لم يكن ملف الهجرة غير النظامية جديدا على ليبيا، لكنه عاد خلال الأسابيع الأخيرة ليتصدر المشهد العام بصورة غير مسبوقة مع تصاعد الدعوات الرافضة لوجود المهاجرين، وتكرار مزاعم توطينهم.
وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بحملات وتحذيرات، ونُظمت احتجاجات في عدد من المدن، بالتوازي مع تزايد الحديث عن المخاطر الأمنية والديموغرافية المرتبطة بالهجرة.
وفي المقابل، برزت تحذيرات من أن يتحول هذا الجدل إلى خطاب تحريضي أو إلى تداول واسع لمعلومات غير موثق بها، فينعكس ذلك على طبيعة النقاش العام وأوضاع المهاجرين داخل البلاد.
وسط هذا المشهد، وجد الإعلام الليبي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فبين نقل المخاوف التي يعبّر عنها الشارع، والالتزام بالتحقّق من المعلومات وتجنب خطاب الكراهية، تفاوتت أساليب التغطية وبرزت تساؤلات حول مدى نجاح وسائل الإعلام في الحفاظ على التوازن المهني عند تناول هذا الملف.
قضية قديمة متجددة
يرى رئيس تحرير صحيفة "الناس" أبوبكر البغدادي أن المفارقة لا تكمن في وجود الهجرة نفسها؛ فالقضية ـ بحسب وصفه ـ رافقت ليبيا منذ سنوات طويلة، وإنما في الطريقة التي تحولت بها فجأة إلى أزمة تتصدر المشهد الإعلامي وكأنها وليدة اللحظة.
ويقول البغدادي: إن الخطاب الإعلامي الذي رافق هذا التصاعد لم يكن متجانسا، مشيرا إلى أن جزءا من وسائل الإعلام تماهى مع المزاج العام الذي اتّسم بالحدّة، بينما فضلت مؤسسات أخرى الابتعاد عن الملف أو معالجته من زوايا تخدم توجّهاتها التحريرية، وهو أمر انعكس على مستوى المهنية في التغطية.
ويضيف أنّ "ما كانت تنشره المصادر المفتوحة - سواء المحلية أو الدولية - كان في كثير من الأحيان أكثر فائدة من الخطابات الشعبوية التي غذّت حالة الاستقطاب وأسهمت في توجيه الاتهامات وإثارة الشارع".
كما يَعتقد أن بعض المؤسسات الإعلامية أخضعت الملف لأجنداتها الخاصة أكثر من إخضاعه للمعايير الصحفية، منوها إلى أن هذا الملف يحتاج إلى بُعد آخر يتمثل في "أنسنة الخطاب الإعلامي" كونه لا يدور حول أرقام مجردة، بل حول أشخاص لكل منهم ظروفه وقصته.
إن ملف الهجرة لا يدور حول أرقام مجردة، بل حول أشخاص لكل منهم ظروفه وقصته، وهو ما يفرض علينا أنسنة الخطاب الإعلامي.
تحدٍ استثنائي
يواجه الصحفي في ليبيا تحديا استثنائيا عند تغطية هذا النوع من القضايا، خصوصًا في ظل تضارب الروايات وسرعة انتشار الشائعات والتداخل بين الأبعاد الأمنية والسياسية والإنسانية، وهو ما يفرض عليه قدرا كبيرا من التريّث في التعامل مع المعلومات؛ حتى لا يتحول إلى طرف في صراع سياسي أو حملة إعلامية لا يملك كل معطياتها.
ومن خلال متابعة ما نُشر وما جرى تداوله، يبدو أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالتحقق من المعلومات أو الجدل حول الوقائع، بل تجاوزه إلى قراءة النيّات وافتراض وجود مؤامرات وتواطؤ، سواء من السلطات الحاكمة شرقا وغربا أو من المنظمات الدولية، وهو ما جعل مهمة الصحفي أكثر تعقيدا.
وفي الآونة الأخيرة، قدّم بعض النشطاء أنشطة المنظمات الدولية المتعلقة بالمساعدات الإنسانية أو برامج العودة الطوعية للرأي العام باعتبارها مشاريع لتوطين المهاجرين، رغم عدم وجود أدلة تثبت ذلك، فأدى هذا إلى زيادة حدة الاستقطاب.
فخ التعميم
بدوره يرى مدير مكتب الخبراء بالهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي رضا فحيل البوم أنّ التغطية الإعلامية لملف الهجرة في ليبيا وقعت - في كثير من الأحيان - في فخ التعميم، مشيرا إلى أن النقاش العام يفتقر إلى بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها لتقييم الأثر الحقيقي للهجرة على البنية التحتية والخدمات العامة والدعم الذي تقدمه الدولة.
ويعتقد البوم أن معظم التغطيات ركزت على الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون، في حين أنها لم تُولِ اهتماما كافيا للآثار الاقتصادية والاجتماعية للوجود الكبير للمهاجرين خارج مراكز الإيواء، ولا لملف سوق العمل غير المنظم والاستفادة من الخدمات العامة.
وأما عن الحراك الأخير فإنّه يرى أن بعض وسائل الإعلام أسهمت أثناء تغطيتها للمظاهرات الرافضة للتوطين في نقل شعارات ومعلومات غير دقيقة، وهو ما زاد من تأجيج خطاب التحريض.
ويستشهد بما حدث عقب المظاهرات من اقتحام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في العاصمة طرابلس وما صاحبه من فوضى واتهامات، مطالبًا الإعلام بتقديم صورة متوازنة تستند إلى الوقائع، وتناقش أسباب الظاهرة وآثارها وحلولها مع تجنّب التحريض أو التعميم أو الخطابات التي قد تؤدي إلى تأجيج الكراهية أو العنف.
ويضيف البوم: "معالجة ملف الهجرة لا ينبغي أن تتحمله ليبيا وحدها؛ فهي مسؤولية مشتركة تشمل دول المنشأ والعبور والمقصد إلى جانب المجتمع الدولي، كما أن انتشار شبكات التهريب وضعف الرقابة على الحدود في أكثر من دولة أسهما في تفاقم الظاهرة".
اعتداءات وطرد
ومن زاوية حقوقية، يرى رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء طارق لملوم أن الخطر لا يكمن فقط في طبيعة الخطاب الإعلامي وإنما في انتقاله من الفضاء الإعلامي إلى الواقع، مشيرا إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت - بحسب متابعته - حالات اعتداء لفظي وجسدي على مهاجرين، إضافة إلى طرد عائلات وأطفال من مساكنهم في الأيام الأولى من موجة التصعيد.
ويقول لملوم إن هذه الأجواء خلقت حالة من الخوف دفعت كثيرا من المهاجرين إلى تجنّب التنقل أو طلب المساعدة، بل إن بعضهم اضطر إلى الاختباء أو الانتقال إلى أماكن أكثر هشاشة، وهو ما جعلهم أكثر عرضة للاستغلال من قبل المهربين وشبكات الاتجار بالبشر.
ويقول: "إن من حق الدولة الليبية إدارة حدودها وتنظيم وجود الأجانب على أراضيها إلا أن ذلك يجب أن يتم وفق القانون واحترام الكرامة الإنسانية؛ فمكافحة الهجرة غير النظامية تعني ملاحقة شبكات التهريب والاتجار بالبشر والاستغلال، وليس معاقبة المهاجرين بصورة جماعية أو التحريض ضدهم."
كما ينتقد لملوم انتشار معلومات غير موثق بها بشأن التوطين، معتبرا أن جزءا من النقاش العام خلَط بين ملفات قانونية وتاريخية داخلية - مثل بعض القضايا المتعلقة بأصحاب الأرقام الإدارية والسجلات المؤقتة - وملف الهجرة الحالي، رغم أن هذه القضايا سبقت الأزمة الراهنة بسنوات طويلة، ويعتقد أن هذا الخلط أسهم في تشويش الرأي العام وإبعاد النقاش عن القضايا الفعلية المرتبطة بإدارة الهجرة.
تبدو مسؤولية الإعلام أكثر تعقيدا من مجرد نقل التصريحات أو متابعة الاحتجاجات؛ فالتغطية المهنية مطالبة أيضا بنقل المخاوف المشروعة التي يثيرها المجتمع، وفي الوقت نفسه عليها أن تتحقق من المعلومات، وأن تتجنب التعميم والتحريض، وأن تتيح مساحة لمختلف وجهات النظر.
مزاعم مغلوطة
لم يقتصر الجدل على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى المنظمات الدولية العاملة في ليبيا؛ حيث حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيته من أن انتشار مزاعم وصفتها بـ"المغلوطة والمضللة" بشأن وجود خطة أممية لتوطين المهاجرين واللاجئين خلَق أجواءً من العداء استهدفت المهاجرين واللاجئين والنازحين، إلى جانب موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني.
وأكدت تيته - في كلمتها أمام مجلس الأمن في 18 يونيو - أن مهمة الأمم المتحدة في ليبيا لا تتمثل في توطين المهاجرين، معتبرة أن التحديات المرتبطة بالهجرة لا يمكن معالجتها عبر "الفبركة والتضليل" وإنما من خلال مؤسسات فاعلة وسياسات تستند إلى الوقائع.
مخاوف مشروعة
وفي ظل استمرار الجدل حول ملف الهجرة، تبدو مسؤولية الإعلام أكثر تعقيدا من مجرد نقل التصريحات أو متابعة الاحتجاجات؛ فالتغطية المهنية مطالبة أيضا بنقل المخاوف المشروعة التي يثيرها المجتمع، وفي الوقت نفسه عليها أن تتحقق من المعلومات، وأن تتجنب التعميم والتحريض، وأن تتيح مساحة لمختلف وجهات النظر.
ولا يمكن إغفال أن جانبا من الجدل الدائر يستند إلى مخاوف يطرحها جزء من الرأي العام تتعلق بالضغوط على الخدمات العامة، وإلى الهواجس الديموغرافية والجريمة المنظمة وانتشار الأمراض في ظلّ دخول أعداد من المهاجرين بطرق غير نظامية ومن دون وثائق رسمية أو بيانات دقيقة لدى السلطات.
وبين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية والأبعاد الإنسانية، يبقى التحدي الحقيقي هو إنتاج خطاب إعلامي يساعد على فهم القضية لا على تعقيدها أو تأجيجها.