لم تنتهِ أحلام محمد الصواف فحسب، بل يشعر أن حياته كلها انتهت. كل جميل انطفأ، بعد أن قُتِلت عائلته في مجزرة كاملة استشهد فيها والداه وإخوته وبعض أطفالهم.
مع كل المآسي التي عاشها في هذه الحرب، والتي لم تتضح لها نهاية بعد، يستمر المخرج الشاب محمد الصواف -الذي لم يسلم من إصابة بالغة- في العمل مع فريقه رغم تدمير الاحتلال مقر شركته.
يقول الصواف: "فقدنا جزءا كبيرا من معداتنا وأجهزتنا، لكن في إطار الإجراء الاحترازي، وكعادتنا في كل عدوان، نحتفظ ببعض الكاميرات والمعدات الخفيفة خارج الشركة، وهكذا استأنفنا عملنا من شقتي في منزلنا بغرب غزة، ثم لما نزحنا استعنّا ببعض مكاتب الأصدقاء، وفي النهاية كانت مقراتنا هي سياراتنا، لم يتخلَّ أحد من الفريق عن استكمال مهمته رغم كل الظروف".
قصص في كل مكان
في الحروب السابقة، انخرط فريق المؤسسة في التوثيق والمتابعة، وإنجاز أفلام تقرب صورة ما يحدث، لكن هل فرضت ظروف الحرب الحالية خطة مختلفة؟
يحكي محمد لــ"مجلة الصحافة": "هذه المرة اتبعنا أسلوبا مختلفا في صناعة أفلامنا؛ لا نملك ترف الإعداد لفيلم وما تتطلبه مرحلة "قبل الإنتاج" من إعداد وسيناريو، كل هذا أصبح يَتِم في الميدان؛ كنا نبدأ مع الصباح الباكر وننتهي في الليل بسبب خطورة التحرك، اتفقنا أن أفلامنا ستُقدّم كما هي، مادة خام مع بعض التهذيب لتصلح للعرض؛ لا تحتاج إلى إضافات وحبكات، فما يجري على الأرض أكبر. يسوقنا تطور القصة مع الأحداث المتسارعة، دائما همنا أن نقدم مواد أعمق من مادة الأخبار والتقارير السريعة، أن نصنع أفلاما تبقى وتؤثر وتسهم في إثارة النقاش ورفع الوعي والتأثير".
تتوالى الأحداث تباعا، بينما يستمر الصواف في سردها: "حدثت الفاجعة الأكبر بقصف منزل العائلة، واستشهاد نحو 47 من عائلتي وأقاربي، وأُصبت إصابة بالغة أقعدتني عن أي حركة نحو ثمانية أسابيع. في تلك الأسابيع رأيت أهوالا لم أتخيل أن من الممكن أن أطيقها؛ ففي الأول من ديسمبر/ كانون الأول استشهد إخوتي مروان ومنتصر في استهداف مباشر، ومعهما ابن عمي محمد فؤاد، الممرض الذي تطوع لرعايتي طوال إصابتي، واثنان من الجيران وعدد كبير ممن تبقى من عائلتي. وبعد ذلك بأربعة أيام، هربنا تحت قصف الدبابات، وأنا هربت محمولا نحو شارع الجلاء غرب غزة، لنجد أنفسنا في منزل بعد ساعات محاصرين بين الدبابات والجنود الإسرائيليين".
اتفقنا أن أفلامنا ستُقدّم كما هي، مادة خام مع بعض التهذيب؛ لا تحتاج إلى إضافات وحبكات، فما يجري على الأرض أكبر. همنا دائما أن نقدم مواد أعمق من مادة الأخبار والتقارير السريعة، أن نصنع أفلاما تبقى وتؤثر وتسهم في إثارة النقاش ورفع الوعي والتأثير.
قضى محمد تلك الفترة متعبا جدا، مقعدا، يحتاج إلى المساعدة في كل شيء، وحتى لا يستطيع قضاء حاجته بنفسه، ثم في آخر الأيام قُصفت الشقة بقذيفة دبابة، وأصيب بعض من كان معه محاصرا بإصابات طفيفة.
ويصف الصواف هذه المرحلة: "كانت من أصعب أيام حياتي، انقطعت عن العالم تقريبا 18 يوما، كنا تقريبا نحو 18 شخصا وطفلة رضيعة، ظن الأقارب أننا استشهدنا، وأصبحنا على يقين أننا مُدركون، إما سيُكشف وجودنا في المنزل فنقصف أو نعدم، وإما أن تأتينا قذيفة من جملة القذائف التي تطلق حولنا فتحرق وتدمر، أصبح همّنا من سيعرف بموتنا، نريد أن نُدفن بكرامة، ولا نريد لجثثنا أن تبقى لنهش الكلاب أو تفعل بها الطبيعة فعلها؛ أصبح هذا أكثر ما يؤرقني".
ومع كل ما سبق، كان شيء آخر هاجسه؛ وهو أن حصارهم يستحق أن يُوثق فيلما، رغم أنها تجربة يصعب توثيقها، مثل مشهد "كيف نوفر طعاما": "يسمع الشباب صوت دجاجة أو بطة هاربة في الشارع، فيخاطرون بأنفسهم يفتحون الباب رغم أن مقابل اكتشافهم موتنا جميعا؛ يستدرجونها، حتى يدخلوها باب المنزل فيرقصون احتفالا بالوليمة، لأشهر لم نذق طعم اللحم، نبقى أكثر من 18 ساعة والدبابات بجانب المنزل والجنود يمشون في الممر بجانبه، ونحن بلا حراك، إلا من يتحرك زحفا، يتفق الشباب على لعب الورق لكنه لعب صامت؛ فينسى أحدهم نفسه فيعلو صوته فجأة، فتصبح قلوبنا في أقدامنا؛ لعلهم انتبهوا، إنها نهايتنا".
انتهت الأيام الأشد سوادا، وعاد محمد لاستئناف عمله مصابا في فبراير/ شباط تقريبا، وبدأ إنتاج فيلم جديد واستكمال أفلام أخرى قد بدأها سابقا؛ إذ يتعدى الأمر مجرد مصدر رزق، ليكون شغفا يواجه به الاستسلام.
ولعل من الأسباب التي تجعل الصواف يواصل تصوير أفلامه هو أنه "يجب أن تكون غزة مرئية، نحن من يعيش فيها، ونعاني مع أهلها أكثر، وإلا من يمكن أن يروي روايتنا ويرفع أصواتنا؟ نؤمن بأن الفلسطيني يجب أن يكون مرئيا، وهذا دورنا. صحيح أنني لم أعد أؤمن بأي عدالة يمكن أن يوفرها هذا العالم، لكن ما يعطينا أملا هو هذا الجيل الذي بدأ يعلو صوته في العالم ويدرك الحقيقة، وأن أفلامنا التي ننتجها بدأت تصلنا أصداؤها وتأثيرها؛ لذا كان يتوجب أن نكمل رسالتنا، نحن لا ننقل أخبار غيرنا وصورهم، كل قصة تظهر في أفلامنا هي قصتنا الشخصية، تشبهنا تماما؛ لذا هي أعمق وأصدق".
تختلف تجربة حرب الإبادة الجماعية عن بقية الحروب السابقة بالنسبة للصواف؛ ذلك أنه لم يعد ثمة وقت للتحضير "فقط انزل بكاميرتك إلى الأرض، واجعل القصة تقودك واصنع فيلمك، كل شخص يمكن أن تقابله يصلح ليكون فيلما، كل شخص أصبح يملك قصته الخاصة التي لم يسمع بها أحد، هذه فلسفتنا؛ فقط تابع القصص وتفاعلها مع الأحداث وستجد فيلمك جاهزا، فيلما خاما لا يحتاج إلا لقليل من المونتاج، هذه هي الأفلام التسجيلية التي يجب أن تُقدَّم خاما أو أقرب إلى الخام للمشاهد، حتى نعكس تجربتنا كما هي".
انزل بكاميرتك إلى الأرض، واجعل القصة تقودك واصنع فيلمك، كل شخص يمكن أن تقابله يصلح ليكون فيلما، كل شخص أصبح يملك قصته الخاصة التي لم يسمع بها أحد، هذه فلسفتنا.
القدرة على الصراخ
حاز محمد وشركته جوائز كبيرة عن أفلامه "مهمة إنقاذ في غزة" و"طفل من غزة"، لكنه يبدو زاهدا في ذلك؛ يقول: "لم نصنع فيلمًا لكي ينال جائزة، ولم تخطر ببالنا الجوائز عندما صنعنا أفلامنا في هذه الحرب، ما نعيشه ونسجله في أفلامنا هو أكبر وأصعب من مجرد التفكير بالجوائز، فلن يكون للجوائز قيمة أمام ما نعيش من أهوال الأفلام، والقصص تفرض نفسها".
ويعتقد أن الفلسفة التي يعمل بموجبها مع الفريق في إنتاج "أفلام خام" ونقل التجربة كما هي، دفعت المنصات والجوائز للالتفات إلى أفلامهم، لما فيها من صدق وواقعية، وتركيز على الإنسان أولا، يقول موضحا: "نادرا ما نناقش أفلامنا من زوايا سياسية، دائما ما نجعل الإنسان وتفاصيله محور أعمالنا، وربما هذا ما يجعلها قريبة للمشاهد".
مواصلة العمل في غزة هي في جوهرها صرخة، فحسب الصواف "لا نملك إلا الصراخ، نصرخ ونقول نحن هنا، وعلى الآخرين أن ينتبهوا أننا هنا، هنا إنسان يريد أن يعيش بكرامة. أفلامنا تمنحنا القدرة على الصراخ، وهذا ما يجعلنا قادرين على السير والإنتاج رغم كل ما حصل، نريد الصراخ، وهو ما نقدر عليه، وهو ما قد يخفف عنا، وهو ما قد يلفت النظر إلينا، على الأقل إن لم يقفوا معنا فلا ضير من أن نزعجهم بصراخنا".
ويشعر محمد بالارتياح تجاه توزيع الفريق في القطاع كله، موضحا أن انتقال معظمه إلى الجنوب أتاح له مشاهدة ما يحدث في القطاع كله في الوقت ذاته، وفي المقابل، لم يكن بإمكانه معايشة ما يعيشه شمال غزة وإدراكه، لو لم يعش فيه ويقاسِ ما يقاسيه.
ويحاول تقريب الصورة: "ما يحدث الآن خصوصا في الشمال، فاق حتى خيالي. ومن ثَم، فوجودي هنا، ووجود الجزء الأكبر من فريقي في الجنوب، جعل عملنا يتكامل، الأفلام التي نعمل عليها حاليا تتوزع قصصها بين الشمال والجنوب، لتظهر التجربة كاملة، أشاهدها بعيني وعين فريقي معا، فتكون الصورة واضحة ومتناسقة".
ويرى الصواف أن نزوح جُل الصحفيين إلى الجنوب، وخروج وكالات الأنباء من القطاع، ومنع الإعلام الأجنبي من الوصول إلى غزة، أثّر على توثيق الصورة وكشف الجرائم (وهذا كان هدفا رئيسا للاحتلال) مستدركا: "لكن وجودنا وثبات عدد من الصحفيين ومخاطرتهم بأنفسهم أفشل هذا الهدف جزئيا؛ إذ بدأت الصورة تصل، والأفلام التي تخرج من غزة وتروي ما يحدث تكتسب احتراما في أرقى المحافل، ومن ثَمّ بدأ الاحتلال يفشل في محاولاته، وأخذت أعمدة روايته المكذوبة تتهاوى".
هذه الحرب يجب ألا تُنسى تفاصيلها بمجرد توقفها أو بعد توقفها، يجب أن نبحث عن قوالب جديدة لنقل تفاصيل ما يحدث وما حدث بصدق وواقعية، لكن بقالب مستدام يمكن للجميع مشاهدته في أي وقت، حتى بعد مئة عام، وفي الدراما الوثائقية وجدنا واحدا من هذه الأساليب
بساطة الفيلم عمق التجربة
ومع كل ما ألمّ بمحمد، فهو ممتنّ لهذه التجربة التي علّمته أن "لا شيء يمكن أن يمنعه من صناعة فيلم"، وثبت له أنه كلما مال الفيلم إلى البساطة، وكانت القصة مباشرة وغير متكلفة دون زركشة، زادت فرصتها في التأثير والإلهام، "هكذا في الأفلام التسجيلية، تكون أقرب للمشاهد، وأكثر واقعية وصدقا". ويكشف عن أنه يحضر لإنتاج عمل مشترك مع صناع أفلام عالميين، يروي قصة الحرب بأسلوب يجمع بين الدراما والوثائقي.
فأمام رعب وجوع وموت ودمار ونزوح، تتأتى "خلطة" غير مألوفة لتوثيق الحرب بالأفلام. فـ"المأساة التي نعيشها غير تقليدية وتجاربنا جميعا كذلك، ومن ثَمّ فإن طريقتنا في صناعة أفلامنا ستكون غير تقليدية، ومع ذلك، بعد أن بدأنا نستفيق قليلا، نفكر في قوالب جديدة تديم قصتنا، هذه الحرب يجب ألا تُنسى تفاصيلها بمجرد توقفها أو بعد توقفها بسنين أو حتى عشرات السنين، يجب أن نبحث عن قوالب جديدة لنقل تفاصيل ما يحدث وما حدث بصدق وواقعية، لكن بقالب مستدام يمكن للجميع مشاهدته في أي وقت، حتى بعد مئة عام، وفي الدراما الوثائقية وجدنا واحدا من هذه الأساليب".
تلقي حرب الإبادة على عاتق صنّاع الأفلام مسؤولية الاجتهاد في صنع مزيد من الأفلام بفهم ومهنية وعمق أكبر، وأن يصبروا عليها حتى تنضج "فلا نسلقها سلقا"؛ فحرب الإبادة لا تحتاج فحسب إلى أفلام صارخة مليئة بالحقيقة والوقائع وصدق الرواية، بل تفرض على المهتمين البحث عن طرق للوصول إلى منصّات جديدة، أي "يجب ألا نصنع أفلاما لجمهور واحد ومنصة واحدة، الناس في الخارج لديهم الاستعداد لمشاهدة قصصنا، ونحن فاشلون لحدود الآن في التوزيع".
تستمر حرب الإبادة الجماعية، لكن الصواف وفريقه يواصلون الاشتغال ويلتقون بوتيرة شبه يومية، وثمة ما يثير الإعجاب بشأن طريقة إدارته للفريق في أحلك الأزمات: "السؤال الأول لدينا دائما هو: "كيف يمكن أن نفعل؟" لا "ما رأيكم أن نفعل؟" فلا يصبح النقاش مبدئيا في الفعل، بل في سبل تحقيقه، ومن ثم يبدأ الجميع التفكير في كيفية إنجازه، دائما ما أحث نفسي والفريق: "اهتم بنفسك وعائلتك أولا، لكن لا تركن إلى اليأس. حاول، ولو لبضع ساعات، أن تفصل بين همومك ومخاوفك الشخصية عندما تبدأ في مرحلة من مراحل صناعة فيلم، بقدر ما تستطيع ذلك، سيكون إنجازك أكبر، لا تحزن لدرجة الشلل على ما فاتك، بل دعونا نستكمل ما بدأنا".