أثناء الإعداد والإخراج لفيلم وثائقي على قناة الجزيرة عن الذكرى التسعين لوعد بلفور لم تسعفني اللقطات الأرشيفية، ولا المشاهد الواقعية أثناء التصوير في المواقع المختلفة في بريطانيا - كمقدم للفيلم - في سرد بناء وثائقي متكامل يستحضر هذه الذكرى الهامة. فكرت في تجسيد بعض الأحداث التاريخية عن طريق مشاهد درامية تحاكي الواقع لتقوية السرد البصري لبناء الفليم؟ وتلك اللحظة كانت الأولى لبداية اهتمامي الإخراجي والأكاديمي بالدراما الوثائقية أو الدكيودرما.
إن مجرد ذكر الدراما والوثائقيات في مصطلح واحد يسترعي انتباها من المتخصصين وغير المتخصصين. وهو انتباه يتراوح بين التوجس والاحتفاء. ومناط التوجس هنا هو الخشية من تزييف الحقيقة والتلاعب بها باسم الفن، على اعتبار أن الدراما مرادفة للخيال وأن الوثائقي مرادف للحقيقية والواقع. أما الاحتفاء فينصبُّ على أن الدراما تضخ الحياة في مشاهد واقعية لم تصل إليها كاميرا الفيلم الوثائقي، فتبدو وكأنها أرشيف جديد حصري يكشفه المخرج للمشاهد أول مرة.
يضع الأكاديمي البريطاني ديريك باجيت الدراما الوثائقية في منطقة وسطى ضمن طيف من الأشكال الفيلمية والبرامج التلفزيونية الهجينة؛ ففي أقصى يمين هذا الطيف يقف القالب التخييلي ممثلا في الدراما، وفي أقصى يساره يقف القالب الواقعي ممثلا في الفيلم الوثائقي.
ويطرح باجيت رؤيته بأن هذا القالب من التزواج بين الخيال والواقع هو ضرورة فنية تفرضها مقتضيات الفيلم؛ ولذلك سمّى كتابه "لا سبيل آخر لرواية الحكاية، الدكيودراما في التلفزيون والسينما."(1)
إن مجرد ذكر الدراما والوثائقيات في مصطلح واحد يسترعي انتباها من المتخصصين وغير المتخصصين. وهو انتباه يتراوح بين التوجس والاحتفاء. ومناط التوجس هنا هو الخشية من تزييف الحقيقة والتلاعب بها باسم الفن.
وقد عبّر عن فكرته تلك بشكل السهم المرفق الذي يعبر عن "علاقة طردية"؛ فكلما اتجهنا يميناً زادت سيطرة "التدخل الإبداعي والخيال" وكلما اتجهنا يساراً زادت مساحة "الحقيقة والأرشيف" وهي كلها قوالب فنية تتطور مع الزمن.

كانت الدراما الوثائقية "أيام الأمل" عام 1975 على شاشة هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي واحدة من المحطات الهامة في مسيرة هذا النوع الهجين من السرد البصري. فقد كان ظاهر القصة تاريخي يتناول فيه المخرج البريطاني كين لوتش في أربعة أجزاء سنوات من الحرب العالمية الأولى بداية من عام 1916 وحتى الإضراب الكبير في بريطانيا عام 1926.(2) وفي تلك الحقبة كانت البلاد تموج بالصراعات الاجتماعية ونضال الطبقة العاملة. وتزامن عرضها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي مع أزمة اقتصادية ضربت البلاد، فبدت وكأنها إسقاط تاريخي على الواقع المعاصر وقتها رغم أنها لم تتناوله من قريب أو بعيد. وهو الأمر الذي أثار حفيظة عدد كبير من المحاربين القدامى لتصوير الجيش البريطاني في الفيلم بصورة سلبية. وثار جدل وصل للصحف البريطانية حول كيفية السماح بعرض مثل هذه الدراما على البي بي سي؛ على اعتبار أنها تعكس وجهة نظر يسارية ولا بد أن يكون هناك دراما أخرى تعرض وجهة نظر يمينية من باب تحقيق التوازن. وبسبب الاحتفاء الجماهيري بها، كشفت هذه الدراما الوثائقية عن قوة التأثير الذي يملكه هذا النوع الهجين من الفن. فهو يأخذ من الدراما أفضل ما فيها وهو التأثير الوجداني والحبكة، ويأخذ من الوثائقي أفضل ما فيه وهو التَماسّ مع الواقع وتسجيل الأحداث.
ورغم تعدد المصطلحات التي تصف المزج بين الدراما والوثائقي، فإن الوصف الشائع لـ"أيام الأمل" هو دراما وثائقية أو دكيودراما؛ أي أن العمل في معظمه يعتمد على التمثيل الدرامي مع دخول عناصر واقعية سواء من ناحية تجسيد التاريخ الحقيقي أو حتى بعض مشاهد الأرشيف. وهذا يختلف عن وصف آخر هو الوثائقيات الدرامية أو درامادوك التي يعتمد فيها بناء الفيلم فيها على البناء الوثائقي المعتاد مثل الاعتماد على المقابلات مع إدخال بعض المشاهد التمثيلية الدرامية. (3)
وضمن هذا النوع الأخير يصنف فيلم "ميراث بلفور" على شاشة الجزيرة الذي استخدمت فيه مشاهد درامية لشخصيات ساهمت بدور رئيسي في إصدار وعد بلفور الشهير. ولم يكن الممثلون يتحدثون في تلك المشاهد، فقد كان يرافق حركتهم حديث المؤرخين أحيانا والموسيقى أحيانا أخرى مدفوعا باعتبارات منها انخفاض ميزانية الإنتاج ومنها الحرص على الدقة وأمانة النقل التاريخي بما لا يخلّ بمصداقية الفيلم الوثائقي.
وبعد هذا الفيلم بعدة سنوات أنتجت الجزيرة فيلم "خطوط على الرمال، مائة عام على سايكس بيكو" في الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو التي تقاسمت فيها بريطانيا وفرنسا أملاك الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى. لقد كانت تجربة فريدة للوثائقيات الدرامية على شاشة الجزيرة ذلك أن الممثلين كانوا يتكلمون في المشاهد الدرامية. ولم يكن قرار تحدث الممثلين في المشاهد الدرامية في فيلم وثائقي سهلا من الناحية التحريرية؛ إذ اقتضى مراجعة دقيقة جدا لنصوص الحوارات الدرامية للتأكد من مطابقتها لمحاضر الجلسات التاريخية لنفي أية شبهة تحيز أو تحريف تاريخي.
يبرز عنصر الدراما بوصفه اقتحاما لخصوصية الفيلم الوثائقي، وهو اقتحام يثير جدلا قديما حول حدود التمثيل وإمكاناته؛ إذ يرى منتقدو الدراما الوثائقية أن إعادة تمثيل الأحداث - مهما بلغت دقتها - تظل عاجزة عن بلوغ حقيقة الواقع؛ ما يفتح الباب أمام احتمالات التضليل أو التزوير. في المقابل يذهب رأي آخر إلى أن الكاميرا الوثائقية نفسها ليست محايدة بالكامل.
الكاميرا المفقودة
إن خيار استخدام الدراما في بنية الفيلم الوثائقي يأتي غالبا عند غياب التوثيق البصري للحدث. وهنا يبرز السؤال: هل يكتفي المخرج بالسرد الشفهي لما جرى ويعتمد على الوثائق فقط؟ أم ثمة طريقة إبداعية أخرى لتحويل هذه الشهادات الشفهية الموثقة والمستندات إلى سرد بصري جمالي؟
في هذا السياق، يبرز عنصر الدراما بوصفه اقتحاما لخصوصية الفيلم الوثائقي، وهو اقتحام يثير جدلا قديما حول حدود التمثيل وإمكاناته؛ إذ يرى منتقدو الدراما الوثائقية أن إعادة تمثيل الأحداث - مهما بلغت دقتها - تظل عاجزة عن بلوغ حقيقة الواقع؛ ما يفتح الباب أمام احتمالات التضليل أو التزوير. في المقابل يذهب رأي آخر إلى أن الكاميرا الوثائقية نفسها ليست محايدة بالكامل؛ فهي لا تزيف الواقع بالضرورة، لكنها تبقى محكومة باختيارات المخرج من زاوية التصوير إلى المونتاج وطريقة بناء السرد، وهي عناصر تفرض بدورها رؤية معينة للواقع.
والزاوية في النهاية هي جزء من المشهد وليست كل المشهد. وبالتالي فإن المصداقية هنا لا تنحصر في النقل الحرفي للواقع لأنه مستحيل، ولكن في فرض بعض قيود أخلاقية على تلك المشاهد الدرامية لمنع الخلط بينها وبين الواقع المسجل. من هذه القيود وضع عبارة "مشاهد تمثيلية" مكتوبة أعلى الشاشة، وتحري الدِّقة والأمانة أثناء تجسيد المشاهد الدرامية بحيث تكون مستندة لأصل توثيقي خارجي تعتمد عليه: سواء شهادة شفاهية أو مستندا هاما. وتبدو الدراما الوثائقية أو الوثائقيات الدرامية في هذا الإطار وكأنها تستحضر كاميرا مفقودة متخيلة كانت تصور الحدث لكنها فقدت. فتأتي الدراما لتستدعيها مرة أخرى.
إن خيار استخدام الدراما في بنية الفيلم الوثائقي يأتي غالبا عند غياب التوثيق البصري للحدث. وهنا يبرز السؤال: هل يكتفي المخرج بالسرد الشفهي لما جرى ويعتمد على الوثائق فقط؟ أم ثمة طريقة إبداعية أخرى لتحويل هذه الشهادات الشفهية الموثقة والمستندات إلى سرد بصري جمالي؟
أكثر من مجرد محاكاة
مع تعدد المنصات الرقمية وتعدد أشكال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي تطورت آليات المزج بين الدراما والوثائقيات وتجاوزت الدراما مجرد محاكاة لأحداث في بنية الفيلم الوثائقي. فعلى سبيل المثال شهد الفيلم الوثائقي "المعضلة الاجتماعية" على شبكة نيتلفيكس نموذجا فريدا من الدراما الخيالية في الفيلم الوثائقي وهي دراما شارحة لموضوعه. فالفيلم يتحدث عن التأثير الاجتماعي السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي. وعند حديث المختصين عن التبعات النفسية والاجتماعية والسلوكية، يعرض الفيلم لمشاهد متخيلة لغرفة تحكم وكأن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أشخاص حقيقيون يراقبون حركة مستخدمي هذه التطبيقات عبر شاشات مراقبة ويوجهونه فعليا.
هذا النموذج من الأفلام متحرر من قيود الرقابة التحريرية والفنية التي عادة ما تحكم قنوات التلفزيون التي تلتزم بمواثيق مهنية صارمة تحاول جاهدة عدم الخلط بين ما هو خيالي وما هو واقعي لكونها تعرض في معظم الأحيان أخبارا وتحقيقات. إنها أقرب للممارسة الصحفية منها للسينما. ولذلك، فإن كثيرا من مخرجي الدراما الوثائقية أو الوثائقيات الدرامية يضيق بهم عالم التلفزيون ويتجهون نحو السينما. من بين هؤلاء المخرج البريطاني كين لوتش الذي ترك البي بي سي واتجه لعرض أعماله في السينما. وهذا يقودنا لفكرة أساسية تتعلق بالعلاقة بين القالب الفني ووسيلة العرض. فلا يمكن فصل تأثير التلفزيون كوسيط إعلامي منزلي في المقام الأول - مرتبط بالأخبار - عن الأنماط الفنية التي تعرض عليه. ويجب أن نضع في الاعتبار أن مفهوم الفيلم الوثائقي نفسه هو مفهوم حديث صكه المخرج الأسكتلندي جون غريرسون عام 1926. بعدها أخذ الفيلم الوثائقي أشكالا مختلفة بعد أن وفر له التلفزيون منصة هامة للانتشار. وبالتالي فإن تحور الأشكال الفنية مع تغير الزمن أو وسيلة العرض أمر قائم. وقد تؤدي هذه الأنماط الهجينة بين الدراما والوثائقي إلى قوالب فنية جديدة مستقبلا خاصة بعد أن دخلت المنصات الرقمية على خط إنتاج الفيلم الوثائقي.
المراجع
- Paget, D. (2011) No other way to tell it: docudrama on film and television. 2nd edn.
- Sterling, C. H. (ed.) (2009) Encyclopedia of Journalism. Thousand Oaks, CA: SAGE Publications. Manchester; New York; Manchester University Press (Book, Whole).
- Rosenthal, A. (1998) Why docudrama: fact-fiction on film and TV. Carbondale, Ill; London; Southern Illinois University Press (Book, Whole).