ترجمة: إيمان أبو حية
في آب/ أغسطس 2020، كان سطح سفينة الإنقاذ الإنسانية "أوبن آرمز" مكتظا بأكثر من 300 شخص أُنقِذوا قبالة السواحل الليبية. وبينما كان هؤلاء يحاولون التعافي من رحلة كلفت الكثيرين حياتهم، كنت أراقب المشهد متسائلا: كيف يمكن أن أواصل سرد هذه القصة بطريقة تدفع الناس لقراءتها؟
بصفتي صحفيا مستقلا، عليّ أن أستحوذ على انتباه المحررين الذين غالبا ما يعتمد قرارهم -بالموافقة أو الرفض- على ما نسمّيه اليوم الطُعم الرقمي (clickbait) (1).
لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق؛ فقبل تلك المهمة في عام 2020، غطّيت العديد من المهمات المماثلة، وشهدتُ -من بين عدة أمور أخرى- كيف تراجع الاهتمام بقصص الهجرة بشكل مطّرد وحتمي، منذ تلك الرحلات الأولى في عام 2015.
الثابت أن القصص الجديدة تحفز النقرات. لذلك، وبعد مرور خمس سنوات على انطلاق تلك المبادرة الجريئة، كان أوضح عناصر الجذب في التغطية أنها جرت في خضم جائحة عالمية، في وقتٍ كان فيه العالم لا يزال ينتظر اللقاحات الأولى. وكان التباعد الاجتماعي بين 300 شخص على سطح لا يتجاوز طوله 35 مترا مجرد خيال.
ومع ذلك، لم يكن هذا التناقض كافيا لجعل القصة مثيرة للاهتمام؛ فقد أصبح الجمهور العالمي شبه مخدَّر أمام هذه الصور إلى درجة أنه لم يعد يلتفت إلى ضحايا حوادث الغرق الجدد في مياه أفريقيا. وكانت الفكرة السائدة في ذهن القارئ "لقد قرأت هذه القصة من قبل، وأعرف كيف تنتهي" ذلك القارئ الذي نفقده باستمرار في دوّامة تدفّق المعلومات الهائل.
أنسنة القصة هنا تعني تذكير الجمهور بأننا لا نتحدث عن كتلة بشرية بلا ملامح، ولا عن قطعان تُنقل من مكان إلى آخر، بل عن أفراد لكلٍّ منهم مأساته الخاصة وأحلامه التي يحملها معه.
إلى جانب وسائل الإعلام الصغيرة التي دعمت عملي لسنوات، كانت القصة التي فتحت لي الباب أمام جمهور أوسع تدور حول نجّار من غانا يصنع توابيت غريبة، وصودف أنه كان على متن تلك السفينة. كانت تلك التوابيت تُنحت على شكل أسماك ضخمة أو سيارات أجرة أو حتى أقلام بحسب مهنة المتوفى، وهو ما جعل القصة غير مألوفة بل مشوقة بما يكفي لإثارة بعض الفضول.
لكن كان لا بد أن يتغيّر مسار السرد؛ إذ وجب أن يتراجع العنصر الدرامي إلى الخلف قليلًا لنصل إلى القرّاء الذين يبحثون عن قراءة صباحية هادئة. كان اسمه ستيفن دونكو، يسافر حاملاً مجموعة من الصور التي تُبرز أعماله على أمل أن يجذب زبائن جدد.
وبينما كانت الصور تنتقل من يد إلى أخرى بين الركاب الذين كانوا يتأملونها بدهشة، أصبح هو الخيط الناظم للقصة والشخصية المحورية فيها. ورغم أن كل المهاجرين على سطح السفينة عايشوا تجربة صادمة، وشارك بعضهم بعضا المحطةَ الأخيرة من رحلتهم على متن السفينة الإنسانية، إلا أن قصة ستيفن بما تحمله من طابع درامي وتفرّد تدعو إلى التعاطف، وتمنح أزمة الهجرة بعدا إنسانيًا؛ لأن أنسنة القصة هنا تعني تذكير الجمهور بأننا لا نتحدث عن كتلة بشرية بلا ملامح، ولا عن قطعان تُنقل من مكان إلى آخر، بل عن أفراد لكلٍّ منهم مأساته الخاصة وأحلامه التي يحملها معه.
في وقت سابق، كنت قد غطّيتُ كابوس عبور البحر المتوسط، وغالبا ما كانت الرحلات تنطلق من ليبيا؛ فمنذ زمن طويل كانت تلك البلاد الواقعة في شمال أفريقيا منطقة انطلاقٍ لكثير من القوارب المطاطية المزدحمة. وغالبا ما كانت صورة الوضع في ليبيا يُعاد تركيبها من السواحل الشمالية، عبر أصوات الذين نجحوا في الوصول إلى أوروبا.
وكانت المحصلة أن هذه الشهادات تركت انطباعا لدى المتابعين بأن الليبيين - في مجملهم - أناس قُساة يسيئون معاملة المهاجرين ولهم سجل قاتم من الانتهاكات يشمل التعذيب والاستعباد والاغتصاب المنهجي. والحقيقة أنه لا يمكن إنكار ذلك، لقد حدثت تلك الأمور فعلا، ولكن كم نسبة من ارتكبوها من مجموع السكان؟ وماذا نعرف عن الليبيين العاديين الذين حاولوا المساعدة؟ ومن الذي يروي حكاية أولئك الذين فتحوا بيوتهم للمهاجرين؟ وماذا عن أولئك الذين أمضوا أوقات فراغهم في دفن الموتى ساعين للحفاظ على كرامتهم؛ كما فعل صادق جيّاش الذي كان عاملا في بلدية المدين؟.
ومرة أخرى، كان لا بد من منح أسماء ووجوه للجانب الآخر من القصة، لأولئك الليبيين الذين لم يذكرهم أحد، أولئك الأبطال المجهولون من سائقي الأجرة والموسيقيين وطلّاب الحقوق والمحامين. ماذا كنت سأفعل لو استيقظت مدينتي الساحلية ذات صباح لتجد البحر قد جرف إلى شواطئها عشرات الجثث؟ هل كنت سأواصل حياتي كالمعتاد، وأنا أعلم أن جاري يتاجر بالبشر؟ كان عليّ أن أخاطب ضمير القارئ لأجعله يتعاطف مع أشخاصٍ لم يفكّر يومًا في أنهم جزءٌ من قصة الهجرة. ومن خلال وصف حياتهم اليومية على الضفة الجنوبية للمتوسط، تمكن القرّاء من رؤية الأزمة من منظور مختلف.
كان عليّ أن أخاطب ضمير القارئ لأجعله يتعاطف مع أشخاصٍ لم يفكّر يومًا في أنهم جزءٌ من قصة الهجرة. ومن خلال وصف حياتهم اليومية على الضفة الجنوبية للمتوسط، تمكن القرّاء من رؤية الأزمة من منظور مختلف.
غير أن الضفة الجنوبية ليست البوابة الوحيدة إلى أوروبا؛ ففي آب/ أغسطس 2021، بدأت الحكومة البيلاروسية بتوجيه تدفّق المهاجرين - ومعظمهم من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - نحو حدود بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وعلى مدى أشهر، سهّلت بيلاروسيا إصدار التأشيرات القصيرة الأمد، فسافر كثيرٌ من المهاجرين إلى مينسك عاصمة البلاد، ليُقتادوا بعدها إلى الحدود البولندية. وأشارت تقارير عدّة إلى أن جنودًا بيلاروسيين ساعدوا بعض المهاجرين على عبور السياج إلى داخل بولندا، غير أن العشرات منهم قضَوا على الطريق؛ وذلك غالبًا بسبب البرد القارس.
وقد حاز هذا النوع من القصص على اهتمام وسائل الإعلام لفترة وجيزة مجددا، قبل أن يتسلل الفتور وتتلاشى العناوين تدريجيا. وقد أدّى الجدار الذي شيّدته بولندا لاحقًا إلى إبطاء تدفّق المهاجرين، لكن عدد الضحايا لم يكن كافيًا لإعادة تسليط الضوء على هذه الزاوية من أوروبا.
وبحثًا عن زاوية جديدة للسرد، اكتشفتُ أن المجتمع المحلي القريب من موقع الجدار يحتضن جماعة تاريخية لافتة في بولندا: إنهم "التتار الليبكيون" الذين استقرّوا هناك منذ أكثر من خمسمئة عام، ويُعدّون من أقدم الجماعات المسلمة النشطة في أوروبا.
لقد وجدت أن سُبل عيشهم تعتمد على الزراعة والسياحة المحلية؛ إذ يقصدهم البولنديون للاستمتاع بالمشاهد الخضراء الكثيفة من الغابات والبحيرات، ولزيارة أقدم مسجدين في البلاد شُيّدا على نحوٍ لافت قبل قرنين من الزمن على يد معماريين يهود. لكن التوترات الحدودية وإجراءات الحجر الصحي التي فرضتها الحكومة البولندية كانت تختبر قدرة المجتمع على الصمود. في تلك الاثناء، كانت جينيتا بوغدانوفيتش - وهي امرأة تتارية أنشأت مجمّعًا صغيرًا يضمّ مطعمًا وغرفًا للنزلاء ومتحفًا مخصّصًا لقومها - تراقب انهيار نموذج عملها بعدما توقّف الزوّار عن القدوم.

لكن المسألة لم تكن يومًا عن جينيتا وحدها، تمامًا كما لم تكن عن النجار أو عامل البلدية فقط. فكلٌّ من هؤلاء الأفراد يمنح اسمًا ووجهًا لمجموعةٍ بأكملها داخل سردٍ أوسع بكثير. إنهم قطعٌ في أحجيةٍ أكبر تُدعى "الهجرة غير النظامية"، قصةٌ لا تكتمل إلا حين نصل هذه القطع ببعضها. وإذا اختصرناها إلى حكاياتٍ معزولة فلن يبقى منها سوى تدوينةٍ عابرة أو هامشٍ في الأسفل؛ لأن الصحافة الحقيقية تتطلّب سياقًا، كما أنها تقتضي أن نضع هذه القصص الشخصية إلى جانب رؤى الخبراء، وأعمال المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، وجهود الهيئات العاملة في قضايا الهجرة، بالإضافة إلى أنها تتطلب - عند الحاجة - المعلومات الصادرة عن المصادر الرسمية، وبهذه الطريقة فقط ننتقل بالرؤية من سياقها المحلي إلى العالمي.
قبل أن نغمر المتابعين بأرقام جامدة أو بيانات صحفية صادرة عن مؤسسات رسمية، علينا أن نباغتهم ونأخذهم إلى الحدث عبر طريقٍ لم يسلكوه من قبل. عبارة "سأروي لكم هذه القصة من زاويةٍ جديدة" هي الفكرة التي ينبغي أن تبقى في ذهن الكاتب وهو يخطّ الفقرة الأولى.
في المقابل، قبل أن نغمر المتابعين بأرقام جامدة أو بيانات صحفية صادرة عن مؤسسات رسمية، علينا أن نباغتهم ونأخذهم إلى الحدث عبر طريقٍ لم يسلكوه من قبل. عبارة "سأروي لكم هذه القصة من زاويةٍ جديدة" هي الفكرة التي ينبغي أن تبقى في ذهن الكاتب وهو يخطّ الفقرة الأولى؛ فالقصة القوية هي التي تبني جسرا من التعاطف بين القارئ والأشخاص الذين نكتب عنهم. وهذا سيجعل جمهورنا يواصل القراءة حتى النهاية، وعندها فقط سيكون لديهم ما يحتاجون إليه لتكوين رأيهم الخاص حول قضيةٍ بهذا التعقيد.
مع الأسف، هناك طرقٌ كثيرة لسرد قصة حول الهجرة غير النظامية؛ لأننا نعلم بالفعل أن واقعها الحقيقي يفوق دائمًا كل ما يمكننا تخيّله عنها. وبمجرد أن ندرك من أين نرى المشهد، لا يبقى سوى أن نستمر في رواية القصة.
المراجع