العفو العام في الأردن... سجناء سابقون في مرمى الكاميرات

   قبل أيام، صدر قانون العفو العام في الأردن، الذي يقضي بالإفراج عن المسجونين على خلفية قضايا محددة. وما إن نُشر القانون في الجريدة الرسمية، حتى توافد أهالي السجناء الذين شملهم العفو العام إلى أبواب مراكز الإصلاح والتأهيل في المملكة لاستقبال أبناءهم. في الوقت ذاته تواجد الصحفيون بعدساتهم وبدؤوا بالتقاط الصور لتجمعات الأهالي. وما إن خرج السجناء المفرج عنهم، حتى حاصرتهم كاميرات المصورين دون أي استئذان منهم، وبدأت بالتقاط الصور وتسجيل مقاطع الفيديو لهم أثناء خروجهم من السجن، وهو ما يعد انتهاكا صارخا لخصوصيتهم وخصوصية أسرهم.

   هذه الصور والمقابلات سرعان ما انتشرت على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي تُظهر السجناء المُفرَج عنهم بشكل واضح يُمكِن لأي شخص التعرف عليهم من خلال تلك الصور والفيديوهات، وهو غالبا ما سيعود بالضرر عليهم ويضع عراقيل أمام انخراطهم في المجتمع من جديد.

   الضرر الأكبر الذي تحدثه هذه الصور، أنه حتى لو تمكن المفرج عنهم مستقبلا من الحصول على ما يعرف في الأردن بـ"شهادة عدم المحكومية" التي تسمح للسجناء بالعودة لاستكمال حياتهم بعد الإفراج عنهم، سواء في الدراسة أو العمل، فإن هذه الصور ستبقى دليلا توثيقيا يلاحق الفرد بكونه "سجينا سابقا".

   وغالبا ما سيلجأ بعض الصحفيين إلى تبرير نشرهم لتلك الصور؛ بأنهم أخذوا إذن الأشخاص قبل نشر صورهم، وهو تبرير يبدو أنه يزيل المسؤولية المهنية عن كاهل الصحفي، لكنه في الحقيقة يضعه أمام مسؤولية أخلاقية أكبر، إذ يجب على الصحفيين أن يُعلموا مصادرهم (الأهالي والمفرج عنهم في هذه الحالة) بكافة العواقب المحتملة جراء نشر صورهم بهذه الطريقة، ومن ثم أخذ موافقتهم من عدمها، وتوثيق تلك الموافقة. فلا ينبغي للصحفي الافتراض ضمنا أن كافة الأفراد على دراية كاملة بالتبعات الممكنة من نشر صورهم أو أسمائهم في المقابلات الصحفية التي تجرى معهم.

   الصحفي محمد شما -ممثل منظمة "صحفيون لأجل حقوق الإنسان" في الأردن- يرى أن أخذ صور لأفراد في مكان عام دون موافقتهم، وتحديدا في ظرف مثل الخروج من السجن؛ سيعود بالضرر الكبير على المفرج عنهم وعلى أفراد أسرهم. ويقول "كما نعلم فإن السجناء يواجهون وصمة اجتماعية جراء سجنهم، ومثل هذه الصور التي التقطت لهم، ستتسبب بأذى مجتمعي كبير عليهم".

   وأشار شما إلى أن قانون العفو العام أثار جدلا بين نشطاء التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبره البعض قرارا غير صائب، نظرا لأنه أفرج عن "مجرمين مدانين" على حد اعتقادهم، وبالتالي فإن نشر الصور في هذه الحالة ستكون له تبعات سلبية على الأفراد، ويكرس صورة نمطية سيئة بحق كثيرين.

   عدد من النشطاء انتقدوا قانون العفو العام، ورأوا أنه تحرك سيعيد مدانين إلى المجتمع قبل انتهاء فترة إعادة تأهيلهم داخل السجن، مما يعني أن هناك نسبة من المواطنين سينظرون إلى هؤلاء المفرج عنهم على أنهم "خطر يهدد المجتمع"، ونشر الصور في هذه الحالة سيزيد الأمور تعقيدا لحياة المفرج عنهم.

   المحامية والناشطة الحقوقية هالة عاهد قالت لمجلة "الصحافة" إن نشر صور السجناء وأهاليهم ومقابلتهم صحفيا؛ فيه انتهاك لحقهم بالخصوصية وحرمة حياتهم الخاصة وكرامتهم، مضيفة أن موافقتهم في تلك اللحظة على إجراء المقابلة أو الظهور في الصور لا يمكن الاعتداد بها، لأن من واجب الصحفي الموازنة بين أهمية الخبر وقيمته للجمهور وبين مصلحة من قابلهم وتأثير هذه المقابلة عليهم.

   وبينت هالة أن هؤلاء المفرج عنهم خرجوا بعفو عام أزال الصفة الجرمية عن أفعالهم، ولم يكن هناك أي قيمة خبرية تنطوي على مقابلتهم، بل على العكس، ساهمت تلك المقابلات الصحفية في ترسيخ فكرة أنهم "مجرمون" أمام الرأي العام، وجعلهم ضحايا بوصمة اجتماعية تطالهم وقد تنعكس آثارها سلباً على إعادة اندماجهم في المجتمع أو الحصول على فرص عمل.

   من الناحية القانونية، أوضحت هالة أن نشر مثل هذه الصور والمقابلات يتعارض مع قانون المطبوعات والنشر، الذي نص على ضرورة التزام الصحفي باحترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس بحرمة حياتهم الخاصة. كما يتعارض مع ميثاق الشرف الصحفي الذي دعا إلى احترام حق الأفراد والعائلات في سرية شؤونهم وكرامتهم الإنسانية.

   ميثاق الشرف الصحفي الصادر عن نقابة الصحفيين في الأردن يخصص في المادة (11) منه، الحالات التي يجب على الصحفيين احترام خصوصية الأفراد فيها. ويأتي في البند (ث) من المادة، تفصيل خاص متعلق باحترام حقوق المدانين وأسرهم. كما تؤكد المادتان (4 و7) من قانون المطبوعات والنشر الأردني على ضرورة التزام الصحفي بالمعايير المهنية والأخلاقية التي تحترم حق الخصوصية لدى الأفراد.

test
بإمكان المصور الصحفي العثور دائما على لقطات تتناسب والقيمة الخبرية للحدث دون أن يتعدى على خصوصية الأفراد. الصورة لقوات حرس الحدود الأردني خلال مساعدتهم للاجئين على الحدود الأردنية السورية. تصوير: محمد حامد – رويترز

 

  لم تكن هذه المرة الأولى التي ينتهك فيها مصورون صحفيون خصوصية الأفراد، فهناك حالات عديدة نشر فيها صحفيون صورا بشكل عشوائي دون أخذ إذن من ظهروا بها، وعادت بالضرر على هؤلاء الأشخاص. 
  قبل سنوات وأثناء استقبال قوات حرس الحدود الأردني عددا من اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا، باغت مصورون هؤلاء اللاجئين بكاميراتهم والتقطوا لهم صورا وهم يترجلون من العربات التي كانت تقلهم، الأمر الذي دفع بعض النساء إلى تغطية وجوههن خوفا من الظهور في تلك الصور، لا سيما أن ظهور هوية بعض اللاجئين في هذه الصور سيعود بضرر كبير على أسرهم.

 

   السؤال الذي يبقى واجبا على العامة توجيهه للصحفيين هنا: ما القيمة الخبرية التي تسعى وسائل الإعلام لتحقيقها بنشر مثل تلك الصور ومقاطع الفيديو؟ وإن كانت القيمة الخبرية تقوم على توثيق عملية تطبيق قانون العفو العام، فلماذا لم يتم إخفاء وجوه الأشخاص في الصور، أم أن "وهم السبق" والانتشار أصبح المعيار الذي يقوّم المبادئ المهنية الصحفية؟

 

المزيد من المقالات

معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
تغطية الحراك في لبنان وليبيا.. حينما يلبس الصحافي جبة "المناضل"

في ليبيا كما في لبنان، وضعت الحراكات الشعبية، قيم المهنية والنزاهة والحياد على محك الاختبار. التشابه بين التجربتين يكاد يكون متطابقا، حيث انسلخ الكثير من الصحافيين عن دورهم في نقل الأخبار، والبحث عن الحقيقة، ليصيروا "مناضلين" يقودون الثورات. هذه مشاهد، ترسم ملامح "السقوط المهني" أثناء تغطية الاحتجاجات.

سعدة الهمالي نشرت في: 8 ديسمبر, 2019
حبل الكذب القصير في الإعلام

الكذب في الإعلام لا يدوم طويلا، وسيكون أقصر في السنوات القادمة؛ مع ازدياد أدوات التحقق من المعلومات، سواء من قبل الصحفيين الآخرين أو المتابعين أنفسهم، الأمر الذي يجب أن يدفع الصحفيين إلى الالتزام بالحقيقة، دون محاولة خلق أي أحداث أو إضافة معلومات زائفة.

أحمد أبو حمد نشرت في: 3 ديسمبر, 2019
الإعلام اللبناني والانتفاضة.. الصحفيون في مواجهة الشارع

الثورة في لبنان لم تهز السلطة فقط، بل هزت أيضا أركان الإعلام. التلفزيون فتح البث المباشر أمام تطورات الانتفاضة، فتأرجحت التغطية بين رؤية "أيدولوجية" وأخرى "نضالية". لقد واجه المراسلون والمراسلات واقعا مريرا في مواجهة الشارع بلغ حدّ الاعتداء اللفظي والجسدي.

جنى الدهيبي نشرت في: 24 نوفمبر, 2019
حرية الإنترنت في تقرير فريدوم هاوس.. الرقابة على كل شيء

صدر العالم يضيق أكثر أمام حرية الإنترنت.. تقرير حديث لمنظمة "فريدوم هاوس"، يفضح كيف تتحكم الدول في الشبكة العنكبوتية لتجعلها أداة لقمع الحريات وتقويض حق الشعوب في الديمقراطية. التزييف، والاعتقال، والتدخل في الانتخابات عبر محتوى مزيف، وسائل في يد "الرقيب" الذي يرى في هامش الحرية الذي حررته وسائل التواصل الاجتماعي على الخصوص، هدما لمشروعه القائم على قتل الاختلاف. 

عثمان كباشي نشرت في: 17 نوفمبر, 2019
تغطية الحرب اليمنية.. صحفيون مغامرون ومؤسسات غير مسؤولة

ضغوط كثيرة يتعرض لها الصحفيون في اليمن.. قتل واعتقال وإصابات أثناء تغطية الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام.

بشير الضرعي نشرت في: 12 نوفمبر, 2019
عندما يتماهى الإعلام مع خطاب اليمين المتطرف ضد المهاجرين

تساهم وسائل الإعلام الإسبانية في توجيه الرأي العام بشكل يجعله يتخذ موقفا معاديا ضد المهاجرين؛ عبر استخدامه لغة خالية من المهنية وتركيزه على إبراز انتهاكات المهاجرين دونا عن غيرهم، وتأمينه مساحة شاسعة للتيارات اليمينية للتعبير عن مواقفها المناهضة للمهاجرين.

أيمن الزبير نشرت في: 9 نوفمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
سياسة تويتر في حظر التغريدات .. ازدواجية معايير؟

أثبت موقع تويتر في السنوات الأخيرة أن لديه القدرة الكافية على محاربة التغريدات المسيئة بشكل فعّال، إلا أن الموقع بقي متهما بالتقصير في محاربة التغريدات المسيئة لا سيما تلك التي تحمل خطابا معاديا للاجئين والأقليات، فهل يمارس تويتر ازدواجية في تطبيق معاييره؟

مجد يوسف نشرت في: 4 نوفمبر, 2019
بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

فرضت المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي الحاجة لنوع جديد من الكتابة، يتميز بالسهولة والاختصار، وهذا الأمر تطلب جهداً كبيراً، خاصة وأن الهدف الأساسي هو التقرّب من الجمهور واستخدام لغة يمكنه التعامل معها بسهولة.

محمد ولد إمام نشرت في: 29 أكتوبر, 2019
لماذا يعتمد الإعلام الفلسطيني على المصادر العبرية؟

يمارس الإعلام العبري الانتقائية في تناول الأخبار، فهو يركز على الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1948، فيما يحول الضحية التي يُسفك دمها وتستباح منازلها ليلًا نهارًا في الضفة الغربية والقدس إلى جانٍ.

إسراء لافي نشرت في: 27 أكتوبر, 2019
الصحفيون أخطر من المسلحين.. حال الصحافة في ليبيا

لا يبدو أن آثار الحرب الليبية انحصرت على المواطنين فقط، إذ يبدو أنها طالت الصحفيين أيضاً، لتخلق حالة من الفوضى، ولينعكس ذلك على شكل التغطية الصحفية.

عماد المدولي نشرت في: 22 أكتوبر, 2019
حظر الإنترنت كوسيلة للتضليل الإعلامي.. العالم العربي نموذجًا

عمدت الدول العربية إلى استخدام حظر الإنترنت كوسيلة قمعت من خلالها شعوبها الثائرة ضدها، وللتعتيم على ممارساتها بحق المتظاهرين، غير أن هذه السياسة لم تطل المواطنين وحدهم، إنما استخدمت كأداة أساسية لقمع الصحافة وحجب المواقع الإخبارية.

أسامة حمامة نشرت في: 20 أكتوبر, 2019
البودكاست الاستقصائي العربي.. بانتظار الخطوة الأولى

يمتاز البودكاست -الوسيط الرقمي الصوتي- بتحرّره من قيود النشر، وسرعة الوصول إليه، وسهولة تلقي محتواه، إذ ما تحتاجه فقط هو حاسة السمع في أي مكان وزمان، بما يشكل بيئة تبدو مناسبة للصحافة الاستقصائية العربية لتدشين توثيق استقصائي صوتي بتكلفة مادية ومدة زمنية أقل مما يستدعيه التوثيق الاستقصائي المرئي.

فدوى حلمي نشرت في: 15 أكتوبر, 2019
العراق.. الصحف الملونة مع ساستها

تعاني الصحف العراقية اليوم من أزمة حقيقية، يلقي هذا التقرير الضوء عليها، مفسّراً أسبابها المختلفة والمرتبطة بالقراء والصحفيين على حد سواء.

سلام زيدان نشرت في: 8 أكتوبر, 2019
حال طلبة الإعلام في فلسطين: مشكلة فرص أم قوانين؟

الإحصاءات الفلسطينية تشير إلى معدلات عالية من البطالة في تخصص الصحافة والإعلام، فما هو السبب؟

هيثم الشريف نشرت في: 22 سبتمبر, 2019
قصص الحرب على صفحات الإعلام الاجتماعي: أخلاقيات الاستخدام والتفاعل مع الجمهور

أصبحت مناطق الحروب أخطر الأماكن في العالم لعمل الصحافيين. ولكن لديها واجب مواصلة نقل القصص الصحافية لجماهيرنا. امتدت المأساة في سوريا لتصبح مقبرة للصحافيين، ولكنّ لا يجب أن نسمح بأن تتحوّل إلى مقبرة للصحافة. 

صخر الماخذي نشرت في: 8 سبتمبر, 2019
الأخبار الكاذبة ومواقع التواصل.. حرب حقيقية أم وهم دعائي؟

نجح البعض عربياً في تأسيس مجموعة من المبادرات الساعية إلى الحد من انتشار الأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن تأثيرها لم يكن واسعا، ربما لأنها لم تنسق جهودها بما يكفي.

أحمد مدحت نشرت في: 3 سبتمبر, 2019
عن علاقة البودكاست بالمدونات الإلكترونية.. عدوّ أم صديق؟

مع بروز أشكالٍ جديدة مثل التدوين الصوتي والبودكاست والكتب الصوتية، استطاعت الأخيرة أن تكون محط اهتمام كثيرين بعدما ارتفعت مبيعاتها في العالم مقابل انخفاض مبيعات الكتب الإلكترونية.

آلاء أحمد نشرت في: 1 سبتمبر, 2019
انتصار الإذاعات المجتمعية.. حظاً أوفر للوسائل الأخرى

جدل كبير حول العالم بشأن مفهوم الإعلام المجتمعي، إلا أن الواضح والمتفق عليه هو أن هدفه الأول سد الفجوة التي تحدثها وسائل الإعلام التقليدية.

عمار الشقيري نشرت في: 27 أغسطس, 2019
التضليل.. إستراتيجية الحكومات البديلة

في السابق، كانت عملية تقييم الخبر أقل تعقيداً مما هي اليوم، إذ كانت العملية تحتاج فقط إلى التأكد من صحة الخبر، أما اليوم فقد اختلف الأمر تماماً.

أسامة الشامي نشرت في: 15 أغسطس, 2019