنية تنطلق من معاهد الصحافة ومراكز التكوين والتدريب، وصولا إلى المؤسسات الإعلامية التي تهتم بالاشتغال على صحافة الجودة والعمق، والتي يجب أن ترسخ ذلك في مواثيقها وسياساتها التحريرية. إنه مسار يبدو عسيرا، لكنّه سيقود حتما إلى الهجرة صوب الصحافة التفسيرية كجزء من عقلنة المشهد الصحفي التونسي.

هذه الهجرة نحو الصحافة التفسيرية كمبحث وتخصص إعلامي بدأت تتشكل إرهاصاتها في السنوات القليلة الماضية في تونس، مع بروز جيل جديد من الصحفيين والمؤسسات الصحفية التي تبحث عن الجودة والمهنية كخيار تحريري. توجه يراد من خلاله القطع مع إرث الماضي القريب والبعيد في إطار المراكمة والإصلاح والتجديد ومواكبة التحولات التي تشهدها المهنة في العالم ككل، لاسيما في التجارب الديمقراطية العريقة، تزامنا مع سياق تاريخي عالمي يصنّفه بعض الفلاسفة على أنه زمن "ما بعد الحقيقة" (10).

 

 

 

 

 

 

   

قائمة المصادر والمراجع:

1)  وائل الونيفي: تقرير تربص براديو نزاهة لنيل الإجازة التطبيقية في الصحافة، "محاربة الأخبار الزائفة المتعلقة بالفساد والحوكمة الرشيدة: الصحافة التفسيرية كأداة"، الجامعة المركزية الخاصة، تونس. السنة الجامعية 2019 - 2020

 

2)  http://www.siironline.org/alabwab/alhoda-culture/134.ht

 

3)  https://www.pulitzer.org/prize-winners-by-category/2073-

 

4)  https://www.vox.com/pages/about-us

5)https://www.vox.com/2014/4/6/5556462/brain-dead-how-politics-makes-us-stupid

6)  https://bit.ly/2T2NFRb

7)  https://rsf.org/ar/twns

 

8)  https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/1255

 

9)  https://bit.ly/3hZUawr

 

10)            https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/post-truth

المزيد من المقالات

صحافة البيانات وتحدي جائحة كورونا

فرضت جائحة كورونا أعباء جديدة على صحافة البيانات، أهما التعامل بحذر شديد مع الأرقام المرتبطة بالصحة. القارئ اليوم، لم يعد كما كان من قبل، بل أصبح ناقدا ومسائلا بسقف انتظارات عالي حول وباء يهم حياته قبل كل شيء.

تحقيق أوراق باندروا.. نظرة من الداخل

أحدثت تسريبات أوراق باندورا تأثيرات عالمية مست رجال سياسة وأعمال تورطوا في تعاملات مالية غير قانونية في الجنان الضريبية. بيير روميرا، المدير التنفيذي للتكنولوجيا في الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين، يشرح في هذا الحوار كيف تعامل فريق المحققين مع 12 مليون وثيقة مسربة تفضح ثروات مالية مخفية.

مركز الصحافة الأوروبي نشرت في: 23 يناير, 2022
حتى لا ننسى الصحافة العلمية

في البدايات الأولى لانتشار فيروس كورونا، وجدت غرف التحرير نفسها مضطرة إلى الاستعانة بصحفيين علميين لشرح تأثيرات الجائحة على صحة المواطنين، لكن سرعان ما تراجعت مفسحة المجال من جديد أمام الخبر السياسي.

غابي بيغوري نشرت في: 19 يناير, 2022
الصحفية إرين هاينز وسؤال التنوّع والشمول في غرف الأخبار

(ترجم هذا المقال بالتعاون مع نيمان ريبورتس - جامعة هارفارد)

نيمان ريبورتس نشرت في: 17 يناير, 2022
الأمن الرقمي للصحفيين.. الوقاية خط الدفاع الأخير

أثار التحقيق الاستقصائي الذي قادته منظمة "فوربيدن ستوريز" حول التجسس على الصحفيين ردود فعل عالمية بين المنظمات الحقوقية والمؤسسات الرسمية أيضا. الظاهر أن التجسس أصبح منظما أكثر من أي وقت مضى ليس فقط من طرف الدول الاستبدادية بل حتى من الدول التي تصنف بأنها ديمقراطية. هذه "حزمة" من النصائح لحماية الأمن الرقمي للصحفيين.

مي شيغينوبو نشرت في: 10 يناير, 2022
فيلم "لا شيء غير الحقيقة".. ضريبة الدفاع عن المصادر

فيلم "لا شيء غير الحقيقة" يطرح قضية الحفاظ على سرية المصادر حتى عندما يستخدم مفهوم "الأمن القومي" لمحاكمة الصحفيين الذين يمارسون حقهم في مراقبة السلطة.

رشيد دوناس نشرت في: 9 يناير, 2022
تغطية المونديال.. الكرة في الهامش

كأس العالم لكرة القدم مناسبة فريدة للغاية، وتغطيتها صحفيا -إن أُتيحت لك- أشبه ما تكون بضربة جزاء في المباراة النهائية! لا ينبغي أن تضيع بأي حال من الأحوال، عليك أن تثق بنفسك، وتنطلق نحو الهدف؛ كي تسعد نفسك والآخرين.

يونس الخراشي نشرت في: 2 يناير, 2022
"عمالقة التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة"

في العدد السابق من مجلة الصحافة، كان السؤال المؤرق الذي يشغلنا: كيف تؤثر الخوارزميات على الممارسة الصحفية. في هذه المراجعة حول كتاب"عمالقة التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل الصحافة"، يقدم كاتبه رؤية نقدية حادة ضد شركات التكنولوجيا بفعل سعيها المستمر إلى إلغاء دور الصحفيين في إنتاج القصص الصحفية، والقضاء على المؤسسات الصحفية الجادة.

عثمان أمكور نشرت في: 27 ديسمبر, 2021
الترجمة الصحفية.. البحث عن أفضل خيانة تحريرية ممكنة

المترجم دائما مشتبه به بأنه "خائن للنص"، وتصبح هذه الخيانة أكثر وطأة حين يتعلق الأمر بالترجمة الصحفية، لأنها آنية وسريعة وترسخ مفاهيم جديدة ولو بتعابير رديئة. تطرح الترجمة الصحفية إلى العربية إشكاليات السياق الثقافي وإمكانية التدخل في النص الأصلي. 

بهاء الدين سيوف نشرت في: 22 ديسمبر, 2021
حينما يغتال "حماة الفساد" الصحافة المحلية

في بلد شاسع مثل الأرجنتين، تصبح أهمية الصحافة المحلية في توفير الحق في المعلومة حيوية، لكن الشركات الكبرى والسلطة الحكومية تريد أن يبقى جزء كبير من السكان رهائن الرواية الرسمية الصادرة عن الإعلام المركزي.

غابي بيغوري نشرت في: 21 ديسمبر, 2021
كتاب السرد في الصحافة.. "نحو ممارسة واعية في الكتابة"

أصدر معهد الجزيرة للإعلام كتاب "السرد في الصحافة" كمحاولة تأسيسية أولى في العالم العربي لمساعدة الصحفيين على بناء قصة صحفية جيدة.

جمال الموساوي نشرت في: 20 ديسمبر, 2021
الانتهاكات ضد الصحفيات.. "جرائم" مع سبق الإصرار

التحرش داخل غرف التحرير، الاعتداءات الجسدية، التنمر الرقمي، التمييز… تمثل جزءا يسيرا من أشكال التضييق على النساء الصحفيات. حسب بعض الدراسات فإن الآثار النفسية للتضييق تؤدي إلى تقويض الثقة بالصحفيات، بل ويجبر الكثير منهن للانسحاب بشكل نهائي من مهنة الصحافة.

أميرة زهرة إيمولودان نشرت في: 14 ديسمبر, 2021
جون جاك بوردان.. الصحفي "القذر" الذي يفضح النخبة الفرنسية

يعتدل جاك بوردان في جلسته، ليحاور السياسيين الكبار في فرنسا بحنكة الصحفي الذي لا يتوانى في مخاطبة الرئيس: نعم إيمانويل ماكرون دون ألقاب قد يفرضها المقام، ثم لا يجد حرجا في "حشر" إيريك زمور في الزاوية وهو يذكره بأسماء المهاجرين الذين فازوا بكأس العالم سنة 1998. يستشهد بزيدان، ويرفض الصيغ الودية في طرح الأسئلة، ويرى أن الصحفي ولد ليشاكس لا ليداهن.

نزار الفراوي نشرت في: 8 ديسمبر, 2021
أخبار سيئة، أخبار جيدة.. قراءة في كتاب "إبستيمولوجية الأخبار الزائفة"

قيمة الأخبار أنها تسائل السلطة، لكن حين تنتشر المعلومات الزائفة تقوض إحدى آليات المساءلة الديمقراطية. "إبستيمولوجية الأخبار الزائفة" كتاب صادر عن جامعة أوكسفورد يشرح كيف تحولت إلى وسيلة لتصفية المخالفين والمعارضين في الأنظمة الشمولية. 

عثمان أمكور نشرت في: 5 ديسمبر, 2021
لماذا تدريس صحافة البيانات؟ الإجابات السهلة والصعبة

 لدى طلبة الصحافة، في البدايات الأولى، خوف غريزي من الأرقام والبيانات، ولذلك يبدو لهم التخصص في صحافة البيانات صعبا وربما غير قابل للتحقق. لكن عند أول دورة تدريبية تتغير هذه الصورة النمطية. تجربة تدريس صحافة البيانات في العالم العربي ما تزال جنينية وتحتاج قبل كل شيء إلى شجاعة القرار.

أروى الكعلي نشرت في: 1 ديسمبر, 2021
"438 يوما".. من التحقيق في فساد شركات النفط إلى "سجن شيراتون"

صحفيان سويديان يقرران التحقيق حول تأثير تنقيب الشركات الكبرى عن النفط على السكان المحليين شرق إثيوبيا، ثم يجدان أنفسهما في مواجهة "النيران" حينما قررا الدخول خفية من الحدود الصومالية. بأسلوب سردي، يحكي الصحفيان كيف عاشا تفاصيلها في "سجن شيراتون" حيث يعيش السجناء السياسيون أبشع أنواع التنكيل بينما هيلاري كلينون تمتدح غير بعيد من السجن الرئيس الإثيوبي.

عبد اللطيف حاج محمد نشرت في: 1 ديسمبر, 2021
"التنوع الزائف" في غرف الأخبار الأمريكية

هل التنوع في غرف الأخبار الأمريكية حقيقي يسعى إلى إحداث التوازن في القصص الإخبارية، أم أنه أصبح فقط "موضة" خاصة بعد تصاعد موجة العنصرية ضد السود؟ هذه قراءة في مقال لـ "كولومبيا جورناليزم ريفيو"، الذي يرى أن جهود التنوع فشلت باستثناء تجارب قليلة.

ملاك خليل نشرت في: 29 نوفمبر, 2021
كيف يمكن لوسائل الإعلام الاستفادة من تيك توك؟

فاجأت صحيفة واشنطن بوست متابعيها بالبحث عن محرر متخصص في "تيك توك" لتؤسس بذلك لمسمى وظيفي لم يكن معروفا من قبل. التطبيق الصيني، هو الأسرع نموا في العالم، حيث بات على الصحفيين البحث عن فرص استثماره للوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور.

أنس دويبي نشرت في: 28 نوفمبر, 2021
كيف يمكن لأخلاقيات الصحافة أن تقلّل أضرار منصات التواصل؟

حررت منصات التواصل الاجتماعي هوامش لم تكن متاحة في السابق للنشر والتعبير بعيدا عن الرقابة، لكن مع تطورها السريع وتحولها إلى منافس لوسائل الإعلام التقليدية في وظائف الإخبار، بات ضروريا التفكير في سن أخلاقيات للنشر الرقمي.

إسماعيل عزام نشرت في: 23 نوفمبر, 2021
رجال المال والأعمال و"السيطرة على الإعلام"

رجال المال والأعمال حولوا الصحافة إلى "مسخ" يقتات على الفضائح والإجهاز على حق الآخرين في الاختلاف. الربيع العربي وبقدر ما حرر مساحة من الحرية كان قدر ما أفسح من مجال لإنشاء قنوات وظفت بشكل غير أخلاقي في تهديد الديمقراطية الناشئة.

ليلى أبو علي نشرت في: 22 نوفمبر, 2021
ماذا ستفعل وسائل الإعلام بعد فيسبوك؟

حين توقفت المنصات الرقمية التابعة لفيسبوك عن الاشتغال، طرح السؤال: هل يمكن أن تعيش وسائل الإعلام بدون وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل سيكون مستقبلها أفضل بدونها أم أن سلوك الجمهور يفضل قراءة الأخبار على هذه المنصات؟ أروى الكعلي تجيب عن هذه الأسئلة في مقالها: ماذا ستفعل وسائل الإعلام بعد فيسبوك؟

أروى الكعلي نشرت في: 21 نوفمبر, 2021
حينما تصبح المخابرات "رئيس تحرير"

في الظاهر يبدو المشهد كالتالي: تعددية إعلامية وحرية تعبير، لكن في الجوهر تقبع الحقائق المرة: أجهزة المخابرات والعسكر التي تتخفى في زي مدني، لتتولى مهمة "رئاسة تحرير" الصحف والقنوات، ولم ينج من هذه الماكنة التي يقودها عقيد في المخابرات سوى استثناءات قليلة ما زالت تشتغل في حقل من الخطوط الحمراء يتسع يوما بعد يوم.

رؤوف السعيد نشرت في: 17 نوفمبر, 2021
كيف يؤثر التنوع على القرار التحريري؟

داخل إذاعة هولندا الدولية، كان ثمة مزيج من الخلفيات السياسية والفكرية والثقافية والعرقية تنتمي إلى بلدان عربية مختلفة. عشرات الصحفيين يشتغلون على قصص في منطقة ملتهبة، وسط محاذير كثيرة، منها الخوف من أي يؤدي هذا التنوع إلى التأثير في القرار التحريري. 

إبراهيم حمودة نشرت في: 16 نوفمبر, 2021
الصحفي المتغطرس

الكثير من الصحفيين يزعمون أنهم يعرفون كل شيء، ويخلطون قصصهم ببطولاتهم الشخصية. الصحافة مهنة ضد النجومية ويجب أن تبقى كذلك.

نوا زافاليتا نشرت في: 14 نوفمبر, 2021