أليس مخيفا أن يكون على رأس وزارة الصحة في أكبر دولة في العالم رجل يعتقد أن اللقاحات طُوّرت "للسيطرة على الناس عبر رقائق إلكترونية". فمنذ تولي روبرت ف. كينيدي الابن منصب وزير الصحة في الولايات المتحدة الأمريكية، باتت إدارة الصحة العامة تعكس بشكل متزايد نزعات "ما بعد الحقيقة "التي يراعيها الرجل؛ فقد أعيد تشكيل الهياكل الاستشارية التي كانت تضم تقليديا علماء وأطباء متخصصين، واستبعد وهمّش العديد من الخبراء البارزين. وقد وُصفت هذه التغييرات بأنها جهود لاستعادة "التوازن والبحث المفتوح" إلا أنها في الواقع طمست التمييز بين المواقف المدعومة بالأدلة التجريبية والادعاءات التخمينية أو المشكوك في مصداقيتها. وهو في ذلك يتبع مسار رئيسه دونالد ترامب الذي بات مختصاً في اختراع حقائقه الخاصة في جميع المجالات، وفرضها على العالم بصفتها حقائق مطلقة.
من الشائع استخدام مصطلح "ما بعد الحقيقة" لوصف الخطابات الإعلامية التي تتضاءل فيها أهمية الحقائق الموضوعية في تشكيل النقاش السياسي، في مقابل تضخيم النزعة العاطفية وتأكيد الهويات والمعتقدات الشخصية. في الجدل السياسي والاجتماعي، أصبح ذلك شبه طبيعي في ظل صعود الشعبويات بجميع أصنافها في العالم. ورغم كلفته العالية على توازن المجتمعات والدول، يظل أقل خطرا من تسرّب هذا النوع من الحقائق "المابعدية" إلى الخطاب العلمي في وسائل الإعلام التقليدية وخاصة في المنصات الجديدة. ويُجسّد هذا التحوّل الخطابي منطق ما بعد الحقيقة؛ فبدلاً من دحض النتائج العلمية بشكل مباشر، تُزعزع المعايير التي تُقيَّم المعرفة على أساسها، ويُعاد تعريف الخبرة العلمية على أنها نخبوية، وبالتالي تُفصل سلطة العلم عن مبدأ تراكم الأدلة، وتُجعل متوافقة بشكل قسري مع استنتاجات وبديهيات الجمهور الأخلاقية والسياسية.
تشكل جدلية ما بعد الحقائق العلمية في الخطاب الإعلامي موضوع إشكالية كتاب "ما بعد الحقيقة": مصداقية الخطاب العلمي في عصر "الحقائق البديلة"، الصادر حديثاً عن جامعة رين الفرنسية الذي حرره كل من شارل مرسييه وجان فيليب وارين وريجيس مالي. والذي كان مدفوعاً بفترة الإغلاق العام التي فرضتها جائحة كوفيد-19. عندما لاحظ محررو الكتاب مفارقة غريبة؛ فمن جهة، منح القادة السياسيون ثقة غير مسبوقة للعلماء لتوجيه قراراتهم، ومن جهة أخرى، برزت موجة عارمة من عدم الثقة والتشكيك في الخطاب العلمي لدى جزء كبير من الرأي العام تجلت بوضوحٍ في وسائل الإعلام وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم تكن هذه الفجوة سجالا كشأن سجالات المنصات الإعلامية الجديدة، بل تعبيرا عن تحول اجتماعي نحو انتعاش سرديات بديلة للحقائق التي يقدمها العلم للجمهور من خلال الوسائط الإعلامية. وقد تجلى ذلك الانحراف في النجاح الكبير لخطابات «معارضي اللقاحات».
يبدأ الكتاب بتشريح مصطلح "ما بعد الحقيقة" الذي ظهر لأول مرةٍ في التسعينيّات، لكنه اكتسب شهرة عالمية في عام 2016 بعد اختياره "كلمة العام" من قبل قاموس أكسفورد، تزامناً مع تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب.
يبدأ الكتاب بتشريح مصطلح "ما بعد الحقيقة" الذي ظهر لأول مرةٍ في التسعينيّات، لكنه اكتسب شهرة عالمية في عام 2016 بعد اختياره "كلمة العام" من قبل قاموس أكسفورد، تزامناً مع تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب. ويعرف بأنه "حالة سياسية وإعلامية تعتمد فيها صدقية الخطاب على توافقه مع المعتقدات والعواطف بدلاً من مطابقته للحقائق. في هذا النظام الخطابي، يصبح "الكذب الصارخ" أو "اللا حقيقة" أمرا لا يعاقب عليه الناخبون، بل قد يساهم في الفوز. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك مصطلح "الحقائق البديلة" الذي استخدمته مستشارة ترامب لتبرير ادعاءات كاذبة حول عدد الحضور في حفل التنصيب، مما يشير إلى انفصال تأسيس الحقائق عن قواعد الموضوعية والحياد. واستناداً إلى منهج فيلسوف العلوم الفرنسي برونو لاتور، يقدم الكتاب آليات بناء المصداقية العلمية؛ حيث يتم إنتاج الادعاءات العلمية بناءً على بيانات وبروتوكولات، ثم تخضع للمناقشة والتعديل، أو حتى الدحض من قبل باحثين آخرين. ويحدد لاتور "دورة المصداقية" التي تشمل ثلاثة معانٍ: أولاً، إثارة الثقة في البيانات الصادرة. وثانياً، نيل الاعتراف الشخصي الذي يجعل لاسم الباحث وزناً. وأخيراً، القدرة على الحصول على موارد مادية لتمويل الأبحاث. وهذه العناصر تتغذى من خلال بعضها البعض؛ فالباحث المعترف به بصفته خبيرا يمكنه تحويل هذا الائتمان إلى تمويل لإنتاج «حقائق» جديدة تعزز مكانته.
الجذور وتحدي الصوابية
يعود جان فيليب وارين ورفيقيّه إلى التقليد الفلسفي الغربي للبحث في جذور "ما بعد الحقيقة"، بالاستناد إلى أعمال الهيغيليين الجدد مثل فرانسيس فوكوياما أو فلاسفة الأنطولوجيا النظرية مثل ماوريتسيو فيراريس الذين يرون أن بذور "ما بعد الحقيقة" قد زُرعت في أروقة الجامعات خلال السبعينيات والثمانينيات عبر ما يسمى "النظرية الفرنسية" التي رسخ دعائمها ميشيل فوكو وجاك ديريدا. فقد قدم فوكو العلم كأداة للسلطة والهيمنة، وهو ما أفرز نسبية علمية مطلقةً، ذلك أن فكرة أن "الحقيقة هي حاصل لموازين القوى" من أقصى اليسار الأكاديمي إلى أقصى اليمين السياسي الذي يستخدمها الآن لمهاجمة العقلانية العلمية. وأدى كل ذلك إلى تأليه التجربة الفردية من خلال "تفتت المعرفة"؛ حيث بات الأفراد يرفضون أي تسلسل هرمي بين البيانات العلمية وتجاربهم الشخصية أو انتماءاتهم الهوياتية. في المقابل عمقت نزعات "الصوابية السياسية" التي أنتجتها النخب الليبرالية هذا النزوع اليميني نحو صنع حقائق بديلة ساهم في تمهيد الطريق لصعود الحركات الشعبوية. ويرى باحثون مثل مارسيل غوشيه أن "ما بعد الحقيقة" هي "الابن غير الشرعي للصوابية السياسية"، حيث قامت النخب أولاً بتطويع الحقائق لخدمة قيمها الأخلاقية، فردت الفئات الشعبوية بإنتاج حقائقها البديلة التي تعبر عن "حقيقة أعمق" لمشاعرهم ومعاناتهم، حتى لو كانت تتعارض كلياً أو نسبياً مع الحقائق الموضوعية.
قامت النخب أولاً بتطويع الحقائق لخدمة قيمها الأخلاقية، فردت الفئات الشعبوية بإنتاج حقائقها البديلة التي تعبر عن "حقيقة أعمق" لمشاعرهم ومعاناتهم، حتى لو كانت تتعارض كلياً أو نسبياً مع الحقائق الموضوعية.
أما العامل الثالث والأكثر أهمية في صعود "ما بعد الحقيقة" إستراتيجيةً خطابيةً للتعامل مع العلوم في الإعلام فهي التوظيف السياسي والحروب المعلوماتية في واقع جيوسياسي شديد الاضطراب منذ سنوات. فالدول ليست بعيدة عن هذا المشهد؛ إذ تستخدم القوى الدولية تكتيكات "الحرب المعلوماتية" لزعزعة استقرار الخصوم. ولا تعتمد هذه القوى بالضرورة على اختلاق أخبار من العدم، بل على تضخيم القصص الموجودة بالفعل أو نشر روايات متعددة ومتناقضة لبث "الشك المطلق". ولعل الهدف النهائي هو جعل المتلقي العادي يشعر بصعوبة تحديد الحقيقة، وهو ما يصبّ في مصلحة أصحاب السلطة. وفي السياق الأوروبي، استخدمت أحزاب اليمين المتطرف روايات تاريخية بديلة تهدف لتمجيد الذات الوطنية وتجاهل الحقائق التاريخية المزعجة (مثل المشاركة في إبادة اليهود) لتلبية احتياجات الهوية لدى جمهور لا يثق في الخبراء.
ويقف خروج فرنسا من إفريقيا شاهدا على مثل هذه العمليات الإعلامية المطعمة بالحقائق البديلة و "ما بعد الحقيقة". في أعقاب الحرب في أوكرانيا وفرض العقوبات التي حدّت من نشاط وسائل الإعلام الروسية في الأسواق الغربية، وجّهت قناتا أرتي وسبوتنيك الخاضعتان لسيطرة الدولة الروسية جزءا كبيرا من جهودهما نحو الجمهور الأفريقي. وقد وسّعت هاتان القناتان نطاق بثهما ومحتواهما الرقمي باللغات الفرنسية والإنجليزية والعربية، بالإضافة إلى لغات أفريقية أخرى كالسواحيلية والأمهرية، وهو ما أسهم بشكل كبير في توسيع نطاق وصولهما في جميع أنحاء القارة؛ فبدلاً من مجرد إعادة بث مواقف الحكومة الروسية، قامت هذه الوسائل الإعلامية بإعادة تفسير الأحداث من خلال سرديات تلقَى صدى محلياً، مع التركيز على قضايا مناهضة للاستعمار أو مناهضة للغرب، أو قضايا تتعلق بالسيادة. وغالباً ما تصور هذه السرديات فرنسا قوةً عفا عليها الزمن تتشبث بوضعها المتميز في المنطقة، بينما تصور روسيا بوصفها شريكا داعما لا يحمل أي إرث استعماري. كما قامت شبكات من صفحات التواصل الاجتماعي الموالية لروسيا، وحسابات مزيفة ومؤثرون محليون بنشر محتوى يهدف إلى تشكيل التصورات عن فرنسا. وفي بعض الحالات، عملت المحتويات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي وصفحات الترفيه المُقنّعة تحت ستار وسائل الإعلام الإفريقية الشعبية، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين الخطاب المحلي والدعاية المُصنّعة خارجياً. لكن نادرا ما تعمل وسائل الإعلام الروسية وحملات التضليل الإعلامي بمعزل عن الواقع؛ فهي تُضخّم المشاعر المحلية القائمة بما في ذلك الاستياء من تاريخ فرنسا الاستعماري، وعدم الرضا عن التدخلات العسكرية الفرنسية والإحباطات الاقتصادية. وفي منطقة الساحل، حيث استمر الصراع وعدم الاستقرار رغم سنوات من الوجود العسكري الفرنسي، اكتسبت الروايات التي تُصوّر فرنسا على أنها غير فعّالة أو أنانية زخماً كبيراً.
وقد نجحت هذه الحملات في تمهيد الطريق - مع وسائل جيوسياسية أخرى - لتحقيق تحول غير مسبوق؛ ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، طردت الحكومات العسكرية القوات الفرنسية ووقّعت اتفاقيات أمنية مع روسيا، ونشرت مقاتلين روس لتولي أدوار كانت تشغلها القوات الفرنسية. وبينما يؤدي الوجود المادي لروسيا - لا سيما المساعدات الأمنية والصفقات الاقتصادية - دورًا في هذه التحولات الجيوسياسية، فإن البيئة الإعلامية تُشكّل كيفية تفسير الرأي العام والنخب المحلية لهذه الإجراءات؛ فعندما تُصوّر الروايات فرنسا مِرارا على أنها فاشلة أو استغلالية، يواجه القادة السياسيون ردود فعل داخلية أقل حدةً عند توجّههم نحو روسيا. والحاصل النهائي ليس مجرد تحول في مكانة تحالفات الحكومات الأفريقية الإستراتيجية، بل تحول في بيئة المعلومات نفسها، وهي بيئة يمكن فيها للحقائق البديلة والروايات المشحونة عاطفيا أن تفوق الأدلة التجريبية في تحديد الحقائق الجيوسياسية.
الإعلام محركا ومسؤولا
يعتقد محررو الكتاب أن "ما بعد الحقيقة" لم تكن لتوجد دون الثورة الرقمية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وأنها ربما ظلت بدونها خطابات هامشية وشديدة الأقلية؛ حيث توفر هذه الوسائل بيئة مثالية لنمو الحقائق البديلة عبر عدة آليات؛ وأولها: سرعة الاستجابة والعاطفة، فالمنصات الاجتماعية تشجع التواصل اللحظي الذي يعتمد على التفكير البديهي والعاطفي بدلاً من التفكير العقلاني المعقد. وثانياً: تفعيل التحيزات المعرفية؛ حيث تستغل هذه المنصات ميل الدماغ البشري للاستجابة السريعة القائمة على الصور النمطية، وهو ما يجعل الأفراد يميلون لتصديق ما يوافق معتقداتهم السابقة. وثالثاً: التخمة المعلوماتية؛ فكثرة البيانات تؤدي بالضرورة إلى "إرهاق معلوماتي" يدفع الناس إلى التخلي عن محاولات التفكيك النقدي واللجوء إلى الشائعات والمخاوف غير العقلانية. فضلاً عن تمدّد وتوسع ظاهرة غرف الصدى، عندما تعمل الخوارزميات على عزل المستخدمين في فقاعات معلوماتية تعزز آراءهم المتطرفة وتخفي عنهم الآراء المخالفة، فيما يشبه «جحر الأرنب» في قصص أليس في بلاد العجائب. وأخيراً، اللا تنظيم و«قانون الغابة الرقمي»؛ فهذه الفضاءات الرقمية تفتقر للرقابة، وهو ما سمح للأقليات الراديكالية والمجموعات المنسقة - مثل معارضي اللقاحات أو دعاة الأرض المسطحة - بفرض حضورهم وتزييف إجماع عام غير موجود في الواقع.
يعتقد محررو الكتاب أن "ما بعد الحقيقة" لم تكن لتوجد دون الثورة الرقمية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، وأنها ربما ظلت بدونها خطابات هامشية وشديدة الأقلية؛ حيث توفر هذه الوسائل بيئة مثالية لنمو الحقائق البديلة عبر عدة آليات؛ وأولها: سرعة الاستجابة والعاطفة.
أما في وسائل الإعلام التقليدية، فرغم أن الوضع أقل ذعرا، إلا أنه ليس أحسن حالا في العمق؛ فقد وقعت وسائل الإعلام التقليدية في فخ البحث عن "الإثارة والجمهور" فمنحت مساحات واسعة لعلماء مثيرين للجدل أو شخصيات تدّعي الخبرة دون تمحيص مع الخلط بين "العلم المستقر" و"البحث العلمي المستمر" فأربك هذا الجمهور. فضلاً عن مسائل تضارب المصالح؛ حيث تسببت قضايا مثل أصل فيروس كورونا (جدل المختبر مقابل الطبيعة) والضغوط لإخفاء بعض الفرضيات في تآكل الثقة، خاصة عندما تتدخل السياسة في توجيه المجلات العلمية المرموقة، إلى جانب تعاظم الطبيعية الربحية للنشر العلمي، من خلال ظهور دور نشر علمية تقبل الأبحاث مقابل المال، وهو أمر ساعد في نشر بيانات غير رصينة بصبغة "علمية".
ويخّلص محررو الكتاب إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب رؤية "منظومية" تتجاوز مجرد أنظمة "التحقق من الأخبار" وأساليبه؛ لأن الطاقة المطلوبة لتفنيد الأكاذيب أكبر بكثير من الطاقة اللازمة لإنتاجها كما يشرح ذلك "قانون براندوليني"، مقترحين في سبيل ذلك، تعزيز استقلالية المؤسسات؛ فالدولة يجب أن تعمل على تمويل ودعم الهيئات العلمية المستقلة لاستعادة هيبتها، دون أن تتدخل في فرض "حقائق رسمية" قد تزيد من ارتياب الناس. والتربية على وسائل الإعلام، فلا تقتصر على تعليم المهارات التقنية، بل تعزيز "القيم الفكرية" والروح النقدية التي تميز بين تعدد الآراء والنسبية المعرفية.
وربما يبدو أن مواجهة هذا التيار الجارف من الشعبويات المتناحرة عالمياً والمستندة إلى إستراتيجية خطابية أمر صعب، لكنه لا مفرّ منه لصون فكرة الحقيقة، لذلك فإن معركة "ما بعد الحقيقة" هي في جوهرها معركة من أجل التماسك الاجتماعي والديمقراطية؛ لأن غير ذلك سينتهي بنا إلى تفتيت المعرفة وإلى "حقائق هوياتية" تؤدي إلى تآكل المجتمع وتحوّله إلى أفراد منعزلين يرفضون أي معنى للوجود المشترك.