مقهى الشاهي وحيادية الصحفي

كان يوما ربيعيا أواخر أبريل/نيسان 2011، حين هبطت بنا الطائرة في مطار بنينا العسكري قرب مدينة بنغازي شرق ليبيا، هذا البلد العربي الذي قرر شعبُه خوض مغامرة خطرة عنوانها "الشعب مقابل الدكتاتور". لم تكن تجربتي الأولى في تغطية الحروب والمعارك، لكنها كانت تجربة مختلفة بكل تفاصيلها منذ بداية إرهاصاتها.. بدأ ذلك عندما استقبلني ذلك الثائر المسلح عند باب الطائرة، وبعد نظرة سريعة بين جواز سفري ووجهي، استلَّ من جيبه ختما خشبيا صنع على عجل ومَهَر به الجواز، لتظهر دمغة حبرية كبيرة كتب في وسطها عبارة "أهلا بكم في ليبيا الجديدة". وسيبقى ذلك الختم ينغص علي كل تحركاتي، إذ كان بمثابة تهمة تثير الشكوك أينما ذهبت سواء في ليبيا أو خارجها.

في الطريق من مطار بنينا إلى فندق تبيستي في بنغازي، كان كل شيء يشي بأن ثورة عارمة وغاضبة خرجت من قمقمها دفعة واحدة ودون مقدمات. الشعارات على الجدران، الشباب المسلحون بالكلاشنيكوف، تعابير الوجوه الفائضة بالتحدي والتمرد، كل ذلك جعل فكرة متطرفة تقفز إلى واجهة ذهني، كيف سأكون حياديا هذه المرة؟  وإلى أي حدِّ بإمكاني كبح نفسي عن التواطؤ مع هؤلاء الفتية المسلحين؟ وكيف سأوفِّق بين هذا التواطؤ الداخلي كإنسانٍ، وبين فكرة الحياد على الصعيد المهني؟

أمضيت ذلك المساء وليلته في الفندق أقرأ عن السياسة والتاريخ والاقتصاد والمجتمع في ليبيا.. ليبيا التي تُمزِّق ثوبها وتحاول التغيير. لم أكن أعرف أني سأتعلم درسا قاسيا جدا في الحيادية، درسا سيبقى عالقا في تجربتي كذكرى اعتراضية ثقيلة الوزن.

كانت مدينة البريقة غرب بنغازي أشبه بعنوان للمرحلة، إذ باتت مسرحا للعمليات بين ثوار 17 فبراير وبين كتائب القذافي. فبعد الحسم الذي حقَّقه الثوار في مدينة أجدابيا، جسدت البريقة مرحلة المراوحة في المكان، فمرَّة تقع أجزاء منها بيد الثوار، ومرة تستعيدها كتائب القذافي. وكصحفيين كنا نعمل مع وسائل إعلام اعتبرتها كتائب القذافي معاديةً ورصدت جوائر مالية لمن يقطف رؤوسنا، وبات لزاما علينا الحذر أكثر. مع ذلك، لم أستطع مقاومة فكرة الذهاب إلى مقهى الشاهي في المدينة (والشاهي هو الاسم الذي يطلقه الليبيون على الشاي). كان يُدير هذا المقهى شابٌّ ليبي قليل الكلام وكثير التدقيق في وجوه الناس، يدعى فوزي.

كان فوزي شخصية مغرية بذلتُ الجهد الوفير لتسلّق أسوارها قبل أن نصبح أصدقاء، لكن بحذر ثنائي متبادل، فلم يكن الصحفي بداخلي مستعدا للوثوق بأحد، بينما كان فوزي -كأغلب مشرقيي ليبيا- يتوجس من الغرباء مثلي، فما بالك بصحفي أجنبي في تلك الأيام العصيبة؟!

كان مقهى الشاهي يلعب لعبة الحرب نفسها، تارة يحتضن الثوار وأحاديثهم عن الحرية وليبيا الجديدة، وتارة يكون بيد كتائب القذافي ونظريَّاتهم عن المؤامرة الكبرى ضدَّ العقيد والبلاد والليبيين. كان فوزي يلعب اللعبة ذاتها بين الطرفين، لعبة الحيادية الخطرة.

سألته ذات مساء:

- كيف تتعامل مع كتائب القذافي؟

بهدوء ودون تفكير قال: مثلما أتعامل مع الثوار، أو مثلما أتعامل معك أنت، لا فرق لديَّ سوى أن الكتائب تحبُّ الشاهي الأخضر باللوز، بينما يفضِّله الثوار أخضر دون لوز.

كصحفيٍّ أُعجبت كثيرا بكلام فوزي وأحسست أنه صحفي بالفطرة، باغتُّه بالسؤال:

- لماذا تمارس كل هذه الحيادية؟

- فقط كي أبقى على قيد الحياة، لدي عائلة وطفلان.

دون مقدمات، رفعت سقف المكاشفة مع فوزي وسألته:

- مع من تقف، مع الثورة والتغيير أم مع القذافي وكتائبه؟

بدا لي فوزي حينها يفكِّر بعمق قبل أن يقول: أنا متعاطف مع الثورة والثوار، لكني لست على علاقة سيئة مع الكتائب، فأنا أقدم الشاهي للجميع وغير معنيٍّ بأفكارهم السياسية وتصرفاتهم.

خضتُ نقاشا طويلا مع فوزي بشأن الحيادية، وكان بدوره يبذل جهدا كبيرا لإثبات أن الحيادية ليست مجرد صحافة والتزام ومهنية، بقدر ما هي وسيلة حماية ودرع ضد الموت بين بنادق تتصارع. ختم فوزي أطروحته بالتعبير عن اعتقاده بأن الحيادية جعلت منه شخصا مقبولا لدى الجميع، فلا هو صديق لأحد، ولا أحد يعامله كعدو، فهو فوزي صاحب مقهى الشاهي الذي يقدم الشاي للجميع.

كنت معجبا بفوزي، وزاد إعجابي به ذات مساء حين فرد ذاكرته وفرش ثقافته الواسعة عن الشاهي. راح يقص عليَّ قصة ليبيا والليبيين مع الشاي.. أخبرني كيف دخل الشاي ليبيا بين فترتي العثمانيين والاستعمار الإيطالي، وكيف كان عيبا على الليبيين شرب الشاي شأنه شأن التدخين والخمر، وكيف تقبَّل الليبيون الشاي خطوة خطوة حين سمحوا بشربه للرجال فقط بينما حرمت منه النساء، وكيف انتصر الشاي في معركته النهائية مع الليبيِّين ودخل كل بيوتهم، بل وتربع على عرش ثقافتهم وعاداتهم حتى بات جزءا من ثقافتهم اليومية وأهازيجهم الشعبية التي تتغنى بأنواعه وطرق تحضيره.

كان فوزي، مثقفا جدا في مهنته، يحفظ كل الأشعار الشعبية والرسمية التي تتغزل بالشاهي أو تلك التي تذمه. كان حياديا في كل شيء تقريبا حتى في شعره عن الشاهي.

عرف فوزي بتواطئي الداخلي مع الثورة، لكنه كان يشاهد حيادية صارمة في كل ما أنقله من أخبار وتقارير.. سألني مرة: كيف أوفق بين هذا وذاك؟ وكيف أبرر ما كان يسميه انفصاما في الشخصية المهنية ومعركة بين إنسان يستطيع وبسهولة التمييز بين الحق والباطل، وبين شيطانه الصحفي الذي يمنعه من قول ذلك علانية؟ كان يوم الأربعاء من شهر مايو/أيار، حين أعلن الثوار سيطرتهم الكاملة وللمرة الأخيرة على البريقة بعد معارك استمرت أياما. كانت سعادتي كبيرة لأني رغبت في لقاء فوزي والجلوس في مقهاه وشرب الشاهي الذي يصنعه. جلست على ذات المقعد الذي تعودت الجلوس عليه في مقهى الشاهي، قبل أن يباغتني صوت فتى صغير:

- أي نوع من الشاهي تريد؟

وبعد أن تفحص وجهي جيدا وتقاسيم الدهشة عليه، قال لي غيرَ مبالٍ:

- إن كنت تنتظر فوزي فهو لن يأتي.. لقد قتلوه. قتلته الكتائب قبل انسحابها نهائيا من هنا، قتلته على مرأى من الثوار الذين لم يفعلوا شيئا.. لقد تركوه يموت.

كانت جملته الأخيرة أشبه بمصيدة لصحفي مثلي دفعتني قبل مغادرتي ليبيا إلى سؤال قائد تلك المعركة:

- لماذا لم يتحرك الثوار حين قتلت الكتائب فوزي؟

-  ولماذا نساعده أصلا؟ كنا نشك فيه دائما، ولو لم تقتله الكتائب لفعل الثوار ذلك.. فوزي كان شخصية إشكالية تبعث على الشك والريبة.. لقد كان حياديا.

كانت الطائرة تقلع بنا من مطار بنينا العسكري لنعود من حيث أتينا، وكنتُ حينها مشبعا بتساؤل لم أجد له جوابا حتى اللحظة:

لماذا قُتل فوزي إن كان حياديا؟

ولماذا بقيت أنا على قيد الحياة بوجود ألف دليل على أني أمارس الحيادية؟

ومن كان أكثر صدقا في حياديته، أنا أم فوزي؟

المزيد من المقالات

معركة الصحافة مع أنوف السياسيين الطويلة جدًّا

يخوض الصحفيون في الأعوام الأخيرة، واحدة من أشرس معاركهم ضد تصريحات السياسيين الكاذبة. فما هي الأدوات التي استعد بها الصحفيون لمواجهة هذه الموجة من تزييف الحقائق؟

محمد خمايسة نشرت في: 10 ديسمبر, 2019
إعلام ضد رهاب الآخر.. هل هو صعب المنال؟

يستعرض المقال صورة اللاجئين في عين وسائل الإعلام الغربية، ويركّز على لبنان والأردن عربياً وكيف التعاطي مع ملف اللاجئين السوريين.

محمد شمّا نشرت في: 6 نوفمبر, 2019
سياسة تويتر في حظر التغريدات .. ازدواجية معايير؟

أثبت موقع تويتر في السنوات الأخيرة أن لديه القدرة الكافية على محاربة التغريدات المسيئة بشكل فعّال، إلا أن الموقع بقي متهما بالتقصير في محاربة التغريدات المسيئة لا سيما تلك التي تحمل خطابا معاديا للاجئين والأقليات، فهل يمارس تويتر ازدواجية في تطبيق معاييره؟

مجد يوسف نشرت في: 4 نوفمبر, 2019
بين الفصحى والعامية.. كيف نصيغ اللغة الأقرب إلى الجمهور؟

فرضت المنصات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي الحاجة لنوع جديد من الكتابة، يتميز بالسهولة والاختصار، وهذا الأمر تطلب جهداً كبيراً، خاصة وأن الهدف الأساسي هو التقرّب من الجمهور واستخدام لغة يمكنه التعامل معها بسهولة.

محمد ولد إمام نشرت في: 29 أكتوبر, 2019
قراءة في تقرير معهد رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية

نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجماعة أوكسفورد البريطانية؛ تقريره السنوي عن الأخبار في المنصات الرقمية الذي يعده مجموعة من الباحثين في جامعة أكسفورد وصحفيين مختصين في الإعلام الرقمي. في هذه المادة نلخص أبرز النتائج التي جاءت في هذا التقرير.

محمد خمايسة نشرت في: 17 يونيو, 2019
كيف تحارب الصحافة المتأنية الوجبات السريعة؟

تسعى الصحافة المتأنية للحفاظ على قيم الصحافة الأصيلة، وتتصدى للأخبار والتحليلات السريعة التي تمنح شعورا بالشبع المعرفي، رغم أضرارها على صحة المتلقّي "المعرفية".

محمد خمايسة نشرت في: 28 مارس, 2019
يوميات سمارة القوتلي في ”صحافة الصبيان“

"نذكِّر الصحفي دائما بأنه يجب أن يصغي جيدا للناس ويرصد معاناتهم، ولكن ننسى كثيرا أن نصغي للصحفي ونعرف معاناته هو الآخر"..

مجلة الصحافة نشرت في: 18 فبراير, 2019
من هم منتحلو صفة صحفيّ في الأردن؟

لغايات هذا التقرير، أجريتُ مقابلةً مع نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، الذي يُخوّل القانون نقابته تصنيف العاملين بالصحافة إلى: منتحلي صفة صحفيّ، أو صحفيّ.

عمار الشقيري نشرت في: 6 يناير, 2019
الصحافة والسترات الصفراء في فرنسا.. سوء الفهم الكبير

إذا كنت صحفيا تغطي احتجاجات "السترات الصفراء" في شارع الشانزليزيه في باريس، فستواجه سؤالا متكررا من قبل عدد من المحتجين: لصالح أية وسيلة إعلامية تعمل؟

محمد البقالي نشرت في: 25 ديسمبر, 2018
من الرباط إلى كابل.. قصة مراسل

لأسباب قد يطول شرح تفاصيلها، رفضت السلطات المغربية منحي رخصة العمل كمراسل لقناة الجزيرة في المغرب.. واقع جعلني لما يقارب السنتين مراسلا صحفيا مع وقف التنفيذ، قضيت معظم هذا الوقت في غرفة الأخبار بال

يونس آيت ياسين نشرت في: 2 ديسمبر, 2018
الواقع الافتراضي في الصحافة

غالبا، تقدمنا نشرات الأخبار على أننا أرقام، عشرون شهيداً، ثلاثون أسيراً ومئات المصابين ربما.

إيليا غربية نشرت في: 25 نوفمبر, 2018
الميدان.. أن تنسج العلاقة مع الأسئلة

 كنتُ أحب ممارسة لعبة التقمص الوجداني مع طلابي، وهم بدورهم يتحمسون لذلك.. كنا نلعب كالتالي:

فاطمة الصمادي نشرت في: 20 نوفمبر, 2018
دروس من مراسلة حربية

مقابلة مع زينة خضر  

خالد رمضان, عواد جمعة نشرت في: 12 سبتمبر, 2018
صراع داخل صراع.. التغطية الإعلامية والرقابة في اليمن

مقابلة مع باشراحيل باشراحيل، نائب رئيس تحرير صحيفة "الأيام"  

عواد جمعة نشرت في: 19 مارس, 2018
الصحافة في زمن الحرب.. إصدار جديد لمعهد الجزيرة للإعلام

حروب ونزاعات وصراعات، حراك وثورة وثورة مضادة.. باتت تلك المصطلحاتت مرادفة للصحافة العربية في السنوات السبع الأخيرة، وإن كانت حاضرة قبل ذلك، لكنها الآن أشد كثافة.

مجلة الصحافة نشرت في: 31 يناير, 2018
الصحافة في زمن الحرب.. روايات الناجين من المعركة

قصص الصحفيين أو المصورين الصحفيين العاملين أو أولئك الذين اشتغلوا في مناطق تشهد اضطرابات أو صراعات مسلَّحة، تبدو متشابهة إن لم نقل إنها متطابقة في ذهن المتلقي البعيد عن شجون هذه المهنة ومتاعبها، إن

عبد الله مكسور نشرت في: 31 يناير, 2018
عند استخدام تقنيات الواقع الافتراضي.. إياك أن تنسى القصة

أصبح استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في التصوير الصحفي أكثر انتشاراً وشيوعاً، ولا يخفَى على أحدٍ السبب وراء ذلك.

زهرة رسول نشرت في: 11 يناير, 2018
تونس.. الصحافة الاستقصائية بعد الثورة

نشأت الصحافة الاستقصائية  في الولايات المتحدة الأميركية في بداية القرن العشرين وتدعمت بعد قضية ووترغيت التي كشفت فيها صحيفة الواشنطن بوست الأميركية سنة 1972تورط الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في ال

ماجدة العرامي نشرت في: 28 سبتمبر, 2017
في غرف الأخبار.. الأخطاء ستقع دائما

كانت الأسئلة التي تثار حول الجزيرة كثيرة، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة: كيف تصلها أشرطة الفيديو لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن؟

منتصر مرعي نشرت في: 22 سبتمبر, 2017
ميدان.. مولود جديد للصحافة الشبابية

مضى لقائي بمؤسسي موقع "ميدان" التابع للجزيرة نت سلسا، حتى أخبروني أن محرري الموقع وكتّابه لا يمكن أن تتجاوز أعمارهم الـ38 عاما، مبتدئين من عمر الـ18..

غدير بسام أبو سنينة نشرت في: 22 يونيو, 2017
سلام هنداوي.. في ميادين الحروب

هي سلام هنداوي، ولا يغرّنّ القارئ هدوء معنى اسمها أو تقاسيم وجهها، فالحرب أكثر ما يجذبها في التغطيات الصحفية، وهي ابنة الأرض الفلسطينية، الطاعنة بالتوتر.

مجلة الصحافة نشرت في: 15 يونيو, 2017
هيَ وهو في غرفة أخبار ”الجزيرة“

بات الحضور الأنثوي في الإعلام العربي مختلفا وأكثر كثافة، وازدادت المساحة الجادة فيه بشكل لا تخطئه الأعين، وكان للصحفيات حضور واضح في التغطيات الإخبارية على مدار العقود الثلاثة الماضية.

منى حوا نشرت في: 15 يونيو, 2017