"كلما تقدمتُ في العمر قوّمتُ نفسي أكثر. هي أوقات ممتعة تلك التي أقضيها في تقويم نفسي، أشبه ما تكون بالنحت في الصخر وإخراج كل الزوائد من الرخام وصولا إلى الشكل المنشود".
مارتين كابارّوس
تكمن أهمية النص الصحفي في أن تكون كل كلمة فيه ضرورية، ألا تدع مجالا لأحد أن يتساءل عن الجدوى من استخدام كلمة ما في موضع معين، أن تكون كل كلمة جديرة بمكانها في النص. يؤكد الكاتب والصحافي والمؤرخ الأرجنتيني مارتين كابارّوس في لقاء بإسبانيا.
إيجاد الكلمات الصحيحة؟ أسأله ويجيبني على الفور: "إياك أن تستخدم كلمة جديدة لمجرد أنك لا تريد تكرار كلمة ذكرتَها قبل خمسة أسطر، إنما عليك أن تضعها إذا كانت هي الكلمة المناسبة والأقدر على أن تعبر وتصف ما تريد قوله تماما، حتما ستقع في كثير من الريبة في هذا المجال، لكن إنتاج تلك الريبة التي ستوصلني إلى ضرورة استخدام كلمة معينة في هذا السياق يمنحني سعادة عارمة، وأحب أن أعمل بهذه الطريقة".
يعدّ كاباروس مرجعا في الصحافة والأدب في أميركا الجنوبية والوسطى، نصف قرن من العمل في الصحافة تقريبا، وأكثر من ثلاثين كتابا، نصفها تُرجم إلى الإنجليزية والإيطالية والألمانية. يحدثنا الصحفي الأرجنتيني عن أبرز الأخطاء التي وقع فيها حين بدأ حياته المهنية بصحيفة "Noticias" في بوينوس آيرس في الأرجنتين عام 1973.
"حين بدأتُ العمل الصحفي كان يشغلني أن أظهر كمّ المعارف التي أمتلكها، كنت أملأ نصوصي بحبكات معقدة أكثر من اللازم، أخلق صيغا لغوية فريدة وصعبة، منحني ذلك شعورا بالرضا، كنت كذلك حتى تنبهت إلى أن جمالية النص الصحفي تكون بألا يحتوي أي زيادة على ما هو ضروري، أن تُبرز المعنى الجوهري فحسب".
تكمن أهمية النص الصحفي في أن تكون كل كلمة فيه ضرورية، ألا تدع مجالا لأحد أن يتساءل عن الجدوى من استخدام كلمة ما في موضع معين، أن تكون كل كلمة جديرة بمكانها في النص.
معركة ضد الناشر
خلال العامين الماضيين وبينما كانت تطغى جائحة كورونا على الأحداث، انكفأ مارتين كاباروس على نفسه في شقته بِتورّيلودونيس للعمل على ثلاثة كتب، أحدها رواية، والثاني كتاب من السرديات والمقالات الصحفية، إلى جانب إعادة تأليف كتابه "Boquita"، وهو كتاب يتحدث عن الشغف بكرة القدم وفريق بوكاجونيورز. كان ذلك هو المتوقع بعد أن رمى باستقالته في وجه الناشر بصحيفة نيويورك تايمز التي كان يكتب عمودا أسبوعيا فيها إثر خلاف بينهما. نشر كاباروس أسباب استقالته على وسائل التواصل: ناشرٌ من جيل الألفية طغت عليه الأفكار والتوجهات السلطوية، كان يَسلُك مِقصا قاتلا في مقالاته، ونتيجة لهذا الصراع، ولإدراكي أن كل الصحفيين في العالم واجهوا "معارك في المُبارَزة" كهذه مع الناشرين، انتهى بي المطاف إلى قناعتي بما فعلت.
"لطالما وددت أن أحظى بناشر يعرف ويجيد ما يقول، يعزز الأفكار التي أعرضها في مقالي. إن عمل الناشر يتمحور في إظهار النص الذي كتبه أحد الصحفيين في أفضل صورة. هذا ما ينبغي للناشرين أن يفهموه، ألا يُضفوا طابعهم الخاص وأسلوبهم على كتابات الآخرين، لماذا يحولون سَريان النص من لسان الصحفي إلى لسان الناشر نفسه؟ عليهم أن يراعوا الأساليب والصيغ التي يبدعها الآخرون ويحرصوا على أن تزهر في أبهى صورها".
يقول كاباروس: "أشاركك في انزعاجك من الناشرين، بالنسبة إلي فإنني لا أعمل مع جهات تحتّم عليّ أن آتي بالنصّ في الحال، الأعمدة الصحفية التي أكتبها الآن لصحيفة إلباييس الإسبانية أعدّها قبل عشرة أيام من موعد تسليمها، أراجعها كل يوم، وفي كل مرة أجد موضعا أو اثنين أو أكثر بحاجة إلى تعديل، أقرأ نصي بعيون الآخرين، هما عيناي ذاتهما لكن بمرور الوقت ستدرك أن بإمكانك تمييز الأخطاء وكل ما ينبغي معالجته".
حين بدأتُ العمل الصحفي كان يشغلني أن أظهر كمّ المعارف التي أمتلكها، كنت أملأ نصوصي بحبكات معقدة أكثر من اللازم، أخلق صيغا لغوية فريدة وصعبة، منحني ذلك شعورا بالرضا، كنت كذلك حتى تنبهت إلى أن جمالية النص الصحفي تكون بألا يحتوي أي زيادة على ما هو ضروري، أن تُبرز المعنى الجوهري فحسب.
إذا كان جول فيرن في روايته قد طاف العالم في ثمانين يوما، فإن مارتين كاباروس لم يَفُته سوى القليل من البلدان التي لم يزرها خلال ثمانية وأربعين عاما من عمله الصحفي. في تقاريره وسردياته الصحفية صوّر لنا الأرجنتين كلها، تنقّل بين المكسيك وبوليفيا والبيرو وأميركا الوسطى، أُجريت معه مقابلات صحفية في إسبانيا والبرتغال وكولومبيا، سافر إلى تايلاند وجنوب إفريقيا وإلى أشد المناطق عنفا في الشرق الأوسط، ليروي لنا كل المآسي وكل المسرّات التي تعيشها الشعوب على اختلافها.
يرى كابارّوس أن عمل الصحفي في أبسط صوره هو التحقق من المعلومات والوقائع وروايتها: "عليك أن تكون صريحا في الصحافة، أن تكون موثوقا وحاذقا"، أن تميز بمهارة الفوارق بين السياق العام للأحداث والبيانات التي تحصل عليها عن شخصية ما.
"ليس لك أن تكتب نصك بينما أنت تفكر في إزعاج (س) أو (ص) من الشخصيات، أكان ذلك سياسيا أم رجل أعمال أم واحدا من قادة المجتمع، ما عليك سوى أن تكتب ما تحصل عليه من معلومات، ولك الحق في أن تروي كل ما تراه".
"أكره سطحية الصحافة، لا أطيق عجرفتها الغبية، عُقمها وغرورها وغموضها في كثير من الأحيان، إنني أحترم بل أحسد من يكتب نصا واضحا وصريحا، يجمع فيه جمال أسلوبه والتهاب ذكائه في آن، أجهَد في فعل ذلك منذ ثمانية وأربعين عاما، وليس لدي أدنى شك في أن حياتي ستكون أسوأ لو اتبعت نهجا آخر، تبدو الصحافة عملا سهلا، ليس تعلُّمُها أمرا مضنيا، لكن تطبيقها وإجادتها أمر آخر تماما".
يلحّ الكاتب ويحاجج بأن واحدة من الأطروحات الأساسية في الصحافة هي "الاستمتاع بالاستماع" إلى مصادرك، بينما أنت تتحقق من صحة ما كنت تظن أنك تعلمه، وأنت لا تعلم.
"سيكون الفضول سببا أول فيما تُقدِم عليه من عمل، تلك الرغبة الشديدة في معرفة الأمر وروايته، ذاك الدافع الغريب الذي لا يتركك تهدأ حتى تصل إلى مبتغاك بأنك فهمت ما الذي جرى، وهكذا يمكنك أن تبدأ رواية الخبر، ولكن في أحيان أخرى قد يكون دافعك روح المغامرة، مع أن كثيرا من المغامرات لا تنتهي بما كنت تتخيله قبل انطلاقها، وقد لا يكون دافعك سوى إيجاد طريقة للظهور أمام المتابعين، أو تحسين طريقتك في ذلك. هو وهم خادع لكنني أظن أنه حتى لو كان كذلك فإن لا شيء سواه سيُحقق مبتغاك، والصحافة الماكرة بطبيعتها تستطيع إقناعك من حين لآخر بأنك تؤديها على أكمل وجه".
"تشغل بال الصحافي مسألة كيفية أداء عمله بكفاية، حيث ينبغي له إيجاد الطرق والأساليب اللغوية لرواية الوقائع، والأهم من ذلك أن يجد مادة يُحدث الناس عنها، أما أنا فسأوجّه الكثيرين من الصحفيين الجدد إلى السرقة، أجل، المسألة كلها يمكن حلها بالسرقة، لكن دعني أوضح، يجب أن تحسن الاختيار، ممن تسرق وماذا تسرق، ليست هناك طريقة لتشكيل أسلوبك الخاص في الكتابة دون المرور بأساليب غيرك من الكُتّاب. أن تمر على نصوصهم ومقالاتهم، ثم تختار أساليب الصياغة وطرق الكتابة التي ترغب في أن تصبغ نصوصك، ثم عليك أن تجيد استخدامها وإدماجها في محتوى مقالك، وبتراكم الوقت والخبرة ستلاحظ كيف يتشكل أسلوبك الخاص. ليست هناك وصفة نافعة غير تلك، ولا أظن أن شيئا أكثر متعة من قراءة ما يكتبه الآخرون، أن تقرأ الكثير وبِنَهم، لا أفهم كيف يمكن لأحد على أي وسيلة إعلامية أن يروي بلسانه -حتّى من دون كتابة- أي حدث دون أن يقرأ، إنه مثل من يريد عزف الجيتار دون أن يستمع إلى أي قطعة موسيقية".
قيل ذات مرة إن ممارسة الصحافة هي الإخبار بالأمور التي يرغب البعض في أن تظل طي الكتمان، أما اليوم فبإمكاننا القول إن ممارسة الصحافة هي إخبار الناس بأمور لا يرغبون في معرفتها أساسا، وهذه معركتك مع الجمهور، أن تحارب اتجاهاتهم المعرفية المنحدرة صوب أخبار الاستعراض.
يقول كابارّوس مؤلف كتاب الحب والفوضى إن على الصحفي أن يخوض معركة ضد الجمهور، ويوضح ذلك بأن الأنباء الأكثر مشاهدة في أيامنا هي التي تتحدث عن الخلافات الاعتيادية بين المشاهير من ممثلات ومطربات، وعن ثروات لاعبي كرة القدم وعن أخبار عشيقاتهم كذلك، وعن آخر الجرائم التي يرتكبها رجال العصابات وتجار المخدرات، وحتى فيديوهات قصيرة لمواقف مضحكة تتعرض لها القطط والكلاب. إنها "حرب الأزرار والإعجابات" التي تُشَن اليوم ضد إمبراطوريات الصحافة العظمى، حرب ألقت بالصحافة الجيدة جانبا، تلك الصحافة التي تبحث وتتقصى وتحلل الأسباب الكامنة وراء مجريات الأمور.
"قيل ذات مرة إن ممارسة الصحافة هي الإخبار بالأمور التي يرغب البعض في أن تظل طي الكتمان، أما اليوم فبإمكاننا القول إن ممارسة الصحافة هي إخبار الناس بأمور لا يرغبون في معرفتها أساسا، وهذه معركتك مع الجمهور، أن تحارب اتجاهاتهم المعرفية المنحدرة صوب أخبار الاستعراض الفني والجرائم المختلفة والحياة الخاصة لنجوم الرياضة، عليك أن تقدم بين أيديهم ما تؤمن بأهمية الاطلاع عليه، ما تفرضه عليك مهنيتك وما تستوجبه سنوات من الدراسة والخبرة قضيتها في الصحافة، عليك أن تواصل العمل وأن تعزز إيمانك بأن يوما سيأتي على هذه الجماهير تعطي فيه كل نص صحافي حقه من الاهتمام".
لا أدري إن كان أحدهم قد ترجم بالصدفة أو بغيرها أي نص لمارتين كابارّوس في العالم العربي، أما أنا فأعدّه أفضل سارد صحفي متحدث بالإسبانية في العالم أجمع، الكاتب الذي يصفه الكثيرون بالأرجنتيني البغيض، الصحفي الذي لم يتبق من نظرائه سوى أقل القليل، والذي لا يجرؤ أحد على محاولة تقويمه أو تصحيح مساره، يمضي من بلد إلى بلد ينثر على الجمهور مؤلفاته المتنوعة، أو كما يقدم نفسه في مدونته الخاصة:
"كثيرا ما قالوا إنني لا أطاق، وصفوني بأني أحمق مغرور لا أحد يستطيع إصلاحه، والحقيقة أنني بدأت أتفهم الأمر، نحن الصحفيين، كذلك تماما".