التحقق من المعلومات والعبء المادي الذي تفرضه الجغرافيا

أدوات التحقق مفتوح المصدر ليست محايدة جغرافياً؛ فهي تقوم على طبقات من الصور والخرائط والبيانات اللغوية تتوافر في أماكن وتشحّ في أخرى، وتظهر الفجوة في أوضح صورها حيث يجتمع النزاع المسلح مع ضعف التغطية البصرية واللغوية.

في الأيام الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، حدث أمر غير مألوف في تغطية الحروب: صار التحقق يسبق النشر أحيانا بدل أن يتبعه.

فبينما كانت المقاطع تتدفق من لوتسك وخاركيف وضواحي كييف، كان يعمل عليها في اللحظة نفسها مجتمع لامركزي من الباحثين، يتبادل اللقطات ويحدد مواقعها ويميّز طرازات المدرعات. وصفت شبكة ABC الأمر بعبارة دالة: كان هناك "جيش" من محددي المواقع ينشرون الإحداثيات علنا، وكانت نتائجهم في معظمها صحيحة.  ومنذ ذلك الحين ترسّخت صورة في المخيلة المهنية: التحقق مفتوح المصدر أداة عابرة للحدود متاحة لأي صحفي يملك حاسوبا وصبرا. هذه الصورة صحيحة لكنها ناقصة، وهو ما سيتضح معنا من خلال المقال.

 

 مفارقة البيئة الرقمية بين بلدين

التقنية المركزية في التحقق البصري الحديث - تحديد الموقع الجغرافي (Geolocation) - تقوم على المطابقة؛ إذ تقارن معالم اللقطة من مبانٍ وأعمدة إنارة وخطوط أفق ولافتات بمصدر مستقل يثبت أن هذا الشكل موجود في ذلك المكان تحديدا، والمطابقة تحتاج دائما إلى طرف ثانٍ.

في أوكرانيا كان الطرف الثاني حاضرا بأشكال متعددة: تصوير أرضي واسع، وخرائط مفتوحة عالية الكثافة، وأرشيف بصري متراكم قبل الحرب، ومجتمع تطوعي واسع. وأضافت ABC عاملا بشريا غالبا ما يُنسى؛ وهو وجود أوكرانيين قادرين على التعرف على مَعلم من مدينتهم في لقطة واحدة.

المهارة لا تعمل في فراغ؛ إنها تحتاج إلى مادة تقارن بها، وخريطة تبحث فيها، وأرشيف تعود إليه، وأشخاص يعرفون المكان. لذلك، السؤال ليس إن كان الصحفي يعرف كيف يتحقق بقدر ما هو هل كان ما يتحقق منه موجودا أصلا.

في حالة السودان، تتدفق المقاطع من الخرطوم وأم درمان ودارفور منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، والمعايير التحريرية التي تحكم نشرها هي المعايير نفسها المطبقة على أوكرانيا، لكن كلفة استيفائها مختلفة؛ ليس لأن المقطع السوداني أقل وضوحا بالضرورة، بل لأن الطريق إلى الدليل المستقل الذي يثبته فقير جدا من الأدوات. و"الكلفة" هنا ليست الوقت وحده؛ إنها عدد الأدوات التي يجب تجربتها، وعدد المصادر البديلة التي يجب اللجوء إليها حين يفشل المصدر الأول، ومقدار الخبرة المحلية التي يجب توفيرها، ودرجة عدم اليقين التي تبقى في النهاية بعد استنفاد كل ذلك. وفي السودان ترتفع هذه العناصر كلها في وقت واحد.

في حالة السودان، تتدفق المقاطع من الخرطوم وأم درمان ودارفور منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، والمعايير التحريرية التي تحكم نشرها هي المعايير نفسها المطبقة على أوكرانيا، لكن كلفة استيفائها مختلفة؛ ليس لأن المقطع السوداني أقل وضوحا بالضرورة، بل لأن الطريق إلى الدليل المستقل الذي يثبته فقير جدا من الأدوات.

 

 أثر الغياب: الصورة واللغة

بحسب البيانات المتاحة عن تغطية خدمة Google Street View تتوافر التغطية الرسمية في الأردن ولبنان وقطر والإمارات وتركيا وإسرائيل، وأُضيفت سلطنة عُمان في أكتوبر/تشرين الأول 2024. أما العراق فلا تتجاوز التغطية فيه بضعة مواقع سياحية مختارة، ولا يملك السودان ولا سوريا ولا اليمن ولا ليبيا تغطية رسمية واسعة على مستوى الشارع يمكن الاعتماد عليها بالطريقة نفسها.

 لا نقول هنا إن التحقق يستحيل في هذه البلدان؛ فالتصوير الأرضي ليس المصدر الوحيد، هناك صور الأقمار الصناعية وخرائط OpenStreetMap ومشاريع التصوير التشاركي مثل Mapillary وKartaView وأرشيفات الصور الصحفية وصور المستخدمين المتفرقة، لكن غياب طبقة بصرية واسعة ومفتوحة يعني أن أغنى هذه المصادر وأسهلها بحثا يصبح شحيحة، فيضطر المحقق إلى تعويضها بمصادر إما أقل تفصيلا أو أبطأ تحديثا أو أعلى كلفة أو الثلاثة معاً.

وهذا التعويض مرئي في العمل المنشور؛ فحين تحققت وحدة BBC Verify من مقطع يوثق عودة الرحلات المدنية إلى مطار الخرطوم، شرحت طريقتها القائمة على مطابقة معالم بارزة ظهرت في اللقطة مع صور الأقمار الصناعية، ثم البحث العكسي عن الصورة للتأكد من أنها لم تُنشر سابقاً، وهي طريقة سليمة تماماً لكن انتبه إلى ما لم يكن في متناولها: لقد اضطر الفريق إلى الصعود إلى الأعلى لأن المستوى الأرضي غير مغطى، وبما أن BBC Verify وحدة متخصصة داخل مؤسسة ضخمة، فإنها تملك من الوقت والاشتراكات والكوادر ما لا تملكه غرفة أخبار سودانية تعمل تحت القصف. 

من أهم العناصر التي تغني التحقيق العنصر البشري الذي يصعب تعويضه؛ فوجود مجتمع تطوعي واسع متخصص في تحديد المواقع ووجود أشخاص يعرفون مدنهم من خلال تفاصيلها الصغيرة ليسا ميّزتين إضافيتين فقط؛ إنهما جزء من البنية التحتية نفسها. ومن أبرز هذه التجمعات "جيو كونفيرمد" GeoConfirmed، وهو تجمّع تطوعي متخصص في تحديد مواقع المقاطع التي تصور النزاعات.

"الكلفة" هنا ليست الوقت وحده؛ إنها عدد الأدوات التي يجب تجربتها، وعدد المصادر البديلة التي يجب اللجوء إليها حين يفشل المصدر الأول، ومقدار الخبرة المحلية التي يجب توفيرها، ودرجة عدم اليقين التي تبقى في النهاية بعد استنفاد كل ذلك.

 

الفجوة الثانية أقل وضوحاً وأشد أثراً

الأدلة لا تنحصر في الصورة؛ هناك ما يُقال في المقطع وما يُكتب على اللافتات وما ينشره الشهود، وكل طبقة من هذه تحتاج أدوات معالجة آلية. وهنا يلزم تمييز دقيق: العربية الفصحى ليست لغة شحيحة الموارد؛ فالأدوات المبنية عليها كثيرة ونتائجها معقولة. المشكلة في اللهجات، وتحديدا في الأقل تمثيلا منها. في مسح نشرته دورية ACM يغطي عقدا من البحث بين 2014 و2024، ظهرت اللهجات الخليجية والسعودية والسودانية والإماراتية "بشكل متفرق" مقارنة بغيرها.

هذا الفارق قابل للقياس؛ ففي دراسة نُشرت في يناير/كانون الثاني 2026 وضعت أول معيار مرجعي للهجة السودانية في التعرف الآلي على الكلام، وقد سجّلت النماذج المدرَّبة على العربية الفصحى معدل خطأ في الكلمات تراوح بين 73.8% و123% حين طُبّقت على اللهجة السودانية. والرقم الثاني ليس خطأ مطبعيا؛ إنه معدل خطأ يتجاوز المئة يعني أن المخرجات تحتوي على أخطاء أكثر من عدد الكلمات الأصلية. أما أفضل نموذج بعد تدريب مخصص فسجل نسبة خطأ بلغت 57.1%. 

بعبارة أخرى: أفضل نموذج في ذلك المعيار أخطأ في أكثر من نصف الكلمات، وهذا لا يجعل التفريغ مستحيلا لكنه يجعله مادة تحتاج مراجعة بشرية مكثفة قبل اعتمادها نسخة موثوق بها من التسجيل. وتتعقد المسألة بالازدواجية اللغوية: فالوثائق الرسمية بالفصحى، بينما يكتب الشهود ويتحدثون بلهجاتهم، وكثير منهم يكتبها بالحرف اللاتيني فيما يُعرف بـ"العربيزي"، والنتيجة العملية المباشرة هي تعذّر ترجيح موقع تسجيل ما من خلال لهجة المتحدث فيه، وتعطّل البحث عن منشورات الشهود لأن الكلمات المفتاحية بالفصحى لا تطابق ما كُتب فعلاً.

 

عبء إثبات غير متكافئ

هنا تتحول المسألة من تقنية إلى مهنية. المعيار التحريري واحد ظاهريا: لا يُنشر ما لم يُتحقق منه، لكن تطبيق معيار واحد على بيئتين متفاوتتي التجهيز ينتج نتيجتين مختلفتين؛ فكلما طالت مدة الإثبات قلّ احتمال أن يصل الدليل في ذروة حضور الخبر، والمقطع الذي يتأخر إثباته أياما قد لا يُنشر أبداً بعد انتهاء دورة الأخبار.

والأخطر أن عبارة "لم نتمكن من التحقق" لا تصل إلى الجمهور بوصفها وصفا لحالة الأدوات، بل بوصفها حكما على المادة نفسها؛ فتتحول محدودية البنية التحتية - في ذهن المتلقي - إلى شك في الرواية. وهذا ليس نقصا في كفاءة الصحفي العربي ولا في التزامه بالمعايير؛ إنه فارق في التجهيز يقع قبل أن يبدأ العمل المهني.

في مقال "الجذور السياسية والرقمية لتغييب حرب السودان" المنشور على مجلة الصحافة  يقدم الكاتب تحليلا لتغييب حرب السودان، ويردّ الصمت إلى ثلاثة عوامل: تفضيلات الخوارزميات والتهميش الجيوسياسي وتدمير البنية الإعلامية المحلية، وهي عوامل قائمة ومقنعة، ويمكن أن يُضاف إليها عامل رابع يعمل قبلها جميعاً يتمثل في الكلفة؛ فالمقطع حتى وإن وصل إلى الصحافة وحتى مع وجود من يريد نشره، تظل كلفة إثباته أعلى. الصمت إذن ليس مسألة انتباه فحسب، إنه أيضاً مسألة إثبات.

تبيّن حالة أوكرانيا أن وجود من يعرف مدينته من تفصيلة صغيرة ليس ميزة إضافية بل جزء من البنية التحتية. وهذا العنصر بالذات جُرِّب سودانياً؛ إذ عمل فريق OpenStreetMap الإنساني مع منظِّمين من السودان على بناء مجتمع خرائطي بين السودانيين في الشتات وخارج البلاد، أي أن الشرط ليس الوجود داخل البلد، بل معرفة المكان والتنظيم والثقة المتبادلة.

 

ما الذي يمكن بناؤه

الغرض من هذا التشخيص ليس التذمر، بل تحديد أوجه القصور للعمل عليها؛ فهذه الفجوة ليست حالة طبيعية ولا نهائية، إنها حصيلة قرارات توثيق واستثمار سبقت الحرب بسنوات.

الأرشفة: نموذج قائم لكن من يملكه؟

منذ عام 2019 يعمل "الأرشيف السوداني" (Sudanese Archive) أحد برامج منظمة Mnemonic - ومقرها ألمانيا - على جمع المواد الموثِّقة للانتهاكات في السودان وأرشفتها متجاوزا نصف مليون سجل تقدَّم بملفات لجهات رسمية من أجل المساءلة والمحاسبة.  كما يرصد مشروع Sudan Witness التابع لمركز Centre for Information Resilience البريطاني منذ أبريل/نيسان 2023 حوادث النزاع ويتحقق منها ويؤرشفها، وينشر خرائط وقواعد بيانات مفتوحة عن حرائق القرى والغارات الجوية.

ولهذين المثالين معنى مزدوج: الأول أن النموذج ممكن ومُجرَّب وليس مقترحا نظريا. والثاني أن البنية التي ستُثبَّت بها وقائع هذه الحرب تُبنى وتُموَّل وتُدار من خارج المنطقة. وهنا تبرز أسئلة تتجاوز الجهة التي تجمع الأرشيف إلى الجهة التي ستملك بنيته المعرفية مستقبلا: أين يوجد؟ ومن يقرر ما يبقى فيه؟ ومن يملك قدرة الوصول إليه؟

وما يمكن لغرفة أخبار عربية أن تبدأه هنا أقل طموحا وأكثر واقعية: أرشفة ما تنشره هي نفسها بتواريخه وروابطه ووصف مواقعه قدر المتاح؛ فالمطابقة لا تشترط مصدرا رسميا، بل مصدرا مستقلا وسابقا وقابلا للاسترجاع. وحدّ هذا العمل أن الأرشيف بلا وصف لا يُستعمل؛ فالقيمة في الفهرسة لا في التخزين.

 

الخرائط الاستباقية

التصوير الأرضي لا يحتكره طرف واحد، ومشاريع التصوير التشاركي مثل Mapillary وKartaView تتيح صورها برخص مفتوحة وتُرفع مادتها من هواتف عادية. أما البيانات الخرائطية فالحالة السودانية نفسها تكشف المشكلة: بحسب بحث منشور في دورية Frontiers in Climate أشار إليه فريق OpenStreetMap الإنساني (HOT)، جرى تحرير 83% من المباني المسجّلة حاليا في OpenStreetMap داخل السودان بين أغسطس/آب 2021 وأغسطس/آب 2024؛ أي في الفترة المحيطة باندلاع الحرب.

بعبارة أخرى: الخريطة رُسمت لأن الحرب وقعت. وعلى النقيض من ذلك تقوم فكرة مشروع Missing Maps - وهو تعاون أسسه فريق OpenStreetMap الإنساني مع منظمات إغاثية - على رسم المناطق المعرّضة للأزمات قبل وقوعها لا بعده، والدور المتاح لغرف الأخبار والجامعات العربية هنا محدد وغير مكلف؛ وهو تصوير مسارات في مدنها ورفعها، وتحرير بيانات هذه المدن في الخرائط المفتوحة قبل تحولها إلى خطوط مواجهة. وحدّه واضح: لا يغطي مناطق مغلقة أصلا، ولا يفيد من يريد اليوم إثبات مقطع اليوم؛ إنه استثمار في تحقق بعد سنوات، وهذا تحديداً سبب تأجيله الدائم.

 

 العنصر البشري

تبيّن حالة أوكرانيا أن وجود من يعرف مدينته من تفصيلة صغيرة ليس ميزة إضافية بل جزء من البنية التحتية. وهذا العنصر بالذات جُرِّب سودانياً؛ إذ عمل فريق OpenStreetMap الإنساني مع منظِّمين من السودان على بناء مجتمع خرائطي بين السودانيين في الشتات وخارج البلاد، أي أن الشرط ليس الوجود داخل البلد، بل معرفة المكان والتنظيم والثقة المتبادلة. لكن النموذج لا يُنقل كما هو؛ فالنشر العلني للإحداثيات في نزاع مفتوح له كلفة على من هم على الأرض، وما يصلح لمجتمع تطوعي يعمل من بعيد قد لا يصلح لمن يصوّر من نافذته؛ إنّ التنظيم والأمان الميداني هنا هما الأولوية.

 

اللغة: العقبة ليست الحوسبة

أُنجز المعيار المرجعي للهجة السودانية بموارد حوسبية مجانية وتجريبية، وهو ما يعيد تحديد العقبة؛ إنها ليست القدرة الحاسوبية، بل البيانات الصوتية الموصوفة. وغرف الأخبار تملك ما لا تملكه المختبرات عادة؛ وهو ساعات من الكلام بلهجات فعلية في أرشيفات المقابلات والتقارير الميدانية. وإتاحة جزء منها للباحثين - ولو بعيّنات محدودة - قد يحدث نقلة نوعية في أدوات التعرّف الصوتي الآلي، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار الموافقات القانونية وضمان الأمان الميداني لأصحاب التسجيلات.

 

الشفافية التحريرية

هذه لا تحتاج ميزانية ولا سنوات، بل قرارا تحريريا؛ فبدل الاكتفاء بعبارة "لم نتمكن من التحقق" يمكن نشر ما أُنجز من خطوات وما تعذّر ولماذا؛ أي هل جرت المطابقة وفشلت، أم لم تتوفر أصلا مادة تُطابَق بها؟ هذا القرار ينقل عبء القصور إلى الأدوات بدلا من التشكيك في مصداقية الحدث. 

 

من يتحمّل الكلفة؟

لا يُنتظر من غرفة أخبار سودانية تعمل تحت النيران أن تبني أرشيفا لمدن تقصف، ولا أن تجمع بيانات لغوية بينما تحاول أن تنشر خبراً. العبء يقع على المؤسسات الإقليمية والجامعات العربية الأقدر تجهيزا، وعلى بُعد آمن من الحرب.

وهذه القدرة ليست افتراضاً؛ ففي 31 أغسطس/آب 2025 حين انتشر خبر عن انهيار أرضي في قرية ترسين بدارفور أفاد بمقتل سكان قرية بأكملها، تحققت مادة لقناة الجزيرة من الواقعة بنفس الآلية الموصوفة هنا: غياب محتوى الشهود رغم حجم الكارثة، ثم اللجوء إلى صور الأقمار الصناعية التي أظهرت أن مساحة القرية لا تتجاوز نحو 2.7 كيلومتر مربع وليس فيها عدد كبير من البيوت، وهو ما فنّد الرقم المتداول مع إقرار لاحق بوقوع الانهيار نفسه. ما ينقص إذن ليس إثبات هذه القدرة، بل الاستثمار التأسيسي المستدام في الأرشيف والخرائط واللغة.

يُقال عادة إن التحقق مفتوح المصدر أتاح للصحافة أدوات لم تكن متاحة، وهذا صحيح. لكن السؤال الذي يستحق الطرح ليس عن الأدوات، بل عن الأرض التي تقف عليها. فحين تُبنى أدوات التحقق على بيانات جزء من العالم دون الآخر، فإن ما يتقرر ضمنا ليس مستوى الدقة، بل توزيع الشك: أي الروايات تُقبل بسرعة؟ وأي الروايات ستظل معلقة؟

والسؤال الذي يواجه غرف الأخبار العربية ليس "هل كانت قادرة على التحقق؟" فقد أثبتت أنها قادرة وبإمكانات أقل، إنما السؤال هو "كم دليلا سيبقى عالقا في خانة (غير مؤكد) قبل أن تبني غرفُ الأخبار والجامعاتُ العربية الأرض التي تقف عليها؟".

مقالات ذات صلة

كيف يساعد التحقق من الأخبار في نسف رواية "الاحتلال" الإسرائيلي؟

كشفت عملية التحقق من الصور والفيديوهات زيف رواية الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول أن يسوق للعالم أن حركة حماس أعدمت وذبحت أطفالا وأسرى. في هذا المقال تبرز شيماء العيسائي أهمية التحقق من الأخبار لوسائل الإعلام وللمواطنين الصحفيين وأثرها في الحفاظ على قيمة الحقيقة.

Shaimaa Al-Eisai
شيماء العيسائي نشرت في:
كيف يحمينا الشك من التضليل؟

هل تكفي الأدوات التقنية وحدها لإنقاذ الصحفيين من موجات التضليل التي ازدادت تعقيدا وخطورة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن أن يتحول الشك المهني والحسّ النقدي إلى آليات أساسية في عملية التحقق من الأخبار؟ وما هي التحديات الجديدة التي تفرضها المنصات الرقمية على مدققي المعلومات في زمن السرعة وتدفق المعلومات؟

إسلام رشاد نشرت في:

المزيد من المقالات

عودة الضحايا من الموت.. إحياء للذاكرة التضامنية أم تسليع للألم؟

يمثل توليد الصور بالذكاء الاصطناعي معضلة أخلاقية عامة بمنطق الخصوصية والفبركة، وفي حالة توليد صور الأموات تبدو المشكلة أكبر بما تطرحه من أسئلة أخلاقية حول طبيعة توظيفها ومدى ضرورتها صحفياً، خصوصاً إذا تعلق الأمر بأذىً نفسي لعائلاتهم، أو استغلال هذه الصور من أجل جذب الانتباه الرقمي.

خلود حدق نشرت في:
صور غزة في ذاكرة العالم

بين التوثيق الميداني وسياسات غرف الأخبار الدولية، كيف تتحول لقطات مصوري غزة إلى أيقونات وكيف يتم اختيار صور واستبعاد أخرى كما يروي المصورين والمحررين من داخل غرفة الأخبار.

Amira Nassar
أميرة نصار نشرت في:
السيرة بعد الغياب.. حرب الرواية تلاحق الصحفيين الشهداء

عند استهداف الصحفيين في غزة، تنتشر الروايات المختلفة حول حياتهم، وآخرين يمرون كخبر عابرٍ في ظل الإبادة. يناقش المقال أهمية التوثيق لحكايات الصحفيين كما أرادوا روايتها دون أن تتأثر باتهامات الاحتلال أو تختزل حكايتهم دون انتباه للتفاصيل الإنسانية.

Rima Al-Qatawi
ريما القطاوي نشرت في:
أسئلة مشروعة حول موثوقية مؤشر حرية الصحافة العالمي

يكشف تحليل مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 عن فجوة مقلقة بين تصنيفات وسائل الإعلام العالمية والواقع العنيف الذي يواجهه الصحفيون في غزة. الأمر الذي يشكك بمصداقية المؤشر خصوصاً مع تزايد الانتقادات بأن منهجيته الغربية لا تُحصي الخسائر الفلسطينية بدقة ولا تحاسب المسؤولين عن "إبادة الصحفيين".

Sarah Samuel-Ayyash
سارة صامويل عياش نشرت في:
"نازا".. يطلق النار ويبكي أم وثيقة صحفية للإدانة؟

يقدم الفيلم شهادات من داخل المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية حول آليات الاستهداف والقتل، ويعيد طرح سؤال قد يتجاوز قيمته السينمائية والإعلامية: ماذا يمكن أن تفعل هذه الشهادات بعد انتهاء العرض والتصفيق؟ يناقش المقال ما يضيفه "نازا" إلى التوثيق السابق، وإمكانية انتقال أثره من الشاشة إلى مسارات المساءلة القضائية.

Linda Shalash
لندا شلش نشرت في:
البودكاست في غزة.. مساحة حرة من قيود الأخبار العاجلة

بعد تدمير المقار الإعلامية والإذاعات وتوقف المطابع، يتجه جيل جديد من الصحفيين إلى البودكاست كنافذة لاستعادة "حق الرواية". بالتزامن مع اليوم العالمي للبودكاست، نقترب أكثر من مشهد هذه الصناعة في غزة، وظروف العمل وتحديات الإنتاج في ظل الحصار والتهديد المستمر..

Ahmad Al-Agha
أحمد الأغا نشرت في:
معضلة "تصريح العمل" وحياة اللاجئين المؤجلة في الأردن

تسلط الكاتبة الضوء على المعاناة اليومية للاجئين في الأردن، حيث يواجه الكثير من الفئات عوائق قانونية وتفضيلية تحرمهم من الحصول على تصاريح العمل. وفي ظل غياب قانون وطني للجوء وتراجع المساعدات الإنسانية، تتفاقم الأعباء المعيشية والديون، مما يدفع الأسر إلى حافة الفقر وفقدان الاستقرار.

هدى الحنايفة نشرت في:
غوغل رئيسا للتحرير: هل نكتب للجمهور أم لمحركات البحث؟

محركات البحث لا تزال نقطة عبور مكينة للقرّاء نحو مواقع الصحافة، لكن العبور رهين باستيفاء الموقع شروطا صارمة تستند إلى بيانات دقيقة، هدفها تلبية رغبات جمهور محرك البحث لا الصحافة.

عصام واعيس نشرت في:
جمالية المقال الصحفي.. حوار مع الصحفي مارتين كاباروس

عند دراسة الصحافة في أي جامعة بأمريكا اللاتينية أو إسبانيا أو في مركز الأبحاث والتعليم العالي المتخصص في العلوم الاجتماعية بالمكسيك، أو حتى في مؤسسة غابرييل غارسيا ماركيز في كولومبيا وفي فرنسا أيضا، فإن دراسة ومراجعة الأعمال الصحفية والأدبية لمارتين كابارّوس مسار إجباري. يقدم كاباروس، الذي رمى استقالته على ناشر نيويورك تايمز، في هذه المقابلة مع مجلة الصحافة دروسا من مساره الصحفي.

Noe Zavaleta
نوا زافاليتا نشرت في:
الفيلم كتأريخ للإبادة.. حوار مع محمد الصواف

دون هاجس البحث عن الجوائز، يواصل محمد الصواف، توثيق جرائم الاحتلال بأفلام تسجيلية تستلهم واقع الإبادة ولا تتعالى عليه. "كل شخص يصلح أن يكون قصة"، عبارة تؤطر رؤية الصواف وفريق العمل من أجل إنجاز أفلام تتذكر الحرب ولو بعدة مئة عام.

هديل عطا الله نشرت في:
هل تثق غرف الأخبار بالذكاء الاصطناعي كاتباً؟

ما الذي يخسره الصحفي عند تفويض عمله للذكاء الاصناعي بالكامل؟ وكيف تتعامل المؤسسات الإعلامية مع هذا التطور المتسارع في العمل اليومي؟ يعبر الكاتب عمرو الأنصاري في هذا المقال عن قلقه بأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في تأدية المهام اليومية يعني أن الصحافة تقضي على نفسها وتعجل بغياب الدور الإنسانية لصالح الآلة.

عمرو أحمد الأنصاري نشرت في:
هل سنكتب تاريخا مزوّرا في المستقبل؟

"الصحفي مؤرخ اللحظة"، هكذا وصفت الأدبيات التاريخية دور الصحافة بوصفها وثيقة قادرة أحيانا على مساءلة الروايات الرسمية. غير أن انتقالها من الورق إلى الفضاء الرقمي طرح إشكاليات جديدة حيث أصبح الأرشيف الصحفي الرقمي يثير تساؤلات حول موثوقيته، في ظل ما يشهده الفضاء الرقمي من تزييف للأخبار وإمكانيات متزايدة للتلاعب بالمحتوى.

Said El Hajji
سعيد الحاجي نشرت في:
أولويات التعافي الإعلامي في غزة

في الحرب على غزة استهدف الاحتلال الإسرائيلي الإعلام الفلسطيني بشكل مباشر بهدف التعتيم وطمس الحقائق. يستعرض هذا المقال تحديات تعافي المشهد الإعلامي بعد تدمير المؤسسات واستشهاد مئات الصحفيين. فالتعافي هنا لا يقتصر على البناء المادي، بل يتطلب دعماً نفسياً ومهنياً للصحفيين، والانتقال من إعلام الأزمات نحو إعلام تحليلي يعزز السردية الفلسطينية ويدحض رواية الاحتلال.

سفيان الشوربجي نشرت في:
مسابقات التصوير و«الحياة الثانية» للصورة الصحفية

ما هي حدود استخدام الصور الصحفية الفائزة بالمسابقات العالمية؟ لا تنتهي حياة الصورة عند لحظة نشرها أو تتويجها في مسابقة؛ فقد تنتقل إلى المعارض والإعلانات ووسائل التواصل، وتظهر في سياقات قد تختلف عن لحظة التقاطها وقصد المصور. يتتبع المقال مفهوم «الحياة الثانية» للصورة الصحفية، ليسأل: من يملك حق تحديد سياق الصورة بعد خروجها من إطارها الأول؟ وكيف يمكن للمسابقات والمؤسسات الإعلامية أن توازن بين قوة الصورة ومسؤوليتها تجاه الأشخاص الذين تصوّرهم؟

Daniel Harper
دانيال هاربر نشرت في:
التسلسل الوظيفي في الصحافة التلفزيونية... من الرقابة إلى الجودة

يتناول المقال كيفية تحقيق الجودة في الصحافة التلفزيونية، وكيف أنها ثمرة لمنظومة عمل جماعية متكاملة ومترابطة، وليست مجرد نتاج للتنفيذ الفردي أو تعدد المهام. ويشكل "التسلسل الوظيفي" محوراً أساسياً في هذه المنظومة، حيث يستعيد دور "حارس البوابة" الذي يدقق المعلومات ويحمي الجمهور من الأخبار الزائفة والبروباغندا، وهو دور تبرز أهميته القصوى في البيئات المشحونة والمعقدة.

علي نجيب نشرت في:
خارج حسابات السوق.. خريجو الإعلام بجامعة دمشق وقلق السنة الأخيرة

يستعرض هذا التقرير الفجوة العميقة بين المناهج الأكاديمية في كلية الإعلام بجامعة دمشق ومتطلبات سوق العمل المتسارعة، مسلطاً الضوء على مخاوف الخريجين من ضعف التأهيل العملي ومحدودية الفرص.

عمر علاء الدين نشرت في:
الصحافة السورية الناشئة ومأزق الاستقلالية

برزت مؤسسات إعلامية سورية ترفع شعارات "الإعلام المستقل" والدفاع عن حريات الصحفيين. لكن خلف الكواليس، يواجه العاملون واقعاً مظلماً من العقود الغامضة والفصل التعسفي بـ "صفر تعويضات". هل تحولت هذه المنصات إلى بيئة تعيد إنتاج نظام القمع الذي ثارت ضده؟ وكيف انتهى المطاف بصحفيين في أروقة المحاكم لمقاضاة من ادعوا حمايتهم؟

ميس حمد نشرت في:
الوثائقيات القصيرة في زمن المنصات الرقمية

أحدثت منصات التواصل الاجتماعي وأدوات الإنتاج المحمولة تحولاً جذرياً كسر احتكار الشاشات التقليدية، مما أعاد بعث "الفيلم الوثائقي المصغر" كقالب مستقل يعتمد على التكثيف البصري والإيجاز. ويمتاز عن التقرير الإخباري بتركيزه على ترسيخ الأثر الشعوري والعمق الإنساني بدلاً من مجرد نقل المعلومة.

محمد البشتاوي نشرت في:
قضية المهاجرين في ليبيا.. هل اجتاز الإعلام اختبار المهنية؟

يشهد الشارع الليبي حالة من الجدل بالتوازي مع تصاعد الحملات الرافضة لوجود المهاجرين وانتشار شائعات "التوطين"، ما وضع الإعلام المحلي أمام اختبار مهني حقيقي بين نقل مخاوف المواطنين المشروعة وبين تجنب خطاب التحريض وتداول المعلومات غير الموثوقة.

عماد المدولي نشرت في:
البوسنية رميزة غورديتش.. وحكاية ابن بلا رأس منذ 30 سنة

تنشر القصة ضمن المجموعة الفائزة بجائزة الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية 2026

خالد أصلان نشرت في:
صحافة بلا معدات... حصار آخر يخنق الصحفيين في غزة

يسلّط التقرير الضوء على أزمة "حظر المعدات الصحفية" في قطاع غزة كأداة لفرض حصار إعلامي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة الصحفيين إثر ذلك في ممارسة عملهم أو وفقدان وظائفهم.

Amira Nassar
أميرة نصار نشرت في:
لماذ تبقى غزة تحت دائرة التعتيم الإعلامي؟

تفرض إسرائيل تعتيماً إعلامياً ممنهجاً على قطاع غزة عبر منع الصحافة الدولية من الدخول، بهدف حجب معالم الدمار الشامل والجرائم الإنسانية عن الرأي العام. وعبر عزل القطاع والتشكيك بالصحفي الفلسطيني، تسعى إسرائيل لإخفاء الأدلة الميدانية الشاهدة على الإبادة، واحتكار السردية عالمياً لتجنب أي مساءلة دولية مستقبلاً.

Ahmad Al-Agha
أحمد الأغا نشرت في:
هل أصبح الذكاء الاصطناعي زميلاً خفياً في غرفة الأخبار؟

هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الصحافة أم يمنحها قوة وقدرات جديدة؟ يعيش الصحفيون صراعاً بين تسريع مهامهم وخشية غياب الإبداع، بالاعتماد الكبير على هذه التقنيات. وفي ظل غياب سياسات تنظيمية، يبرز التحدي الأهم: هل نفصح عن استخدامنا لها للجمهور؟ وما هي حدود الاستخدام التي تحافظ على مصداقية المهنة وثقة القراء؟

فرح راضي الدرعاوي Farah Radi Al-Daraawi
فرح راضي الدرعاوي نشرت في:
لماذا اختفت الصحف الورقية في غزة؟

تستعرض المادة الأثر التدميري الممنهج الذي خلفته حرب الإبادة الجماعية على المؤسسات الإعلامية في قطاع غزة، حيث دمر الاحتلال أكثر من 150 مؤسسة إعلامية مما أدى إلى توقف كامل للمطابع وتحول الصحف إلى التغطية الإلكترونية بالكامل.

محمد أبو شحمة نشرت في: