”صحافة الصبيان“.. الحكايةُ المجهولةُ لمشاهدي التلفاز

الاسم الذي كان من الممكن أن يكون أي شيءٍ، صار- مصادفة- سمارة بدَل سمرا، ولقبُ العائلةِ جاء حاملاً كل ما كان من ذاكرةِ الطفولةٍ لصبيَّةٍ سكَنَت –مصادفةً أيضاً- مع عائلتها في شارع  القوتلي وقذَفَتها الأحداثُ في قلبِ جولاتِ أحدِ أشرس الميادين التي خاضها الصحفيون –عبر التاريخ الحديث- للحصول على المعلومة، سمارة القوتلي هو الاسم المزوَّر لحياةٍ غير مزوَّرة، وثَّقتها شهادةٌ صحفيةٌ على الحرب في سوريا بكتابٍ صادرٍعن معهد الجزيرة للإعلام تحت عنوان "صحافة الصبيان".

غالباً ما تكون قصص الصحفيين أو المصورين الصحفيين العاملين أو أولئك الذين اشتغلوا في مناطق تشهد اضطرابات أو صراعات مسلَّحة، تكون متشابهة في مساراتها بذهن المتلقي البعيد عن شجون هذه المهنة، إنها قصص تقف في مواجهةٍ مع الموت وتسكن فيه مرَّات كثيرة، نلمس ذلك واضحاً في كتابات الصحفية البيلاروسية "سفيتلانا ألكسفيتش" الحائزة على جائزة نوبل للآداب باعتبارها المؤسس لما بات يُعرَف لاحقاً بـ"الرواية الريبورتاج". هذا النموذج من الكتابة الذي بدأ بفرض نفسه على تلك المساحة التي تُراوِحُ بين الأدب والصحافة، فهو قائمٌ في جوهره على سرد القصة الأدبية بأدوات الكتابة الصحفية، وهذا ما أراد معهد الجزيرة للصحافة تقديمه عبر تدوين تجارب مراسلي وصحفيي شبكة الجزيرة، فبدأت الحكاية مع كتاب "الصحافة في زمن الحرب"، لتأتي الخطوة الثانية تحت عنوان "صحافة الصبيان"، حيث تضع سمارة القوتلي القارئ- مهما كان اختصاصه- أمام تجربة حقيقية امتلكت صاحبتها الجرأة على روايتها بوقتٍ مبكر عبر فصول اختارت لها عناوين فرعية، فكانت "ومضات" تسير على هامش الحدث بوصفها حياة مجهولة لفتاة كان من الممكن بحسابات المنطق أن تكون رقماً لضحية في مجزرة.

أتوقف مع إهداء الكتاب في عتبة النص.. هذا الإهداء يضعنا أمام مسارات الحكايات المتشعِّبة، إنه ليس جملَتَين قصيرتين فقط، بل اختصارا لحياتَين اثنتَين متجاوِرَتَين ومتطابقتَين في الخسارات، لتبدأ الكاتبة السردَ في المتن مع أشياء جامدة فتبني حوارات مع الحاسوب، الزيتون، القهوة، شجرة الليمون، و تنتقل برشاقة من ضمير المتكلم إلى ضمير الجمع "صورت المظاهرة، صعدت الجبل المرتفع، تسلقنا القمم لنصور المقابر والمشاهد الخلابة". سوريا هنا حاضرة في كل تفصيل، إنها ليست اقتصاراً على الوطن، بل الصورة المشتهاة لمجموعة من الصور المتحولة تبعاً لحامل السلاح، فالمكان في " صحافة الصبيان" مرتبط بالتفاصيل، أقتصر هنا مثلاً على الحوار مع شجرة الليمون في بيت الجد، أما الزمان فهو مقسوم إلى فصلَين في المستوى العام، الأول "مطرٌ يشوش على جناحي الطائرة، وصيفٌ يطلق عنان "الميغ" و" السوخوي" في السماء"، كما ورد في الإصدار.

تحاول سمارة القوتلي أن تضع القارئ في جغرافية السرد فتحكي عن مدينتها، إنها ذلك الرحم الواسع الذي احتضن وجوهاً مختلفة كما ورد في الكتاب.. "نعيش جميعاً في مدينة مزدحمة من أكبر مدن غوطة دمشق، كان يقطنها يوماً قرابة مليون إنسان، من بيننا فلسطنيون وعراقيون ولاجئون نؤثرهم على أنفسنا، ودمشقيون قدامى من كل المدائن هربوا من غلاء أسعار بيوتهم حين تزنَّرت العاصمة بالغرباء، نرى أن الصواب في ما يفعله الآخرون، وما نفعله في الخفاء عن أعين بعضنا هو الخطأ".. "تقلص عددنا بعد الحرب إلى الربع، لكننا بقينا نتزوج من بعضنا، نكره بعضنا، نخشى بعضنا، وجميعنا نُقتل دفعة واحدة للسبب ذاته، لا ندمن موتنا، لا نرحم بعضنا، نحفر لإخوتنا حفراً ونقع فيها معاً، لا نحب أحداً، ولا نموت".

الكاتبة التي قادتها الأقدار نحو العمل الصحفي تروي في "صحافة الصبيان" ما حدث معها بحياد مرة وبانحياز مرة أخرى؛ فالموقف الانفعالي بدا واضحاً في عملية السرد على اختلاف المدن والجغرافيا، فتحاول أن تبني صوراً مع المتلقي لتقرِّب المشهد عن واقع العمل الصحفي في سوريا، تقول مثلاً: "حدث مرة أن اقترح عليّ فصيل عسكري ذات مرة أن يتركني عساكره دون معوقات ومذكرات اعتقال، ودون تضييق دائرة عملي، شرط أن يدققوا لي جمل التقرير ويعيدوا ترتيب مونتاجه حسب منتوجاتهم التي يريدون إبرازها، هم كانوا ينظرون إلى الكاميرا بتعال وعنجهية يوهم بهما السلاح الناري أصحابه، ويعتبرون أصحابها مجرد صبيان"، أيضاً هنا يمكن الإشارة إلى الحوار الذي حدث في الومضة الثالثة من الكتاب تحت عنوان "مداهمة لأصول التحرير الصحفي" بين أدهم و فداء حول عدد القتلى والرغبة في رفع العدد من ثلاثة قتلى إلى خمسة كي يكون للخبر وقع آخر على المتلقي، فالكتاب يقدِّم المشهد من بُعدَين اثنين، الأول خارج دائرة العمل الصحفي والثاني من الداخل، وبينهما تنتقل الكاتبة من الهامش إلى المركز ومن المركز إلى الهامش بحركات السرد الدائري، المبني في أصله على ضمير المتكلم أو الأنا الذاتية التي تحمل انفعالات واضحة تضفي صدقية على النص، تقول الكاتبة:" أكتب هذه الكلمات وأنا على قيد الحياة، حاولت أن أحمي نفسي حتى لا أكمل عمري في زنزانة، وكأن التهديد والحذر يسجناني أكثر من جدران السجن، توقفت عن إذاعة الأخبار كما تعرفون، وقوف العاجزين، ما كان بإمكاني أن أرسل خبراً ما وأخشى في الوقت ذاته على نفسي حتى وصلت إلى تقرير الصفر، وهو آخر ما صنعت يدي".

النهاية في " صحافة الصبيان" جاءت كالبداية في النص المفتوح على الموت بين الومضة الأولى والومضة الرابعة، فذلك الحوار بين الأشياء الجامدة تحوَّل في جغرافية جديدة إلى حوار بين الأرواح، بين طيفٍ لخيال فتاة وردية تخرج من البحر وشخصية المراسلة التي أفرغت أغلبَ ما في جعبتها على الورق، إنها الروح الهاربةُ بجسد طفولي لتواجه كل ماحدث مرةً واحدة.

نحن هنا أمام تجربةٍ من لحمٍ ودم جاءت على شكل ومضات تشبه لقطات في فيلم سينمائي عشوائي ومعقَّد التركيب، لكن تبقى الرواية الموازية لتفريغ وكتابة هذه المذكرات خطّاً يستحق التوقف عنده، وبمعنى أدق يستحقُّ روايته صورياً لتحكي انفعالات التذكُّر واستحضار مَن رحَل ومَن بقيَ ومَن بدَّل كشهادةٍ على كتف الحقيقة للصحفي الإنسان القادر على مواجهة انفعالاته الذاتية وحاضره المشحون بكل ما مضى من تراجيديا وكوميديا في آنٍ واحد.

لتحميل النسخة الإلكترونية من الكتاب، الرجاء الضغط على الأيقونة يسار أعلى الصفحة.

المزيد من المقالات

قراءة في تقرير معهد رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجماعة أوكسفورد البريطانية؛ تقريره السنوي عن الأخبار في المنصات الرقمية الذي يعده مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد وصحفيين مختصين في الإعلام الرقمي. في هذه المادة نلخص أبرز النتائج التي جاءت في هذا التقرير.

محمد خمايسة نشرت في: 17 يونيو, 2019
كيف تحارب الصحافة المتأنية الوجبات السريعة؟

تسعى الصحافة المتأنية للحفاظ على قيم الصحافة الأصيلة، وتتصدى للأخبار والتحليلات السريعة التي تمنح شعورا بالشبع المعرفي، رغم أضرارها على صحة المتلقّي "المعرفية".

محمد خمايسة نشرت في: 28 مارس, 2019
يوميات سمارة القوتلي في ”صحافة الصبيان“

"نذكِّر الصحفي دائما بأنه يجب أن يصغي جيدا للناس ويرصد معاناتهم، ولكن ننسى كثيرا أن نصغي للصحفي ونعرف معاناته هو الآخر"..

مجلة الصحافة نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
من الرباط إلى كابل.. قصة مراسل

لأسباب قد يطول شرح تفاصيلها، رفضت السلطات المغربية منحي رخصة العمل كمراسل لقناة الجزيرة في المغرب.. واقع جعلني لما يقارب السنتين مراسلا صحفيا مع وقف التنفيذ، قضيت معظم هذا الوقت في غرفة الأخبار بال

يونس آيت ياسين نشرت في: 2 ديسمبر, 2018
الواقع الافتراضي في الصحافة

غالبا، تقدمنا نشرات الأخبار على أننا أرقام، عشرون شهيداً، ثلاثون أسيراً ومئات المصابين ربما.

إيليا غربية نشرت في: 25 نوفمبر, 2018
الميدان.. أن تنسج العلاقة مع الأسئلة

 كنتُ أحب ممارسة لعبة التقمص الوجداني مع طلابي، وهم بدورهم يتحمسون لذلك.. كنا نلعب كالتالي:

فاطمة الصمادي نشرت في: 20 نوفمبر, 2018
دروس من مراسلة حربية

مقابلة مع زينة خضر  

خالد رمضان, عواد جمعة نشرت في: 12 سبتمبر, 2018
صراع داخل صراع.. التغطية الإعلامية والرقابة في اليمن

مقابلة مع باشراحيل باشراحيل، نائب رئيس تحرير صحيفة "الأيام"  

عواد جمعة نشرت في: 19 مارس, 2018
الصحافة في زمن الحرب.. إصدار جديد لمعهد الجزيرة للإعلام

حروب ونزاعات وصراعات، حراك وثورة وثورة مضادة.. باتت تلك المصطلحاتت مرادفة للصحافة العربية في السنوات السبع الأخيرة، وإن كانت حاضرة قبل ذلك، لكنها الآن أشد كثافة.

مجلة الصحافة نشرت في: 31 يناير, 2018
الصحافة في زمن الحرب.. روايات الناجين من المعركة

قصص الصحفيين أو المصورين الصحفيين العاملين أو أولئك الذين اشتغلوا في مناطق تشهد اضطرابات أو صراعات مسلَّحة، تبدو متشابهة إن لم نقل إنها متطابقة في ذهن المتلقي البعيد عن شجون هذه المهنة ومتاعبها، إن

عبد الله مكسور نشرت في: 31 يناير, 2018
عند استخدام تقنيات الواقع الافتراضي.. إياك أن تنسى القصة

أصبح استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في التصوير الصحفي أكثر انتشاراً وشيوعاً، ولا يخفَى على أحدٍ السبب وراء ذلك.

زهرة رسول نشرت في: 11 يناير, 2018
تونس.. الصحافة الاستقصائية بعد الثورة

نشأت الصحافة الاستقصائية  في الولايات المتحدة الأميركية في بداية القرن العشرين وتدعمت بعد قضية ووترغيت التي كشفت فيها صحيفة الواشنطن بوست الأميركية سنة 1972تورط الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في ال

ماجدة العرامي نشرت في: 28 سبتمبر, 2017
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائما

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن؟

منتصر مرعي نشرت في: 22 سبتمبر, 2017
ميدان.. مولود جديد للصحافة الشبابية

مضى لقائي بمؤسسي موقع "ميدان" التابع للجزيرة نت سلسا، حتى أخبروني أن محرري الموقع وكتّابه لا يمكن أن تتجاوز أعمارهم الـ38 عاما، مبتدئين من عمر الـ18..

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 22 يونيو, 2017
سلام هنداوي.. في ميادين الحروب

هي سلام هنداوي، ولا يغرّنّ القارئ هدوء معنى اسمها أو تقاسيم وجهها، فالحرب أكثر ما يجذبها في التغطيات الصحفية، وهي ابنة الأرض الفلسطينية، الطاعنة بالتوتر.

مجلة الصحافة نشرت في: 15 يونيو, 2017
هيَ وهو في غرفة أخبار ”الجزيرة“

بات الحضور الأنثوي في الإعلام العربي مختلفا وأكثر كثافة، وازدادت المساحة الجادة فيه بشكل لا تخطئه الأعين، وكان للصحفيات حضور واضح في التغطيات الإخبارية على مدار العقود الثلاثة الماضية.

منى حوا نشرت في: 15 يونيو, 2017
التغطية الإعلامية الفرنسية لقضايا ”الإرهاب“

بين الإعلام والإرهاب علاقة وثيقة.. الإرهاب يبحث دائما عن الحضور الإعلامي، فلا وجود لعملية إرهابية في السياق المعاصر خارج الدورة الإعلامية.

محمد البقالي نشرت في: 18 مايو, 2017
الصحافة والتعليم الإلكتروني.. ماذا يقدم كلاهما للآخر؟

لم يبدأ التعليم الإلكتروني فجأة على الإنترنت، إنما كان له خطوات شقَّ بها أصحابها طريقا مختلفا لنشر المعرفة أولا وصقل المهارة ثانيا.

ياسر درغام نشرت في: 20 مارس, 2017
معهد الجزيرة للإعلام.. ما لا توفّره الجامعات

في الـ24 من فبراير/شباط 2017، أتم مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير 13 عاما من الريادة في حقل التدريب الإعلامي العربي.

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 9 مارس, 2017
التحقق من الأخبار المفبركة في المؤسسات الإعلامية

هل سمعت بالخبر الذي يقول إن البابا فرانسيس قد أعلن عن تأييده ومباركته لدونالد ترامب؟

محمد زيدان نشرت في: 2 مارس, 2017