مع كل صباح، تفتح البوسنية رميزة غورديتش درجها الخشبي، لا لتبحث عن شيء جديد بل لتتأكد أن الصور ما زالت هناك. صور زوجها وولديها وهم يبتسمون للكاميرا بملامح لم تتغير يوما، أما هي فقد كبرت ثلاثين سنة منذ غيابهم.
في كل مرة تفتح فيها الدرج، تعود بها الذاكرة إلى 11 يوليو/تموز 1995، التاريخ الذي غيّر حياتها
"يا بني، دعني ألبسك الدّمِيّة (تنورة تقليدية
لم يستطع مصطفى الذي يكبر شقيقه بسنتين السيطرة على ارتجاف يديه وهو يلف السجائر باكيا "وماذا أفعل أنا يا أمي؟" فردّت وهي تكتم خوفها "يا بني، لا يمكنك أن تضع منديلا؛ لحيتك ستفضحك".
لم تدم تلك اللحظة طويلا؛ فمع سيطرة القوات الصربية على البلدة، لجأت رميزة مع آلاف النساء والأطفال إلى محيط قاعدة للأمم المتحدة في بوتوتشاري المجاورة طلبا للحماية، أما زوجها وابناها فاضطروا لاتخاذ القرار الصعب بالهروب عبر الغابات مع باقي الرجال والصبيان خوفا من الأسر أو الإعدام.
قبل افتراق العائلة نهائيا، ودّع مصطفى والدته بصوت مكسور قائلا "لن نلتقي بعد اليوم يا أمي"، لكنه كان الوحيد الذي رأته لاحقا من نافذة حافلة أثناء إجبارها مع آلافٍ غيرها على مغادرة القاعدة الأممية إلى خارج سربرنيتسا. كان مصطفى وقتها أسيرا مكبل اليدين، وقد نُزعت عنه ملابسه باستثناء سرواله الداخلي. نظر إلى أمه نظرة الوداع ثم أومأ برأسه إلى الأرض قبل أن يُقتاد إلى مزرعة قريبة ويُعدم ميدانيا إلى جانب مئات آخرين من سربرنيتسا في 16 يوليو/تموز 1995.
أما والده فقد أعدم قبل ذلك بثلاثة أيام بالطريقة ذاتها في قرية مجاورة، فيما قُتل مهر الدين أيضا في الشهر نفسه خلال محاولته النجاة، لكن تفاصيل مقتله الدقيقة ظلت غير واضحة.
وهكذا خسرت رميزة في أيام معدودة معظم أفراد أسرتها لتصبح واحدة من أمهات سربرنيتسا اللواتي عشن فاجعة قتل أكثر من 8 آلاف رجل وفتى مسلم ضمن حرب بدأت عام 1992 وراح ضحيتها نحو 100 ألف شخص غالبيتهم من البوشناق.

خسرت رميزة في أيام معدودة معظم أفراد أسرتها لتصبح واحدة من أمهات سربرنيتسا اللواتي عشن فاجعة قتل أكثر من 8 آلاف رجل وفتى مسلم ضمن حرب بدأت عام 1992 وراح ضحيتها نحو 100 ألف شخص غالبيتهم من البوشناق.
صدمة رميزة لم تتوقف عند فقدان زوجها وابنيها و32 فردا آخرين من عائلتها؛ فقد بدأت معركة أخرى استمرت سنوات طويلة للبحث عن رفاتهم، قبل أن تكشف التحقيقات أنه عُثر عليها موزعة في ثلاث مقابر جماعية مختلفة.
فرغم انتهاء الحرب عام 1995، تروي رميزة أن أول خبر عن عائلتها وصلها
لم يطاوعها قلبها أن تدفنه ناقصا، ترددت كثيرا، لكنها قررت مواراته الثرى بما توفر من رفاته إكراما له وانتظارا لليوم الذي قد يُعثر فيه على بقية أجزائه.
عام 2022، جاءها اتصال جديد "وجدنا مزيدا من بقاياه". وافقت على إعادة نبش القبر وضم ما عُثر عليه إلى ما سبق، لكن الرأس بقي مفقودا.
سألت الطبيبَ في المشرحة عن الرأس فأجاب "ربما لن يُعثر عليه أبدا؛ فعلى رقبته أثر يوحي بأن رأسه قُطع ذبحا دون وجود أي رصاص في جسده (..) والذين ذُبحوا يصعب العثور على رؤوسهم". منذ ذلك اليوم، أصبحت قصة مهر الدين تطاردها باعتبارها فرصة نجاة لم تكتمل وحالة دفن منقوصة. تقول "أكثر ما يؤلمني أنني لم أستطع أن ألبسه لباس النساء وأخفيه عن أعينهم؛ أن آخذه هو على الأقل معي".
كان مهر الدين كما تصفه أمه "مجتهدا، لم يبق له إلا جزء واحد من القرآن حتى يصبح حافظا". وتردد رميزة على الدوام "لم ألده بلا رأس، لقد ولدته طفلا جميلا كاملا، وما زلت أبحث عنه منذ 30 سنة.

بعد الحرب، غادرت رميزة بلدتها المنكوبة لتعيش اليوم مع ابنتها (الناجية الوحيدة من عائلتها الصغيرة) وزوج الأخيرة وثلاثة أحفاد في ضواحي العاصمة البوسنية سراييفو، لكن ذاكرة سربرنيتسا لم تغادرها قط.
في قلب هذا الألم الممتد بقي سؤال واحد بلا جواب: أين الجزء الغائب من مهر الدين؟ هنا يعمل معهد الأشخاص المفقودين في البوسنة والهرسك (رسمي) ليكونَ آخر خيط يُوصل رميزة بما تبقى من ابنها المفقود.
صادق سليم أوفيتش - المحقق في المعهد منذ 30 عاما - لا يفسر نقص بعض الرفات كرأس مهر الدين بمرور الزمن فقط بل بـ"هندسة الإخفاء" التي اتبعتها القوات الصربية للتغطية على الجرائم. يشرح أنهم حفروا المقابر الجماعية ثم استخدموا الآليات الثقيلة لتمزيق الجثث ونقل الأشلاء إلى مواقع أخرى بحيث ينتهي
إضافة إلى ذلك، "كثير من مواقع الجرائم كانت قرب الأنهار، وهذه مع الأسف أكبر مقابر ضحايانا. قد لا نعثر أبدا على من انتهى الأمر بهم في المياه".
صدمة رميزة لم تتوقف عند فقدان زوجها وابنيها و32 فردا آخرين من عائلتها، فقد بدأت معركة أخرى استمرت سنوات طويلة للبحث عن رفاتهم، قبل أن تكشف التحقيقات أنه عُثر عليها موزعة في ثلاث مقابر جماعية مختلفة. ورغم انتهاء الحرب عام 1995، تروي أن أول خبر عن عائلتها وصلها سنة 2003

يختصر سليم أوفيتش المشهد بأرقام ثقيلة "ما زلنا نبحث عن 7561 ضحية من الحرب. أما سربرنيتسا فما تزال تحمل جزءا من الملف المفتوح، مع استمرار فقدان ما يقرب من ألف ضحية فيها منذ 1995"، من بينها باقي رفات مهر الدين. ومع ذلك، يقول إن المشكلة ليست دائما في "العثور" بل في "التحقّق"؛ فقبل ترسيخ تحليل الحمض النووي DNA، كانت عمليات التعرّف تجري أحيانا بوسائل تقليدية مثل الملابس والمتعلقات "ثم تبين لاحقا أن هناك أخطاء".
يستدل على صعوبة التحقق بـ "وجود نحو 2000 قطعة رفات في المشارح لم يجر التعرف على أصحابها حتى الآن". وعن طريقة عملهم، يروي أنه عندما يصل إلى المعهد بلاغ عن بقايا بشرية، تبدأ رحلة طويلة من أخذ إحداثيات الموقع وتوثيق المكان ثم رفع طلب للنيابة العامة التي تستصدر أمرا من المحكمة. وبعدها "نخرج مع الشرطة والطبيب الشرعي لجمع الرفات، وتُرقّم العظام، وتُنقل للفحص، ثم تُؤخذ أفضل عينة منها وتحال إلى تحليل الحمض النووي".
في بعض الأحيان "تُجرى هذه العملية التي تستغرق من 3 إلى 4 أشهر لعظمة واحدة فقط، لكن النتيجة قد تعيد اسما مفقودا وتفتح قبرا جديدا وتخفف شيئا من آلام أم مثل رميزة"، هكذا يقول أوفيتش. ويختم بأن عمل المعهد لا يتوقف عند المقابر المكتشفة "سنعود مجددا إلى بعض المواقع وننبشها من جديد، خصوصا تلك التي فُتحت في مراحل مبكرة من التحقيقات. نعتقد أننا قد نعثر على المزيد هناك".
وبينما يحاول معهد المفقودين إعادة أسماء فُقد الأمل في العثور عليها، يعمل مركز سربرينتسا - بوتوتشاري التذكاري (رسمي) على حفظ ذاكرة الناجين مثل رميزة لتصبح شهاداتهم أرشيفا للحقيقة يقاوم محاولات التغييب والإنكار. فهذا المركز الواقع مقابل مقبرة بوتوتشاري التي تضم الآلاف من ضحايا سربرنيتسا، لا ينظر إلى شهادة الأم التي فقدت أفرادا من عائلتها بوصفها قصة شخصية عادية، بل يعدها وثيقة تاريخية وأخلاقية ذات أهمية عامة.
صادق سليم أوفيتش، المحقق في حالات الأشخاص المفقودين منذ 30 عاما، لا يفسر نقص بعض الرفات بمرور الزمن فقط، بل بـ"هندسة الإخفاء" التي اتبعتها القوات الصربية للتغطية على الجرائم.
المتحدثة باسم المركز ألماسا صالح أوفيتش تقول: إن عملية توثيق القصص تبدأ بعد موافقة طوعية بمقابلة يُديرها بعناية فريق التاريخ الشفهي بالمؤسسة ضمن بيئة آمنة وداعمة تُراعى فيها الحالة العاطفية للشاهدة. ثم تُفرَّغ الشهادة وتُترجم إلى اللغة الإنجليزية، وتفهرس وتؤرشف مع الالتزام الصارم بالمعايير الأخلاقية وحماية البيانات الشخصية.
ويهدف كلّ جزء من هذه العملية إلى صون أصالة صوت الناجية، من دون تهويل أو استثمار لآلامها - وفي الوقت نفسه - مع ضمان أن تخدم الشهادة إثبات الحقيقة والذاكرة الجماعية، كما تقول ألماسا صالح أوفيتش. وعن دور المركز في مسار العدالة، توضّح أن مهمته الأساسية تتمثل في جمع الأدلة وحفظها وتنظيمها، بما في ذلك شهادات الناجين والمتعلقات الشخصية للضحايا والمواد الأرشيفية والوثائق المستندة إلى حقائق ثبتت قضائيا.
وبما يتوافق مع القانون والإجراءات المعمول بها، يتعاون المركز مع المؤسسات القضائية الوطنية والدولية والباحثين والنيابات العامة، ويمكنه بناء على الطلب وعند الحاجة تزويد الجهات المختصة بالوثائق أو المواد الأرشيفية ذات الصلة ضمن الأطر الأخلاقية والقانونية.
ويضمن عمل المركز أن "تبقى الأدلة والشهادات محفوظة ومتاحة ومحمية من الإنكار والتحريف، بما يسهم في مسار العدالة على المدى الطويل، حتى عندما تستمر الإجراءات القضائية سنوات أو عقودا". وبالنسبة للمركز التذكاري، فإن العدالة لا تختزل في حكم قضائي بقدر ما تعني حماية الحقيقة بصورة دائمة وصون كرامة الضحايا ومسؤولية المجتمع في مواجهة الماضي.
أمّا رميزة فتضع هذا المعنى في صيغة أكثر مباشرة؛ تقول إنها لا ترغب بالانتقام لكنها ما تزال تنتظر الوصول إلى قتلة أفراد عائلتها ومحاكمتهم، وأن يأتي اليوم الذي تُغلِق فيه قبر مهر الدين بدفنه كاملا.