أوليفييه كوش، أستاذ محاضر في جامعة السوربون باريس الشمالية، وباحث في مجالات الصحافة والمصادر المفتوحة للمعلومة، وتسييل البيانات وآليات التنبؤ، بالإضافة إلى التواصل في زمن الحرب.
- يمكن أن تعطينا نظرة عامة عن أبحاثك بخصوص تأثيرات الذكاء الاصطناعي التوليدي على الصحافة، ما أهدافها، وما المنهجية التي تتبعونها والافتراضات التي تحاولون إثباتها؟
في هذه الدراسة انطلقت من طرح سؤال، ربما يطرحه العديد من الباحثين والباحثات الآخرين الذين يشتغلون على ما نسميه "مُجَمِّعات الأخبار"، مثل Yahoo News وGoogle Actualités، التي تعد منصّات أساسية في الوصول إلى الخبر الصّحفي؛ إذ نعلم أن 60% من الفرنسيين يصلون إلى المواقع الإخبارية عبر المرور بهذه المُجمِّعات، هكذا أصبحت وسيطاً ضرورياً في عملية إيصال الخبر. وبالتالي تساؤلي يأتي في سياق هذا الاهتمام البحثي، وهو كيف يختار الذكاء الاصطناعي التوليدي مصادره عندما تسأله بشأن الأخبار اليومية؟
لماذا طرحت هذا السؤال؟ لأنه على عكس Yahoo News أو Google Actualité أو Google Overview، لا يعطينا الـ Chat GPT أي معلومة عن طريقة انتقاء مصادر الأخبار. وهو ما يعني أنه- حتى الآن - ليس لدى وسائل الإعلام الإخبارية أي إمكانية لتكييف إستراتيجيتها التحريرية وفقًا لمعايير الانتقاء هذه. إذن، لماذا من المهم جدًا معرفة هذه المعايير؟ ببساطة لكي تتمكّن من الظهور في نتائج البحث لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وللإجابة عن هذه التساؤلات أجريت تجربة صغيرة على شات جي بي تي ؛ حيث، وعلى مدى شهرين، كنتُ يوميا أطرح سؤال: ماذا حدث في غزة أمس؟ وهو ما كان يجيبني عنه بملخصات مقتضبة للأحداث، مرفقة بالمصادر التي اعتمد عليها لصياغتها. إذن، بعد اختيار هذه المصادر، قمتُ بجمعها وتحليلها محاولا أن أرى أيّ وسيلة إعلام كانت تظهر أكثر من غيرها، وهل كانت هناك وسائل إعلام تتكرر بشكل أكبر، أو مصادر يُوصى بها بشكل متكرر؟ وبالتالي تكون - بطريقة ما - مُفضَّلة في نظام التوصية؟ وهل كانت لهذه الوسائل الإعلامية أصول جغرافية معيّنة أم أخرى؟ علما أن شات جي بي تي، بما أنه متصل بالإنترنت، له إمكانية الولوج واستقاء الخبر من كل وسائل الإعلام الرقمية حول العالم. وأخيرًا، تساءلتُ عمّا إذا كان لذلك تأثير على الصناعات الإعلامية الوطنية.
للتلخيص، فإن أبحاثي تهدف - في محاولة فهمٍ أفضل في ظل غياب وثائق رسمية صادرة من OpenAI - إلى كيفية قيام شات جي بي تي باختيار المصادر عندما نطرح عليه أسئلة تتعلق بالأخبار اليومية والأحداث الراهنة.
حتى الآن ليس لدى وسائل الإعلام الإخبارية أي إمكانية لتكييف إستراتيجيتها التحريرية وفقًا لمعايير الانتقاء لدى شركات الذكاء الاصطناعي. إذن، لماذا من المهم جدًا معرفة هذه المعايير؟ ببساطة لكي تتمكّن من الظهور في نتائج البحث لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- سأطرح عليكم سؤال مباشرا، ودعوني أقتبس عنوان مقالكم الأخير على مجلة "La revue des médias"، كيف يختار شات جي بي تي مصادر الخبر؟
لحد الآن لا توجد دراسات كثيرة، وسأقول بالأحرى ما أعرفه أنا انطلاقًا من الدراسة الصغيرة التي أجريتها. لكن مرة أخرى، هي دراسة تتعلق بالأخبار الدولية وبحروب جارية، وما فاجأني، هو أنه: أولًا، عندما ينتقي شات جي بي تي المصادر، فهي ليست بالضرورة مصادر إعلامية. فإذا ذهبتم إلى Google Actualités أو إلى Yahoo News مثلًا، وأجريتم عمليّة بحث مدقق عما يجري في غزة، ستحصلون على ما بين 60 وأحيانًا 130 مقالًا يتحدث عن غزة، وكلها مقالات صحفية. بالمقابل، ومن بين العشرة مصادر التي يقدمها شات جي بي تي لا يقترح سوى عشرة مصادر فقط، مقارنةً بالنطاق الذي قد يصل لـ 130 عند Google Actualités — ليست كلها مصادر صحفية، بل توجد أيضا مواقع حكومية رسمية ومراكز دراسات إستراتيجية وغيرها…
هذه ملاحظة مهمة؛ أنه بالنسبة للمهتمين بالأخبار الدولية، لا تقتصر اقتراحات شات جي بي تي فقط على المصادر الصحفية. إذن ما هي النتيجة؟ إذا قارنّا ذلك بـ Google Actualités، نجد أن هذه المنصة تمنح فرصة لمجموعة واسعة من وسائل الإعلام لكي تُقرأ أو يُطَّلع عليها. وإذا زادت نسبة الاطلاع عليها، فإن ذلك يولّد حركة مرور (traffic)، وبما أن الإعلانات مرتبطة بحجم الزيارات، فإن هذا يساهم في دعم الاقتصاد، أي الرئة الاقتصادية لوسائل الإعلام الوطنية.
بالتالي، فإن أول ملاحظة هي أننا نرى أن جزءًا من المصادر ليس وسائل إعلام أصلًا. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن قابلية الاكتشاف، أي إمكانية اكتشاف وسائل إعلام جديدة، تصبح محدودة مع هذا النوع من الأدوات.
الملاحظة الثانية هي أننا إذا ركزنا فقط على المصادر الإعلامية، ونظرنا إلى الوسائل التي يُحال إليها بشكل متكرر من قبل شات جي بي تي نجد أنها في الأساس وسائل إعلام تابعة لمجموعات إعلامية كبرى. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بغزة، اندهشت كثيرًا لغياب وسائل إعلام مستقلة مثل Orient XXI في فرنسا التي تتناول هذه القضايا بعمق، كما أن موضوعات من لوموند ديبلوماتيك لم تظهر إطلاقًا. في المقابل، تظهر أساسًا وسائل إعلام مملوكة لمجموعات كبرى. ومن هذه الزاوية، يوجد نوع من التجانس مع ما يحدث في الأخبار عمومًا، إذ لدينا دراسات منذ عقد 2010 تُظهر أن Yahoo News وGoogle Actualités يظهران بشكل أكبر وسائل إعلام تابعة لمجموعات كبرى، ولدينا تفسير لذلك؛ فوسائل الإعلام التابعة للمجموعات الكبرى تملك الموارد التي تمكّنها من تنظيم إنتاجها بما يلبّي معايير Google Actualités، مثل النشر المكثف، والتفاعل السريع مع الأخبار، والاستجابة المتواصلة للأحداث الجارية، وهي معايير تأخذها هذه المُجمِّعات بعين الحسبان.
فيما يتعلق بغزة، اندهشت كثيرًا لغياب وسائل إعلام مستقلة مثل Orient XXI في فرنسا التي تتناول هذه القضايا بعمق، كما أن موضوعات من لوموند ديبلوماتيك لم تظهر إطلاقًا. في المقابل، تظهر أساسًا وسائل إعلام مملوكة لمجموعات كبرى
إذن، الملاحظة الثانية هي أننا نرى وجودًا ضئيلًا جدًا - إن لم يكن منعدمًا- للصحافة المستقلة كمصادر للأخبار الدولية، وأن الغلبة لوسائل الإعلام التابعة لمجموعات كبرى. ويمكن القول إن هذا لا يقلل فقط من قابلية اكتشاف وسائل الإعلام، بل يحد أيضًا من التعددية الإعلامية، وهو ما أعدّه عاملًا مُفاقمًا للمشكلة.
أما النقطة الثالثة — وربما كانت الأكثر إثارة لدهشتي — فهي أنه عند النظر إلى المصادر المُوصى بها - سواء كانت إعلامية أو غير إعلامية- نجد عددًا كبيرًا من المصادر الأنغلوسكسونية، ولا سيما الناطقة بالإنجليزية، وكثيرًا من المصادر الأمريكية تحديدًا. ونجد أيضًا حضورًا قويًا لوسائل الإعلام الأمريكية الكبرى أو وكالات الأنباء الأنغلو-أمريكية. هذا الاستنتاج مثير للتساؤل: مثلا شخص في فرنسا يطرح سؤالًا على شات جي بي تي حول ما يحدث في أوكرانيا أو غزة، فتُقترح عليه مصادر أنغلوسكسونية، رغم أن شات جي بي تي يُفترض أنه متصل بمصادر عالمية وقادر على الترجمة شبه الفورية. لذلك يمكن القول — باستخدام مصطلحات قد تبدو قديمة — إن ذلك قد يعزز شكلًا من الإمبريالية الثقافية الأنغلوسكسونية أو ما يشبه الإقطاع الرقمي.
وقد فوجئت أيضًا بالمكانة التي تحتلها شبكة الجزيرة؛ فهي تُذكر كثيرًا فيما يتعلق بأوكرانيا وغزة. وقد يبدو هذا مفاجئًا، إذ يمكن القول إن الإحالة تتم غالبًا إلى نسختها الإنجليزية، وليس العربية — وهذا أمر مهم — وليس إلى نسخها متعددة اللغات الأخرى. وهنا يبرز سؤال: لماذا لا تتم الإحالة إلى وسائل إعلام عربية أخرى عابرة للحدود بالقدر نفسه؟ ولماذا يظهر حضورها محدودًا إلى هذا الحد؟ لا أملك تفسيرًا حاسمًا، بل مجرد ملاحظة مستمدة من دراسة صغيرة ومحدودة تحتاج إلى تعميم أوسع. ومع ذلك، يبدو أن وسائل الإعلام العابرة للحدود، وخاصة الأنغلوسكسونية الكبرى، هي المهيمنة في التوصيات. وهذه، إذن، هي النتائج الثلاث التي تبدو الأكثر إثارة للاهتمام في هذا البحث، وتستحق المزيد من التعمق والدراسة.
مثلا شخص في فرنسا يطرح سؤالًا على شات جي بي تي حول ما يحدث في أوكرانيا أو غزة، فتُقترح عليه مصادر أنغلوسكسونية، رغم أن شات جي بي تي يُفترض أنه متصل بمصادر عالمية وقادر على الترجمة شبه الفورية. لذلك يمكن القول — باستخدام مصطلحات قد تبدو قديمة — إن ذلك قد يعزز شكلًا من الإمبريالية الثقافية الأنغلوسكسونية أو ما يشبه الإقطاع الرقمي.
مع ظهور محركات البحث، فُرضت أشكال تحريرية خاصة بالكتابة الصحفية على الويب، حيث أصبحت المقالات تُصاغ بما يتوافق مع خوارزميات هذه المحركات، فتزداد فرص ظهورها وانتشارها. فهل يفرض الذكاء الاصطناعي بدوره أشكالًا تحريرية جديدة؟ وما أبرز سمات هذه الأشكال؟
بالفعل رأينا أن قوة الوساطة التي تمارسها المنصات الكبرى، وقوة توصية المقالات أو وسائل الإعلام لمستخدمي هذه المنصات، لها تأثير في طريقة إنتاج المعلومات، ولا سيما على وتيرة الإنتاج، وكذلك على السرد الصحفي نفسه. نعلم مثلاً أنه داخل المؤسسات الإعلامية التي تضم متخصصين في تحسين محركات البحث (SEO)، تُقترح عناوين معيّنة على الصحفيين، كما تُقترح كلمات محددة بهدف تحسين الظهور في نتائج البحث، حتى تزيد فرص ظهور مقالاتهم في مراتب متقدمة ضمن نتائج المنصات.
كما نعلم أيضاً أن هذه الوساطة أثّرت في الأشكال الصحفية، خاصة صيغ الفيديو. فقد قامت صحف كبرى بإنشاء وحدات لإنتاج فيديوهات عمودية قصيرة، مع اعتماد مقاييس للأداء ونسب المشاهدة. بل وصل الأمر إلى قياس اللحظة التي يتوقف فيها المستخدم عن مشاهدة الفيديو، وبناءً على هذه البيانات تُعاد تهيئة الإنتاج الصحفي وإعادة ضبطه. ونعلم كذلك أن بعض المنصات فرضت - فعلاً - معايير وقواعد إنتاج، ما ساهم في عولمة صناعة الأخبار، وفي تشكيل معلومات مصوغة أو على الأقل مُمَنهجة وفق نموذج تمليه عمالقة التكنولوجيا الأنغلوساكسونية.
أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فما زلنا لا نعرف الكثير؛ فالمشكلة تكمن في أن شركات مثل OpenAI لا تنشر معايير الاختيار الخاصة بها، وبالتالي لا يعرف الناشرون فعلياً ما الذي ينبغي عليهم فعله ليحصلوا على تصنيف جيد. هناك حل يتمثل في توقيع اتفاقيات مع هذه الجهات. فعلى سبيل المثال، تُعد صحيفة لوموند من بين القلائل الذين وقّعوا اتفاقاً مع OpenAI، وهو ما أثار استياء بقية الصحافة المؤسسات الصحفية. لقد قابلت العديد من مديري النشر والصحفيين الذين عبّروا لي عن امتعاضهم من الأمر، بحيث لم يكن هناك تنسيق معهم؛ فقد تصرفوا بشكل منفرد دون وعي جماعي بما ينبغي فعله من أجل موازنة القوى في مواجهة هذا الاحتكار الجديد داخل سوق الانتباه؛ لأن هذا هو جوهر المسألة: الجمهور يُستحوذ عليه بشكل متزايد من قبل هذه الصناعات.
ونعلم أيضاً، ويمكنني القول ذلك من مصدر موثوق، أن شات جي بي تي يجلب زيادة تُقدّر بـ 30% في عدد الزيارات إلى موقع لوموند وفي الدراسة التي أجريتها حول الاستعلامات، كان موقع الصحيفة يظهر كثيراً كمصدر.
- هل في النسخة الإنجليزية أم الفرنسية؟
في النسخة الفرنسية. نعم، لأن هناك أيضاً العديد من وسائل الإعلام الفرنسية المُدرجة. وما يمكن أن يثير الدهشة هو الحضور الكبير لوسائل الإعلام الأنغلوساكسونية حتى عندما يُجرى البحث من داخل فرنسا، لكن هذا لا يعني أنها الوحيدة. وللإجابة باختصار: حتى اليوم، لا يمتلك الناشرون الوسائل الكفيلة بتكييف أسلوب كتابتهم أو إنتاجهم أو إستراتيجياتهم التحريرية وفق معايير اختيار شات جي بي تي لأنها غير منشورة. وهذا يضعهم في حالة غير مسبوقة. حالة غير مسبوقة بالفعل. وأعتقد أن هذا أمر مهم.
- هل يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة الصحافة الدولية؟
على الصعيد الدولي، ينبغي أن نعلم أن هناك دراسات متزايدة حول هذا الموضوع. ما نعرفه هو — ويمكنني أن أقدّم لك بعض الأرقام الدقيقة — أنه في عام 2024 كشفت دراسة State of the Media أن 17% من الصحفيين حول العالم صرّحوا بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 53% في 2025. طبعاً، لا يستخدم بالطريقة نفسها؛ فهناك اختلافات بين الصحفيين تبعاً لنوع الصحافة، ونعلم أيضاً أنه يُستخدم أكثر من طرف الرجال، وغير ذلك من الفروق، لذلك يجب الإبقاء على بعض التحفظات، لكن إذا أخذنا الرقم بشكل عام، فنحن انتقلنا خلال عام واحد من 17% إلى 53%.
كما أن وجود منظمات دولية مثل WAN-IFRA — وهي منظمة تمثل الناشرين وتُنظّم بانتظام دورات تدريبية للصحفيين من مختلف أنحاء العالم حول الذكاء الاصطناعي — يعكس هذا التوجه. وهناك أيضاً جمعيات أخرى، من بينها مركز دراسات إستراتيجية يُسمّى بوليس، تابع لـ معهد لندن للاقتصاد، الذي يقود برنامجاً واسعاً يُعرف باسم "JournalismAI". هذا البرنامج يقدّم تدريباً لغرف الأخبار الصغيرة، ويضع دليلا لإدماج الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، وغير ذلك. ومن الجدير بالذكر أن هذا البرنامج مموّل جزئياً من طرف Google News Initiative. بالتالي، فإن هذه المبادرات الدولية تسعى إلى تدريب المؤسسات الإعلامية على الاعتماد أكثر على الذكاء الاصطناعي، وتُحفز الناشرين لتحسين الإنتاجية وزيادة الفعالية بفضل الذكاء الاصطناعي.
ونلاحظ أن المجموعات الإعلامية الكبرى، لا سيما في فرنسا، قد استوعبت هذا الوعد المرتبط بتحسين الإنتاجية: أي القدرة على إنجاز المزيد بالموارد نفسها، وربما إنجاز القدر نفسه بعدد أقل من العاملين. وهذه مسألة لا تزال معطياتها محدودة، إذ إن الأرقام المتعلقة بالتوظيف في الصحافة ما تزال غير واضحة. لكن ما هو مؤكد أن هذه المنظمات الدولية تروّج لوعود "التحسين"، أي القدرة على إنتاج أكثر، والتخلص من المهام المملة ذات القيمة المضافة المنخفضة. فالصحفي، مثلاً، يمكن أن تُؤتمت عملية البحث في الوثائق، أو إعادة تكييف المقال للنشر على المنصات الرقمية أو في صيغة صوتية، وكذلك الترجمة. كما يمكن مساعدة سكرتارية التحرير والمصممين على العمل بسرعة أكبر. الفكرة التي يجري الترويج لها هي أن الذكاء الاصطناعي سيزيد الإنتاجية ويخفف العبء عن الصحفيين. وسنرى لاحقاً ما إذا كانت هذه الوعود ستتحقق فعلاً.
لكن هناك نقطتان أساسيتان ينبغي أخذهما في الحسبان: أولاً، هذه المنظمات الكبرى التي تقدّم التدريب على الذكاء الاصطناعي تسهم بالفعل في إحداث تحول تدريجي وفي ترسيخ قناعة بضرورة التغيير. وثانياً، توجد اليوم داخل المجموعات الصحفية الكبرى وحدات متخصصة في الذكاء الاصطناعي تعمل على إدماج استخدامات جديدة، وإجراء تجارب، واعتماد أدوات مختلفة، وتدريب الصحفيين عليها.
- هل تعتقد أنه مع "دمقرطة الذكاء الاصطناعي"، سنشهد خريطة جديدة للصحافة الدولية، مع صعود لاعبين جدد فيها؟
هنا يختلف الوضع، لأنك كما تعلم فإن الصين في طليعة الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، والبلاد متصلة رقمياً ولا توجد مشكلة في الاتصال بالإنترنت. أما في الهند، فيجب – بالطبع - التمييز بين المناطق الحضرية وبقية المناطق، لكننا نتحدث رغم ذلك عن إحدى أقدم القوى الصاعدة وعن قوة كبرى على الصعيد الرقمي.
إن امتلاك الصين اليوم لنموذج DeepSeek، الأقل كلفة والأداء العالي والمتصل أيضاً بالويب، يُعد نقطة مهمة. في الواقع يمكن تصور أن ما سيكون على المحك هو قدرة بعض القوى على عزل نفسها عن بقية الإنترنت، أي لعب لعبة تجزئة الشبكة عبر وضع فلاتر لما يأتي من الخارج، وتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات مُنتقاة مسبقاً، أو على الأقل مجموعات بيانات تُمارَس عليها أشكال من الرقابة.
وعند إجراء بحوث باستخدام DeepSeek مثلاً، تبيّن بعض الدراسات التي أنجزتها منظمات مختصة أننا نعثر على عناصر من رقابة الحزب-الدولة. لذلك أعتقد أن التنافس بين هذه القوى الكبرى سيتحدد أساساً على هذا المستوى.
أما بخصوص بعض الدول الإفريقية، فلا أستطيع أن أقول بدقة كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي هناك، لكن من المؤكد أن علاقات التبعية ستُعاد صياغتها، بل وربما ستتعزز من منظور معيّن.
- ما التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على صناعة الصحافة؟
استناداً إلى دراسة صادرة عن Seminarweb عام 2025، فإن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار له تأثير مباشر على اقتصاد وسائل الإعلام. فقد قدّرت الدراسة انخفاضاً يتراوح بين 20٪ و23٪ في الزيارات العضوية إلى مواقع الناشرين. وتشير الدراسة إلى أن هذا التراجع يُعزى إلى الاستخدام المتزايد لخدمة Google Overview للحصول على المعلومات؛ إذ يحصل المستخدمون على إجابات مباشرة دون المرور عبر المواقع الإعلامية، وبالتالي لا يولِّدون زيارات؛ مما يؤثر بدوره في أسعار الإعلانات. لذلك، يتمثل التحدي الأكبر اليوم في تساؤل الناشرين: كيف يمكن ضمان ألا يُختطف الجمهور من طرف منظومات هذه الشركات الصناعية الكبرى، بكل ما ينطوي عليه ذلك من رهانات سياسية، خصوصاً في ظل ما يترتب على إضعاف الاقتصاد الإعلامي من تداعيات سياسية وإعلامية واسعة؟
يتمثل التحدي الأكبر اليوم في تساؤل الناشرين: كيف يمكن ضمان ألا يُختطف الجمهور من طرف منظومات هذه الشركات الصناعية الكبرى، بكل ما ينطوي عليه ذلك من رهانات سياسية، خصوصاً في ظل ما يترتب على إضعاف الاقتصاد الإعلامي من تداعيات سياسية وإعلامية واسعة؟
ومن المثير للاهتمام أيضاً أنه منذ انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقّع معظم الناشرين تقريباً مواثيق أخلاقية مخصّصة لهذه التقنيات. وغالباً ما تنص هذه المواثيق على عدم إنتاج محتوى آلي بالكامل، أو على الأقل ضرورة إخضاع أي محتوى يُنتَج بمساعدة الذكاء الاصطناعي لإشراف بشري. وكلمة "الإشراف"أساسية؛ لأنها تظهر في معظم هذه المواثيق. وما يلفت الانتباه هو كيف يقبل الصحفيون، إلى حد ما، بالتخلي عن بعض ما يشكّل صفتهم كمؤلفين؛ إذ يمكن تفويض عملية التحرير إلى الآلة، أو بعض جوانب التنسيق والإخراج، بل وحتى البحث عن زوايا المعالجة. وهذا يمسّ جوهر الإبداع الذي يشكّل لبّ المهنة، من دون أن يثير اعتراضات كبيرة، ما دام هناك إشراف بشري يراجع ويتحقق مما تنتجه الآلة.
برأيي، نحن أمام نوع من تحوّل في المهنة، وتحول في موقع السلطة المهنية. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير هذا التحول؛ فقد نميل إلى الاعتقاد بأن هذه التقنيات ستغزو غرف التحرير بالكامل، لكن من الضروري النظر فعلياً في كيفية استخدام الصحفيين لها. فليس جميع الصحفيين يستخدمونها، كما ينبغي فهم ما الذي يفعلونه بها تحديداً. وهذا يتطلب منهم الإفصاح عن ممارساتهم، وهو أمر ليس سهلاً دائماً.
- ما موقع الصحافة المستقلة في خضم هذه التحديات؟ كيف يمكن في نظركم الإجابة عنها؟
حسنًا، هذا بالضبط ما كنتُ أقوله لك: إنه من المثير للدهشة فعلًا أن نرى وسائل الإعلام المستقلة، أي تلك التي لا تنتمي إلى مجموعات إعلامية كبرى، نادرًا ما يتم الإشارة إليها كمصادر عبر شات جي بي تي في الدراسة التي أجريتها، وتناولت الأخبار الدولية فقط على مدى شهرين. لذلك ينبغي اتخاذ جميع الاحتياطات المنهجية، كما ترى. وبحسب علمي، فإن هذه الوسائل الإعلامية المستقلة لا تملك خلايا أو أقسامًا متخصصة في الذكاء الاصطناعي؛ لذا يمكننا أن نتخيل — مع ضرورة التحقق من كل ذلك — أن هذا الوضع قد يسهم في زيادة تهميشها. فهو يسير، على أي حال، في اتجاه إضعافها اقتصاديًا.