في يونيو/ حزيران 2011، كنّا قد أصدرنا العدد الأول والأخير من جريدة تنقل أحوال أهالي طرابلس في أثناء الثورة الليبية على العقيد معمّر القذّافي. اجتمعتُ صحبة أصدقاء قبل ذاك بشهريْن في بيت أحدنا وبدأنا نخطط لشكل الجريدة. كانَ أخو أحدنا يعمل في شركة نفطية لم ينقطع عنها الإنترنت، كما حدث مع كلّ المدينة، فأردنا استخدام إنترنت الشركة لتهريب أعدادنا. لم أعد أذكر من تلك التجربة سوى القليل، حتى اسم الجريدة قد اختفى من ذاكرتي، ولكن كَنّا نعمل عليها مستمعين إلى الأغاني الثورية التي كان يهرّبها صاحبنا، وننشر بيانات باسم "ثوّار طرابلس"، وننقل إلى العالم الوضع الأمني والمعيشي في المدينة في تقارير للهواة. لم نكن قد تلقينا تدريبا صحفيا من قبل، ولم نعمل في أي مؤسسة صحفية. كنّا فتيانا، مدفوعين بروح الثورة، أرادوا المشاركة بأي شيء، رغم الخوف. ولم يعرف أحد عن مخططنا خارج هيئة التحرير المتكونة من أربعة أشخاص كنتُ كاتِبَهم؛ فقد كانَ لي خبرة في عالمِ "التدوين" دامت عاما ونيفا قبل ذلك.
لم يمض زمن طويل منذ صدور تلك الجريدة حتى سقطت طرابلس في أيدي الثوار الليبيين في آب/ أغسطس 2011. ترك بقية الرفاق الاهتمام بالصحافة والإعلام، وبقيتُ وحدي أجري وراء حلم حرية التعبير الذي كنّا نغنّي له.
بدأتُ منذ أكتوبر/ تشرين ذاك العام في العمل محررا -هكذا بسهولة- في صحيفة طلابيّة تصدرُ عن اتحاد طلبة جامعة طرابلس المتشكِّل حديثا، وصرتُ أرسل مقالاتي لجهات إعلامية محلية، وحاولتُ أيضا المشاركة في ورشات ودورات تدريبية صحفيّة. وجدتني، مدفوعا بغرامي بفعل الكتابة ونشوة الثورة التي لم تتبخّر بعد، أكتبُ هنا وهناك تقارير صحفية لصحيفة الاتحاد ومقالات ثقافية لصحيفة إلكترونيّة ليبية وأنشر في مدوّنتي، حتى جاءتني فرصة في الكتابة لصحيفة مطبوعة مستقلة اسمها "جالينوس" يديرها طلبة من الجامعة. نشرتُ في جالينوس تلك سنة 2012 مقالة ساخرة فيها نقد لظاهرتي المجموعات المسلّحة وتقديس "الثوّار" اللَّتيْن صارتا تتحكمان في الخطاب السياسي حينئذ. كان عنوان المقالة "النظرية العالمية الأربعطاش ونص"، و"الأربعطاش ونص" هذه هي اسم مضّاد الطائرات في ليبيا، وقد استُخدم سلاحا فعّالا ضد الأهداف الأرضية أيام الثورة. كانت المقالة لعبا على مبدأ النظرية العالمية الثالثة التي جاء بها الزعيم الراحل معمّر القذّافي وحَكَم بها ليبيا بالفوضى مدة 34 عاما بدءا من الثاني من مارس 1977 وإعلان قيام سلطة الشعب وتحوّل ليبيا من جمهورية إلى النظام الجماهيري.
يبدو أنّ المقالة وعنوانها والأسلوب التهكمي الذي كُتِبتْ به لم تُعجِب أحدهم، فقد اتصلَ بي آنذاك رئيس تحرير الصحيفة، وأخبرني بأنّه تلقّى تحذيرا من "أحدهم"، لم يسمّه، بأن أتوقف عمّا أفعله. وبالتأكيد، كأيّ كاتب يعرف ما يفعله، لم أصغِ إليه، بل تماديتُ في نمط كتابتي وفي استفزازي لمشاعر "الأخ الأكبر"، على حدّ تعبير الروائي الإنجليزي جورج أورويل، الذي أراد سلْبَ أحد أهمِّ مبادئ ثورة 17 فبراير/ شباط 2011 التي آمنتُ بها. ولكنني أدركتُ، أنّ مساحات حرية التعبير التي آمنا بها بدأت تتقلّص، أو ربما لم تتقلّص، بل بانت حدود التعبير المسموحِ بها ذلك الوقت، فصارَ تقديس الثورةِ والثوّار من أهمّ علامات المرحلة، وكأن الثائر لا يخطئ ولا يجوز قذفه ولو بكلمة جارحة. وقد بانَ لي، على حداثة السنِّ تلك، المناخُ العام الذي وجدت الصحافة الليبية نفسها فيه منذ الأشهر الأولى من نجاح ثورة فبراير على العقيد في أكتوبر 2011.
في تلك الفترة، تكاثرت الصحف والمجلات والإذاعات وتناسلت القنوات التلفزيونية. (1) كان الأمر جديدا على المجتمع الليبي الذي عاش عقودا من السيطرة على وسائل الإعلام، لم تتخللها إلا محاولات شبه مستقلة خجولة قُمِعَت في مهدها. أتاح الإعلان الدستوري، صوريا بالتأكيد، في المادةِ 14 (2) حريّة التعبير وحريّة إنشاء وسائل الإعلام، ومع ذلك لم يكن هناك عمل صحفي حقيقي إلا ما نَدَر؛ فقد تضررت قطاعات الإعلام كلّها من سنواتِ التهميش والمتابعة والرقابة، بل والسيطرة الكليّة على ما يُكتب ويُنشر حتى وإن كانَ دعاية عابرة لمنتج عابر.
كانت الصحافة الليبية تمرّ بمرحلة صعبة انقطعت فيها خبرة مساءلة السلطة وجودة العمل، فأخذت الصحف تتجاهل في معظمها تحليل الواقع الاجتماعي والسياسي الجديد والاشتغال على التأسيس لجيل جديد يمكنه أن يحمل راية حريّة التعبير. وصُبَّت جُلّ الصحف، وانهال جُلّ الكتّاب الصحفيين، في تشريح جثة نظام العقيد وكتابة المقالات التي تنتقد أربعين سنة من حكم الرجل، وكأنّها كانت كُلّها مقالات مؤجّلة من تلك السنوات، على أنّ جُلّ تلك المقالات لم يحمل قيمة حقيقية في نقد نظام العقيد؛ لأنّها كُتِبت بنفَس عاطفي تهجمّي، فصار ما فعلته كالضرب في الميّت، ولكن انجلت بعد ذلك غشاوة "الثورة" وراحت وسائل الإعلام الليبية تتساقط الواحدة تلو الأخرى، وراح الصحفيون يتساقطون؛ إما لأنهم هربوا من واقع ما بعد الثورة الذي سيطرت فيه الجماعات المسلحة والجماعات التي توصف بالمتطرفة، وإما لأنهم سقطوا حقا: اغتيلوا مثلما (3) حدث مع الصحفي والناشط الحقوقي مفتاح بوزيد في بنغازي (4) سنة 2014. وأطيح بوسائل إعلامية بعد مهاجمة مقارّها مثلما حدث مع قناةِ النبأ أكثر من مرّة، كان آخرها سنة 2016. (5) ولم ينج من هذه الحالة الهيستيرية إلا القليل من وسائل الإعلام ممن اعتمد على الدعم الخارجي أو كان تحت سيطرة أجهزة "الدولة" الليبية، التي قلّصت بدورها عدد الصحف التي تصدرها عبر هيئة دعم وتشجيع الصحافة.
كانت الصحافة الليبية تمرّ بمرحلة صعبة انقطعت فيها خبرة مساءلة السلطة وجودة العمل، فأخذت الصحف تتجاهل في معظمها تحليل الواقع الاجتماعي والسياسي الجديد والاشتغال على التأسيس لجيل جديد يمكنه أن يحمل راية حريّة التعبير.
تطرح مسألة هذا التحوّل الذي طرأ على وسائل الإعلام في ليبيا، في ظرف أقلّ من عقد، البحث في جذورِ الأزمة التي ألمت بالصحفي الليبي؛ فمع تراكم خبرتي وعملي في هذا المجال، وعملي محررا في وسائل إعلام ليبية وعربية، وجدتُ أنّ الصحفي الليبي الشّاب أقلّ الصحفيين العرب خبرةً ومعرفةً بالعمل الصحفي، وربما أقلّهم جودةً أيضا. لم يبدأ الأمر اعتباطيا؛ فقد وُئدت الصحافة الليبية في مهدِها في السبعينيات عندما أراد العقيد السيطرة على المجتمع ليسهل التحكم فيه، بل كان ذلك أول أهدافه. هكذا وجد الصحفيون الليبيون أنفسهم يقفون حجرَ عثرة أمام طموحات العقيد. بدأ الرجل بتفكيك المؤسسات الصحفية وتدمير المؤسسات التعليمية في مجال الإعلام، في سعيه نحو ما سمّاه "الإعلام الجماهيري"؛ أي إعلام المواطن، كما يُعرفُ اليوم، ولكنّه على عكسِ ما هو متعارف عليه اليوم، كانَ الغرض منه "تتفيه" مهنة الصحافة وحشرها في زاوية التبعية لشخصية العقيد نفسها وتحييد الأصوات الحرة التي من الممكن أن تظهر. وكانت السنوات الأولى، أي السنوات الانتقالية منذ ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 وحتى 2 مارس 1977 مفصلية في جعل "السلطة الرابعة" سلطةً في يده هو لا غيره.
لم يكن النظام الملكي جنة الله على الأرض، وبالتأكيد لم تكن الصحافة الليبية في ذلك الوقت حرة بالمعنى المُطلق، وحتى الصحف المستقلة واجهت مضايقات من أجهزة الدولة مثلما حدث مع صحيفة "التاج" سنة 1952 بعد أن أغلقتها الحكومة. كانَت معظم الصحف الليبية تضع صور الملك محمد إدريس السنوسي، أوّل ملوك ليبيا وآخرهم، وتدعو له بأن يمدّ الله له في ظله، وبالتأكيد لم يكن من حقّ أحد نقد الملك وأسرته، ولكن مع ذلك انتشرت الصحف الحرة والمستقلة في العهد الملكي واشتهرت صحف سياسية منها "اللواء" و"الرائد"، و"الرقيب"، و"الميدان" و"الحقيقة". انتشرت في البلد كذلك صحف ومجلات باللغتين الإنجليزية والإيطالية. وكان أمر إغلاق صحيفة ما أو سحب أحد أعدادها يثير جدلا واسعا في الشارع الليبي.
سيبدأ هذا التحوّل في مسيرة الصحافة الليبية في 26 أكتوبر/ تشرين 1969 عندما أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا (6) بمحاكمة المسؤولين عن الفساد السياسي والإداري في عهد المملكة الليبية. كان القرار موجها بإنشاء محكمة الشعب لمحاكمة أفراد الأسرة الملكية ورؤساء الوزارات ونوّابهم والوزراء وجُلّ المسؤولين الكبار في "العهد البائد"، (كما شاعت تسمية العهد الملكي في تلك الفترة)، ولكن المثير للاهتمام أنّ القرار أضاف على كل هؤلاء النافذين للسلطة "أصحابَ الصحف ووكالات الأنباء ورؤساء تحريرها ومديريها ومحرريها"، لدورِهم في "محاولة تضليل الشعب أو إخفاء الحقائق بهدف التمكين للفساد وإبعاد الشعب عن المشاركة في صنع مستقبله". يكتب الأستاذ سالم الكبتي عن تلك الفترة في مقالة له عن صحيفةِ الحقيقة على موقع "بوابة الوسط"، (7) بالقول: " كان رشاد الهوني الكاتب والصحفي العملاق ثاني المتهمين في مجموعة من الإعلاميين والمسؤولين عددهم تسعة وعشرون أمام تلك المحكمة التي حاكمت الرأي والكلمة.. وكانت ردوده مليئة بالشجاعة والسخرية مما يحدث. كان يعرف منذ اليوم الأول للتغيير أن الدور قادم للصحافة في ليبيا وسينالها الكثير.. ستبدأ مرحلة العسف والتكميم والتخويف والرقابة والمحاصرة".
بدأ القذافي بتفكيك المؤسسات الصحفية وتدمير المؤسسات التعليمية في مجال الإعلام، في سعيه نحو ما سمّاه "الإعلام الجماهيري"؛ أي إعلام المواطن، ولكنّه على عكسِ ما هو متعارف عليه اليوم، كانَ الغرض منه "تتفيه" مهنة الصحافة وحشرها في زاوية التبعية لشخصية العقيد.
لم يأتِ القرار الذي أصدره مجلس قيادة الثورة في أكتوبر/ تشرين إلا إشارة بداية لتصفية العدد الكبير من الصحف الحرة؛ فمع أن المجلس اتخذ سياسة الإبقاء على جُلِّ تلك الصحف المستقلة، فإنّ القذافي كان يشنّ حربا إعلامية عليها في اللقاءات الطلابية والمؤتمرات والإذاعة والصحف التي صارت تحت سيطرة حكومة الثورة، وأراد أيضا استمالة الصحف التي كانت تمجّد وتهلل للملك والملكية؛ ففي لقاء له مع طلبة الجامعة الليبية ببنغازي في نوفمبر/ تشرين 1969 يقول القذافي: "تصلنا رسائل في مجلس قيادة الثورة. أرجو أن تطهروا الإذاعة من الإنسان الفلاني وشيء من هذا القبيل، نقول لكم وجهة نظرنا: أول حاجة أوامر الشعب ماشية بالتأكيد عند مجلس قيادة الثورة... الشيء الثاني الناس في العهد السابق... الذين كانوا يمدحون الملكية، يجوز أن يمدحوا الجمهورية [العربية الليبية] ... [هذا الإنسان] أتت الثورة الآن فهزت وجدانه هزا عنيفا وخلقت منه شخصا آخر، لماذا نرفض هذا الشخص بعد أن تاب؟ حتى الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة" (8). وقد دعا في ذاك اللقاء نفسه إلى أن تموت الصحف المعارضة للثورة التي تحمل شعارات تخالفها، بعدم قراءتها، فيقول للطلّاب: "يمكنكم بصفتكم الطليعة المثقفة، توعية الناس في هذه المجالات، وأن توضحوا لهم عيوب هذه الصحيفة أو تلك لعدم شرائها، ومن ثم تموت" (9).
كان خطاب العقيد متسقا مع السياق الذي وجد نفسه فيه؛ فقد أراد الثوّار -وأقصدُ هنا مجلس قيادة الثورة- في الأشهر الأولى كسبَ ثقة الشعب، وحتى يفعلوا ذلك كان على الخطاب أن يكون متزنا وواعدا بتغيير وحريّة أكبر للصحافة، وهو أمر شبيه بما سيحدث في الأشهر الأولى لانتصار ثورة فبراير على نظام العقيد بعد أربعين عاما. وحتى حملات الإغلاق أو محاسبة الصحفيين والإعلاميين ظلّت متسقة مع "إرادة الشعب"، كما كان يصفها العقيد ورفاقه في محاسبة وجوه النظام الملكي.
أراد القذافي ومجلس قيادة الثورة أيضا أن يثبتوا ولاءهم للزعيم جمال عبد الناصر وتطلعاتهم للوحدة العربية؛ فكانت قراراتهم السياسية مندفعة نحو مسألة توحيد الصفِّ العربي ومعاداة الاستعمار، ولا سيما ذلك الشكل من الاستعمار الذي آمنَ هؤلاء بأنّه استمرَّ بعد الاستقلال؛ أي الاستعمار الثقافي والاقتصادي الذي يمنع الشعوب العربية من الثورة. فكانت صحيفة "الميدان" نفسَها التي واجهت المنع في العهدِ الملكي، واحدة من أولى ضحايا هذا السياق الإقليمي في نوفمبر/ تشرين 1969؛ فقد ناقش صاحبها فاضل المسعودي الصحفي المصري أحمد بهاء الدين في مقال له عن الوحدة العربية نشره في مجلة "المصور"، اقترحَ فيه أن تموّل ليبيا وحدة عربية بين مصر والسودان وليبيا، كما ينقل الأستاذ سالم الكبتي في مقالة له على موقع "بوابة الوسط" (10)، فلم يعجب ردّ المسعودي السلطة.
وهكذا يجيب العقيد أحد الطلبة في الجامعة الليبية بطرابلس في يناير 1970 عندما سأله عن مصادرة "الميدان"، ليقول في ردّ طويل: "هناك من ينادي في المؤتمرات وحتى بالرسائل... بقفل الصحف المحلية ويقولون إنّ هذه الصحف عميلة... حرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة ولا نقبل من أي واحد أن يأتي بأفكار عفنة وينشرها في البلد وهذا ضمان لا بد منه... أمّا جريدة الميدان التي تعرض لها هذا السؤال، فقضيتها لا تتعلق بحرية الرأي ولا بالكلمة الشريفة ولا تتعلق بأي شيء بالرغم من أنني أقرأ ملخصات من الصحف ووجدت بها صورة المقال ردا على أحمد بهاء الدين ولكن بقية المقال شيء لا يقبل أبدا، فهو سب وشتم في الجمهورية العربية المتحدة... لقد تركنا الصحيفة مستمرة في صدورها بالرغم من الرسائل التي طالبت بقفلها ولكن لما وقعت في هذا المحظور كان ما حدث"(11). ولحسن حظّ المسعودي أنّه غادر البلاد بعد أن عرف بنيّة العقيد اعتقاله ومصادرة "الميدان"، وقد أشيعَ أنّ القذّافي توعّد بقتله بمسدّسه إن وجده أمامه.
سيبدأ خطاب العقيد وسياسات مجلس قيادة الثورة ضد الصحافة الحرة والمستقلة يتصاعد عندما استتبَّ لهم الحكم. سيبدأ العقيد أكثر جرأة في حديثه عن الرقابة؛ إذ في معرض حديث عن محاربة المسؤولين للصحافة المحلية في مؤسسات الدولة، عندما كان بعضهم يرفض الاشتراك ويستبدل بها صحفا عربية أخرى، يقول: "إنّ الصحف التي تصدر في ليبيا لا بد من مراقبتها؛ فهي ليست كصحف تصدر في بيروت لا نستطيع مراقبتها. وليس بإمكاننا مراقبة مطبعة في بيروت ولكن هنا في ليبيا ستراقب هذه الصحف بالتأكيد... وهذا لا يعني شيئا ضد الحرية أبدا ولكنه لصيانة الثورة ومبادئها" (12). ومع تصاعد الحديث عن تسليمِ البلاد إلى سلطة شرعية منتخبة، أعاد القذّافي ورفاقه ترتيب أوراقهم وبدؤوا يصدرون صحفا وجرائد كـ"الفجر الجديد" و"الأسبوع السياسي" و"الأسبوع الثقافي"، لتكون في البدء صوت المجلس، وألحقها وبقية وسائل الإعلام الحكومية بوزارة الإعلام. وبدأ حملة جديدة على الصحف الحرة فأغلق صحيفة "الحقيقة" سنة 1971 التي كان يملكها (13) الأخوان رشاد وهاشم الهوني، وقد كان يكتب فيها بعض الكتّاب الموهوبين مثل صادق النيهوم وعلي الفزّاني وخليفة الفاخري ومحمد الشلطامي، وانضمت إليها جرائد "الفجر" و"الحرية" و"الشعلة" و"الريبورتاج" و"الطليعة" و"الزمان" و"الديلي نيوز". ويحكي سالم الكبتي عن شتاءِ ديسمبر/ كانون الأول 1971 بالقول: "عقد اجتماع في طرابلس بطلب من بشير هوادي عضو القيادة ورئيس المحكمة التي ألغت الكلمة والحرية مع أصحاب الجرائد الوطنية. كان ذلك الاجتماع بداية المأساة لضرب الصحافة، وظل أمرا غائبا عن بال الباحثين والدارسين لتاريخ الصحافة. طلب هوادي منهم تغيير هوية جرائدهم من سياسية إلى فنية أو رياضية أو علمية أو أدبية أو إلى غير ذلك من المخططات". ويدلّ كلام الكبتي هذا على أن القذافي، على عكس ما يشاع عنه، كان منذ بداية استحواذه على السلطة يبشّر بنظريات كتابه الأخضر؛ لهذا كان يرى الصحافة الحرة المستقلة صحافة عميلة لأنّ مصادر تمويلها لا يتحكم بها "الشعب"؛ فهي تنفّذ أجندات من يدفع لها، فصدر في البدء قانون المطبوعات من 1972 الذي ضمّ مواد تحدّ من حرية التعبير (14)، مثل المادة 29 التي تمنع نشر "التشكيك في أهداف الثورة ومبادئها" و"الدعوة إلى حكم الطبقة أو الفرد" و"الجانب السلبي من أي موضوع أو قضية وتجاهل الجانب الإيجابي بقصد تضليل الجماهير"، وهنا القصد ألّا يشار إلى السياسات الفاشلة وعيوب دولة الثورة؛ فقد حدث أن دخلَ الرائد بشير هوادي والطالب علي الريشي، في حوار (15) لمجلسِ قيادة الثورة مع طلبة الجامعة الليبية في بنغازي، في جدل بشأن هذه المادة، حتى إنّ الرائد بشير هوادي أنكر وجود هذه الفقرة في القانون، وحاول الضغط على الطالب بالاعتراف بأنّ المادة غير موجودة داخل قانون المطبوعات.
كان العقيد يرى ضرورة الوحدة الكاملة داخل المجتمع الليبي؛ لهذا فإنّ أي صوت معارض لا حاجة له، فهو من قال إنّه:" لا يمكن أن نعطي حرية التعبير لواحد على حساب تسعة، بل على العكس، نعطيها لتسعة على حساب الواحد". وهذا ما تعلمناه مستقبلا، جيلنا نحن، فأصبحنا نبدو من الخارج وحدة واحدة، نفكّر بالطريقة نفسها؛ لأنّ القذّافي سينجح في خلق المجتمع الجماهيري الذي يصبو إليه.
وبالموازاة مع الضغوطات التي كان القذافي يواجهها من الصحافة الليبية المستقلة، بدأ يواجه ضغوطا من الأصوات المعارضة لاستطالة الفترة الانتقالية في مجلس قيادة الثورة؛ فبدأ ذاك الصوت يعلو داخل المجلس ويطالب بتقديم استقالة المجلس كله، ولكن العقيد لم يكن جاهزا بعد لتسليم السلطة، فقد قطع شوطا رهيبا في الداخل والخارج، وقد ظفر من الرئيس المصري أنور السادات بانضمام ليبيا إلى اتحاد الجمهوريات العربية في 1972. وكانَ نجمه يسطع على بقية رفاقه في الداخل، فصارَ المتحدّث الرسمي بمجلس الثورة ويؤمّ النّاس في الصلاة، وزاد عليه الحمل التاريخي الذي وضعه على كتفه الزعيم الراحل عبد الناصر ليكون "أمينا للقومية العربية". فكيف بالأمين، أن يخون أمانته في وطن عربي كبير تتكالبُ عليه المؤامرات ويحاول فيه الرجعيون الانتصار على قوى الثورة والتغيير والقومية؟ سيكون ذلك خيانة لدور تاريخي أنيطَ به، ولم يكن مستعدا ليتخلّى عنه حتى وإن أضحى شهيدا. كان العقيد يرى ضرورة الوحدة الكاملة داخل المجتمع الليبي؛ لهذا فإنّ أي صوت معارض لا حاجة له، فهو من قال إنّه:" لا يمكن أن نعطي حرية التعبير لواحد على حساب تسعة، بل على العكس، نعطيها لتسعة على حساب الواحد". وهذا ما تعلمناه مستقبلا، جيلنا نحن، فأصبحنا نبدو من الخارج وحدة واحدة، نفكّر بالطريقة نفسها؛ لأنّ القذّافي سينجح في خلق المجتمع الجماهيري الذي يصبو إليه.
بدأتُ دراسة المجتمع الجماهيري في الصف الرابع الابتدائي سنة 2000، وهي مادة مدرسية تمثل جزءا من التحصيل العلمي لطلاب الجماهيرية تبدأ من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة. تتغيّر تسمية المادة حسب المرحلة بين "المجتمع الجماهيري" و"الفكر الجماهيري"، ولكنّ موضوعاتها تدور في الفلك نفسِه بين تأريخِ ثورة الفاتح من سبتمبر وقائدها معمر بومنيار القذافي وشرح أطروحات الكتاب الأخضر، في جزء من التعبئة الثورية والجماهيرية للأطفال والناشئين لخلق "عقلية جماهيرية جديدة تتكيّف مع طبيعة أهداف المجتمع الجماهيري الجديد" كما جاء في مقدّمة طبعة كتاب "المجتمع الجماهيري" الأولى سنة 1988. درسنا في تلك السنوات المراحل التاريخية الطويلة التي قادت إلى" تحرر" المجتمع الليبي و"انعتاقه من الرجعية والتخلّف والاستعمار"، ومنها سمعتُ أوّل مرّة بخطاب زوارة التاريخي لسنة 1973.
كانت سنة 1973 سنة مفصلية في التاريخ الليبي، وفي تاريخ القذّافي نفسه؛ فقد اتفق جُلّ أعضاء مجلس قيادة الثورة على تقديم استقالة المجلس، وطالبوا العقيد بتقديم استقالة المجلس إلى الجماهير الليبية. وفي الخامس عشر من أبريل/ نيسان، في مولد النبي بمدينة زوارة غرب طرابلس، كان أعضاء مجلس قيادة الثورة ينتظرون أن يعلن القذافي الاستقالة، ولكنه أعلن الثورة الثقافية التي كان يبشّر لها قبل ذلك. سيُعرَف ذاك الخطاب في أدبيات الجماهيرية الليبية بعد ذلك بخطاب زوارة التاريخي أو "نقاط زوارة الخمس"، وما سيدعوه معارضو العقيد سواء من أعدائه الفكريين أو من رفاق الأمس بانقلاب القذافي. لم يكن خطاب زوارة خطابا عاديا، بل تجلَّتْ فيه أهداف الرجل وتسوية الأرض لبناء المجتمع الجماهيري الذي يحلم به والذي سيبشّر به بعد ذلك في كتابه الأخضر المنشور أول مرة سنة 1975.
وقف العقيد يحيي الجماهير الشعبية في بلدية زوارة وضواحيها، وبعد التذكير بمولد النبوي ألقى خطبة حماسية اختلط فيها منطق الفقيه والقائد الثوري الذي عُرِف به العقيد، فربط مصير الشعوب العربية ببعضها نصرة للقضية الفلسطينية. وبعد أربعين دقيقة من خطاب استخدم فيه السياق الخارجي والقضية القومية طرحَ "النقاط الخمس" للثورة الثقافية التي كان يدعو لها، فأعلن أولا تعطيل القوانين "الوضعية" واستمرار العمل الثوري بوضع العقوبات "حالًا"، كما قال في الخطاب، وذلك "تحقيقا للتحوّل الثوري". وهكذا صفّرَ المرجعية القانونية استنادا إلى أطروحة "القرآن شريعة المجتمع". ثانيا، أعلن العقيد ضرورةِ تطهير البلاد الليبية (16) من "جميع المرضى"، كما وصفهم، فقال: "أنا ثلاث سنوات وأنا نمنع في اعتقال أي شخص ضدّ الشعب وحاولت بكل الطرق إني نخلي الناس المرضى تعالج معالجة طبيعية، ومنعت اعتقال الناس الذين يتآمرون على الشعب ويتآمرون على التحول الثوري"، ويقصدُ بالمرضى في هذه الحالة كل المثقفين والصحفيين والناشطين السياسيين والمعارضين من الشيوعيين والبعثيين والملحدين والإسلاميين والرأسماليين؛ فهم يدّعون التقدمية مع أنّ "[الجميع في العالم] يقولوا التقدمية اللي موجودة عندنا مش موجودة في العالم". ويستمرّ الخطاب، ولا سيما في النقطة الثانية، في شرح الأعداء المرضى كما يصفهم ووعدهم وهددهم إما بالسجن وإما بالقتل. "راهي في ناس عارفها موجودة وسكتت عليها وسامحتها وخليتها، لكن لا يمكن أن نسمحلهم بعد اليوم بتسميم أفكار الشعب ".
من خلال النقطة الثانية، مرّ العقيد على النقطة الثالثة بالقول إنّه سيوزّع السلاح على جماهير الشعب الذي ستوجهه إلى صدور أعدائه. النقطة الرابعة هي إعلان الثورة الإدارية بواسطة جماهير الشعب والإصلاح الإداري وتطهير الإدارات الحكومية في البلد، لتحطيم "الطبقة البيروقراطية"، في سبيل أن الثورة تستمر "مثل ما نحن خططنالها"، كما قال في الخطاب. أما النقطة الخامسة، فهي مرتبطة تماما بالنقطة الثانية، فيعلن القذافي بصوت عالٍ أنّ ليبيا في معركة ثقافية، فخطب بالجماهير قائلا: "لا بد أن ندخل المعركة الثقافية، معركة ثقافية نحرق ونشّرك [أمزق] فيها كل الكتب المضللة. الكتب المستوردة التي جعلت الشباب متخوخمين [يفقدون عقولهم] وتائهين. إنني سأشن ثورة على المكتبات والجامعات والمناهج الدراسية وعلى كل شيء مكتوب ولا بد، وأقولها صراحة، أن نحرق كل فكر مضلل، ونترك الفكر الإنساني، الحقيقي الفكر النابع من كتاب الله". وللمرء أن يتخيّل ما حدث بعد انتهاء هذا الخطاب؛ فقد اندفعت الجماهير الثورية الغاضبة داخل الإدارات الليبية وسيطرت عليها وهاجمت مقرات الصحف الحرة والمستقلة وأحرقت الكتب وسيطرت على زمام المبادرة السياسية، كما أراد لها العقيد، فانقلب الرجل على رفاقه الذين كانوا ينتظرون منه الاستقالة، وأصبح كل من يحمل فكرا معارضا منذ ذاك الوقت ملاحقا بتهمة عدائه للشعب والثورة، وحيّد العقيد أخيرا كل صوت معارض سواء أكان في داخل مجلس قيادة الثورة أو من الصحفيين أو الكتّاب والجماعات السياسية، سواء الإسلامية مثل الإخوان المسلمين أو اليسارية مثل البعثيين والشيوعيين؛ إذ سيدوس عليهم بأقدام الجماهير كما هددهم أجمعين.
مع الوقت أثبتت مجلّة "لا" خطورتها وفتحت مساحات حرية جديدة لم تكن مطروقة من قبل، فقادت حملات صحفية حقيقية لفضح الفساد داخل الدولة، ولكنّها تعرّضت إلى مضايقات من اللجان الثورية، فكانت القاضية بأن أُغلقت المجلة عند نشرها سلسلة تحقيقات صحفية عن القضية المعروفة باسم "أطفال الإيدز".
لم تكن الأحداث والسنوات بين خطاب زوارة في أبريل/ نيسان 1973 ومارس/ آذار1977 حين أعلنت ليبيا انتقالها من الجمهورية إلى سلطة الشعب، سوى تحصيل حاصل. أصدرَ القذافي كتابه الأخضر في 1975 وحاولَ عضو مجلس قيادة الثورة عمر المحيشي قيادة انقلاب عليه سيؤثّر في القذافي وثقته في رفاقه السابقين، فتخلص منهم بطرق شتى؛ كالحبس، أو الإقالة، أو تحييد رأيهم، أو كسبهم في صفه أتباعا له. ولم تكن هناك أصوات معارضة في الصحافة والإعلام تواجه وتنتقد التحوّل الثوري الذي كان يقوده، بل لم يكن هناك من معارضة تذكر إلا من بعض الطلاب في الجامعات الليبية، وحتى هؤلاء فقد قادت جماهير القذافي الثورية في السابع من أبريل/ نيسان 1976 حملة دموية للتخلّص منهم بالاعتقال والشنق في ساحات الجامعات. ولم يبق إلا إغلاق صحف كانت تابعة لمجلس قيادة الثورة، ولكنها كانت تحمل نفسا استقلاليا بعض الشيء، كما حدث مع صحيفة "الأسبوع الثقافي" التي كان رئيس تحريرها عبد الرحمن شلقم، ممثل ليبيا الدائم في الأمم المتحدة عند حدوث ثورة فبراير 2011، فسجن كتّابها وأغلقت بعد ذلك في نهاية السبعينيات. وسيبدأ العقيد بإعادة تعريف دور الصحافةِ منذ تبشيره بكتابه الأخضر، فيقول في ندوة اسمها "الإعلام تجربة جديدة" (17) في أكتوبر 1975 مثلا إنّ "القيادة التي تقود التحول تأتي بفلان وفلان وفلان نتيجة اختبار ثوري وتقول لهم أنتم من قوى الثورة أنتم قيادة الإعلام ومهمتكم هي تشكيل لجنة شعبية... لجنة شعبية تمثل المجتمع، وفي هذه الحالة يصبح الإعلام هو إعلام المجتمع لا تملكه حكومة ولا تملكه جهة معينة ولا يملكه فرد... ولا بد من قيادة ثورية تشرف على هذا التحول سنة وسنتين وعشرا وخمسين ومئة إلى أن ترسى التجربة على أساس سليم". أي أن يجعل نفسه مشرفا على هذا التحول الثوري في الإعلام، الذي سيسّمى بعدها الإعلام الجماهيري أو إعلام الجماهير. سيصدر هذا الإعلام الجماهيري صحفا خاصة مثل "الموظف" التي تعنى بشؤون الموظفين، و"المنتج" التي تعني بشؤون المنتجين (والمقصود هنا العمّال؛ إذ لم يقبل العقيد لفظة العمّال التي رآها طبقية)، وهكذا على المنوال نفسه. وسيسلم مقاليد قيادة الصحف العامة إلى "المثقفين الثوريين" من حركة اللجان الثورية التي شكّلها لصيانة "الثورة"، فتولت هذه الشخصيات صحفا ثورية تبشر بعصر الجماهير مثل "الجماهيرية" و"الشمس" و"الزحف الأخضر"، وستحول اللجان الثورية في الثمانينيات تجربة الإعلام الليبي إلى تجربة "سوريالية" من أجل تطبيق رؤية قائد ثورة الفاتح لعصر الجماهير، وسيحق لكل فرد ثوري من أفراد الشعب العمل في الإذاعة والظهور من دون الحاجة حتّى إلى تدريب مسبق.
شهدت سنوات التسعينيات محاولة جادة، وهذه المرة بمبادرة من العقيد نفسه. كان السياق الداخلي والخارجي ضاغطا بعد أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية الحصار على ليبيا إثر قضية لوكربي التي اتهم فيها نظام العقيد بإسقاط طائرة مدنية أمريكية (بان أم 103) في إسكتلندا في ديسمبر/ كانون الأول 1988. واجه العقيد ونظامه توترات داخلية إثر الأزمة الاقتصادية التي نتجت عن الحصار، فرأى أن يبادر بتأسيس مجلّة وصفها "بالحرّة والمستقلة" تقود ثورة وعي ضدّ الفساد الذي نخرَ عظم نظامه، فأسس، بعد الاتفاق مع نخبة الكتّاب الليبيين وقتَئذ، ومنهم صادق النيهوم، مجلّة "لا"، وهو من اختارَ لها هذا الاسم، كأنّه يشكّل معارضة للنظام الذي يقوده، ولا بد أنّه دخل مع القائمين على الصحيفة في نوع من المقايضة؛ فقد ركّز أول أعدادها على قضية لوكربي نفسها، ولكن مع الوقت أثبتت مجلّة "لا" خطورتها وفتحت مساحات حرية جديدة لم تكن مطروقة من قبل، فقادت حملات صحفية حقيقية لفضح الفساد داخل الدولة، ولكنّها تعرّضت إلى مضايقات من اللجان الثورية، فكانت القاضية بأن أُغلقت المجلة عند نشرها سلسلة تحقيقات صحفية -ربما لم يسبق للصحافة الليبية أن أنتجت مثلها- عن القضية المعروفة باسم "أطفال الإيدز" عندما اتهمت ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني بحقنِ مئات الأطفال في بنغازي بمرض الإيدز سنة 1998، فأغلقت الصحيفة.
واجه العقيد ونظامه توترات داخلية إثر الأزمة الاقتصادية التي نتجت عن الحصار، فرأى أن يبادر بتأسيس مجلّة حرّة ومستقلة تقود ثورة وعي ضدّ الفساد الذي نخرَ عظم نظامه، فأسس، بعد الاتفاق مع نخبة الكتّاب الليبيين وقتَئذ، ومنهم صادق النيهوم، مجلّة "لا".
لن يتغيّر شيء في حال الصحافة والإعلام في ليبيا حتى صعود نجم سيف الإسلام، ابن العقيد، في بداية الألفية مع مشروع ليبيا الغد الإعلامي، ومحاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي قادها، وحتى ذلك الوقت سيظلّ الصحفيون الليبيون في خطر؛ إذ اغتيل الصحفي ضيف الغزال سنة 2005 بعد (18) نشره سلسلة من التحقيقات تكشف الفساد داخل الدولة، فكان مشهد جثته صادما يحمل رسالة واضحة لمن تسوّل له نفسه بتخطّي حدوده بالكتابة: لقد وُجِدَ مقطوع الأصابع.
وجدت الصحافة الليبية بعد ثورة فبراير 2011 نفسها وريثة صراع عقود مع السلطة بدأته في الخمسينيات وانتهى في نهاية السبعينيات، عندما خسرت المعركة. أحدثت سنوات الثمانينيات شرخا عظيما في "السلطة الرابعة" إثر حرب ممنهجة على بناء قدرات المؤسسات الإعلامية الليبية التي وجدت نفسها ضعيفة تقنيا؛ فلم تعد تخرّج الجامعة الليبية إلا صحفيين لا يملكون الخبرة ولا المهارة الحقيقية في العمل الصحفي، ولم تعد تقنع الجيل الجديد الذي تربّى على الإنترنت. ومن العجيب أن يكون الإعلام الذي ساعدَ القذّافي في نجاح ثورتِه في سبتمبر 1969 هو من يسهم في إسقاطه بعد أكثر من أربعين عاما، ،وقد فشل إعلامه الذي بناه في الحرب الإعلامية خلال أشهر الثورة في نشر نظريات المؤامرة الكونية السطحية. دمّر القذّافي نفسه في السبعينيات السلاحَ الذي كان يمكنُ أن ينقذه في 2011 (وربما لو لم يدمّره لأنهى طموحات العقيد)، وترك الليبيين حتى اليوم من دون صحافة حرة مستقلة يمكنها محاسبة السلطة بلا خوف من الملاحقة أو الاعتقال أو القتل، فما زالت نخبة "دولة فبراير" تتعامل مع الصحافة والإعلام بعقلية "دولة الفاتح من سبتمبر" نفسها.
المراجع