من بين آلاف الصور التي أظهرت الإبادة في غزة، بدءاً من المجاعة ونسف الأبراج وصولاً إلى وجوه الضحايا، تصدّرت بعضها الصفحات الرئيسة لصحف ومجلات دولية، ورُشّحت أو فازت بجوائز عالمية، فيما انتشرت أخرى على منصات التواصل الاجتماعي. هذا الانتقال لا يحدث لكل الصور؛ فما الذي جعل صورة واحدة قادرة على الخروج من إطارها وتجاوز وظيفتها الإخبارية، لتكتسب حضورًا طويل الأمد في الذاكرة البصرية العالمية؟
من بين تلك الصور: أمٌّ تركض وتغطي جسدها بقطعة قماش من ستارة صفراء، فيما تتشبث طفلتها الصغيرة بعنقها وتحيط بهما آثار الدمار. التقطها المصور الغزي عليّ جاد الله، الذي كان يوثق قصفاً إسرائيلياً لعمارة سكنية وما خلّفه من مصابين ودمار. يقول مصور وكالة الأناضول التركية، الذي أمضى ثمانية عشر عاماً في التصوير الصحفي، إن عمله لا يقتصر على توثيق لحظة الحدث، بل يمتد إلى ما يليها من إسعاف الضحايا وانتشالهم وإظهار آثار الدمار الواسع: "صورة الأم وطفلتها واحدة من آلاف الصور التي التقطها، وحين التقطتها كنت أشعر بتميزها ولفتها لأنظار العالم؛ لتجاوزها مشهد الهروب وتجسيدها عاطفة الأمومة بدفئها وأمنها وحمايتها في إبادة قلبت واقعهما إلى محاولة للنجاة من الموت".

الصور بالنسبة إلى جاد الله تتجاوز اللقطة والتوثيق إلى إظهار التفاصيل الإنسانية المتمثلة في المشاعر، كالفرح والألم والتعابير العفوية الظاهرة في الوجه والعينين وحركة الجسد، إلى جانب التفاصيل الشخصية والبيئة المحيطة، مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية. ويرى أن توافر هذه العناصر يمنح الصورة قوتها وقدرتها على جذب الانتباه.
نشرت مؤسسات إعلامية دولية صورًا لجاد الله، وظهرت أعماله في مجلات أميركية، منها Time وU.S. News وThe Atlantic. لكن الانتشار وحده لا يفسر وصول بعض الصور إلى هذه المساحة من الاهتمام، فيما تبقى آلاف الصور الأخرى خارجها.
ما بعد الالتقاط، تدخل الصور مرحلة لا يقرر فيها المصور وحده مصيرها؛ إذ تنتقل إلى غرف التحرير، وتخضع للاختيار والتحقق والمقارنة، ثم تصل إلى الجمهور. ويثني جاد الله على دور الجمهور في تسريع وصول الصور وتوسيع التضامن مع الضحايا، عبر تداولها في منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، وصولًا إلى طباعتها وحملها في الاعتصامات التضامنية.
من الميدان إلى الصفحة الأولى
على ركام مخيم جباليا، يتنقل المصور ساهر الغُرّة لتصوير قصة إنسانية لصحيفة "نيويورك تايمز"، ويروي لمجلة الصحافة: "الأحداث في غزة فرضت نفسها على عدسات المصورين الصحفيين، والقوة الإنسانية للمشهد هي أحد العناصر التي تمنح الصورة قدرتها على الوصول والتأثير في الجمهور".
خلال حرب الإبادة، التقط الغُرّة آلاف الصور، من بينها صورة الطفل يزن أبو فول، البالغ من العمر سنتين، التي وثّقت آثار سوء التغذية والمجاعة على جسده. وفي لقطة واسعة، صوّر عائلة حسن الشافعي وهي تقيم إفطارها الرمضاني على أنقاض منزلها في بيت لاهيا، في مشهد مؤثر لواقع فُرض عليهم. يكشف اختلاف الصورتين أن صور الإبادة لا تعتمد على عنصر واحد للخروج من إطارها؛ فالرسوخ في الذاكرة البصرية يكمن في قوتها وقربها من الحدث وبقدرتها على اختصار القصة.

إحدى صور الغُرّة وصلت إلى الصفحة الرئيسية لصحيفة "نيويورك تايمز"، تظهر فيها مجاعة غزة وحياة سكانها المقيمين على "الخط الأصفر". ويقول إنه تلقى إشادة إيجابية من المحررة، قبل أن تحظى الصورة باهتمام دولي ونيل جائزة World Press Photo عن سلسلة "شهود على غزة".

ويرى أن الأثر الحقيقي يُلمس في ما قد تصنعه الصور في حياة الضحايا؛ إذ يقول إن انتشار صورة الطفل يزن وتداولها أسهما في حملات تضامن عالمية، وفي لفت الرأي العام الدولي إلى غزة، بما أحدث -وفق تقديره- ضغطًا على الاحتلال الإسرائيلي لإدخال المساعدات. لكن وصول الصورة إلى الصفحة الأولى وحصد الجوائز لا يجيبان وحدهما عن سؤال نجاحها؛ فالآلاف من الصور القوية تُلتقط في الحروب ولا تحظى جميعها بالمساحة نفسها. لذلك، لا يتعلق الأمر بما يراه المصور فقط، وإنما أيضًا بما تراه غرفة التحرير جديرًا بالنشر، وبالسياق الذي تظهر فيه الصورة وتوقيتها، وقدرتها على تمثيل حدث يتجاوز اللحظة التي التُقطت فيها.
داخل غرفة التحرير
بوكالة الأناضول التركية في العاصمة أنقرة، يستقبل المحرر والمصور الصحفي مصطفى حسونة صور غزة عبر البريد الإلكتروني والمنصات السحابية التابعة للوكالة، قبل أن تخضع للاختيار والمراجعة. ويشير حسونة، الذي أمضى اثني عشر عاماً في التصوير، إلى أن عملية الاختيار تعتمد على معايير عدة؛ منها الجودة التقنية، وقوة الحدث وأهميته، وندرة الصورة. وتكشف هذه المعايير أن الصورة لا تصل إلى الجمهور بتأثيرها العاطفي وحده؛ فالعملية التحريرية تحدد أي مشهد يستحق أن يُرى، وفي أي توقيت وبأي سياق. ومع وصول آلاف الصور من منطقة واحدة، تصبح ندرة اللحظة وقوة الحدث ووضوح الصورة عوامل مؤثرة في فرص انتشارها.
ويقول حسونة: "بعض الصور لا تُنشر بسبب تأثيرها النفسي على المشاهد؛ فكرامة الضحايا تبقى من الاعتبارات الأساسية في التعامل مع الصور. ويمكن لصورة واحدة أن توثق جريمة، لكنها في الوقت نفسه قد تكشف جثمانًا أو إصابة أو لحظة شديدة الخصوصية لعائلة فقدت أحد أفرادها". ويرى أن استمرار خروج الصور من موقع الحدث يساهم في إبقاء الإبادة حاضرة في الذاكرة البصرية للجمهور؛ فالصور لا تؤدي دورها مرة واحدة، إذ قد تعود إلى الواجهة مع استمرار الحدث فتكتسب دلالة جديدة أو تستعيد اهتمامًا سابقًا.
لا تبدأ قيمة الصورة، وفق القيّم الفني والمصور محمد سومجي، عند لحظة التقاطها؛ فالصورة التي تبقى في كاميرا المصور تظل وثيقة محدودة التداول، بينما قد تصبح الصورة التي تروّج لها المنصة أو الوكالة جزءًا من التاريخ. وتتشكّل قيمتها في رأيه عبر التداول وإعادة النشر والتأطير والتكرار.
يعرّف سومجي "اقتصاد الصورة" بأنه: حركة المرور والتشغيل والإنتاج وتوزيع الصور التي تشكل كيفية إدراك الحروب، وفي كثير من الأحيان كيفية خوضها. ويرى أن قيمة الصورة تتصل بـ"حراس البوابة": من يتحكم في الكاميرا ومن يتحكم في التوزيع، وأن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت جانبًا من هذا الاحتكار؛ لذلك لم يشبه اقتصاد صورة الإبادة في غزة اقتصاد الحروب السابقة.
ويقول: "في الإبادة على غزة أخذت العملية شكلًا مختلفًا؛ فكمية الصور والفيديوهات التي خرجت مباشرة من القطاع كانت أكثر من أن يتمكن أي محرر من إدارتها، مما أدى إلى انتشارها عالميا". وبحسب سومجي، لا تصل بعض الصور وتنجح مصادفة، إنما نتيجة قرارات تُتخذ في غرف الأخبار واجتماعات سياسات المنصات بشأن ما ينبغي أن يراه الجمهور وكيف ينبغي أن يشعر حياله. ويشير إلى أن صور الموت والدمار، بما تحمله من شحنة عاطفية قوية، تحظى باهتمام أكبر، فيما لا تحظى صور التحدي بالانتشار والتأثير نفسيهما.
لا يرى سومجي أن صناعة الصورة الأيقونية عملية بصرية خالصة؛ فالمحررون والجوائز والمعارض -في رأيه- هم الآلة التي تحوّل الصورة إلى أيقونة، وهذه الآلة تعمل وفق سياسات المؤسسات التي تقف وراءها. فهناك صور غير عادية لا تظهر أبدًا لأنها لا تحدث الإثارة ولا تتناسب مع الخط السياسي للنشر؛ إن ما يتم الاحتفال به باعتباره "صورة الحرب" هو في كثير من الأحيان مجرد الصورة التي خدمت جهة ما.
فصور الحروب لا تُستقبل بالطريقة نفسها في كل السياقات؛ إذ تؤثر الجغرافيا والسياق السياسي في تقديم الضحايا وفهم صورهم، خصوصًا ضحايا الجنوب العالمي. وفي النهاية، لا يرى سومجي الصورة لحظة ثابتة، بل رحلة طويلة تبدأ بالمصور، وتمر عبر الوكالات والمحررين والمنصات والخوارزميات والجمهور. وفي كل مرحلة، يمكن أن تتغير قيمتها ومعناها وفرص بقائها، إلى أن تصل، أو لا تصل، إلى الذاكرة البصرية للعالم.