لأكثر من عامين، ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وما أعقبها من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما تزال إسرائيل تُوصد أبواب القطاع أمام الصحافة الأجنبية، وكأن الحرب لم تنتهِ بعد، كي لا تتحول هذه النهاية إلى لحظة فارقة نحو كشف الحقائق ومساءلة قادتها وجنودها عمّا ارتكبوه من فظائع، وما خلفته آلة الدمار الإسرائيلية من مآسٍ إنسانية في القطاع.
ولا شك في أن هذا المنع الإسرائيلي في إبقاء القطاع تحت دائرة التعتيم الإعلامي دون أي مؤشرات على إزالته، يطرح سؤالاً جوهريًا حول الخشية الحقيقية من وصول عدسات الصحفيين الدوليين للقطاع بعد توقف الحرب، وما تحاول إسرائيل إخفاءه ولا تريد للعالم أن يراه أو أن يسمعه عن غزة المنكوبة.
تتمسك إسرائيل بموقفها الزاعم من أن دخول الصحفيين قد يعرّض جنودها للخطر أو أن يكشف مواقع عسكرية حساسة. ويرى المختص في الإعلام الإسرائيلي، عصمت منصور، في تصريح لـ "مجلة الصحافة"، أنّ مبررات المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية بشأن استمرار منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة بعد الحرب، يأتي في سياق عدم انتهائها فعليًا وفق ما يورده الإعلام العبري، وهذا ما يقوله رئيس الوزراء بينيامين نيتنياهو، وأنه ما تزال حالة الخطر على حياة الصحفيين قائمة وأن سلامتهم مهددة.
لكن أصواتًا سياسية وأمنية مُعارضة لهذا النهج من الداخل الإسرائيلي، بدأت تجد في أن مبرر "الأمن" لم يعد مقنعًا بعد مرور أكثر من عامين على الحرب وتوقف المعارك.
وللمفارقة، يذكر منصور أنّ البرامج الحوارية الإسرائيلية تُلمّح إلى أن الخطر على سلامة الصحفيين هو من جانب الفلسطينيين، مُتغافلةً في ذات الوقت الأعداد الهائلة التي قتلها الجيش الإسرائيلي من الصحفيين الفلسطينيين.
وعلى ما يبدو فإن الضغط الدولي في هذا المضمار لن يؤثر في قرارات الحكومة الإسرائيلية للتعاطي إيجابيًا معه، رغم حرص إسرائيل على تحسين صورتها عالميًا، بوصفها واحة الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. لذلك يرى منصور أنّ إسرائيل ستحاول إطالة أمد هذا المنع، حتى تجد ما ينشغل به العالم من أحداث تكون غطاءً لجرائمها (كما يحدث اليوم في إيران).
كما أنّ إسرائيل ستخشى من معايشة الصحفيين الدوليين للواقع في غزة عن كثب، والاطلاع على القصص الحقيقية من مصادرها، وتوثيق ما بعد الحرب؛ من حيث حجم الدمار الذي طال 90 بالمائة من مباني القطاع وبنيته التحتية (حسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي)، وطبيعة الأهداف التي ضُربت، وأوضاع الناجين، والشهادات الحيّة، لأن كل هذه المواد قد تُستخدم في تقارير دولية وتحقيقات قانونية، يشير منصور إلى أنها ستنقض رواية إسرائيل وتؤثر على صورتها عالميًا.
ولأجل ترميم صورتها تلك، بعد مجمل الانتقادات التي تلقتها، سمحت إسرائيل خلال الحرب لبعض الصحفيين بالتغطية بمرافقة قوات الجيش، وضمن مناطق يسيطر عليها، أو بتغطيات مفتوحة من داخل المدن الإسرائيلية نفسها، لكن هذه الازدواجية ما جاءت إلا من خلال سيطرتها التامة على فضائها الإعلامي وعبر سياسة مقص الرقيب وما يُسمح بنشره من الرقابة العسكرية. في المقابل تُركت غزة في عزلة تامة بوصفها في المنظور الإسرائيلي مساحة لا يمكن التحكم الكامل في سرديتها عند وجود صحفيين دوليين مستقلين.
لأجل ترميم صورتها، سمحت إسرائيل بعد مجمل الانتقادات التي تلقتها خلال الحرب لبعض الصحفيين بالتغطية بمرافقة قوات الجيش، وضمن مناطق يسيطر عليها، أو بتغطيات مفتوحة من داخل المدن الإسرائيلية نفسها، لكن هذه الازدواجية ما جاءت إلا من خلال سيطرتها التامة على فضائها الإعلامي وعبر سياسة ما يُسمح بنشره من الرقابة العسكرية.
وبلا شك فإن هذه التغطيات المحدودة والتي تأتي تحت إشراف عسكري لا تلبي معايير الصحافة المستقلة والنزيهة التي تنحاز للإنسان أولاً، وتعمل في إطار المساءلة إلى جانب بناء خطاب عالمي مستنير يتعاطف مع الضحية لا الجلاد.
تأسيسًا على ما سبق، يؤكد منصور أن هذا المنع حجب كثيرًا من حقائق جرائم الاحتلال لأن تصل للعالم، وقد جنّبت نفسها الحرج والمواجهة مع منظمات حقوقية وإنسانية، لأن غياب وجود صحفيين من مؤسسات دولية يعني عدم وجود شاهد محايد في نظر الرأي العام الدولي.
"الدعاية المضادة"..
في هذا الإطار، تشير بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى هذا التخوف، حيث كشفت أن السماح بدخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزّة سيؤدي إلى "تجديد الحرب ضد إسرائيل" عبر كشف حجم الدمار والفظائع التي ارتكبها الجيش ضد المدنيين هناك.
ففي 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ذكرت صحيفة معاريف العبرية أن الحرب انتهت ظاهريًا، لكن على إسرائيل الاستعداد لخوض حربٍ أخرى طويلة ومستمرة إذا ما فُتح قطاع غزّة أمام العالم.
الصحيفة ذاتها، أكدت أنه عندما تُفتح أبواب غزّة أمام الكاميرات لبثّ حجم الدمار في خانيونس ورفح وأحياء مدينة غزّة، ستواجه إسرائيل بما أسمته "تسونامي من الانتقادات والإدانات"، ما سيعيد تشكيل الوعي العالمي ضدها، محذّرة من "موجة مقاطعة جديدة تهدد صورة إسرائيل دوليًا".
وفي منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2025، نشرت صحيفة هآرتس تقريرًا يستعرض النقاشات التي جرت في إسرائيل حول دخول الصحفيين الأجانب إلى غزّة بعد وقف الحرب.
التقرير يؤكد أنّ السماح للصحافة الأجنبية بالدخول قد ينعكس سلبًا على صورة إسرائيل الدولية، ما دفع الجهات المعنية إلى التوصية بالتحضير المسبق عبر إعداد مواد إعلامية تروّج للرواية الإسرائيلية بشأن تبرير حجم الدمار وعدد القتلى.
كما يشير التقرير إلى أن الصور والمواد التي ستنشر من غزّة بعد دخول الصحفيين الأجانب، قد تضر بصورة إسرائيل الدولية، بل وقد تؤدي إلى تصاعد العداء ضد الإسرائيليين واليهود في دول مختلفة مستنتجا في مجمل التوصيات التي صاغتها الجهات المشاركة في النقاش على ضرورة الاستعداد لمرحلة دخول الصحافة الأجنبية، عبر تجهيز مواد إعلامية تدعم الموقف الإسرائيلي بشأن الدمار والضحايا في غزّة.
ذكرت صحيفة معاريف أنه عندما تُفتح أبواب غزّة أمام الكاميرات لبثّ حجم الدمار في خان يونس ورفح وأحياء مدينة غزّة، ستواجه إسرائيل بما أسمته "تسونامي من الانتقادات والإدانات"، ما سيعيد تشكيل الوعي العالمي ضدها، محذّرة من "موجة مقاطعة جديدة تهدد صورة إسرائيل دوليًا".
ازدواجية وفق المقاييس
بيد أن هذا القلق من اهتزاز صورة الاحتلال الإسرائيلي في المحافل الدولية، لم يدفع الإعلاميين الإسرائيليين إلى دعم تغطية وسائل الإعلام الدولية من داخل القطاع المحاصر. بل إن الملاحظ، حسب منصور، أنه داخل المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام الإسرائيلية لا يظهر أي انتقاد لهذه الازدواجية، بل على العكس، يسود نوع من التواطؤ في تكريسها، مع سعي واضح لتعزيز الرواية الرسمية، وغياب أي تضامن مع زملائهم.
لكن هذا التماهي بين قطاع واسع من الإعلاميين والحكومة لا يقف عند دعم القرار المتعلق بحجب غزة عن التغطية الدولية، بل يتجاوزه إلى التشكيك بمصداقية الصحفي الفلسطيني وإظهاره بصورة نمطية.
إنّ هذا التشكيك لا يستند إلى تفنيد مهني للتقارير والصور الواردة من القطاع، بل إلى نزع الشرعية عن المصدر نفسه، وفق إستراتيجية ممنهجة تعمل على حجب الصحافة الدولية أولاً، ثم التشكيك بالصحفي الفلسطيني، لتُفرض بعد ذلك رواية إسرائيلية كخيار وحيد "يجب الوثوق به".
على الجانب الآخر، يواصل الصحفيون الفلسطينيون تغطية الأحداث وتداعيات الحرب من داخل القطاع بما يحمله ذلك من كلفةٍ باهظة، راح ضحيتها أكثر من 265 صحفيًا منذ بدء الحرب.
ولعل استمرار هذا الحظر بما يحمله من حجب عن أعين الصحافة الدولية، يعمّق بشكل أو بآخر من المخاطر المتزايدة على المراسلين من غزة، ويجعلهم المصدر الوحيد للمعلومات الميدانية، في ظل غياب آليات حماية دولية أو رقابة مستقلة للصحفيين، خاصة مع تزايد الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.
وإلى جانب ما كشفه الصحفيون الفلسطينيون من جرائم بحق المدنيين لأكثر من عامين، باتوا منهكين من التغطية وتأثيراتها النفسية، لذلك فإن مشاركة صحفيين دوليين يقوي من عزيمتهم لاستمرار التغطية، وفق تصريح الصحفي الفلسطيني محمد الأسطل لـ"مجلة الصحافة".
تغييب الشهود
إن السماح بدخول الصحفيين الدوليين إلى قطاع غزة والمشاركة في تقاسم العبء مع زملائهم من غزة، قد يدعم إيصال الحقيقة للعالم، لأنه في السياق الدولي لا يكفي أن تكون الرواية صحيحة، بل يجب أن تُروى عبر قنوات تحظى بثقة الجمهور المُوجهة له.
ميدانيًا، عمل الصحفي الأسطل خلال هذه الحرب -وفي حروب سابقة- مع عدد من وسائل الإعلام الدولية، وهو يدرك تمامًا "أهمية ما يضفيه الصحفي الأجنبي من انتشار للرواية الفلسطينية في الغرب".
وعلى ما يبدو فإن استمرار المنع يحمل معه تخوفًا من أن يكشف الصحفيون الأجانب أعدادًا أكثر للضحايا خلال الإبادة، إذ يؤكد الأسطل أن ما أعلن من إحصائيات حول عدد الشهداء والمفقودين يخفي وراءه أرقامًا أكبر وقصصًا إنسانية أكثر إيلامًا مما شاهده العالم، وهذه القصص لازالت مدفونة تحت الركام.
ولذلك، تخشى إسرائيل، وفق الأسطل، من أن تُغيّر كل هذه الشهادات والوقائع والدلائل من مظلوميتها التي تسوقها للرأي العام العالمي بعد أحداث السابع من أكتوبر".
هذا التشكيك لا يستند إلى تفنيد مهني للتقارير والصور الواردة من القطاع، بل إلى نزع الشرعية عن المصدر نفسه، وفق إستراتيجية ممنهجة تعمل على حجب الصحافة الدولية أولاً، ثم التشكيك بالصحفي الفلسطيني، لتُفرض بعد ذلك رواية إسرائيلية كخيار وحيد "يجب الوثوق به".
ماذا يقول القانون الدولي؟
تؤكد أستاذة القانون الدولي في جامعة جالوي في إيرلندا الدكتور ميس قنديل، أن الصحفيين لابد أن يتمتعوا بالحماية الممنوحة للمدنيين، وقد كفل القانون الدولي الإنساني وخاصة مادة 79 من البروتوكول الأول بما يتضمن حمايتهم في مناطق النزاع المسلح دون تمييز بينهم، فضلاً عن توفير الحماية للصحفيين المشاركين في مهام مهنية خطيرة وهؤلاء لهم حماية مخصصة.
وتقول لـ"مجلة الصحافة" إن القانون الدولي منح الصحفيين المُطلعين بأعمال مهنية خطيرة حماية خاصة، وقد اعتبروا مدنيين بالمعنى المقصود في المادة 50 ولهم كامل نطاق الحماية في إطار القانون والحماية من آثار الأعمال العدائية والتعسفية التي قد يمارسها أي طرف في النزاع.
وتبرز قنديل عدم مشروعية القرارات الإسرائيلية الخاصة بمنع وسائل الإعلام الدولية من التغطية في الأراضي الفلسطينية، وتعارضه مع المعايير الدولية لحرية الصحافة كما أن مبدأ التناسب في القانون الدولي لا يمكن أن يتخذ كذريعة أمنية لمنع دخول الصحفيين إلى غزة أو إلغاء الحقوق المدنية الأساسية، أو تبرير تعليق الحريات العامة ومنها حرية الصحافة، تؤكد أستاذة القانون الدولي.
بالمحصلة، لا يمكن اعتبار منع الصحافة الأجنبية من الدخول لقطاع غزة أثناء الحرب وما بعدها إجراءً أمنيًا مؤقتًا بقدر ما هو سياسة إسرائيلية ممنهجة تحاول إبقاء القطاع خارج بقعة الضوء، لأن هناك في إسرائيل من يعتقد أنّ إخفاء الحقيقة عن الجمهور قد يُخفي حقيقة الجرائم ذاتها.
وجود الصحافة.. هل يعني حتمية المساءلة؟
ورغم أهمية الصحافة محلية كانت أم دولية، في كشف جرائم الإبادة وتحقيق المساءلة وضمان عدم الافلات من العقاب، إلا أن ثمة من يرى أن وجودها لا يعني بالضرورة ضمان المساءلة، على اعتبار أنها تعمل ضمن منظومة سياسية واقتصادية وأخلاقية أوسع، وقد تُفرّغ من أدوارها المنوطة بها حين تغيب الإرادة الدولية لتحقيق ذلك.
تجربة الإبادة في رواندا عام 1994 تشكل نموذجًا على ذلك، حينما توفرت التغطية والتقارير الميدانية لوسائل الإعلام الدولية لكن دون فائدة.
وفي تجربة الحرب على أوكرانيا مثالاً صارخًا على أن الاهتمام الإعلامي الدولي في الغالب يخضع لمعايير انتقائية تتأثر بمصالح الدول الكبرى وعلاقاتها مع كيانات النفوذ.
ومع ذلك، فإن الإشارة إلى إخفاقات سابقة بهذا الصدد لا يعني توقف المطالبة بدخول الصحافة الأجنبية لغزة، ربما لأن الحالة الغزية تتطلب أصلاً تراكم الشهادات والأدلة لأي محاسبة مستقبلية.
ولأن الخلل لا يكمن في أدوار الصحافة وحدها، بل في المنظومة الدولية التي تقرر حدود التعاطي مع المجرم ومساءلته، إذ لا يكون السؤال هنا فقط: هل دخل الصحفيون لغزة أم لا؟ إنما أيضًا ما سيفعله العالم بما سينقلونه؟