قبل عدة سنوات، ألقت مصورة صحفية أوروبية بارزة محاضرة حول عملها في نادي «فرونت لاين» (Frontline Club) في لندن، وبعد عرض للصور وشرح لآلية عملها الذي يوثق حياة اللاجئين في السودان والأمهات في الضفة الغربية، سألها أحد الحاضرين "هل تنتقص "الجمالية" البصرية اللافتة لهذه الصور من سياقها والمعنى الكامن خلفها؟".
كان سؤالا وجيها؛ فبصفتي مصورا صحفيا أدرك أن العمل - كي ينشر ويُعتمد - يحتاج مع الصدق إلى عناصر بصرية جمالية تلفت المشاهد، وتصل إلى أكبر قاعدة من الجمهور.
وتعد مسابقات التصوير الصحفي والوثائقي مثالا بارزا على ذلك؛ إذ تقوم على نموذج تجاري يحصل فيه المصورون الفائزون وأعمالهم على جوائز مالية ومعدات تصوير وحوافز أخرى. لكن موضوع الصورة - أعني الشخص المصوَّر- "يفوز" أيضا، وتدخل صورته فيما يمكن تسميته "الحياة الثانية" للصورة؛ مرحلة تمتد إلى ما بعد المسابقة وتُستخدم في الترويج والمعارض ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وكثيرا ما يحدث ذلك في سياقات بعيدة عما تخيّله الشخص نفسه أو حتى المصوِّر.
وفي خضم العملية التي تختار بها المسابقات الصور الفائزة وما يلي ذلك من نشر وتوزيع في بيئات مغايرة، تصبح الحدود الفاصلة بين "التوثيق الصادق" و"الصورة الجمالية" الموجهة للاستهلاك الجماهيري أكثر ضبابية.
«الحياة الثانية» لصورة فائزة
تعد مسابقة (World Press Photo) من أبرز المنافسات في التصوير الصحفي عالميا، وهي المسؤولة عن تنظيم جولات للمعارض الفوتوغرافية للمتسابقين حول العالم وتساهم في التعريف بالفائزين والمتأهلين للتصفيات النهائية وتكريم أعمالهم على نطاقٍ دولي.
وكانت الصورة الفائزة بجائزة «صورة العام 2025» بعدسة المصورة سمر أبو العوف لصالح صحيفة نيويورك تايمز عملا صادما وجريئا؛ فهي بورتريه للطفل محمود عجّور البالغ من العمر تسع سنوات، والذي فقد ذراعيه في غارة جوية على غزة. وصفت لجنة التحكيم الصورة بأنها تمتاز بـ "تكوين بصري قوي واعتناء دقيق بالإضاءة، يحث على التأمل ويثير تساؤلات حول مستقبل ومصير هذا الفتى الصغير الجريح".

استُخدمت صورة سمر الفائزة - وهي ابنة غزة - في الحملة الترويجية للمعرض المتنقل لمسابقة «World Press Photo»؛ حيث علقت صورة محمود مبتور الذراعين على جدران السلالم المتحركة في مترو برشلونة. هذه - في أحد وجوهها - هي "الحياة الثانية" للصورة التي تُستخدم للترويج للمعرض ودعوة الجمهور إليه.
تتأمل الدكتورة سافانا دود المؤسسة والمديرة لـ «مركز أخلاقيات التصوير الفوتوغرافي» هذا الانفصال بين الصورة ولحظة التقاطها الأصلية:
"هناك مرحلة التقاط الصورة، ثم هناك مرحلة مشاركتها. وأعتقد أن هذين الأمرين يقع الخلط بينهما في كثير من الأحيان... وأرى أنه من الأفضل الفصل بينهما والتعامل معهما بصفتهما عمليتين مستقلتين؛ فالموافقة على التقاط الصورة لا تعني بالضرورة الموافقة على ظهورها في شريط الأخبار أو على لوحة إعلانية ضخمة".
وفي كتابها «ثقافة الصدمة الشعبية: تسويق آلام الآخرين في وسائل الإعلام الجماهيرية»، (Popular Trauma Culture: Selling the Pain of Others in the Mass Media) تصف آن روث كيفية توظيف الصدمة (التروما) في الثقافة المعاصرة، وكيف يمكن للتغطيات الإعلامية للمعاناة أن تستخدم لصناعة "قصة أو سردية" تباع إلى الجمهور، مستشهدة بنماذج من تجسيد "الهولوكوست" في السينما، فضلا عن الصور ومقاطع الفيديو التي تستخدمها غرف الأخبار.
بدت لي صورة محمود وهي ملصقة في محطة المترو غريبة وغير مريحة، وازدادت وطأة هذا الشعور لاحقا عند رؤية مطويات تحمل صورته للإعلان عن المعرض تُستخدم كقواعد للأكواب في أماكن مجاورة. يمكن تفسير ذلك بوصفه دليلا على تبلّد حس مجتمع اعتاد على نزاعٍ ظلّ حاضرا بكثافة في المشهد العام عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي منذ أكتوبر 2023؛ أو ببساطة، بوصفه جزءًا من الطريقة التي تعلن بها مؤسسة «World Press Photo» عن غايتها: استعراض قصص ملحة ومؤثرة تعمق فهمنا لتعقيدات العالم وتحفز على التحرك.
أصبحت الحياة الثانية للصور ركيزة أساسية في الممارسة الأخلاقية اليوم. فالصور باتت تنتقل بسلاسة عبر منصات وسياقات متباينة ربما لم يتوقعها المصور قط، من صالات العرض إلى وسائل التواصل الاجتماعي وصولاً إلى المساحات التجارية. ويشمل ذلك طريقة كتابة التعليقات المرافقة للصورة، وطريقة عرضها في المعارض أو الإعلانات العامة.
ومع ذلك، ومثلما حدث مع صورة تشي غيفارا الشهيرة التي تطبع اليوم على القمصان وجدران غرف النوم الجامعية حول العالم، هل يمكن لـ "الحياة الثانية" للصورة أن تجردها تماما من سياقها الأصلي والقصد الكامن وراء التقاطها؟
تتحدث جمانة الزين خوري المديرة التنفيذية لمسابقة «World Press Photo» لعام 2026، عن طبيعة "الحياة الثانية" للصور خارج أروقة هذه المسابقات:
"لم تعد الحياة الثانية للصور أمرا هامشيا، بل أضحت ركيزة أساسية في الممارسة الأخلاقية اليوم؛ فالصور باتت تنتقل بسلاسة عبر منصات وسياقات متباينة ربما لم يتوقعها المصور قط، من صالات العرض إلى وسائل التواصل الاجتماعي وصولا إلى المساحات التجارية. ويشمل ذلك طريقة كتابة التعليقات المرافقة للصورة، وطريقة عرضها في المعارض أو الإعلانات العامة، ومدى قدرتنا - أو ما ينبغي أن نمتلكه - من سلطة التحكم في استخداماتها الثانوية. إن المسؤولية الأخلاقية لا تنتهي بمجرد النشر، بل تتطور وتستمر مع استمرار تداول الصور".
وثمة جانب آخر لـ "الحياة الثانية" للصورة يتمثل في قدرتها على استنهاض الجمهور العام وتحفيزه على الفعل؛ فقد ألهمت صورة محمود إطلاق حملة لجمع التبرعات لتمكينه من الحصول على أطراف اصطناعية، بما يشير إلى أن التعاطف والاهتمام يمكن أن يحفزا التضامن والتغيير إلى ما هو أبعد من مجرد النشر.
كيف تُختار الصورة؟
في الفيلم الوثائقي «بحر من الصور» (Sea of Pictures) للمخرج "ميسيا بيكل" يوثق مسارَ الصورة الشهيرة للطفل الغريق إيلان الكردي على الشاطئ خلال ذروة أزمة اللاجئين في أوروبا منتصف العقد الماضي، ورحلتها من عدسة المصور إلى غرفة الأخبار وصولا إلى طاولة لجان التحكيم.
وفي مقابلة صحفية، ناقش آيدان وايت مدير «شبكة الصحافة الأخلاقية»، الدوافعَ التحريرية وراء اختيار صورة ما للنشر، وما يترتب على ذلك مما يراه الجمهور وما يصل إلى لجان التحكيم؛ يقول "نحتاج إلى الجمالية في الصور بقدر حاجتنا إلى لغة رصينة في انتقاء الكلمات. وبالتأكيد، نحن بحاجة إلى عناصر بصرية في الصورة أو الفيديو تلامس مشاعر الناس وتنقل القصة الكامنة وراءها بسرعة وبساطة".
وعند تحكيم مسابقات التصوير، يجب إخضاع المشاركات إلى معايير متعددة للتقييم، تشمل المعالجة الرقمية والموافقة المسبقة والسياق وما إذا كانت الصورة تُكرس الأنماط البصرية السائدة في تمثيل المعاناة؛ كالصورة النمطية لـ "الإفريقي الجائع" على سبيل المثال.
وتوضح المصورة الوثائقية والأستاذة في كلية الصحافة للدراسات العليا بجامعة كولومبيا، إنغريد بيرمان، كيف يمكن أن تعكس "الكليشيهات البصرية" واقع عالمنا العنيف:
"الحقيقة هي أن عالمنا بات أكثر عنفا بدرجة كبيرة، وجزء كبير من هذا العنف مرئي ومستمر، ومن هنا تنبع الصور المتكررة؛ فعندما يُقتل الأطفال يصرخ الآباء وأفراد العائلات ألماً، فهل يمتنع الصحفيون عن تصوير ذلك المشهد البصري المألوف للمفجوعين بذويهم؟ وعندما تقصف دولةٌ ما بشرا وتحيلهم إلى أشلاء، ألا ينبغي لنا أن نرى نتائج ذلك العنف حتى وإن كنا قد رأينا تلك الصورة بشكل أو بآخر مرات لا تحصى من قبل؟".
وبصفتها عضوا في لجنة تحكيم مسابقة «World Press Photo» لهذا العام، تجلس بيرمان إلى جانب نخبة من مهنيي التصوير والصحافة لتقييم الصور ليس بمدى انتشارها أو قدرتها على تغيير السياسات فحسب، بل بفحص الوصف المرافق للصور ومستوى تفاعل المصور والسياق العام أيضا، لا العواقب غير المتوقعة للانتشار العالمي.
حين رأيت بورتريه محمود معلقا في مترو برشلونة لأول مرة، كان وقْع الصورة صادما ومربكا، غير أن هذا الشعور بالضيق لا يعني بالضرورة أن التصوير الصحفي أخفق في أداء دوره؛ قد يكون على العكس دليلا على قدرته على استدعاء الأسئلة وتأثيره فيمن يراه.
وعلى مدى عقود، حددت مسابقة «World Press Photo» وغيرها من المسابقات والأرشيفات الفوتوغرافية أي الصور الملتقطة في «الجنوب العالمي» ترتقي لتصبح أيقونة. وجاء أحد أوجه الإصلاح المؤسسي باستحداث لجان تحكيم إقليمية تُشكَّل وفقاً للنطاق الجغرافي الذي تنتمي إليه الصورة المقدمة. وكما تصرح جمانة الزين خوري:
"إن مسابقة World Press Photo لا تكتفي بعكس واقع المهنة فحسب، بل نحن نصوغ ملامحها بصورة فاعلة".
يغير الزمن مفاهيمنا لما هو مقبول، سواء المجتمع أو الأفراد. وقد أثّرت الممارسات السابقة في مجال التصوير الصحفي بصورة مباشرة فيما نشرته المسابقة ورسخته في أذهان رواد المعارض حول العالم، وفي الأوساط الإعلامية والمجتمعات الصحفية، ولدى الأشخاص المتأثرين مباشرة بموضوعات تلك الصور.
ويشير الموقع الإلكتروني لأرشيف مسابقة «World Press Photo» إلى تساؤلات من بينها:
"ما هي الأصوات التي هيمنت على المسابقة، وما هي الأصوات التي أُقصيت؟ ولماذا استغرق الأمر أكثر من عشرين عاما لتنال مصورة صحفية جائزة صورة العام؟"
حين رأيت بورتريه محمود معلقا في مترو برشلونة لأول مرة، كان وقْع الصورة صادما ومربكا، غير أن هذا الشعور بالضيق لا يعني بالضرورة أن التصوير الصحفي أخفق في أداء دوره؛ قد يكون على العكس دليلا على قدرته على استدعاء الأسئلة وتأثيره فيمن يراه.
ليست القضية ما إذا كان ينبغي لمثل هذه الصور أن توجد؛ إذ لا مناص من وجودها، فالعنف لا يجوز إخفاؤه. إنما يكمن السؤال الجوهري في كيفية مساءلة المؤسسات التي تبرز هذه الأعمال وتطوف بها العالم وتصنع منها هوية ترويجية وتتربح منها وتؤرخها، ليس أمام الجمهور والمصورين فحسب، بل أمام أولئك البشر المحاصرين داخل إطار الصورة.
فإذا كانت المسابقات تصوغ ما يراه العالم، فإنها تسهم أيضا في صياغة الكيفية التي تُخلّد بها المعاناة في الذاكرة. والذاكرة - متى تحولت إلى طابع مؤسسي - فإنها نادرا ما تظل ملكا لمن عاشوا تفاصيلها أول مرة.