محنة الصحافة المكتوبة في السالفادور

ترجمة: فكري سوسان

 

وصل أنتونيو إرنستو مارتينيث إلى مطار "يوبانغو" بمدينة سان سلفادور، والتقى بحشد من الناس بلباس أبيض. كانوا ينتظرون، وهم متحمسون للغاية، هبوطَ الطائرة التي كانت تنقُل، من غواتيمالا إلى السلفادور، البابا يوحنا بولس الثاني؛ أعلى سلطة في الكنيسة الكاثوليكية. كان ذلك في يوم الخميس 8 شباط/فبراير 1996، وكانت أول تغطية له بصفته مصورا صحفيا -إذ ما يزال طالبا جامعيا-، ولم يكن يتوفر سوى على اختيارين: إما أن ينجح عبر تزويد الصحيفة بمادة قابلة للنشر ليبرهن على أنه يستطيع ممارسة المهنة باحترافية، وإما أن يذهب عمله أدراج الرياح مثل مبتدئ متوتر الأعصاب، وهذا ما كان يظنه البعض.

 

 

 

لكنه نجح في مهمته.

مضت 25 سنة، بين صباح ذلك الخميس ومساء يوم 14 تموز/يوليو 2021، من حياة صحفية مفعمة بالأحداث والوقائع؛ خلال تلك الفترة استطاع أن يغطي عمليات السطو على البنوك، والمواجهات المسلحة بين بائعي الأسواق والحرس البلدي، والزلازل والكوارث الطبيعية، والمظاهرات الشعبية العنيفة، وبداية الحرب بين العصابتين "باريو 18"  و"مارا سلفاتروشا (أم أس-13)" ، إضافة إلى أخبار يومية أخرى من بلد يُعَدّ من بين أعنف بلدان أمريكا اللاتينية.

كما عاش أفظع ظروف العوز والهشاشة التي أجبرته على إنجاز مشروع تجاري صغير مع زوجته لإعالة أطفاله، وترك دراسته الجامعية وتعرض للسرقة مرتين من طرف لصوص سرقوا كاميرته.

كان يقول: "لطالما أخبرت عائلتي أن الراتب سيتحسن يوما ما، لكن ذلك لم يحدث قط". وتذكر لاحقا أنه تم تسريحه مع 67 موظفا آخر بسبب إغلاق الطبعة الورقية.

"إل دياريو دي أوي" ، و"لا برينسا غرافكا"، و"دياريو  إل موندو" ، و"دياريو كو لاتينو" ، هي أكبر وأقدم أربع صحف ورقية في السلفادور، دخلت في الفترة بين 2011 و2017 في أزمة اقتصادية طويلة وعميقة على ما يبدو؛ نتيجة انخفاض إيراداتها  من مبيعات المساحات الإعلامية والنسخ في الشوارع؛ مما أدى إلى تسريح جماعي للصحفيين الأكثر أجرة وخبرة، وتدني مستوى المادة الصحفية المقدمة لقرائها. 

 ويعكس هذا المقال، الذي يستند إلى تحليل لـ 42 بيانا ماليا، أن النموذج التجاري بدأ يتقهقر بشكل بطيء ولكن دون انقطاع بين 2008 و2009، مع انخفاض معدل مبيعات المساحات الإعلانية، وفي سنة 2003 تم توسيع نطاقه ليشمل مبيعات النسخ والاشتراكات، وفي سنة 2017 صرحت أكبر شركتين عن خسائر تتراوح ما بين 600 ألف و2.6 مليون دولار، ومع بداية سنة 2020 أعلنت أصغر شركة عن نهاية الطبعة الورقية نتيجة التعثرات الاقتصادية المعتادة.

 

"إل دياريو دي أوي"

 

أسس نابليون فييرا ألتاميرانو، في أيار/مايو 1936 "إل دياريو دي أوي"، والتي تميزت منذ منشوراتها الأولى بالترويج والدفاع عن أفكار محافظة أخلاقيا ولكن ليبرالية اقتصاديا. في نهاية السبعينات من القرن العشرين، تولى إنريكي ألتاميرانو مادريز القيادة وواصل الخط الأيديولوجي الذي رسمه والده ليصبح عدوا لـ"جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني" التي حاولت قتله عدة مرات. وفي منتصف التسعينات، تم تحديث الصحيفة على مستوى التحرير، وكذا تم تعزيز أسلوبها التجاري. ويقودها حاليا فابريسيو ألتاميرانو باسيل، حفيد المؤسس ونجل إنريكي.
 

في العام 2007، أفادت الصحيفة أن إجمالي الإيرادات بلغ 43.1 مليون دولار، والذي ظل ثابتا حتى العام 2010 عندما هبط إلى 35.4 مليون دولار.  بعد حوالي 24 شهرا، أصبحت 99.99 بالمئة من الأسهم تحت سيطرة شركة "مايفير كابيتال"، وهي شركة مقرها في بنما. هذه استراتيجية متكررة بين عائلات كبار رجال الأعمال السلفادوريين لدفع ضرائب أقل على الأرباح وتجنب الضرائب الأخرى.

وفي العام 2013 بلغ مجموع إيراداتها 32.9 مليون دولار، وسجلت في السنوات التالية انخفاضا مطردا تراوح بين 1 و2 مليون دولار، إلى أن بلغت الخسائر في العام 2017 مبلغ 666 ألف دولار.

ما بين عامي 2007 و2019 انتقل إجمالي إيراداتها سنويا من 43 إلى 19 مليون دولار؛ ما يعني انخفاضا بـ 24 مليون دولار.

في العام 2007 أبلغت عن مبيعات للنسخ تقدر بمبلغ 10.2 مليون دولار، وفي السنوات الخمس التالية ظلت على حالها إلى أن بدأت في الانخفاض إلى مليون دولار في الحد الأقصى ومئة ألف دولار في الحد الأدنى ؛ ففي العام 2013، حققت 9.7 مليون دولار، إلى أن وصلت العام 2019 إلى 5.7 مليون دولار.

في 2019 و2020، طُرِدَ 31 صحفيا من "إل دياريو دي أوي"، وفقا لتقرير صادر عن جمعية صحفيي السلفادور.  وفي وقت لاحق، أعيد تشغيل بعض هؤلاء الصحفيين ولكن بأجور ضعيفة. وما تزال مناصب شغل أخرى مجمدة.

 

"لا برينسا غرافكا" 

 

في أيار/مايو/ 1915 أسس الأخوان أنطونيو وخوسيه دوتريث صحيفة "لا برينسا غرافكا"، التي، على الرغم من اعتدالها، فقد كان خط تحريرها محافظا أخلاقيا ودينيا وليبراليا اقتصاديا. وبعد توقيع اتفاقات السلام، شرعت الصحيفة في عملية تحديث استراتيجية التحرير، وعلى خطى منافسه الرئيسي "إل دياريو دي أوي"، راهن لفترة قصيرة على الصحافة الاستقصائية. 

وبين عامي 2007 و2016، تراوح إجمالي إيراداتها السنوية بين 39 مليون دولار و32 مليون دولار، غير أنه انخفض في السنوات الثلاث 2017 و2018 و2019 إلى 29.2 مليون دولار و27.2 مليون دولار و23.2 مليون دولار على التوالي.

ومن 2007 إلى 2019، انخفض إجمالي إيراداتها من 39.2 مليون دولار إلى 23.2 مليون دولار؛ أي أقل بمقدار 16 مليون دولار.

لقد سجلت الصحيفة هبوطا واضحا في إيراداتها الإشهارية/الإعلانية؛ ففي عامي 2007 و2008 كانت هذه الإيرادات تبلغ 28 مليون دولار، وفي الفترة بين عامي 2009 و2016 انخفضت من 22 مليون دولار إلى 18 مليون دولار، وبين عامي 2017 و2019، تراوحت قيمتها بين 15.6 و11.3 مليون دولار.

وبعبارة أخرى، انخفضت إيراداتها من مبيعات المساحات الإعلانية، بين عامي 2007 و2019، بمقدار النصف.

وفي العام 2017، أبلغت بالإضافة إلى ذلك عن خسائر بلغت 2.6 مليون دولار، وفي 2018 بلغت الخسائر 605 آلاف دولار، وفي 2019 بلغت 1.7 مليون دولار.

وخفَّضَت الصحيفة من مجموع عامليها؛ إذ انخفض العدد من 759 في ميزانيتها المالية للعام 2007 إلى 634 في العام 2008، وزاد إلى 636 في العام 2011. وفي العام 2018، وفقا لتقرير جمعية صحفيي السلفادور، سرّحت "لا برينسا غرافكا" 120 صحفيا، وفي العام التالي، سرحت أكثر من 20.

كانت سوسانا بينيات واحدة من الصحفيين الذين سُرِّحوا في العام 2019. وقتئذ، كان راتبها، في فئة المحرر المساعد، 700 دولار. تقول بينيات في حديث مع "مجلة الصحافة: "لم يكن لديهم أي مال، وقالوا إنهم سيقلصون من عدد العاملين". بعد رحيلها، تم التعاقد مع صحفي جديد في منصب المحرر الرئيسي يوكل إليه القيام بنفس المهام اليومية؛ إذ يبدأ عادة في الثامنة صباحا وينتهي بين العاشرة والحادية عشرة ليلا، ولكن براتب شهري يقل عن 500 دولار!

وأوضحت: "كانوا بحاجة إلى تشغيل عاملين برواتب منخفضة؛ لأنه من المفترض أن راتبي كان عاليا".

LPG

 

"دياريو إل موندو" 

 

في شباط/فبراير 1967، أسس خوان خوسيه بورخا ناثان "دياريو إل موندو"، وخطها الأيديولوجي كان محافظا، كما أن مالكيها؛ من مثل أسرتي ألتاميرانو ودوتريث، دعموا بقوة الأحزابَ اليمينية بشكل علني؛ من مثل حزب "التحالف القومي الجمهوري" (الذي حكم البلد لمدة 20 عاما)، كما نسجوا علاقات تجارية مع أغنى رجال الأعمال في البلد؛ من مثل أسرة بوما، التي تمتلك مراكز تجارية، وشركات البناء والفنادق في أمريكا الوسطى وبنما وكولومبيا ودومينيكان.

بدأت بصفتها جريدة مسائية، ثم في  حزيران/يونيو، 2004 أصبحت جريدة صباحية، ويديرها خوان خوسيه بورخا بابيني.

والمبيعات اليومية للنسخ هو القطاع الذي أثر بقوة على إيرادات "إل موندو"؛ التي انخفضت من 541- 746 دولارا في العام 2007 إلى 220- 359 دولارا في العام 2019؛ أي أقل من 321 ألف دولار. 

 

ووتيرة الانخفاض كانت عاما بعد عام بطيئة وتدريجية؛ إذ انتقلت الإيرادات من 470 ألف دولار في العام 2009 إلى 388 ألف دولار في العام 2011، ومن 355 ألف دولار في العام 2014 إلى 281 ألف دولار في العام 2016.

وفي 2019، أبلغت للخزينة السلفادورية عن خسائر بمبلغ 177.994 دولارا.

بيد أن هذه هي السنة الوحيدة التي تكبدت فيها خسائر. وفي العقد الماضي لم يتغير حجم إيراداتها إلا قليلا.

وفي العام 2019، سجلت جمعية صحفيي السلفادور (APES) حالات فصل أربعة صحفيين من "إل موندو".

DEM

 

"كو لاتينو" 

 

أسس ميغيل بينتو صحيفة "سيغلو بينتي" في تشرين الثاني/نوفمبر 1890، ولكن بعد بضعة عقود قرر إعادة تسميتها باسم "إل لاتينوأمريكانو".  في ثمانينيات القرن العشرين تولى ابنه ميغيل بينتو الإدارة وباع الشركة إلى "كوربوراسيون أش"، وهي الشركة التي مولت الحزب الديمقراطي المسيحي (PDC). وفي العام 1989، أُعلِن عن إفلاس "دياريو لاتينو" وتخلى الملاك الجدد عنه، لكن العاملين، الذين لم يتلقوا رواتبهم، احتفظوا بأموالهم الخاصة لتوزيع وبيع النسخ، وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1992، تحولت إلى ملكية الجمعية التعاونية للعاملين التابعة لـ"دياريو لاتينو" أو "كو لاتينو".

في فترة إدارة أسرة بينتو، كان الخط التحريري للصحيفة محافظا، على غرار صحيفة "إل دياريو دي أوي"، و"لا برينسا غرافكا"، و"دياريو إل موندو". ولكن حين أسندت مهمة إدارة الصحيفة للجمعية التعاونية، صار الخط التحريري مواليا للتيار اليساري الذي تسيطر عليه "جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني"؛ حتى إن فرانثيسكو إلياس فالنسيا، مديرها الجديد، كان مناضلا سريا لحركات المتمردين في سنوات الحرب الأهلية، وخلال رئاستي موريسيو فونيس وسلفادور سانشيث ثرن ، ثم عمل مستشارا في الأكاديمية الوطنية للأمن العام (ANSP)؛ المؤسسة الحكومية المسؤولة عن تدريب ضباط الشرطة الجدد.

 

وبين الأعوام 2008 - 2010، كان هناك إيرادات تزيد على 630 ألف دولار من مبيعات المساحات الإعلانية. في السنوات التالية تراوح هذا البند بين زيادات تصل إلى 730 ألف دولار، وانخفض إلى 590 ألف دولار سنويا، حتى 2019 عندما كان 355 ألف دولار.

وبعبارة أخرى، انخفضت إيراداتها الرئيسة من 633 ألف دولار في العام 2009 إلى 355 ألف دولار في العام 2019.

وفيما يخص مبيعات النسخ والاشتراكات، انتقلت من 183.216 دولارا في العام 2009 إلى 78 ألف دولار في العام 2019. بالجملة، انخفضت مبيعات النسخ من 732 إلى 312 ألف سنويا.

في هذه الفترة، كان لدى "إيكو لاتينو"، على خلاف "إل دياريو دي أوي" و"لابرينيا غرافكا" و"دياريو إل موندو"، مداخيل إضافية صغيرة -85 ألف دولار في عام 2009- بفضل مبيعات نسخها التاريخية.

وبالإضافة إلى ذلك، سجلت في ميزانيتها نحو 935 ألف دولار من الإيرادات المتأتية من الهبات.

خلال الإحدى عشرة سنة الأخيرة، عاشت "كو لاتينو" أزمة دائمة. على سبيل المثال: كان لزاما عليها أن تناشد الإحسان العمومي حين نفد منها المال لشراء الورق لطباعة -مادتها الخام ــ، وفي التاسع والعشرين من /يونيو 2016، أهدت لها صحيفة "لا برينصا غرافكا" 27 بكرة ورق تقدر قيمتها بعدة آلاف من الدولارات.

في  تشرين الأول/أكتوبر 2019، أصدرت "كو لاتينو" بيانا اعترفت فيه بأنها تأخرت ثلاثة أشهر في دفع أقساط الضمان الاجتماعي لعمالها. وفي شبكات التواصل الاجتماعي، رد الرئيس نجيب أبو كيلة بأن عائلته ستتبرع بالمال لسداد ذلك الدين، لكنه لم يفعل ذلك قط.

وفي أيار/مايو 2021، توقفت الصحيفة عن طباعة نسختها الورقية؛ لأن "الوباء فاجأنا بخلو حسابنا البنكي إلا دريهمات، وعلينا ديون كبيرة"، كما جاء في نص البيان. وتعمل حاليا بصيغة رقمية مع تخفيض مجموع عدد عمالها وانخفاض رواتب صحفييها إلى أقل من 160 دولارا في الشهر. في 30 تموز/يوليو، بِيعت معدات الطباعة – كخردة – بمبلغ 4.800 دولار، والتي اشترتها في 1994 بـ 30 آلاف دولار. وما تزال بناية مقرها، التي تُقدر قيمتها بحوالي 400 ألف دولار، معروضة للبيع.

وبرر فالنسيا أن كو لاتينو لم تنمُ قط لأن خصومها السياسيين، مناضلي حزب "التحالف القومي الجمهوري" (أرينا)، كانوا دائما يناورون حتى لا تستفيد الصحيفة من عقود إعلانية من شركات وطنية أو دولية. واعترف بأنه لما كانت الجبهة في الحكم، فإن هذا القطاع تحسن، ولكنه لم يتحسن إلا قليلا؛ لأن من أجل الوصول إلى نقطة التوازن، فإنه يحتاج إلى دخل شهري قدره 60 ألف دولار، وهو دخل نادرا ما يتحقق.

قال فالينسا: "لا أستطيع أن أدفع أي شيء، ولا أستطيع أن أدفع ثمن شبكات التواصل الاجتماعي من لا شيء، ولا أستطيع أن أدفع ثمن الهواتف، وكل ما يستلزم صحيفة رقمية؛ أنا بحاجة إلى مداخيل لم أتوفر عليها...نعم، نحن على وشك الاختفاء" مضيفا أن البلد يفقد كل يوم التعددية بينما تزيد في الوقت نفسه سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام.

لقد اتفق ثصار كاسترو فاغواغا، رئيس محلف لجمعية الصحفيين في السلفادور (APES) في 31 تموز/يوليو 2021، مع فالنسيا حول هذه النقطة: النموذج التجاري للصحافة الورقية، المدعوم منذ عشرين عاما أساسا بمبيعات المساحات الإعلانية التي كانت مدعومة بدورها، دخل في دائرة من الاضمحلال؛ بسبب بروز فضاءات لامركزية وارتفاع نسبة استهلاك شبكات التواصل الاجتماعي.  

أشارت دراسة 2019 A.C: "هذه هي الطريقة التي استهلكنا بها وسائل الإعلام في السلفادور قبل كوفيد-19"، والتي نشرتها مدرسة الاتصال مونيكا إيريرا وجامعة خوسيه سيمون كانياس لأمريكا الوسطى وأكاديمية دويتشه فيله والتعاون الألماني، إلى أن واتساب وفيسبوك ويوتيوب وإنستغرام وتويتر هي أكثر الشبكات الاجتماعية التي يصل إليها السلفادوريون الذين يخصصون لها ما بين ساعة وأربع ساعات يوميا؛ إذ يفضلون تلك المنصات على قنوات التلفزيون المفتوحة، أو عبر الكابل والخدمات الترفيهية المستمرة مثل نتفليكس أو إتش بي أو. 

وأظهرت الأبحاث التي أجريت باستخدام أساليب مختلطة، أن أغلب المواطنين الذين شملهم الاستطلاع (1586) استخدموا كل شبكة تواصل اجتماعي وفقا لاهتمامهم؛ البحث عن الأخبار والمعلومات على تويتر، أو الترفيه، أو البحث عن اتصالات جديدة على فيسبوك، إلخ. وهذا قد يفسر استراتيجية التواصل التي ينتهجها الرئيس نجيب أبو كيلة، الذي برز منذ بداية ولايته باستخدام هذه المساحات لإعطاء أوامر شبه عسكرية لوزرائه، أو لإعلان قرارات حكومية، أو فصل المسؤولين، أو كما حدث عندما التقط صورة سيلفي من منبر الأمم المتحدة في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2019.

لا يمكن أن نخفي حقيقة أن مالكي الصحف المطبوعة ورؤساء تحريرها رهنوا نواياهم بالحكومات المتعاقبة بتلقي الرشاوى والفوز بعقود بيع المساحات الإعلانية. في  آب/ أغسطس 2018، نشر فارو. نت تحقيقا ذكر فيه أن صحفيين تلقوا ما بين 4000 و6000 دولار شهريا للحفاظ على تغطية صحفية لصالح رئاسة كارلوس موريسيو فونيس كارتاخينا بين سنتي 2009 و2014. الأول كان مدير تحرير "لا برينصا غرافكا" والثاني عمل في القناة 33. في تموز/يوليو 2021، أكد إلياس أنطونيو ساكا غونزاليس ، رئيس السلفادور من 2004 إلى 2009، في جلسة استماع في المجلس التشريعي، أن حكومته حافظت على "علاقات جيدة للغاية" مع الصحفيين في الصحف المؤثرة الكبرى المذكورة سلفا.

كما صرح رئيس جمعية صحفيي السلفادور (APES) أن "هناك العديد من وسائل الإعلام كانت في مرحلة ما على علاقة مع السلطة المتعاقبة".

ولكن وفقا لفاغواغا، هناك شيء يتعين على الدولة توزيعه بشكل منصف، بصرف النظر عما إذا كانت صحافة ورقية أو رقمية، أو تلفزيونية، أو إذاعات وطنية أو مجتمعية؛ وهو أسعار الإعلانات الرسمية الحكومية، غير أنه استُخدِم حتى يومنا هذا كجائزة أو كعقوبة، حسب إعلانات وسائل الإعلام. وأشار إلى أن أبو كيلة توقف عن دفع تلك الرسوم لــ"إل دياريو دي أوي" بعد أن نشرت الصحيفة كيف منعت الحكومة الصحفيين التابعين لـ"الفارو" و "ريفيستا فاكتوم" من تغطية افتتاح "اللجنة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب في السلفادور"، وبالتالي فإن "أسعار الإعلانات الرسمية يحتاج إلى تقنين ويجب تسليمه بطريقة ديمقراطية".

خلال السنوات الثماني الماضية، دعت جمعية صحفيي السلفادور الحكومات المتعاقبة إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على تلك الأسعار، وإنشاء نظام إعلامي عمومي مستقل عن السلطات الرسمية، على غرار نماذج بي بي سي في المملكة المتحدة أو دويتشه فيله في ألمانيا. ولكن لم يكن هناك أي رد حتى الآن.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، عرضت جمعية صحفيي السلفادور على المجلس التشريعي مسودة مشروع "قانون خاص للحماية الشاملة للصحفيين ومسؤولي التواصل والعمال ذوي الصلة بالاتصال"، والذي بدأت مناقشته في نهاية العام 2019. ولكن عندما باشر النواب الجدد عملهم في أيار/مايو 2021 -أغلبيتهم ينتمون إلى حزب "نويباص إيديايس"، (حزب الرئيس) أوقفوا تنفيذ المشروع.

وما لم يكن هناك نموذج جديد للتمويل يستجيب للمصلحة العامة ومصالح القراء، ويكون فوق المصالح المؤقتة للحكومات المتعاقبة والمصالح الدائمة للقوى الاقتصادية، فإن الصحف سوف تستمر في مشوارها.

المزيد من المقالات

الصحافة الرقمية في السودان والبدايات المتعثرة

ما تزال الصحافة الرقمية في السودان تقاوم من أجل أن تجد لنفسها موطئ قدم أمام استفحال أزمة الصحافة الورقية. وفي سياق سياسي مضطرب، يحتاج البلد إلى صحافة قوية تسائل السلطة، لكن معوقات كثيرة تواجه التحول الرقمي يختصرها سيف الدين البشير في هذا المقال.

سيف الدين البشير أحمد نشرت في: 30 نوفمبر, 2021
النساء في غرف الأخبار التونسية.. تمثيلية دون تأثير

رغم أن أكثر من نصف الجسم الصحفي التونسي نساء إلا أن حضورهن في غرف الأخبار لا يؤثر على القرار التحريري لأسباب مختلفة تشرحها الصحفية أسماء البكوش في مقال: النساء في غرف الأخبار التونسية.. تمثيلية دون تأثير

أسماء البكوش نشرت في: 31 أكتوبر, 2021
كيف تدعم معلومات الصحفي القانونية دقة تغطية قضايا اللجوء؟

يؤدي غياب الثقافة القانونية لدى الصحفيين إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء المهنية والأخلاقية في تغطية قضايا اللجوء. هذه أبرز الإرشادات لضمان تغطية متوازنة مسنودة بثقافة قانونية.

آلاء الرشيد نشرت في: 26 أكتوبر, 2021
الإعلام المقدسي الذي هدم سردية الاحتلال

رغم حملة الاعتقالات والتضييق التي قادتها سلطات الاحتلال، ورغم الحصار الذي فرضته منصات التواصل الاجتماعي على المحتوى الفلسطيني، فإن الإعلام المقدسي استطاع أن يقوض السردية الإسرائيلية مقدما صورة حقيقية لأثر العدوان على حياة الناس.

هدى أبو هاشم نشرت في: 12 أكتوبر, 2021
قراءة في أداء الصحافة المغربية في الانتخابات البرلمانية 2021

جرت الانتخابات البرلمانية المغربية في أجواء موسومة بانتشار فيروس كوفيد-19 وفي ظرفية تراجع فيه دور الصحافة المستقلة في مراقبة الفاعلين السياسيين. ووسط انهيار مسبوق في مبيعات الصحف، انتعشت الأخبار المزيفة والتضليل الإعلامي دون أن تكون ثمة آليات للتحقق.

محمد مستعد نشرت في: 3 أكتوبر, 2021
الإمبراطوريات الإعلامية.. الصحافة تحت رحمة رجال الأعمال

التعددية الإعلامية مطلب ديمقراطي لفتح الفضاء السياسي، وإملاء اقتصادي تفرضه حكامة النظام الرأسمالي.

نزار الفراوي نشرت في: 26 سبتمبر, 2021
تعليم الصحافة في جنوب السودان.. ولادة عسيرة

عقد كامل مر على تأسيس دولة جنوب السودان، ومن الطبيعي أن يكون الاهتمام بتدريس الصحافة ما يزال في مراحله الأولى. ورغم إنشاء كلية للصحافة مستقلة عن التخصصات الأدبية، فإن غياب الوسائل وعتاقة المناهج وضعف عدد الأساتذة تشكل تحديات تعوق التجربة الفتية.

ملوال دينق نشرت في: 14 سبتمبر, 2021
المعايير الأخلاقية لمقاطعة وسائل الإعلام للسياسيين

دعت نقابة الصحفيين التونسيين في وقت سابقا إلى مقاطعة حزب ائتلاف الكرامة بمبرر " نشر خطابات الكراهية والتحريض على العنف واستهداف الصحفيين"، ليعود النقاش الجديد/ القديم إلى الواجهة: هل قرار "المقاطعة" مقبول من زاوية أخلاق المهنة؟ ألا يشكل انتهاكا لحق المواطنين في الحصول على المعلومات؟ ولماذا لا تلجأ وسائل الإعلام إلى تدقيق المعطيات السياسية بدل خيار "المقاطعة"؟

أروى الكعلي نشرت في: 12 سبتمبر, 2021
آليات التنظيم الذاتي للصحفيين.. حماية للمهنة أم للسلطة؟

هل يمكن أن تنجح آليات التنظيم الذاتي للصحفيين في البلدان التي تعيش "اضطرابات" ديمقراطية، أو التي توجد في طريق التحول الديمقراطي؟ بعض التجارب أثبتت أن مجالس الصحافة التي أسست لحماية حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة تحولت إلى أداة إما في يد السلطة أو القضاء لمعاقبة الصحفيين المزعجين.

محمد أحداد نشرت في: 8 سبتمبر, 2021
العدوان على غزة.. القصص الإنسانية التي لم ترو بعد

خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، كان الصحفيون مشغولين بالتغطية الآنية للأحداث، وأمام شدة القصف لم يكن سهلا "العثور" على القصة الإنسانية التي يمكن أن تستثير التعاطف أو تحدث التأثير.

محمد أبو قمر  نشرت في: 7 سبتمبر, 2021
"الصحافة آكلة الجيف" في المكسيك

يتجرد الصحفي من تحيزاته المسبقة لكنه لا يتجرد من إنسانيته عند تغطية قضايا تستوجب منه التعاطف مع الضحايا. ورغم ذلك يتجاوز البعض أخلاقيات المهنة، بقصد أو بغير قصد، لاهثا وراء السبق والإثارة، ومتجاهلا الجريمة التي يقترفها بحق الضحايا والمهنة.

نوا زافاليتا نشرت في: 6 سبتمبر, 2021
"رواد الصحافة العمانية".. كتاب للماضي وللحاضر

"رواد الصحافة العمانية" كتاب يؤرخ لمسار الصحافة في عمان، تطوراتها، انكساراتها، وشخصياتها الكبرى التي ساهمت في بناء التجربة الإعلامية خاصة فيما يرتبط بنشر التنوير وقيم الحرية.

سمية اليعقوبي نشرت في: 5 سبتمبر, 2021
"ليلة سعيدة، وحظ طيب".. فيلم ضد الضحالة التلفزيونية

إنه عصر الدعاية والترفيه وتلفيق الحقائق، هذه هي خلاصة فيلم "ليلة سعيدة حظ طيب" لجورج كلوني. الفيلم يجسد قصة صراع بين صحفيين تلفزيونيين: فريق يؤمن بالحقيقة وباحترام الجمهور وفريق ثاني يؤمن بييع الضمائر والكذب العلني مستندا إلى حملة أيديولوجية قادها سيناتور لاستئصال الشيوعيين.

شفيق طبارة نشرت في: 31 أغسطس, 2021
بطالة خريجي الصحافة في فلسطين.. "جيش من العاطلين"

تشير الإحصائيات أن 46 بالمئة من خريجي كليات الصحافة في فلسطين يعانون من البطالة.

لندا شلش نشرت في: 29 أغسطس, 2021
من بغداد إلى بيروت.. رحلة صحفيين من مراقبة السلطة إلى البحث عن الكهرباء

كيف يطلب من الصحفيين في الكثير من البلدان العربية ممارسة أدوارهم وهم ليسوا قادرين على توفير الحد الأدنى من الكهرباء والإنترنت. "أقضي معظم يومي عند محطات البنزين لأعبّئ سيارتي والذي أفكر فيه هو كيف أستطيع تأمين قوت اليوم لعائلتي، لقد استحوذت هذه الهموم على حياة الصحفي" هكذا يختصر صحفي لبناني "قسوة" الظروف التي يواجهها جزء كبير من الصحفيين.

آمنة الأشقر نشرت في: 24 أغسطس, 2021
سقوط كابل بعين من شاهد ونقل.. دروس مراسل ميداني

منذ اللحظات الأولى لإعلان حركة "طالبان" السيطرة على معظم الولايات الأفغانية كان الزميل يونس آيت ياسين، مراسل الجزيرة بكابل، يوفر تغطية متواصلة مسنودة بالمعطيات الميدانية. وعندما أعلنت الحركة عن سقوط العاصمة كان من القلائل الذين واكبوا الحدث الصحفي الأبرز. في هذه الشهادة، يوثق آيت ياسين أهم الدروس الصحفية لتغطية الشأن الأفغاني.

يونس آيت ياسين نشرت في: 22 أغسطس, 2021
غرف صدى الصوت.. الاستبداد الجديد للخوارزميات

عادة من ينبهر الصحفيون بالتعليقات الممجدة لمقالاتهم أو المحتفية بمحتوى وسائل الإعلام دون أن يعلموا أن وسائل التواصل الاجتماعي طورت نوعا جديدا من الخوارزميات يطلق عليه "غرف صدى الصوت" التي لا تسمح بوصول المحتوى إلى الجمهور المختلف.

كريم درويش نشرت في: 17 أغسطس, 2021
"إحنا القصص".. مشروع فلسطيني للسرد الصّحفي الرّقمي التّفاعلي

"إحنا القصص" رؤية سردية جديدة للصحافة الفلسطينية انبثقت عن مساق "صحافة البيانات وتحليل مواقع التّواصل" في برنامج ماجستير الإعلام الرّقميّ والاتّصال في جامعة القدس. بعيدا عن السياسة وعن السرد التقليدي القائم على "فرجة أكثر ومعلومات أقل"، يتبنى المشروع قصص الطلبة الأصيلة.

سعيد أبو معلا نشرت في: 15 أغسطس, 2021
الصّحافة الرقميّة في موريتانيا.. البدايات الصعبة

ما تزال الصحافة الرقمية تتلمس خطواتها الأولى نحو الاحتراف بموريتانيا. وإذا كانت منصات التواصل الاجتماعي قد أتاحت هامشا للحرية، فإن إشكاليات التدريب على المهارات الجديدة يواجه التجربة الفتية.

أحمد سيدي نشرت في: 11 أغسطس, 2021
ونستون تشرشل.. من غرف الأخبار إلى دهاليز السياسة

ساهمت مسيرة الصحافة في تشكيل شخصية ووعي رئيس الوزراء الأشهر في تاريخ بريطانيا ونستون تشرشل. أن تفهم شخصية تشرشل السياسي لابد أن تتعقب رحلته الصحفية التي قادته لدول كثيرة كمراسل حربي. هذه قراءة في كتاب يتعقب أهم لحظاته من غرف الأخبار إلى المجد السياسي.

عثمان كباشي نشرت في: 1 أغسطس, 2021
التنظيم الذاتي للصحفيين في تونس.. دفاعا عن الحرية

بعد الثورة التي أسقطت نظام بنعلي، احتلت تونس المرتبة الأولى عربيا في مؤشر حرية التعبير، لكن ما يجري اليوم أمام تركيز السلطات في يد الرئيس قيس سعيد، يؤشر على حالة من التراجع على مستوى الحريات. ما هو دور آليات التنظيم الذاتي في حماية المعايير الأخلاقية والمهنية في ظل حالة الاستقطاب الحادة؟

محمد اليوسفي نشرت في: 28 يوليو, 2021
دي فريس.. شهيد الصحافة الاستقصائية

كان أشهر صحفي استقصائي في مجال الجريمة المنظمة. حقق في جرائم أخفقت فيها الشرطة، ناصر المظلومين الذين لفظتهم المحاكم بسبب "عدم كفاية الأدلة"، وواجه عصابات تجارة المخدرات. كان مدافعا شرسا عن المهاجرين وواجه بسبب ذلك اتهامات عنصرية. إنه بيتر ر. دي فريس، الصحفي الهولندي الذي اغتيل دفاعا عن الحقيقة.

محمد أمزيان نشرت في: 26 يوليو, 2021
التقنية في مواجهة تفشي الأخبار الكاذبة.. وكالة "سند" نموذجًا

من وحدة متخصصة بالتحقق من الأخبار الواردة من اليمن وسوريا، إلى وكالة شاملة ستقدّم خدماتها للمجتمع الصحفي العربي بأكمله قريبا.. هذه قصة وكالة "سند" من الجزيرة إلى العالم.

ملاك خليل نشرت في: 12 يوليو, 2021