تواجه الصحافة الورقية - منذ العقدين الأخيرين - تحديات وجودية متزايدة رافقت صعود الإعلام الرقمي؛ ذلك أن الأخير بات يفرض تهديدا لوسائل الإعلام التقليدية كمصدر للأخبار في ظل طبيعة العمل الصحفي التقليدي التي تحد من إمكانيات مواكبتها الإعلام الرقمي وسرعته.
وفي قطاع غزة شكلّت حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة اختبارا حقيقيا لهذا التغير في ميزان الخبر لصالح المنصات الرقمية، وتحولت للوسيط الأساسي الذي ينقل الأخبار وأحدث المعلومات للجمهور.
ومما عزّز هذه الاعتمادية الكبرى على المنصات الرقمية الضربات التي تلقتها كل من الصحافة الورقية والإذاعية في قطاع غزة جراء الاستهداف الممنهج؛ إذ تسببت شهور الحرب المتواصلة في خروج الوسائل التقليدية تماما من دائرة التغطية.
جاء هذا الغياب القسري نتيجة الاستهداف المتواصل للصحفيين، إذ قتل الاحتلال الإسرائيلي 262 صحفيا منذ أكتوبر 2023 واعتقل أكثر من 50 صحفيا، وفقا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة. كما دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 150 مؤسسة إعلامية إلى جانب قطعه للكهرباء والإنترنت، وتوقُّف المطابع عن العمل إثر قصفها أو التهديد باستهدافها.
كل هذه العوامل ساهمت في إحداث شلل شبه تام للمسارات التقليدية في نقل الخبر، وأفسحت المجال للمنصات الرقمية لتعويض هذا الفراغ، ملبية الحاجة المعرفية الدائمة عند الجمهور لمعرفة تفاصيل الحدث أولا بأول.
وفقا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة: دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 150 مؤسسة إعلامية إلى جانب قطعه للكهرباء والإنترنت، وتوقُّف المطابع عن العمل إثر قصفها أو التهديد باستهدافها.
توقف عن الطباعة
توقفت صحيفة "فلسطين" - وهي الصحيفة الورقية اليومية الوحيدة التي تصدر في قطاع غزة - عن الطباعة والتوزيع في الأيام الأولى للحرب، وتحولت بكامل طاقتها إلى العمل الإلكتروني، في محاولة لضمان استمرار تغطيتها الصحفية في وقت كان فيه المواطنون في غزة بأمسّ الحاجة للمعلومة من مصادرها الصحفية الموثوقة.
وفي حديثه لـ "مجلة الصحافة" أوضح مدير عام صحيفة "فلسطين" الدكتور إياد القرا، أن الحرب الأخيرة تجاوزت كل خطط الطوارئ التقليدية التي وضعتها إدارة الصحيفة مسبقا استنادا لتجربة تغطية حربي 2014 و2021؛ فمنذ الأسبوع الأول تحول الصحفيون إلى أهداف مباشرة للاحتلال الإسرائيلي؛ ما عقّد من هيكلية التواصل داخل المؤسسة.
كما أن الاستهداف الممنهج للمطابع ومنع إدخال الورق للقطاع والتهديد المباشر من قبل الاحتلال اضطر صحيفة "فلسطين" التوقف عن إصدارها المطبوع. أمام هذا الشلل التام الذي رافقه تعطل إصدار الصحيفة بصيغة رقمية في الأشهر الأول، وتعطل الموقع الإلكتروني عدة أيام، وضعت الإدارة خططا استدراكية لضمان استمرار تغطيتها، ونجحت في معالجة الإشكاليات التقنية وعودة العمل عبر موقعها الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، بجهود فريق العمل الذي تمكن من تجاوز هذه التحديات والعمل على أكثر من جانب، كما يروي القرا.
ولم تمنع ظروف النزوح والاجتياحات المتكررة فريق عمل الصحيفة من مواصلة عمله، رغم انشغال جزء كبير من الصحفيين بتأمين عائلاتهم وأنفسهم، وتمكنت إدارة الصحيفة من التغلب على معضلة انقطاع الكهرباء والإنترنت عبر تحويل الأماكن التي لجأ إليها الصحفيون قرب المستشفيات والمراكز الدولية إلى غرف تحرير ميدانية، مستفيدة من نجاحها في إنقاذ غالبية أجهزة الحاسوب والمعدات وإخراجها من مقرات العمل قبل استهدافها.
ولسد الفجوة الميدانية لجأت الصحيفة إلى خطة بديلة تمثلت في الاعتماد على فريق عمل من صحفييها خارج قطاع غزة، وتولّى هذا الفريق مهمة إدارة الموقع الإلكتروني وإنتاج المحتويات الرقمية وتصميم الصحيفة وإصدارها بصيغتها الرقمية PDF.
توقفت صحيفة "فلسطين" - وهي الصحيفة الورقية اليومية الوحيدة التي تصدر في قطاع غزة - عن الطباعة والتوزيع في الأيام الأولى للحرب، وتحولت بكامل طاقتها إلى العمل الإلكتروني، في محاولة لضمان استمرار تغطيتها الصحفية في وقت كان فيه المواطنون في غزة بأمسّ الحاجة للمعلومة من مصادرها الصحفية الموثوقة.
غياب للفنون الصحفية
لم تقتصر تداعيات الحرب على تدمير البنى التحتية للصحافة الورقية؛ بل تعدتها لتؤثر في مضمون المواد؛ إذ يرى القرا أن التحديات الميدانية حالت دون استمرار كثير من الأجناس الصحفية الهامة؛ كالصحافة الاستقصائية، والحوارات الصحفية، نظرا للتحديات الميدانية التي تعقّد بيئة العمل الصحفي.
أدى ذلك إلى تركيز التغطية الصحفية على الأخبار العاجلة والمتابعات الميدانية اللحظية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع محاولة جاهدة للحفاظ على "المقال" كرمز لهوية الصحيفة كما يذكر القرا.
واليوم - ورغم استمرار الصحيفة في عملها رقميا - لا يرى القرا فرصة قريبة لعودة النسخة الورقية المطبوعة للصحيفة؛ بالنظر للخسائر البشرية الفادحة التي تمثلت في استشهاد عدد من كادرها التحريري والفني وإصابة عدد آخر أو اعتقاله، والتحديات المالية الضخمة التي أضيفت إلى كاهل المؤسسة بعد تدمير مبناها بالكامل.
تعطل صحيفة الاستقلال
صحيفة "الاستقلال" التي تحولت إلى يومية وكانت تطبع مرتين أسبوعيًا قبل الحرب، توقفت - كذلك - عن الطباعة في الأيام الأولى للإبادة الجماعية.
وفي حديثه مع "مجلة الصحافة"، قال مدير تحرير الصحيفة خالد صادق: إنهم لم يستطيعوا الاستمرار في الطباعة خلال الحرب؛ لمحدودية توفر الورق اللازم للطباعة، وارتفاع أسعار ما تبقى منه بشكل باهظ، الأمر الذي سيكلف الصحيفة ميزانية لا يمكن تحملها.
واجهت صحيفة "الاستقلال" صعوبة كبيرة في العمل بعد استهداف مقرها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهدمه بالكامل وإتلاف كل المعدات والأجهزة بداخله، ما تسبب في تعطل كل خطط التغطية الصحفية المعدة مسبقا، وتحولت الصحيفة للعمل وفق نظام طوارئ تركِّز على الموقع الإلكتروني وتحويلها لصحيفة إلكترونية تصدر مؤقتا مرتين أسبوعيا بدلا من إصدارها بشكل يومي، وفقا لصادق.
ورغم استمرار استهداف صحفيي "الاستقلال" الذين بلغوا 5 شهداء من أقسامٍ مختلفة، حافظت الصحيفة على الاستمرار بتقديم الأشكال الصحفية المعروفة كالتحقيق، والحوار، وعرض المقالات، بالحد الأدنى، وأولت اهتماما بالتقارير الصحفية والأخبار بشكل أساسي.
وكحال صحيفة "فلسطين"، يستبعد "صادق" القدرة على العودة للعمل والطباعة كما كان الحال قبل الحرب إلا في حال توقف العدوان الإسرائيلي نهائيا، وإدخال المعدات اللازمة للعمل الصحفي، وإعادة بناء المقر وتأهيله وضمان حرية العمل الصحفي دون مخاطرة.
لم تقتصر تداعيات الحرب على تدمير البنى التحتية للصحافة الورقية؛ بل تعدتها لتؤثر في مضمون المواد؛ إذ يرى القرا أن التحديات الميدانية حالت دون استمرار كثير من الأجناس الصحفية الهامة؛ كالصحافة الاستقصائية، والحوارات الصحفية، نظرا للتحديات الميدانية التي تعقّد بيئة العمل الصحفي.
طقوس غائبة
من جانبه، يرى رئيس قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور وائل المناعمة أن الصحافة الورقية تعدّ أساس العمل الصحفي؛ فمن أتقن العمل في هذا القطاع الصحفي سيكون قادرا على الإبداع في باقي القطاعات، سواء المرئية أو الإذاعية أو حتى الرقمية، وهذا الأساس دُمِّر بشكل ممنهج خلال حرب الإبادة الجماعية.
وتطرق المناعمة لأثر إنساني كبير أحدثه هذا التدمير للصحافة الورقية، تمثل في حرمان فئات واسعة في المجتمع مما كان يُعدّ طقوسا صباحية في تلمس ورق الجرائد وتقليب الصفحات بين مواضيعها المختلفة، وهي متعة/حاجة لم يجدوها في المنصات الرقمية التي تتسم بالسرعة والاختصار والعناوين البراقة التي تأتي على حساب القراءة المعمّقة المتأنية التي يفضلها قراء الصحف الورقية.
ورغم قتامة المشهد والتحديات التي فرضتها حرب الإبادة على قطاع الصحافة الورقية، تصر المؤسسات الصحفية في قطاع غزة على القيمة الراسخة للصحافة الورقية باعتبارها صحافة توثيقية تمتلك القدر الأكبر من المصداقية والقدرة على التوثيق التاريخي على المدى الطويل، ما يجعلها أسباب عودتها وازدهارها مجددا قائمة حال توفر المقومات ورفع الحصار عن القطاع.