في كل زيارة للميدان خلال الحرب، كان دائما حواري مع الناس يخرج عن النص ويتفرع ليشمل كثيرا مما لا يذكر بين السطور. زاوية المعالجة التي أنوي الكتابة عنها تتغير؛ لأنني عندما أسأل الناس تأتي الإجابة في جهة أخرى تماما بكل ما تحمله من التفاصيل الإنسانية المؤثرة.
لا أتذكر أنني سألت الناس عن رأيهم بخطة بترامب أو عن الاعتراف بدولة فلسطين أو عن رأيهم باتفاق وقف إطلاق النار دون أن تأتي إجابتهم مغلفة بتفاصيل حياتهم اليومية الشاقة.
في سبتمبر/ أيلول الماضي، وبينما كانت إسرائيل تطلق عمليتها العسكرية الشاملة لاحتلال مدينة غزة وباشرت بإصدار أوامر إخلاء للسكان، اعترفت خمس دول بدولة فلسطين؛ هي: بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا والبرتغال. يومها، بينما لم يفارق هاتفي يدي إذ استمرت اتصالاتي بعائلتي في الشمال لمتابعة تقدم نزوحهم نحوي في الجنوب، كُلفت بكتابة مقال عن ردود فعل الناس على الاعتراف بدولة فلسطين. لم أكن وحدي من كان مزاجه غير رائق أبدا لاستقبال هذه الأخبار والمهام المرافقة لها؛ ببساطة، لم تكن تعنينا مثل هذه الأخبار في تلك الفترة العصيبة.
جررت نفسي مشيا على الأقدام لانعدام المواصلات - آنذاك - لبدء العمل، في طريقي نحو إحدى المخيمات المقامة للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة، على طول الطريق كنت أرى مئات العائلات التي نزحت مؤخرا من القصف الإسرائيلي في شمال غزة تفترش الأرض دون مأوى:
أطفال ونساء وفتيات شابات في ريعان الشباب يجلسون على أرصفة الشارع وزوايا المباني وبجانبهم تناثرت أغراضهم وحاجاتهم التي استطاعوا إحضارها معهم من الشمال. لا خيام تسترهم ولا مكان يستضيفهم وحالة ضياع مضاعفة عن المرات السابقة في النزوح.
في ذلك اليوم، بدا موضوع " الاعتراف بدولة فلسطين" هذا خارجا عن السياق تماما، وكأننا نعيش في عالم موازٍ لا يعرفنا ولا يشعر بنا. وصلت للمخيم وهناك كان زميلي المصور في انتظاري. وجدت سيدة ثلاثينية مع أطفالها الأربعة تجلس أرضا بجوار خيمة تُوسِّد على حجرها ابنها الرضيع.
تقدمت منها بتردد، وطرحت سؤالا عليها دون مقدمات: ما رأيك باعتراف خمس دول أوروبيّة بدولة فلسطين؟ حدّقت السيدة في وجهي بحيرة ودهشة؛ حيث كان واضحا أن هذا السؤال "مش وقته" نهائيا في ظل كل هذه القيامة التي تقوم حرفيا حولنا.

تصرفت السيدة وكأنها لم تسمع شيئا وسألتني مباشرة: "بتقدريش يا أختي تعملي لي مناشدة لتوفير حفاضات لطفلي الصغير؟" ثم واصلت، وهي توضح معاناة ابنها كاشفة لي عن التسلخات الصعبة التي أصابت أعضاءه الحسّاسة.
لم أتفاجأ - بالطبع - بحديث السيدة التي اندفعت فورا تروي ما جرى لها أمس خلال نزوحها من مدينة غزة تحت القصف العنيف نحو الجنوب، وكيف اضطرت إلى قطع أكثر من 18 كيلومترا سيرا على الأقدام برفقة أطفالها، وما عانته من بكاء وصراخ وتعب، تتوقف حينا وتنهض حينا آخر، حتى وصلت إلى المخيم في دير البلح وسط القطاع.
تقدمت منها بتردد، وطرحت سؤالا عليها دون مقدمات: ما رأيك باعتراف خمس دول أوروبيّة بدولة فلسطين؟ حدّقت السيدة في وجهي بحيرة ودهشة؛ حيث كان واضحا أن هذا السؤال "مش وقته" نهائيا في ظل كل هذه القيامة التي تقوم حرفيا حولنا.
إجابة السيدة لم تكن مطلقا خارج السياق، بل كل ما يدور حولنا من اعترافات وقرارات واجتماعات عربية ودولية هو خارج السياق مشكلا حالة انفصال عن "معاناة الإنسان" الذي يعيش المأساة على الأرض.
بالطبع لم تكن تلك هي السيدة الأولى أو الأخيرة؛ في كل مرة وفي كل قصة ميدانية في غزة لا صوت يعلو فوق صوت المعاناة الإنسانية، لا صوت يعلو فوق صوت القصة الإنسانية ذاتها.
لماذا القصة الإنسانية إذن؟
لأن القصة الإنسانية هي اللغة الوحيدة التي لا تخون الواقع. في لحظات الحرب، تصبح المفاهيم السياسية الكبرى مجردة إلى حد القسوة، وتفقد قدرتها على تفسير ما يعيشه الناس فعليا. الاعترافات والبيانات والمؤتمرات كلها تبدو بعيدة حين ينام الإنسان على الرصيف، أو يحمل طفله لمسافات طويلة هربا من القصف، أو يبحث عن حفاضة لطفل رضيع في مخيم مكتظ.
القصة الإنسانية لا تلغي السياسة، لكنها تعيد ترتيب أولوياتها. تضع الإنسان في مركز المشهد، وتخضع القرار السياسي لاختبار الحياة اليومية. هي التي تكشف الفجوة بين ما يُقال في المؤتمرات الدولية، وما يُعاش في الخيام. لذلك، حين يخرج حديث الناس عن "النص"، فهو لا يضل الطريق، بل يصححه؛ فالنص الحقيقي هو ما لم يُكتب بعد: تفاصيل التعب والخوف والانكسار التي لا تجد مكانا لها في الأسئلة الجاهزة.
في لحظات الحرب، تصبح المفاهيم السياسية الكبرى مجردة إلى حد القسوة، وتفقد قدرتها على تفسير ما يعيشه الناس فعليا. الاعترافات والبيانات والمؤتمرات كلها تبدو بعيدة حين ينام الإنسان على الرصيف، أو يحمل طفله لمسافات طويلة هربا من القصف، أو يبحث عن حفاضة لطفل رضيع في مخيم مكتظ.
في الميدان، لا يمكن فرض زاوية جاهزة على واقع يتفكك أمامك. القصة الإنسانية تفرض نفسها لأنها ببساطة الحقيقة الأكثر إلحاحًا، ولأن تجاهلها يعني إعادة إنتاج الانفصال ذاته الذي يعاني منه الناس أصلا.
في غزة، القصة الإنسانية لا تبحث عن إثارة عاطفية، بل عن فهم أعمق. حين يصبح الحديث اليومي المرافق لـ "كاسة" الشاي و"النسكافيه" الصباحية عن النزوح والفقد ومواقف الحرب الصعبة وعن العائلات التي مسحت من السجل المدني وعن أسعار الطحين والخبز وذكريات المجاعة الصعبة، وقتها نعرف أن المشهد قد هزّ كل مناحي الحياة.
أثناء عودتي الأولى لشمال قطاع غزة في يناير/ كانون الثاني 2025، بدأت الصدمات تزداد حدة وأنا أستمع لخط جديد من القصص المروعة التي لم أعرفها خلال نزوحي في الجنوب. فجأة وجدت نفسي أكثر قربا من قصص يرويها لنا جيران وأصدقاء وأقارب قرروا المكوث آنذاك في الشمال.
المؤلم أن هذه القصص رويت بينما كنا نشرب الشاي مع جارتي أسماء وصديقتها رابعة، وهما تحكيان كيف حاصر الجنود الإسرائيليون حارتهما بالدبابات، واقتحموا منزل الجيران وأعدموا من فيه بالرصاص الحي، فيما نجا طفل واحد.
جلست المرأتان أمامي تصفان اثني عشر يوما من الحصار رأتا خلالها الموت بأعينهما. أخبرتاني أنهما كانتا تنتظران دورهما في المحرقة، وكيف نفد الماء تماما من المنزل. وحين حاولوا طلب الماء من الجنود، أطلقوا النار على شاب يعاني إعاقة ذهنية، فقُتل على الفور، وبقي جثمانه في البيت يومين دون أن يتمكنوا من دفنه.
رابعة روت لي أنها لم تُطِق رؤية جثمان ابن أخي زوجها أمامها لأيام دون أن يُدفن، فقررت أن ترفع راية بيضاء برفقة سيدتين أخريين وأن يحملن الجثمان ويقمن بدفنه في الأرض المجاورة للمنزل.
كنت أسمع هذا التفاصيل وقلبي على شفا الانهيار. لم أكمل كأس الشاي أبدا لكنني كنت أحدق في كل شيء أمامي أريد أن يقول لي أحدهم أنني أحلم وأن هذا حلم أو كابوس أو أي شيء إلا الحقيقة. لكنها الحقيقة رغم أنفي. عاصر الناس كل هذه القصص ووجدت نفسي مرة أخرى أضيع بمصطلحاتي الصحفية وأفكاري القادمة لتغطية المرحلة مما ظنناه آنذاك أنها نهاية الحرب. لكن التأثير الأعمق لم يكن في قسوة التفاصيل وحدها، بل في عاديّتها القاتلة. أن تُروى كل هذه الفظائع على مائدة شاي، وبنبرة أقرب إلى الاستسلام منها إلى الصدمة، هو ما يكشف إلى أي حد اخترق العنف الحياة اليومية وجرّد الناس من حقهم الطبيعي في الدهشة.
في تلك اللحظة، أدركت أن القصة الإنسانية لا تترك أثرها عبر الدموع فقط، بل عبر هذا الصمت الثقيل الذي يلي الكلام، عبر العجز عن إيجاد ردّ مناسب، أو سؤال إضافي، أو حتى جملة مواساة لا تبدو مبتذلة أمام هذا الكمّ من الفظاعة. التأثير الحقيقي كان داخليا بطيئا يشبه ترسّبا لا يُرى لكنه يغيّر كل شيء في الداخل.
التأثير الحقيقي للقصة الإنسانية ليس فقط فيما تنقله للقارئ، بل فيما تتركه فيك أنت أولا، وفي كيفيّة تغيُّر علاقتك بالكتابة، وبالأسئلة، وبفكرة "التغطية" نفسها في مكان لم تعد فيه الحرب خبرا، بل حياة كاملة فُرضت على الناس، وعلى من يروي قصتهم معهم.
العواطف هنا لا تنفجر دفعة واحدة بل تتسلل. شعور بالذنب لأنك استمعت وعدت إلى بيتك، والارتباك لأنك صحفية مطالبة بتحويل هذا الثقل الإنساني إلى مادة مكتوبة، وبالخوف لأن ما تسمعينه لا يخص غرباء، بل وجوها تعرفينها، وأماكن مررتِ بها، وأزقة تحمل أسماء مألوفة.
تلك اللحظات تجعل القصة الإنسانية عبئا نفسيا بقدر ما هي واجب مهني. إنها تضعك في منطقة رمادية بين الشاهدة والمتورطة، بين من تنقل الألم ومن تحمله معها. وحين تعودين إلى دفترك أو هاتفك لتدوين الملاحظات تكتشفين أن اللغة نفسها تصبح عاجزة، وأن بعض القصص لا تُكتب بسهولة لأنها لا تزال عالقة في الصدر، تطالب بالوقت، وبالصدق، وبمسافة كافية لفهم ما لا يُحتمل فهمه.
هنا، يصبح التأثير الحقيقي للقصة الإنسانية ليس فقط فيما تنقله للقارئ، بل فيما تتركه فيك أنت أولا، وفي كيفيّة تغيُّر علاقتك بالكتابة، وبالأسئلة، وبفكرة "التغطية" نفسها في مكان لم تعد فيه الحرب خبرا، بل حياة كاملة فُرضت على الناس، وعلى من يروي قصتهم معهم.
مزهريات عمتي
ما تُدوّنه القصة الإنسانية اليوم، هو ما سيبقى في الذاكرة الجماعية غدا. كيف عاش الناس؟ كيف نزحوا؟ ماذا حملوا؟ ماذا فقدوا؟ طوال الحرب قررت - ومثلي كثير من الناس - ألا نتمسك بالذكريات. كانت فكرة النجاة هي التي تسبق إلى الأذهان. لم يعد يعنيني حزني السابق على شريط يوم عرسي الذي تركته في منزلي المدمر، أو مفتاح باب المنزل أو أول ملابس ارتداها طفلي الصغير لدى ولادته. أجبرت كل هذا على أن يتحول إلى أشياء عادية بالنسبة لي، ليس لأنني لا أقدّر الذكريات، بل لأنني لم أعد قادرة على أن أحمل كل أشيائي وأركض.
أدركت أن القصة الإنسانية لا تترك أثرها عبر الدموع فقط، بل عبر هذا الصمت الثقيل الذي يلي الكلام، عبر العجز عن إيجاد ردّ مناسب، أو سؤال إضافي، أو حتى جملة مواساة لا تبدو مبتذلة أمام هذا الكمّ من الفظاعة. التأثير الحقيقي كان داخليا بطيئا يشبه ترسّبا لا يُرى لكنه يغيّر كل شيء في الداخل.

قبل أسابيع، قررت أن أعود مع عائلتي لشمال غزة، كانت عودتي جزءا من ترميم الذاكرة الجمعيّة التي تخصّني وتخصّ أطفالي وزوجي. كانت استعادة الاتصال بالمشاعر والمكان والزمان في آن واحد وكأن الروح ترجع للصدر حرفيا رغم الدمار الكاسح.
كانت شقة عمتي الثمانينيّة - التي توفيت خلال الحرب - هي الخيار المتاح لي للسكن وكان الخيار مثاليا إلى حد بعيد. عمتي رحمها الله غادرت مع أبنائها وأحفادها كافة إلى مصر في بداية الحرب ولحسن الحظ، بقي منزلهم بشققه الأربعة ماثلا وبخير، وهذا شيء نادر - لو تعلمون - في غزة.
لكن ما أثّر فيّ بشكل كبير كان نجاة الذكريات الخاصة بأهل هذا المنزل. الصور القديمة التي توثّق أولاد عمتي وهم يكبرون، حفلات أعياد ميلادهم، شهادات تخرجهم، حتى صور عمتي في شبابها وفي عرسها وفي عملها.
ما أذهلني أكثر هو مزهريات عمتي اللواتي صمدن طويلا خلال سنوات عمرها وهي المعروفة بالصرامة والحزم حيث لا يجرؤ أي ابن من أبنائها أو حفيد أن يقترب من بوفيه عرض المزهريات التي تعود للتسعينيّات والثمانينيّات وأيام زواج عمتي نفسها. هذه قصة إنسانية حقيقية.
كنت أقف أمام هذه البوفيه "الصامد" بكل محتوياته القابلة للكسر من أقل صوت، وأنظر من النافذة إلى الساحة التي تقابل المنزل التي كانت مركزا لتجمع الدبابات الإسرائيلية خلال الاجتياح الأخير.
أصابتني دهشة وقشعريرة وأنا أمسح كل قطعة من هذه المزهريات الناجية التي أخاف عليها الآن أكثر من أي شيء آخر ونفسي تحدثني بانتصار صغير تحققه الذاكرة، فضربات نتنياهو التي تشبه الهزات الأرضية لم تزعزع هذه المقتنيات التي تؤرخ ملكيّةً تاريخيّةً لمنزل، وذاكرةً جماعيةً لعائلة وُلدت الأم فيها قبل ثلاث سنوات من النكبة عام 1948.
هكذا تظهر قيمة القصص الإنسانية في حفظ الذاكرة، ليس فقط عبر
الحكايات الكبيرة أو التواريخ المفصلية، بل في هذه التفاصيل الهشة التي كان يُفترض أن تُمحى، في صورٍ لم تُعلّق للعرض، ومزهريات لم تُصنع لتصمد أمام الحروب، وبيوتٍ لم تُبنَ لتواجه الدبابات.
ما يحدث في غزة اليوم ليس فقط تدميرا للمكان، بل محاولة لمحو الذاكرة، لكن الذاكرة - كما تعلّمت - أكثر عنادا مما يُظَن. تعيش في الأشياء الصغيرة، في البيوت التي لم تُهدم، وفي القصص التي يرويها الناس بلا قصد وهم يشربون الشاي. تعيش في إصرار العائلات على العودة، ولو إلى غرفة واحدة، ولو بين الركام. هكذا، تصبح القصة الإنسانية أكثر من توثيق للألم، إنها تتحول إلى فعل حفظ؛ أقصد حفظا لذاكرة جمعية تُقاوم التلاشي، وتصرّ على أن ما كان موجودا هنا يستحق أن يُروى، وأن يُتذكَّر، وأن يُورَّث، مهما بدا العالم من حوله مصمّما على النسيان.