طلب الملك "ميداس" من "الإله ديونيسوس" أن يحقق له حلمه، وأن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب، وتحقق له ما أراد. أمسك بحفنة من التراب فتحولت إلى ذهب، وظن أنه أصبح أقوى ملوك الأرض. لكنه عندما جلس إلى مائدة طعامه، أمسك قطعة خبز فتحولت إلى ذهب، وحين حاول أن يشرب الماء، تحول هو الآخر إلى ذهب. أصبح محاطًا بالذهب من كل صوب، لكنه عاجز حتى عن سد جوعه وإطفاء ظمأه.
في الأسطورة اليونانية التي يرويها الشاعر الروماني "أوفيد" في الكتاب الحادي عشر من التحولات، عندما حاز الملك "ميداس" القدرة التي حلم بها، لم يفهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة، بل في معرفة حدود استخدامها.
في الصحافة اليوم، يبدو الذكاء الاصطناعي كلمسة ميداس جديدة؛ أدوات تختصر الوقت، تساعد على العصف الذهني، والبحث المتقدم، وفرز الوثائق، وتحليل البيانات. لكنها قد تتحول إلى نقمة حين نمنحها تفويضًا كاملاً. عندها يفقد الصحفي أهم ما يملك: حكمه المهني والبصمة الإنسانية.
هل تحمي الصحافة نفسها؟
شاهدت يومًا إعلانًا لإحدى نقابات الصحفيين العرب عن دورة تدريبية عنوانها: "كيف تصنع المحتوى بالذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء"، وقبلها تلقيت دعوة من مؤسسة إعلامية عربية لتقديم دورة تدريبية حول إنتاج المحتوى المكتوب والمسموع والمرئي بالكامل بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي الحالتين قدمت اقتراحاً بأن يكون التدريب على الأدوات كمساعد لا كبديل، إلا أن الأمر لم يجد قبولاً إذ أنهم يبحثون عن منتج كامل بالآلة.
يأتي ذلك في سياق تحولات مقلقة يشهدها سوق العمل الصحفي، حيث تشير توقعات جامعة "جورج تاون" للوظائف الصحفية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى انخفاض عدد وظائف الصحافة بنسبة 35% تقريبًا بحلول عام 2031، أي بخسارة إجمالية للصحفيين تتجاوز 20 ألف وظيفة.
لدينا نوعان من الصحفيين، الأول يعيش حالة من الإنكار. يرفض أن يسلم نفسه لآلة الذكاء الاصطناعي، ويردد بأسى: تخلت عنا الصحافة يوم تخلينا عن ورق "الدشت" لصالح برنامج "Word". بينما الآخر مفتتن بما يوفره. يُقدِمُ عليه، يتابع جديد أدواته كل يوم، من توليد الصور والفيديو على سبيل التجربة والمتعة، إلى "اكتب لي"، حيث ينتهي كل شيء.
بين هذا وذاك؛ يمضي الكثير من الصحفيين في عالمنا العربي مهددين بتراجع أدوارهم، إما للتوقف عن التطور والمواكبة، وإما بسبب الإقبال حتى الاحتراق، بينما تبقى هناك منطقة رمادية لم يصل لها جُلّ أبناء المهنة، وهي الاستخدام المسؤول والرشيد للذكاء الاصطناعي في الصحافة.
وضع الاتحاد الدولي للصحفيين مبدأً فاصلاً بين الصحافة والذكاء الاصطناعي يمكن البناء عليه: "إنتاج الذكاء الاصطناعي لا يعتبر صحافة، إلا إذا خضع لإشراف ومراجعة بشرية مناسبة".
أهمية الإشراف البشري
وضع الاتحاد الدولي للصحفيين مبدأً فاصلاً بين الصحافة والذكاء الاصطناعي يمكن البناء عليه: "إنتاج الذكاء الاصطناعي لا يعتبر صحافة، إلا إذا خضع لإشراف ومراجعة بشرية مناسبة".
فيما نصَّ ميثاق باريس بشأن الذكاء الاصطناعي والصحافة، والذي صدر بالتعاون مع 16 منظمة إعلامية دولية في مقدمتها: الاتحاد الأوروبي للصحفيين "EFJ" ومركز "بوليتزر" وأكاديمية "دويتشه فيله" على أن "وسائل الإعلام مسؤولة دائماً عن المحتوى الذي تنشره، ويجب عليها دعم المحتوى البشري، مع ضمان تمييز واضح وموثوق بينه وبين المحتوى المُنشأ أو المُعدَّل باستخدام الذكاء الاصطناعي."
هيئة الإذاعة البريطانية كانت أكثر تشددًا، حيث وضعت قاعدة منعت فيها محرريها من استخدام "AI" لتوجيه محتوى الأخبار أو الشؤون الجارية، بما فيها استخدامه للمساعدة في كتابة أسئلة المقابلات، خشية التحيز وإضعاف المهارات البشرية وظهور المحتوى بشكل غير متجانس.
"BBC" في سياستها التحريرية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وجهت محرريها بأن يأخذوا كل محتوى يُقدَّم إليهم على أنه قد يكون من صنع الخوارزميات أو نتاج "هلوسة" أو تلفيق لا أساس له من الصحة، أو ربما مسروق أو مقلد. كما وضعت تعليمات صارمة لتعامل فرقها الصحفية مع الذكاء الاصطناعي، ربطت فيها استخدام "AI" لتحرير المحتوى، بوجود مسؤول تحريري رفيع المستوى للإشراف على الاستخدام والنشر. ورغم أن وكالة أسوشيتد برس "AP" لديها اتفاقية ترخيص مع شركة "OpenAI"، إلا أنها حظرت على محرريها استخدام "ChatGPT" لإنشاء محتوى قابل للنشر. قائمة محظورات "AP" شملت أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحرير الوسائط بتعديل أو إضافة أو حذف أي عنصر.
في المقابل، تبنت مؤسسات إعلامية كبرى نهجًا، يقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي مع العمل البشري لدعم العمل الصحفي، حيث وصّفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية -في سياساتها- الذكاء الاصطناعي كأداة لدعم وتسريع العمل بما يتوافق مع معاييرها الإخبارية والأخلاقية، في مهام مثل اقتراح محتوى ذي صلة، أو الترجمة بين اللغات، أو فرز الوثائق والصور. فيما ذهبت "الجارديان" خطوة أبعد بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي داخلية، تجسّد القيم والمعايير التحريرية للصحيفة البريطانية، لمهام مثل تحليل البيانات الضخمة، وابتكار أفكار لحملات تسويقية، وكتابة النصوص البديلة للصور، والبحث في الأرشيف، وتحليل الوثائق البرلمانية، وتحويل الصوت إلى نص، بالإضافة لدعم الزملاء عبر التصحيحات أو الاقتراحات، وتبسيط الأعمال الروتينية.
القواعد الصارمة التي وضعتها مؤسسات الصحافة والإعلام وغرف الأخبار العالمية هي محاولة لضبط العمل بالذكاء الاصطناعي وحوكمة استخدامه في الصحافة، للحفاظ على سمعتها المهنية وفرصها، وضمان بقاء أطقمها الصحفية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي يغلب على المحتوى - بما فيه المقالات الإخبارية - إلى الحد الذي أشارت فيه دراسة حديثة أجراها اتحاد البث الأوروبي (EBU) بقيادة "BBC" إلى أن خمس نحو نصف الإجابات الصادرة عن "ChatGPT وPerplexity وGemini" احتوت على مشكلة جوهرية واحدة على الأقل وتضمنت غيرها مشاكل في الإسناد ودقة المعلومات.
وجهت BBC محرريها بأن يأخذوا كل محتوى يُقدَّم إليهم على أنه قد يكون من صنع الخوارزميات أو نتاج "هلوسة" أو تلفيق لا أساس له من الصحة، أو ربما مسروق أو مقلد. كما وضعت تعليمات صارمة لتعامل فرقها الصحفية مع الذكاء الاصطناعي، ربطت فيها استخدام "AI" لتحرير المحتوى، بوجود مسؤول تحريري رفيع المستوى للإشراف على الاستخدام والنشر.
بحسب تقرير معهد رويترز لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026، يُخشى من سيطرة محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء على حساب المحتوى البشري الموثوق به، حيث توقع التقرير تزايدا ملحوظا في عدد مواقع الأخبار المزيفة التي تقدم نفسها كمواقع صحفية، بعدما رصد الصحفي "جان مارك ماناش" في فرنسا وحدها، أكثر من أربعة آلاف موقع إلكتروني للأخبار المزيفة مدعومة بتقنية الذكاء الاصطناعي في ظاهرة يطلق عليها "مزارع المحتوى".
الأمر الذي يؤثر سلبًا على ثقة الجمهور في المؤسسات الصحفية والإعلامية، وفق ما جاء في تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية 2026، الذي أشار إلى انخفاض كبير في استخدام الجمهور للصحف والتلفزيون والإذاعة، وانخفاض طفيف في الإقبال على تطبيقات الأخبار الإلكترونية، في مقابل وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو التي تحتفظ بالصدارة، بوصفها المصدر الأكثر استخدامًا من قبل الجمهور.
وضعت نقابة الصحفيين المصريين كودًا أخلاقيًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة، كان أبرز ما جاء فيه: تلتزم المؤسسات الإعلامية بعدم نشر أي محتوى من إنتاج الذكاء الاصطناعي دون مراجعة بشرية دقيقة، مع الالتزام بمكافحة التضليل والكشف عن المحتوى المعدّل، أو المولّد بالذكاء الاصطناعي، خاصة في السياقات الإخبارية والسياسية، ووضع علامات مائية، أو إيضاحية للكشف عن المواد المُخلّقة بالذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى إعطاء مكافحة التحيز في خوارزميات الذكاء الاصطناعي أولوية، والتزام المؤسسات الصحفية بفحص الأدوات المستخدمة دوريًا للكشف عن أي سلوك تمييزي، مع التشجيع على تدريب النماذج ببيانات متنوعة شاملة لمختلف الفئات واللغات والثقافات لضمان تمثيل عادل. وحذرت نقابة الصحفيين المصريين أعضاءها أيضًا من إدخال المعلومات الشخصية، أو السرية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة دون ضمانات حماية، كما حظرت استخدام الخوارزميات في تتبع سلوك المستخدمين، أو تحليلهم بطرق تنتهك حقهم في الخصوصية.
ماذا سيتبقى من صحفي يطلب من "ChatGPT" أن يكتب له؟ وكيف سيكون مستقبل طالب الإعلام إذا اعتمد على الذكاء الاصطناعي في مرحلة التكوين؟ حيث يناط به اكتساب مهارات مهنته القادمة، وتطوير مهاراته الفطرية، وامتلاك ناصية لغته؟
ماذا تبقى من الصحفي؟
في قاعات التدريب والمحاضرات تكون دائمًا نصيحتي الأولى للزملاء من الصحفيين والإعلاميين، ولزملاء المستقبل من طلاب الإعلام: لا تستخدموا الذكاء الاصطناعي في مهارة مهنتكم الأساسية.
ماذا سيتبقى من صحفي يطلب من "ChatGPT" أن يكتب له؟ وكيف سيكون مستقبل طالب الإعلام إذا اعتمد على الذكاء الاصطناعي في مرحلة التكوين؟ حيث يناط به اكتساب مهارات مهنته القادمة، وتطوير مهاراته الفطرية، وامتلاك ناصية لغته؟
النتيجة في الحالتين، ستكون انحسارًا في المهارات البشرية بفعل التجمد، واعتمادا على الآلة يؤدي في النهاية إلى الاستبدال.
دائمًا ما أجيب عن السؤال الذي يطاردني في كل دورة تدريبية أو نقاش مهني، كيف نحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مساعدة بــ "خمس لاءات وخمس من نعم"؟
خمس لاءات: لا تولد محتوى بالذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري، ولا تستخدمه في فبركة المحتوى، ولا تمنحه أي معلومات سرية أو حساسة، ولا تتخذه مصدرًا نهائيًا للمعلومات، ولا تنشر عندما تشك ويكون التحقق من المحتوى صعبًا، وفقاً للمبدأ: درء الضرر مقدم على جلب المنفعة.
خمس من "نعم" قبل النشر: دقق أولًا (التحقق من المعلومات والبيانات والإحصاءات)، ثم حرر (مراجعة الصياغة والقواعد الإملائية والنحوية وترابط الفقرات)، وراجع النتائج باستمرار أثناء عملية التوليد وحتى الإخراج النهائي لضمان تصحيح المسار، وانسب إلى مصدر، وأفصح بشفافية عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي (كليًا أو جزئيًا) بوضوح.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا يحتاج كل تقدم تقني إلى حدود؟ ربما لأن الإنسان على مر العصور، ظل يكرر الخطأ نفسه كلما امتلك قوة جديدة. ولعل الشاعر الألماني "غوته" صاغ هذا الدرس قبل أكثر من مائتي عام في قصيدته "تلميذ الساحر".
حين حاول تلميذ الساحر العجوز أن يستخدم ما شاهده من تعويذات، لتحويل مكنسة خشبية "لخادم" يقوم بعمله بدلاً منه، ويحمل الماء من النهر للمنزل –في صورة مبكرة لفكرة تفويض العمل إلى آلة- نجح في أول الأمر، لكن النتيجة كانت أن المنزل كاد أن يغرق، بعد أن فشل في إيقاف التعويذة وإرجاع المكنسة الخشبية لسيرتها الأولى، لولا وصول الساحر العجوز للمنزل في الوقت المناسب.
ما بين ميداس الذي جنى الذهب لكنه فقد الحياة، وتلميذ الساحر الذي كاد أن يغرق بقوة أطلقها دون أن يملك السيطرة عليها، يقف الصحفيون أمام الدرس نفسه: المشكلة ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في أن نعرف متى وأين ينتهي دور الآلة، ويبدأ دور الصحفي فلا نضيع تماماً ولا نغفل عن التطور الذي يجري.