حتى في أصعب أيامنا، قبل أن تلتهم المحرقة مدينتنا، كانت غزة تمضي على وتيرة يومية مثقلة بالهموم والمعاناة؛ ازدحام المعيشة وانقطاع الكهرباء والانتظار الطويل عند أبواب الحصار… وكان الغزّي قد اعتاد هذه التحديات اليومية إلا أننا كنّا نراها أقصى ما يمكن أن يُبتلى به المرء، لندرك لاحقًا أنها لم تكن سوى زمنٍ أهون مما تلاه.
وامتدادا لتلك الذاكرة، أستعيد يومًا جلستُ فيه مع أبو جميل الريّس صاحب مكتبة قديمة في سوق الزاوية قبل نحو خمس سنوات لأجري معه مقابلة صحفية. دخل صديق له، ألقى السلام وسأل من أكون. وقبل أن أنطق بادره أبو جميل قائلا: "ماري.. صحفية".
تجمّدت اللحظة داخلي كأنني سمعت اسما آخر غير اسمي. لطالما هربت من هذه الكلمة، وأصررت على أنني ماري فقط، الفتاة التي تصادقت مع اللغة حتى غدت عالمها. لم أكن مستعدة لأن أرى نفسي مختزلة في مصطلح بدا أثقل من أن أحتمله. ظللت أتساءل لدقائق: من هي تلك التي أشار إليها؟
حين اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحملنا على أكتافنا عبء تغطيتها، أذكر اليوم الذي تواصل فيه صديقي محمّد يخبرني أن عليّ أن أعمل خلال الحرب. كنت يومها في دير البلح نازحةً مع عائلتي، ولم يخطر لي أن أغادر مكاني أو أن أنخرط في أي عمل. أجبته بأن هذا الوقت غير مناسب لشيء، لا للعمل ولا لأي محاولة أخرى. لكنّه قال لي بوضوح: الآن هو الوقت، إن لم يكن الآن فمتى؟ هذا هو الزمن الأشد حاجة لأن تكوني في الميدان.
ظلّت كلماته تدور في رأسي طوال الليل. ومع الصباح، تواصلت مع أحد الأصدقاء وأخبرته أنني أنوي العودة إلى العمل. بعدها رُشِّح اسمي لإحدى الجهات، وبعد يومين فقط من حديثي مع محمّد كنت قد أنجزت أولى القصص. منذ ذلك الحين بدأ هذا المصطلح "الصحفيّة" يتجذّر في داخلي، يشتد مع صلابة الحرب وقسوتها ويترسخ مع كل يوم يمرّ من الدم. ومع الوقت، صار يعرّفني بعمقٍ أكبر مما كنت أجرؤ يومًا أن أعرّف نفسي به.
في زمن الإبادة
الآن، في زمن الإبادة هذا، بتُّ أكثر إيمانا بهذه المهنة، وممتنّة لها لأنها أضافت إليّ ما لم تضفه أي تجربة أخرى؛ منحتني القدرة على أن أرى الناس في هشاشتهم وقوتهم معًا، وأن أكون صوتا لمن انطفأ صوته قبل أن يجد صداه. ومع هذا الإيمان، وجدت نفسي في اختبار قاسٍ: أن نُؤنسن قصص الشهداء، وأن نمنحهم حقهم ومكانتهم وقيمتهم وسط زحام الأحداث وتدفّقها الهائل، أن نحوّل حكاياتهم إلى شيءٍ حيّ لا يموت بارتقاء صاحبه، وأن نحررهم من قوائم "العواجل" الباردة.
استذكرتُ حالة اليأس التي أغرقتني بعدما تلقيت خبر استشهاد المزارع يوسف أبو ربيع ابن بيت لاهيا. قبل ساعاتٍ فقط من رحيله، كنت قد أجريت معه مقابلة صوتية لإعداد مادة صحفية عن اشتداد المجاعة في شمال غزة في ظل تصاعد الأحداث مجددًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 بعد فترة من الهدوء النسبي. كان يحدثني عن إصراره الذي لا ينكسر: في كل مرة يخرب الاحتلال ما زرعه، يعود ليزرع من جديد.(1)
في تلك الأثناء، كنت أتهيأ لمقابلة مع الصحفي إسلام بدر أستاذي في زمن مضى. سألته بصدق: هل ثمة جدوى لما نفعله؟ لتغطياتنا؟ كنت أبحث عن إجابة تعيد إيماني بما أعمل، فقال لي جملة لم تفارقني "ما نفعله الآن من أجل أن يموت الناس في النور، لا في العتمة" عندها أيقنت أن ما ندركه نحن وسط العتمة، لن يدركه غيرنا في النور.
كان الميدان يضعنا كل يوم أمام امتحان جديد، يختبر قدرتنا على الاحتمال أكثر من قدرتنا على التوثيق. في أحد تلك الأيام، وجدتني وجها لوجه مع عبد العزيز ابن زميلنا الصحفي الشهيد محمد خريس الناجي الوحيد من عائلته بعدما استهدف الاحتلال خيمتهم. طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، ومع ذلك حمل في عينيه ما لا يقوى على حمله رجل بالغ. جلست أمامه وتجمدت عاجزة عن أن أنبس بحرف.
أن تكون صحفيا في غزة يعني ألا تكون غريبا عن قصص الألم التي توثّقها؛ فأنت واحد منها وابن هذه المعاناة، لك حكاية موازية لكل حكاية ترويها، ولك جرح يشبه جروح من تقابلهم. يخرج الصحفي في النهار ليلحق الحدث، يمشي عشرات الكيلومترات على قدميه في غياب المواصلات والوقود، ثم يعود إلى مأواه البائس "الخيمة" حيث لا شيء يدلّ على أبسط شروط الحياة. يعود مثقلا بالجوع والإنهاك والفقد الجديد شاهدا وناجيا في آن واحد، يحمل همّه وهمّ الناس معًا.
في تلك الأثناء، كنت أتهيأ لمقابلة مع الصحفي إسلام بدر أستاذي في زمن مضى. سألته بصدق: هل ثمة جدوى لما نفعله؟ لتغطياتنا؟ كنت أبحث عن إجابة تعيد إيماني بما أعمل، فقال لي جملة لم تفارقني: "ما نفعله الآن من أجل أن يموت الناس في النور، لا في العتمة".
ولعل أوضح ما يختصر هذه الحقيقة، ذلك اليوم الذي وجدتني أعمل من داخل قسم غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى، بعدما قيل لي إنه المكان الوحيد الذي توجد فيه شبكة إنترنت قوية. كانت خيمة الصحفيين هناك مكتظة، وكان علينا أن ننجز مواد صحفية تُرسل للعالم، بينما كان زملاؤنا في الخارج يعملون من مقاهٍ تبث الموسيقى والحياة. هنا كان المشهد مختلفًا: أنين المرضى الذين تُركوا يواجهون الموت بلا دواء، مختلطا بأنين ذوي الشهداء الصاعد من باحة المستشفى.
تكسّرت المعاني كلها. لم يعد للمكان حرمة تخصّه، ولا لزمان العيد معناه. صرنا نعمل في أي ظرف وأي مكان، حتى صار الأمر اعتيادا قاسيا. جلستُ على مكتب الاستقبال لأكتب، بينما كانت سيدة إلى جواري تجلس على الأرض تكلم ابنها المغترب عبر الهاتف، وغلبتها دموع الشوق والتعب. في الوقت نفسه كانت تصلني رسائل من مسؤولة النشر والجدولة، تطلب أن أنهي سريعا لتضع المواد على جداول النشر، ثم كتبت في الختام: "حتى أدخل في إجازة الويكإند والعيد".
حينها شعرت ببرودة تسري في جسدي. بكيت: على نفسي كفتاة ينهكها هذا الواقع، وعلى الأمهات، وعلى المرضى والأطفال الذين حُرموا حتى من أبسط حقوق الحياة. ولكم أن تتخيلوا كيف عدت بعدها إلى مكان نزوحنا مثقلة بهذه المفارقات أتساءل: أي عيد يمكن أن يمرّ دون غزة؟
أتذكر موقفا من هذا العام الذي تلا تلك الحادثة، من عيد الأضحى، أعادت فيه المحرِّرة إليّ المادة التي كنت أعدّها للتغطية، وكانت فكرتها أن نحصي عدد الأطفال الغزيين الذين سيغيبون عن هذا العيد. كانت الإحصائية وقتها 17800 طفل شهيد، لكنها طلبت مني رفع الرقم إلى 18000؛ لأنها ترى أن العدد سيرتفع خلال اليومين القادمين "ولا وقت لدينا لاحقًا لتعديله"، بدا لي حينها أن الأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم أصبحوا مجرد أرقام تتزايد بلا مبالاة.
منذ ذلك اليوم، وكلما تذكرت الموقف شعرت كأن سكّينا ينخر جسدي بلا رحمة. ماذا عن أمهات هؤلاء الأطفال؟ كيف يستمررن في العيش بعد أن فقدن فلذات أكبادهن؟ صدق القول: "إلي بعدّ الضرب مش مثل إلي بياكله".
جلستُ على مكتب الاستقبال لأكتب، بينما كانت سيدة إلى جواري تجلس على الأرض تكلم ابنها المغترب عبر الهاتف، وغلبتها دموع الشوق والتعب. في الوقت نفسه كانت تصلني رسائل من مسؤولة النشر والجدولة، تطلب أن أنهي سريعا لتضع المواد على جداول النشر، ثم كتبت في الختام: "حتى أدخل في إجازة الويك إند والعيد".
كشف لي هذا الموقف جانبا مريرا من طبيعة التعامل مع القصص الإنسانية، خاصة مع من هم خارج معادلة هذه المجزرة الجارية. كيف يمكن أن تتحول دماء الأطفال إلى مادة قابلة للاستهلاك إلى هذا الحد؟ إلى مجرد رقم يمكن التلاعب به بعيدا عن أي شعور بالمسؤولية تجاه الواقع الجنوني الذي نعيشه؟
أتذكر صباح يوم جمعة من آب/أغسطس 2024، حين استيقظنا في مكان نزوحنا شرق دير البلح على أصوات إطلاق نار كثيف من المسيرات الإسرائيلية. كانت عملية برية تُنفَّذ على بُعد أمتار، ولم نجد أمامنا سوى حَزم أغراضنا والنزوح مجددًا، بعد سقوط منشورات الإخلاء في المنطقة.
نزحنا إلى مواصي خان يونس للمرة الأولى، من دون أن نعرف إلى أين سنذهب أو أين سنحط رحالنا. في ذلك اليوم كان مُقرَّرا اجتماع مهم في عملي، وكان لا بد أن أكون حاضرة فيه. أخذت أفكر في التيه الذي نعيشه، في هذه الدوامة التي لا أمان فيها ولا استقرار، وكيف يمكن أن تنقلب حياتنا في لحظات قليلة.
حمدت الله على ما تبقّى لنا من أقدار، وحاولت أنا وعائلتي أن نغادر بسرعة منذ السابعة صباحًا.
أعادت لي المحررة المادة، وكانت فكرتها أن نحصي عدد الأطفال الغزيين الذين سيغيبون عن هذا العيد. كانت الإحصائية وقتها 17800 طفل شهيد، لكنها طلبت مني رفع الرقم إلى 18000؛ لأنها ترى أن العدد سيرتفع خلال اليومين القادمين "ولا وقت لدينا لاحقًا لتعديله". كشف لي هذا الموقف جانبا مريرا من طبيعة التعامل مع القصص الإنسانية: كيف يمكن أن تتحول دماء الأطفال إلى مادة قابلة للاستهلاك إلى هذا الحد؟ إلى مجرد رقم يمكن التلاعب به بعيدا عن أي شعور بالمسؤولية تجاه الواقع الجنوني الذي نعيشه؟
كان الطريق من دير البلح إلى خان يونس شاقّا وطويلا، في ظل زحمة السير واكتظاظ النازحين الذين يحاول الاحتلال حشرهم في زاوية واحدة.. استغرقت الطريق ساعتين كاملتين، وهي التي كانت لا تستغرق أكثر من عشر دقائق في الوضع الطبيعي قبل هذه المأساة.
ما إن وصلنا حتى تركتُ عائلتي هائمة تبحث عن مكان، وخرجتُ أحمل حقيبتي التي فيها حاسوبي أبحث عن مكان يوجد فيه إنترنت وكهرباء. مشيت على غير هدى تحت شمس حارقة، واستمرت رحلة البحث أكثر من ساعة ونصف حتى اهتديت إلى مقهى على البحر في شارع "النص" بمواصي خان يونس. وصلت منهكة الساعة الحادية عشرة والنصف، وقد جفّ حلقي، ولم يتبقّ سوى ربع ساعة لبداية الاجتماع، جلست بسرعة، فتحت الحاسوب، أوصلته بالكهرباء، وطلبت كلمة مرور الإنترنت. تفقّدت مجموعات العمل في الواتساب فلم أجد أي نشاط، فساورتني الشكوك وأرسلت لزملائي أتأكد إن كان الاجتماع قد بدأ أم لا، انتظرت قليلا حتى جاءني الرد بأن الاجتماع سيؤجَّل لما بعد صلاة الجمعة.
هناك ولأول مرة، شعرت في ذلك اليوم أن عندي ترفا صغيرا للبكاء؛ أن أتنفّس بعمق بعد كل هذا الركض والتعب الذي أدمى قلوبنا قبل أرجلنا. بكيت، وتراكمت عليّ أحزان المدينة وأهلها دفعةً واحدة، بكيت على الناس الذين أُسقطت عليهم هذه المأساة بلا رحمة، بكيت لأنني كنت مُنهكة وأردت فقط أن أعود إلى حضن أمي في الحال، وأن يحتوينا جميعا منزلنا الذي أخرجنا منه مغول العصر قسرًا، بكيت على أماكن عملنا وعلى الشوارع التي كانت تحفظ خطواتنا ذات يوم..
بكيت وأنا أنظر إلى البحر؛ ذاك البحر الذي كان دائمًا شاهدا على هزائمنا الصغيرة وأحلامنا الكبيرة، بكيت وتمنيت للحظة أن يأتي ويبتلعني كي أستريح ولو قليلا.
بعد أكثر من سبعمئة يوم، بعد أن نسينا كيف كان طعم ولون الحياة الطبيعية، ما زلنا عالقين في ذات الطاحونة القاتلة؛ من نزوحٍ إلى آخر، ومن موتٍ إلى موتٍ، نُقتلع ألف مرة ومرة.. وكلما حاولنا أن نتكيّف مع بؤسنا يطلق الاحتلال لعنته من جديد، فلا يترك لنا حتى رفاهية البكاء على قدرنا أو الاستراحة من ثِقل المكابدة، ليس لدينا إلا أن نستمر، أن يعمل أحدنا وكأن شيئا لم يحدث في اليوم الذي سبقه. جميعنا اضطررنا للعمل في اليوم نفسه الذي بدأ بنزوحنا القسري - اقتلاعنا، إن صح التعبير- أو في اليوم الذي تلا فقدَ أحد من الأهل أو الأحبة. لا خيار أمامنا سوى الركض المتواصل، نتعثر أكثر مما نقف؛ فمن يتوقف تطحنه الرحى التي نصارع دورانها كل يوم.
(1) كتبت الشهادة في شهر آب/ أغسطس 2025 لصالح كتاب: وحدنا غطينا الحرب، الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام.