كم مرَّةً خسرت معداتك التي كنت تعمل اثنتي عشرة ساعة يوميّا لتدفع ثمنها؟ كيف ستواصل توثيق القصص الإنسانية والكاميرات ومعدات التصوير ممنوعة من دخول غزَّة؟ وهي إن وُجدت فإنه يستحيل توفير سعرها؛ لأنه تضاعف عشرات المرات في ظل الحصار.
يطرح المصور الصحفي الفلسطيني عُمَر أبو ندى الأسئلة على نفسه فيما يتفقد كاميراته وعدساته المحطمة التي رافقته أحد عشر عاما في توثيق الحياة والحرب في قطاع غزَّة.
مستذكرا بدايات حرب الإبادة، يروي عمر أنه أثناء إخلاء الصحافيين من شمال قطاع غزَّة، والنزوح نحو الجنوب بعد تهديدات الاحتلال الإسرائيلي، فضّل البقاء في الشمال وأقام خيمة للصحفيين في مجمع الشفاء الطبي، وضع فيها معداته الصحفية وكل متطلبات العمل من أجل مواصلة التغطية الميدانية.
وفي حديثه لـ "مجلة الصحافة" يقول: "قبل أن يطوّق الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي ويحاصره بالكامل حملت كاميرتي وتركت باقي المعدات مع شقيقي خوفًا من اعتقالي؛ لإدراكي بأن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع الصحفي الفلسطيني باعتباره تهديدا وخطرا يفضح جرائمه، وهذا ما عهدناه من استهداف مستمر للصحفيين بالاغتيال والاعتقال" . لم تنجح خطة عمر بالحفاظ على معداته؛ إذ باغته الاحتلال باعتقال شقيقه وتحطيم ونهب كافة المعدات التي كانت بحوزته. على إثر هذا، خسر المصور أبو ندى عمله مع عدَّة منصات دولية كانت تعتمد على توثيقه للأحداث، ولم تبقَ له إلا كاميرته "الناجية الوحيدة" من معداته.
خسارة مستمرة
"حينما خسرت معداتي شعرت بالفقد ولمست حاجة زملائي المصورين لاستعارة الكاميرات، فكنت أعيرهم كاميرتي وننسق فيما بيننا تبادل العدسات، قبل أن أفقدها في قصف إسرائيلي للمنزِل ولم يكن أصعب عليّ من مشهد قطعها المحطمة أمامي مرة أخرى". يصمت عمر دقيقة ويتابع: "معداتي رفيقتي في لحظات الفرح والتعب والألم والأمل، وفقدها في أحلك الظروف ونُدرة وجودها أشعرني بالانهيار".
جزء كبير من شعور عمر بالعجز والإحباط - كما يعبر عنه - كان بسبب رؤية القصص الإنسانية الصعبة لشعبه وأهله دون أن يحظوا بتغطية دولية نظرا لمنع الاحتلال الإسرائيلي الصحفيين الأجانب دخول غزَّة، واضطراره وزملاءَه الصحفيين الناجين إلى التغطية بما هو متاح في ظروف معقدة.
مثل كثير من صحفيي غزة، اتجه عمر لتعويض خساراته بالعمل الصحفي باستخدام الهاتف، كان آخرها عمله مع مراسل قناة الجزيرة الصحفي الشهيد إسماعيل الغول. وبعد استشهاد إسماعيل وخسارة عمَر كلَّ شيء: منزله ومعداته، اتّجه حسب قوله إلى تخصص المونتاج والعمل الصحفي الذي يعتمد على معدات أقل.

خسائر بقيمة100 مليون دولار!
يفرض الاحتلال حصارا إعلاميا ممنهجا يهدف إلى عزل الرواية الفلسطينية ومنع العالم من رؤية الواقع في مدينة غزَّة، عبر التضييق على الصحفيين والمؤسسات بمنع إدخال المعدات الصحفية حتى اللحظة، وتقييد دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزَّة وفقاً لما قاله نائب رئيس نقابة الصحفيين الفلسطينيين د. تحسين الأسطل الذي يعبر عن تقييمه للوضع الحالي بالنسبة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية: "خلّفت حرب الإبادة دمارا واسعا في البنية التحتية للقطاع الإعلامي في قطاع غزَّة؛ حيث دمّر الاحتلال أكثر من 155 مؤسسة إعلامية شملت قنوات فضائية وإذاعات ومقار وكالات أنباء وصحفا يومية وأسبوعية، إضافة إلى مؤسسات إعلامية رسمية وخاصة وشركات إنتاج إعلامي".
ويتابع بأن تقدير نقابة الصحفيين الفلسطينيين للخسائر الأولية التي تكبّدها القطاع الإعلامي نحو 100 مليون دولار، ويحتاج الإعلام في غزّة إلى ما لا يقل عن 20 مليون دولار لتنفيذ خطة تعافٍ مبكر تُمكّن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والإلكترونية من استعادة الحد الأدنى من قدرتها التشغيلية، تمهيدا لإعادة بناء القطاع الإعلامي واستئناف عمله بصورة أكثر استقرارا.
ويضيف أمين سِرّ نقابة الصحفيين الفلسطينيين عاهد فروانة حول استهداف الصحفيين: "تعمد الاحتلال الإسرائيلي تدمير المعدات الصحفية من الكاميرات والعدسات وطائرات التصوير…؛ لمنع استمرار التغطية الإعلامية وللتغطية على جرائمه، ضمن سياسة تكميم الأفواه التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر يخالف كافة القوانين الدولية وخاصة قرارَي مجلس الأمن 1738 و2222 اللذين ينصان على ضرورة توفير الحماية للصحفيين أوقات النزاعات".
تقدر نقابة الصحفيين الفلسطينيين الخسائر الأولية التي تكبّدها القطاع الإعلامي في غزة نحو 100 مليون دولار، فيما يحتاج إلى ما لا يقل عن 20 مليون دولار لتنفيذ خطة تعافٍ مبكر، تُمكّن وسائل الإعلام من استعادة الحد الأدنى من قدرتها التشغيلية.
يؤكد فروانة بأن "نقابة الصحفيين الفلسطينيين تواصلت مع مؤسسات إعلامية دولية من الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) واليونسكو (UNESCO) ومؤسسات إعلامية دولية حاولت التدخل والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإدخال المعدات للمصورين الصحفيين، لكن الاحتلال الإسرائيلي قابلهم بالرفض التام".
وعن الذي قدّمته النقابة للمصورين الذين فقدوا معداتهم ولم يعودوا قادرين على العمل أجاب فروانة "مجلة الصحافة" بقوله: قدّمت النقابة دعما ماديا بالتعاون مع عدد من المؤسسات المانحة، واستفاد منها عدد من الصحفيين والمصورين الذين فقدوا معداتهم خلال حرب الإبادة على غزَّة، مع المحاولات المستمرة لإدخال أدوات ومعدات ودروع للصحفيين من خلال قوافل المساعدات، لكن الاحتلال الإسرائيلي يمنع كل شيء حتى اللحظة.
متجر بلا بضاعة
وسط رفوف فارغة متراكم عليها الغبرة، يقف أحمد سالم داخل معمل النور للتصوير الفوتوغرافي الذي أنشأه قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، وهو أول متجر متخصص في بيع الكاميرات والمعدات الصحفية، وجهّز أغلبَ الوكالات الفضائية والمؤسسات الإعلامية في مدينة غزَّة.
في حرب الإبادة تضرّر المعمل إثر تعرّض المبنى للقصف الإسرائيلي. وقد نفد ما لديه من الكاميرات والعدسات خلال الأشهر الأولى من الحرب كما يقول سالم، وهو ما جعله عاجزا عن توفير طلبات المصوّرين الصحفيين مهما كانت بسيطة؛ مثل شرائح التخزين التي يكثر عليها الطلب لسرعة تلفها، ولحاجة الصحفيين إليها في هذه الظروف.
جدير بالذكر أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض حصارا كاملا على قطاع غزَّة؛ إذ يمنع دخول السلع الأساسية والموارد التي يسميها "ثنائية الاستخدام" من المعدات الطبية والصحفية والإلكترونية. وقائمة الممنوعات هذه يجري عليها تعديلات كلما مرت المنطقة بهدوء أو توتر عسكري، وهو أمر يؤثر على كثير من القطاعات الحيوية ويعطل عملها.
يفرض الاحتلال الإسرائيلي يفرض حصارا كاملا على قطاع غزَّة؛ إذ يمنع دخول السلع الأساسية والموارد التي يسميها "ثنائية الاستخدام" من المعدات الطبية والصحفية والإلكترونية. وقائمة الممنوعات هذه يجري عليها تعديلات كلما مرت المنطقة بهدوء أو توتر عسكري، وهو أمر يؤثر على كثير من القطاعات الحيوية ويعطل عملها.
في حديث رئيس الهيئة الدولية "حشد" لدعم حقوق الشعب الفلسطيني صلاح عبد العاطي لـ "مجلة الصحافة" يقول: "إن منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال المعدات الصحفية إلى قطاع غزَّة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، بالتوازي مع منع دخول الصحفيين الأجانب، لا يُعد مجرد تقييد لحرية العمل الإعلامي، بل يشكل انتهاكا جسيما ومنهجيّا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويهدف إلى فرض حصار إعلامي كامل على القطاع يرقى إلى سياسة متعمدة لإخفاء الأدلة وطمس معالم الجرائم. وإن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين ووسائل الإعلام - ومنها منع إدخال المعدات الصحفية - تشكل جزءا من الملفات القانونية المُقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية والتي وثقتها لجان التحقيق الدولية والمقررون الخاصّون للأمم المتحدة، باعتبارها جزءا من سياسة أوسع تستهدف السكان المدنيين والأعيان المدنية ووسائل التوثيق، وهذا قد يشكل دليلا إضافيّا على القصد الجنائي الرامي إلى عرقلة توثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية".
وفي هذا السياق يضيف عبد العاطي أن "استمرار منع دخول المعدات الصحفية والصحفيين الدوليين يفرض مسؤولية قانونية دولية على (إسرائيل) باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، ويستوجب تحركا عاجلا من المجتمع الدولي لضمان وصول وسائل الإعلام الدولية، وإدخال المعدات الصحفية دون قيد أو شرط، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الإعلام والإعلاميين".