الصحافة التفسيرية.. مع المعرفة ضد الشعبوية

 

في تونس، وإزاء تصاعد وتيرة مظاهر الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، وتنامي خطابات الكراهية والشعبوية داخل مؤسّسات الدولة وخارج السلطة في المجال العمومي، ومع تعمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ظلّ تعثّر مسار الانتقال الديمقراطي، تطفو على السطح الصحافة التفسيرية خلال السنوات الأخيرة، كجنس صحفي يحظى بطلب اجتماعي ملحّ، بعد أن تسلحت بها بعض وسائل الإعلام المهتمة بالصحافة البديلة وصحافة الجودة والعمق، أكثر من أي وقت مضى.

 

هذا الاهتمام بصحافة الجودة والعمق، بدأ يتزايد ليس في تونس وحدها بل حتى في الفضاء العربي. ويمكن تفسير هذه المكانة المتصاعدة والجديرة بالتمعّن، بشكل أوّلي، بهاجس مواجهة الكم الهائل من الأخبار الزائفة والمضلّلة والمغالطات التي تتسلّل يوميا إلى أذهان الجمهور والمتابعين في كل مكان، لاسيما عبر صفحات وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي؛ كالفيسبوك وغيره من الوسائط الحديثة.

 

غير أنّه من المهم قبل المضي قدما في هذا المجال البحثي، الوقوف عند تعريف وتاريخية مسارات تطوّر هذا الجنس الصحفي، وصولا إلى مدى مشروعية الدعوات القائلة بضرورة تعزيز حضوره في المضامين والممارسة الإعلاميّة في تونس على وجه الخصوص. وترتبط هذه الدعوات بالسياق العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلا عن التحديات التي تواجهها المهنة في سياق التقلبات والرهانات المتواترة التي تزيد في تعقيد مهمة الصحفيين المحترفين.

 

 الصحافة التفسيرية.. طوق نجاة

تعدّ الصحافة التفسيرية Explanatory Journalism جنسا صحفيا قديما متجدّدا؛ حيث تعود جذورها الجنينية الأولى في الممارسة المهنية الصحفية والاتجاهات التحريرية، إلى ما يفوق قرنا من الزمن. ويمكن اعتبار المدرسة الصحفية الأنجلوسكسونية (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على وجه الخصوص) الرائدة في هذا المجال، في حين تأتي المدرسة الفرانكفونية (فرنسا بشكل خاص) في مرتبة ثانية. وما تزال التجربة العربية في هذا التخصّص والتوجه محدودة وملتبسة؛ وهو ما يجعلها في حاجة للمزيد من التأصيل والتفكير رغم بعض المحاولات الجادّة والجديرة بالتثمين.

 وقد شهد هذا الصنف من الصحافة فترات من الصعود والأفول، إذ اقترنت فترات نمائه خاصة بالأزمات والأحداث التي شكلت منعطفات تاريخية، وكذلك ببروز الظواهر المعقدة والمركبة التي كان لها تأثيرات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وبيئية، ومناخية، وصحيّة كبيرة، لعلّ آخرها أزمة جائحة فيروس كوفيد-19.

تقوم الصحافة التفسيرية على شرح المواضيع بكل جوانبها، وإتاحة المجال للمتلقي لاستخلاص النتيجة بنفسه كما يراها، لكن شريطة أن يضمن العمل التفسيري شرحا كاملا لأركان الموضوع المختار وزواياه.

وتُعرّفُ الصحافة التفسيرية بأنّها صحافة تتناول القضايا المركّبة والمعقّدة في كافة مجالات الحياة بهدف تبسيطها للجمهور العريض. ويمارس هذا الجنس/النمط الصحفي صحفيون مختصون، يتولّون بواسطة التقنيات الحديثة تفسير المواضيع المختارة التي سيتم الاشتغال عليها. ولبناء قصص الصحافة التفسيرية لابد من الاعتماد على نوع كتابة يعرض بشكل واضح ودقيق وجذاب مضامين المواضيع المختارة، كما يمكن أن يكون المضمون التفسيري في قالب فيديو يتولّى شرح المحتويات بشكل يستقطب الجمهور.

وليست الصحافة التفسيرية صحافة رأي أو صحافة تحاليل إخبارية تقليدية، وإنّما صحافة تجيب على ركنيْن أساسييْن من أركان المقال الصحفي: "لماذا؟" و"كيف؟" وفق تعبير البروفيسور الصادق الحمامي، الأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بمنوبة (تونس).

يمكن لهذا النوع الصحفيّ -إذا لقيَ رواجا- أن يحدّ من انتشار الشائعات؛ لأنّه يؤدّي وظيفة أساسيّة وهي إطلاع الجمهور العريض على كل ما يستحقه من معلومات بالتوازي مع زيادة وعيه، حتّى يتمكّن من التمييز بين الأخبار الزائفة والصحيحة (1). 

 ويُطلَق على الصحافة التفسيرية أيضا تسمية الصحافة التوضيحية، أو الصحافة البيداغوجية، أو الصحافة الشارحة. وتقوم الكثير من الصحف في العالم لاسيما الغربية، بتفسير الأخبار المتناولة في صحيفتها، وذلك من خلال البحث عن المواد التي تساعد محرريها في شرح وتبسيط وتأطير الأخبار من مختلف الزوايا، فمن سمات الصحفي الناجح ألا يقتصر عمله فقط على تناول الأخبار وتغطيتها، بل على التعمق في تفسيرها (2).

لقد رصدت جامعة كولومبيا منذ 1985 جائزة لهذا النوع الصحفي، تحت مسمى التقارير التفسيرية Explanatory reporting ضمن جوائز بوليتزر (3). ونجد في العالم الكثير من الأمثلة التي اعتمدت الصحافة التفسيرية على غرار موقع صحيفة "الغارديان"، و"بي بي سي" و"واشنطن بوست"، و"نيويورك تايمز"، ومجلة "سلايت"، ووكالة "بلومبيرغ".

 

ويعد موقع (VOX) الأمريكي الذي يرفع شعار "افهم الأخبار" (4)، من التجارب الملهمة في هذا المجال، والمثيرة للجدل في الآن ذاته. يعرّف القائمون على هذا الموقع منصتهم الرقمية بأنّها مختصة في شرح الأخبار، معتبرين أنّنا نعيش اليوم في عالم تنتشر فيه الكثير من المعلومات والقليل من السياقات، الكثير من الضوضاء والقليل من البصيرة، الأمر الذي يستدعي إطلاق منصة تجعل من الصحافة التفسيرية جوهر عملها اليومي. 

أطلقَ هذا الموقع في عالم الصحافة الأمريكية في سنة 2014 ثلّةٌ من الصحفيين الأمريكيين، يتقدمهم إزرا كلاين وماثيو إيغليسياس وميليسا بال من مؤسسة "VOX Media". كان مضمون افتتاحية رئيس التحرير إزرا كلاين عند إطلاق الموقع عاكسا لفلسفة المنصة، التي تعتبر من أهم التجارب في مجال الصحافة التفسيرية في الزمن الراهن. فقد اختار كلاين طرح سؤال: "كيف تجعل منّا السياسة أغبياء؟" كعنوان للمقال الافتتاحي، محاولا شرح خيبته من الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية زمن حكم الرئيس باراك أوباما، ومستلهما في مقاربته الصحفية أفكارا من إحدى نظريات أستاذ القانون بجامعة ييل، دان كاهان، حول كيف يحمي الناس أنفسهم من معطيات ومعلومات حقيقية تتصادم مع معتقداتهم الأساسيّة والشخصيّة (5). 

إنّ تجربة موقع VOX وغيرها من التجارب البارزة على الصعيد العالمي، تعكس الوجه المتجدّد للصحافة التفسيرية التي أضحت تستفيد من التقنيات والأدوات التكنولوجية الحديثة، سواء بالتقاطع مع الصحافة متعدّدة الوسائط والحوامل؛ كالبودكاست، والفيديوهات التبسيطية، وتقنية الفيديو وول، والصور والرسوم الإحصائية والتوضيحية، أو صحافة البيانات أو الصحافة العلميّة (6).

ولا شك أنّ قيمة الصحافة التفسيرية بوصفها جنسا/نمطا صحفيا يندرج ضمن مجال صحافة الجودة والعمق، تكمن في إدراج المعلومات والوقائع في سياقاتها، مع إعطاء المتلقي من الجمهور المعطيات التي تتيح له فهما شاملا من مختلف الزوايا دون توجيه عبر فرض رأي أو موقف ما مسبق من قبل الصحفي.

ومن المهم الإشارة إلى أنّ الصحافة التفسيرية كمفهوم عام، لا تقتصر فقط على التقارير الإخبارية التوضيحية التي ترتكز على الشرح والتمحيص والتبسيط والنبش، في مختلف الزوايا المتعلقة بالحدث أو بالظاهرة التي تكون قيد المعالجة الصحفية. بل إنّ الحوارات الصحفية التفسيرية البيداغوجية (التعليمية)، خاصة حينما يتعلق الأمر بمحاورة خبراء مختصين، وكذلك التحقيقات والقصص التفسيريّة، هي الأخرى يمكن إدراجها في نفس الخانة، مع ضرورة احترام تنوّع واختلاف المقاربات والمنهجيات. لكن تبقى التقارير الصحفيّة التفسيرية هي التعبير الأبرز للصحافة الشارحة، حيث تُعدّ الأكثر استعمالا خاصة في الصحافة الأنجلوسكسونية.

في المحصّلة، يمكن توصيف صحافة التفسير بأنها صحافة إنارة العقول لمواجهة صحافة إثارة الغرائز والعواطف والأيديولوجيات المحنطة، التي يصبح معها اللون الأسود الداكن أبيض ناصعا، والشائعات حقائق لا تقبل النقاش والدحض. وفوق ذلك، هي صحافة ميدانية بالأساس عكس الصحافة الجالسة التي تكتفي فقط بنقل التصريحات والمواقف، وما ينشر من بلاغات رسمية على صفحات التواصل الاجتماعي، وكل ما هو متاح من مصادر على الإنترنت في شكل تقارير صحفيّة سطحيّة وعامّة. فالصحفي المفسّر مطالب في قصصه – بالضرورة - بالجمع بين نقل المعلومات وتفسيرها وشرحها، بعد التدقيق والفرز والربط بالسياقات وفق طرح متسلسل، وبشكل بيداغوجي لا يسقط في مطب تمرير رأي شخصي. هنا يمكن الحديث عن شكل من أشكال الصحافة الاندماجية التي تربط المنهج الصحفي التفسيري بالمنهج البحثي الأكاديمي والإخراج الفنّي التقني الإبداعي.

 من المهم، أيضا، أن يقوم الصحفي المختص في الصحافة التفسيرية بالمقابلات اللازمة مع الخبراء المختصين، وأن يطرق كل المصادر المتاحة/ المفتوحة (كتب، دراسات، وثائق، شهادات، نصوص قانونية… إلخ)، وغير المتاحة إن أمكن، من أجل تجميع أكثر ما يمكن من المعلومات والمعطيات لتعزّز طرحه التفسيري للموضوع قبل نشرها في قالب فني جذاب، يُسهم في تبسيط الأخبار والمعلومات والقضايا والإشكاليات الشائكة.

تساهم الصحافة التفسيرية بقسط كبير في تربية المتلقي على التعامل بشكل أكثر عقلاني وفطنة مع وسائل الإعلام والصحفيين. فهي تساعد الجمهور على أن يكون أكثر ذكاء في فهم الأخبار وتفهم الظواهر والقضايا الخلافية والجدلية. ولهذا تبدو الصحافة التفسيرية لمجموعة من المهتمين بقضايا الإعلام والشأن العام في تونس خيارا حتميا وضروريا في مواجهة آلات التضليل، لاسيما السياسي.

 

الصحافة التونسية في مواجهة آلات التضليل

تعتبر الصحافة التفسيرية بمفهومها الحديث، شأنها شأن الصحافة الاستقصائية، جنسا/نمطا صحفيا حديث العهد في الخطاب الأكاديمي والممارسة الإعلامية في تونس. إذ يُجمع العديد من الباحثين والصحفيين المختصين على أنّه قبل ثورة 2011، وما رافقها من طفرة وحرية إعلامية، لا يمكن الحديث عن محاولات جديّة وواعية بالصحافة التفسيرية في الصحافة التونسية. كما أنّ مفهوم الصحافة التفسيرية كفكرة وكجنس صحفي، لم يكن حاضرا في تمثّلات الصحفيين التونسيين للممارسة المهنية الاحترافية.

لقد خلقت مناخات الثورة في تونس هوامش ومساحات كبيرة من الحريات الصحفية، حيث تُعدّ من الاستثناءات القليلة في الفضاء العربي وفق تصنيفات منظمة مراسلون بلا حدود على سبيل الذكر لا الحصر (7). 

ومن المعروف أنّ الصحافة التونسية - بما في ذلك المستقلة قبل الثورة - كان يطغى عليها البعد الإخباري عموما، وصحافة الرأي بشكل خاص، مثلما هو الحال في جلّ الأقطار العربية في القرن الماضي. لذلك، فإن أجناسا صحفية من قبيل الصحافة التفسيرية، كانت غائبة عن الممارسة الإعلاميّة. ولعلّ التحاليل الإخبارية هي الجنس الذي كان حاضرا بقوّة في جلّ الصحف، فضلا عن مقالات الرأي وبقية الأشكال الصحفية، مثل الربورتاجات، والتقارير، والقصّة الخبرية، والبورتريهات.

ويعود بروز بعض التجارب والمحاولات في الصحافة التفسيرية في المشهد الإعلامي التونسي أساسا، إلى ظهور موجة من المواقع والمنصات الصحفية الرقمية التي تصنّف نفسها في خانة الصحافة البديلة.

في هذا المضمار يمكن الإشارة إلى تجارب قيّمة مثل مواقع "نواة"، و"انكفاضة"، و"الكتيبة"، و"كشف ميديا"، و"إنسان"، وبعض الإذاعات الجمعياتية، مثل إذاعة "نزاهة" المختصة في مكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة.

ولعلّ القاسم المشترك بين هذه التجارب هو انتماء الغالبية منها إلى الإعلام الجمعياتي المستقلّ الذي ليس له غايات ربحية، مثلما هو الحال في الإعلام التجاري التقليدي لاسيما الخاص.

لكن الملاحظ، أنّ موجة انتشار الصحافة التفسيرية وصلت في السنوات الأخيرة أيضا إلى المؤسّسات الصحفية التقليدية، مثل صحيفتي المغرب والصباح، والإذاعات الخاصة، كديوان إف إم، وشمس إف إم، وموزاييك إف إم، بالإضافة إلى بعض البرامج والنشرات الإخبارية التلفزية، وإن كان هذا لماما ومناسباتيا.

إنّ قضيّة المراهنة على الصحافة التفسيرية كجنس صحفي، جدير بمزيد التجذير والاستزادة في الممارسة الصحفية في المشهد الإعلامي التونسي. هذا التجذير يجد مسوغا من خلال التوصيات والتقارير التي تصدرها منظمات مهنية مثل النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، وهياكل تعديلية، مثل هيئة الاتصال السمعي البصري، فضلا عن مجلس الصحافة (8) الذي تأسّس حديثا.

في هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى البلاغ التوجيهي الذي أصدرته الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس بتاريخ 5 يوليو/تموز 2021، والذي دعت فيه الصحفيين إلى التحلي بالمسؤولية تجاه تأزم الوضع الصحيّ، وذلك بناء على ما أسمته رصد تشنج في التعاطي الإعلامي مع الأزمة الصحيّة، تجاوز في بعض الأحيان حدود التعامل العقلاني مع الأحداث والمواضيع ذات العلاقة.

وقد دعت الهيئةُ الصحفيين إلى ضرورة الانتباه إلى مخاطر الإسهاب في استعراض المشاعر الشخصية على حساب الوقائع والحيثيات دون تقديم الإضافة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى الانسياق وراء خطابات "شعبوية" غير مسؤولة، تدعو المواطنات والمواطنين إلى عدم الاكتراث بمؤسسات الدولة بمبرر فشلها في إدارة الأزمة الصحية.

وذكّرت في الآن ذاته، أنه من واجب الصحفي حثّ المواطنات والمواطنين على الاهتمام بالشأن العام، وتنمية التفكير النقدي، ومراكمة تقاليد الرقابة على أجهزة الدولة وتصرفها في المال العام، وترسيخ قيم المساءلة، داعية إلى عدم الاكتفاء بصحافة الرأي وبضرورة اعتماد الأجناس الصحفية الأخرى التي تساعد على الفهم والإدراك والتحليل، وخاصة منها الصحافة التفسيريّة (9).

لا شك في أنّ هذه الدعوة الصريحة والمباشرة الصادرة عن أهم مؤسّسة تعديلية في المشهد الإعلامي التونسي، تعكس حالة الوعي بقيمة وبأهميّة الصحافة التفسيريّة، والتي رغم تقدمها في التجربة التونسية بخطوات وبإيقاع مختلف يعتريها بون شاسع بين الصحافة البديلة ووسائل الإعلام التقليدية لاسيما القنوات التلفزية الخاصة، فإنّ السياق الراهن في تونس أضحى يدفع بشكل جلّي نحو الاعتماد على هذه المقاربة كضرورة حتمية يفرضها السياق العام.

إنّ الحديث عن السياق العام التونسي الراهن، بكلّ ما فيه من تعقيدات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية في ظلّ سطوة "الشعبوية" على الخطاب السياسي، وطغيان المعلّقين السياسيين على المشهد التلفزي والإذاعي والذين لدى معظمهم انتماءات سياسيّة واضحة، يستلزم اليوم البحث عن صحافة أكثر جدية قادرة على الفرز وعلى إيصال الحقيقة للجمهور دون تحيزات.

وعلى هذا النحو، ينخرطون في الاصطفاف والاستقطاب بعيدا عن جوهر العمل الصحفي المستقل والنزيه، الذي يجعل الخبر مقدسا والتعليق حرا، وهو ما يقودنا بالضرورة إلى المهام التي يمكن أن تضطلع بها الصحافة التفسيرية لمواجهة آلات التضليل والتلاعب السياسي في الملفات الحارقة التي يتم من خلالها توجيه الرأي العام، دون أن يكون هناك تبيان للخيط الأبيض من الخيط الأسود.

في الحقيقة يجب أن نميز، هنا، بين صحافة التحري ومكافحة الأخبار الزائفة من جهة (والتي تكاد تتحول إلى موضة في تونس)، وصحافة التفسير من جهة ثانية. بين النمطين ثمة فروقات شاسعة رغم التكامل الذي يربطهما؛ فالصحافة التفسيرية هي أكثر عمقا، وتستلزم منهجية مختلفة لا تكتفي فقط بالتحري في الخبر، بل تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال تفسيره وشرحه وتقديمه بشكل بيداغوجي مبسط وسلسل، مع تنزيله في سياقه العام والخاص من مختلف الزوايا التي يقوم الصحفي المفسر بالنبش فيها.

تكمن قيمة الصحافة التفسيرية على المستوى الاستراتيجي في الممارسة الصحفية في المشهد التونسي في النأي بالصحفيين عن "الشعبوية" والأدلجة، والتي يمكن أن تزج بهم في خندق الدعاية لهذا الطرف أو ذاك والذي قد يفضي إلى خلق فجوة بين الصحافة والجمهور.

كانت الصحافة التونسية، على امتداد عقود من الزمن، حبيسة النموذج الفرانكفوني في التعاطي المهني الذي يرتكز أساسا على الخبر والرأي بدرجة أولى. لكن اليوم، وفي ظلّ التحديات الراهنة التي يجب أن تراعي طبيعة المرحلة سياسيا، وانتظارات الجمهور مهنيا، من الضروري أن تنهض مقاربة جديدة تنطوي على نهج يعكس انفتاحا أكبر على النموذج الأنجلوسكسوني، الذي يولي مكانة أبرز وحظوة أهم للصحافة التفسيرية الشارحة التي تخاطب العقل في القضايا الكبرى، بما فيها الملفات التقنية المتشعبة وصعبة الفهم والاستيعاب بالنسبة للمتلقي من قبيل الإشكاليات المالية والاقتصادية... إلخ.

إنّ هذا المخاض المضني في مسار تجديد وتطوير المقاربات الصحفية في المشهد الإعلامي التونسي، يحتاج إلى حاضنة مهنية تنطلق من معاهد الصحافة ومراكز التكوين والتدريب، وصولا إلى المؤسسات الإعلامية التي تهتم بالاشتغال على صحافة الجودة والعمق، والتي يجب أن ترسخ ذلك في مواثيقها وسياساتها التحريرية. إنه مسار يبدو عسيرا، لكنّه سيقود حتما إلى الهجرة صوب الصحافة التفسيرية كجزء من عقلنة المشهد الصحفي التونسي.

هذه الهجرة نحو الصحافة التفسيرية كمبحث وتخصص إعلامي بدأت تتشكل إرهاصاتها في السنوات القليلة الماضية في تونس، مع بروز جيل جديد من الصحفيين والمؤسسات الصحفية التي تبحث عن الجودة والمهنية كخيار تحريري. توجه يراد من خلاله القطع مع إرث الماضي القريب والبعيد في إطار المراكمة والإصلاح والتجديد ومواكبة التحولات التي تشهدها المهنة في العالم ككل، لاسيما في التجارب الديمقراطية العريقة، تزامنا مع سياق تاريخي عالمي يصنّفه بعض الفلاسفة على أنه زمن "ما بعد الحقيقة" (10).

 

 

 

 

 

 

   

قائمة المصادر والمراجع:

1)  وائل الونيفي: تقرير تربص براديو نزاهة لنيل الإجازة التطبيقية في الصحافة، "محاربة الأخبار الزائفة المتعلقة بالفساد والحوكمة الرشيدة: الصحافة التفسيرية كأداة"، الجامعة المركزية الخاصة، تونس. السنة الجامعية 2019 - 2020

 

2)  http://www.siironline.org/alabwab/alhoda-culture/134.ht

 

3)  https://www.pulitzer.org/prize-winners-by-category/2073-

 

4)  https://www.vox.com/pages/about-us

5)https://www.vox.com/2014/4/6/5556462/brain-dead-how-politics-makes-us-stupid

6)  https://bit.ly/2T2NFRb

7)  https://rsf.org/ar/twns

 

8)  https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/1255

 

9)  https://bit.ly/3hZUawr

 

10)            https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/post-truth

المزيد من المقالات

في اليوم العالمي لتدقيق الحقائق.. "يجب إنقاذ الصحافة الجادة"

احتفل العالم في شهر أبريل الماضي "باليوم العالمي لتدقيق الحقائق" في ظرفية تزامنت مع انتشار فيروس كوفيد-19. ورغم تأسيس منصات كثيرة للتحقق، إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي ما تزال "حاضنة" حقيقية للأخبار المزيفة والتصريحات المفبركة.

أمين بن مسعود نشرت في: 18 أكتوبر, 2021
دروس صحفية من وثائق باندورا

لم تؤد وثائق باندورا إلى فضح السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير فقط، بل رسخت أيضا النقاش عن الدور الحقيقي للصحافة الاستقصائية في مراقبة السلطة. لقد اكتسب الصحفيون خبرة في التعامل مع وثائق بالغة التعقيد، وبالاعتماد على العمل التشاركي والالتزام بالسرية وحماية الأمن الرقمي وضمان الانتشار في أكبر عدد من وسائل الإعلام المحلية، وجدت الأنظمة الاستبدادية صعوبة بالغة في محاصرة فضائح الجنان الضريبة.

مصعب الشوابكة نشرت في: 10 أكتوبر, 2021
تغطية قضايا التحرش.. حماية الضحايا أولا

تحتل أخبار التحرش اليوم مساحة واسعة من التغطيات الإعلامية عربيا وعالميا، فمنذ انطلاق حركة "وأنا أيضًا" (Me to

فتحية الدخاخني نشرت في: 6 أكتوبر, 2021
تطبيقات الموبايل مفتوحة المصدر.. سلاح بيد الصحفي الاستقصائي

يل من التطبيقات التي تعمل على الهواتف النقالة تتدفق كل يوم عبر المتاجر المختلفة، والكثير منها يعد كنزا للصحفيين، خاصة الاستقصائيين ال

سمير النمري نشرت في: 29 سبتمبر, 2021
حين تبحث السلطة عن "الأفلام الإباحية" في هواتف الصحفيين

لم يكن شعورا بالخجل، إنما مزيجا من الخوف والقلق، ليس لأنه أدرك أنهم يقتحمون أكثر أسراره الحميمية وعورة، فل

دافيد أرنستو بيريث نشرت في: 21 سبتمبر, 2021
شركات التكنولوجيا والصحافة.. الحرب مستمرة

حين خاضت الحكومة الأسترالية حربا ضد الشركات التكنولوجية، كانت تفعل ذلك وهي مدفوعة باستغاثات المؤسسات الصحفية المهددة بالانقراض ليس في أستراليا وحدها بل في كل أنحاء العالم. انتهت الحرب ببعض التنازلات لفائدة الصحف والحكومة، لكنها بالمقارنة مع حجم الأرباح، فإن الجولة ما تزال مستمرة.

محمد مستعد نشرت في: 14 سبتمبر, 2021
"ليلة سعيدة، وحظ طيب".. فيلم ضد الضحالة التلفزيونية

إنه عصر الدعاية والترفيه وتلفيق الحقائق، هذه هي خلاصة فيلم "ليلة سعيدة حظ طيب" لجورج كلوني. الفيلم يجسد قصة صراع بين صحفيين تلفزيونيين: فريق يؤمن بالحقيقة وباحترام الجمهور وفريق ثاني يؤمن بييع الضمائر والكذب العلني مستندا إلى حملة أيديولوجية قادها سيناتور لاستئصال الشيوعيين.

شفيق طبارة نشرت في: 31 أغسطس, 2021
"وادي السيليكون".. متاهة الصحافة في صحاري كاليفورنيا

في وادي السيليكون، تتحكم منصات التكنولوجيا في حياة ومصائر الناس وفي اختياراتهم السياسية والثقافية موظفة السلاح الجديد: الخوارزميات. وفوق ذلك، تصادر حرية التعبير وتقتل المؤسسات الإعلامية الصغيرة، وصارت لديها القدرة أن تغلق حساب أقوى رئيس منتخب في العالم.

يونس مسكين نشرت في: 30 أغسطس, 2021
قراءة في كتاب: سؤال المهنية والأيديولوجيا في الصحافة - الحالة المغربية أنموذجا

الدراسات التي تحدد السمات السوسيولوجية للصحفيين في العالم العربي تبقى نادرة. من هذه القناعة، أسس محمد البقالي، الصحفي بقناة الجزيرة، فصول كتابه الذي رصد أهم خصائص الصحفيين المغاربة وتوجهاتهم المهنية والأيديولوجية.

مصعب الشوابكة نشرت في: 25 أغسطس, 2021
السردية الفلسطينية.. حين تطمس اللغة الحقيقة

إلى جانب الحجب والتقييد الذي تعرضت له الرواية الفلسطينية على وسائل التواصل الاجتماعي، ابتكرت بعض وسائل الإعلام الكبرى قاموسا لغويا لتفضيل السردية الإسرائيلية، فبترت السياقات وساوت بين الجلاد والضحية واستخدمت لغة فضفاضة لتبرير انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي.

عبير النجار نشرت في: 23 أغسطس, 2021
كيف يحافظ الصحفي الاستقصائي على أمنه الرقمي؟

قبل أسابيع كشف تحقيق استقصائي قادته منظمة "فوربيدن ستوريز" عن اختراق هواتف صحفيين باستعمال بيغاسوس. يشرح هذا المقال الخطوات التي ينبغي على الصحفي اتباعها من أجل ضمان أمنه والحفاظ على مصادره.

عمار عز نشرت في: 18 أغسطس, 2021
"ذباب السلطة".. كتائب متأهبة لتصفية الصحافيين

حينما تعجز الأنظمة السياسية عن تطويع الصحافيين أو استمالتهم، تلجأ إلى الخطة "ب"، عبر النبش في حياتهم الخاصة بحثا عن نزوة في لحظة ضعف، أو صورة مبتورة من سياقها، متوسلة بأبواق السلطة لتنفيذ عمليات الإعدام بدم بارد ولو باختلاق قصص وهمية.

فؤاد العربي نشرت في: 9 أغسطس, 2021
"السؤال الغبي تماما" في البرامج والمقابلات الحوارية

كثيرا ما يواجه ضيوف البرامج والمقابلات الحوارية أسئلة "مكررة" و"غبية"، إما عن أشياء بديهية وواضحة أو عن أشياء بعيدة عن تخصصاتهم واهتماماتهم لتتحول الحوارات إلى نوع من ملء الفراغ التلفزيوني بدل أن تحقق فائدة مهنية للمشاهدين.

أحمد أبو حمد نشرت في: 8 أغسطس, 2021
الصحفي الفريلانسر ليس فاشلا!

دائما ما ينظر إلى الصحفي الفريلانسر بأنه راكم فشلا مهنيا، ولا يستطيع أن يستقر بمؤسسة إعلامية معينة، رغم أن هذا الاختيار محكوم إما بالهروب من بيئة عمل سامة أو إدارة تملي عليه أن يكتب عكس قناعاته. هذه أبرز إيجابيات وسلبيات العمل الحر.

سامية عايش نشرت في: 11 يوليو, 2021
الإعلام المصري.. واغتيال كليات الصحافة!

الفجوة بين قاعات الدرس والممارسة العملية، تطرح تحديات كبيرة على كليات الإعلام اليوم بمصر. خنق حرية التعبير لا يبدأ بمجرد الدخول لغرف التحرير بقدر ما تتربى الرقابة الذاتية عند الطلاب طيلة الأربع سنوات التي يقضيها الطلاب داخل كليات الصحافة.

روضة علي عبد الغفار نشرت في: 6 يوليو, 2021
حرية الصحافة في ألمانيا.. هيمنة "البيض" والرقابة الناعمة

في بلد مثل ألمانيا الذي يعتبر مرجعا في قيم حرية الصحافة وحقوق الإنسان ما يزال الصحفيون المهاجرون وفي الأقسام العربية يعانون من العنصرية والتمييز، ومن الرقابة التحريرية الواضحة تارة والناعمة تارة أخرى.

بشير عمرون نشرت في: 1 يوليو, 2021
"الكاره".. فيلم يروي "القصة الكاملة" للأخبار الكاذبة

"توماش" شاب كذاب يشتغل في شركة متخصصة في تشويه سمعة السياسيين ثم سرعان ما كوّن شبكة من العلاقات من المعقدة مع الصحفيين والسياسيين. "الكاره" فيلم يكثف قصة "توماش" لتكون مرادفا للأساليب "القذرة" للشركات المتخصصة في تشويه السمعة وبث الأخبار الزائفة واغتيال الشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي.

شفيق طبارة نشرت في: 30 يونيو, 2021
السياق التاريخي.. مدخل جديد للصحافة المتأنية

هل يمكن اليوم تفسير الصراعات السياسية في الكثير من البلدان العربية بدون الاستناد على خلفية تاريخية؟ كيف يمكن أن نفهم جذور قضايا اجتماعية وثقافية شائكة بدون التسلح بمبضع المؤرخ؟ المقال يقدم رؤية لتعضيد الصحافة بالتحليل التاريخي كمدخل جديد للصحافة المتأنية.

سعيد الحاجي نشرت في: 29 يونيو, 2021
الصحافة الاقتصادية أو الوساطة بين عالم المال والجمهور

هل من الممكن أن يصبح رجل الاقتصاد صحفيا أم أن الصحفي عليه أن يكتسب المعارف الاقتصادية؟ التخصص في العالم العربي ما يزال يبحث لنفسه عن موطئ قدم أمام ضعف التدريب وعدم مواكبة التطور الرقمي.

نوال الحسني نشرت في: 13 يونيو, 2021
الأخلاقيات الجديدة للصحافة في العصر الرقمي

لم تكن أخلاقيات المهنة يوما مفهوما ثابتا. وقد أفضى ظهور المنصات الرقمية إلى توليد حاجة لإعادة تعريف المعايير الأخلاقية واستنباط أخرى، وفَرَض تحديا جديدا على غرف الأخبار التي أصبحت تتعامل مع منظومة ديناميكية ومتغيرة.

محمد خمايسة نشرت في: 7 يونيو, 2021
الصحافة تحت رحمة شركات التقنية العملاقة

يحتل المحتوى الإخباري لدى الشركات التقنية الكبرى صدارة اهتمامات الجمهور، ورغم ذلك، فإن مئات المؤسسات الصحفية الصغيرة تموت سنويا بسبب انعدام التمويل. جشع الشركات الكبرى، يصطدم بحراك إعلامي عالمي باحث عن الأرباح انتهى بـ "انتصار"، ولو صغير، في أستراليا.

سامية عايش نشرت في: 3 يونيو, 2021
المنبهرون بالصحفي الغربي.. في الحاجة إلى فهم السياق والخلفيات

هناك حالة انبهار دائمة بالصحافة الغربية رغم أن المقارنة بالبيئة العربية لا تستقيم أمام استبداد السلطة وإغلاق منافذ الوصول إلى المعلومات. لقد تورط صحفيون غربيون كثر في اختلاق قصص انتهت باعتذار صحف كبيرة مثل "دير شبيغل".

محمد عزام نشرت في: 31 مايو, 2021
ضد الحياد في الصحافة

أعادت التغطية الصحفية للاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين نقاش الحياد في الصحافة إلى الواجهة. بين من يرى في الصحفي ناقلا محايدا لا يتأثر بأي شيء، وبين من يراه شاهدا ينبغي عليه أن ينحاز للطرف الأضعف، تبدو الطبيعة الملتبسة للإشكالية مرتبطة، بالأساس، بصعوبة تحديد تعريف دقيق للصحافة كمهنة.

محمد أحداد نشرت في: 23 مايو, 2021