هاتفٌ محمول وشحنة بطارية لا تكفي وشبكة إنترنت تنقطع كل بضع دقائق، هذه هي غرفة الأخبار الوحيدة التي سُمح لها بالعمل داخل غزة طوال عام كامل. لا مكاتب، لا معدات بث، لا بطاقة صحفية تفتح حاجزاً عسكرياً. فقط وجه شابة تبتسم فيما القصف يهزّ الجدار خلفها، وامرأة أخرى في باريس تُصغي وتُسجّل. من هذا الفراغ المؤسسي وُلد فيلم «ضع روحك على يدك وامشِ»، للمخرجة الإيرانية سيبيده فارسي، وهو - قبل أن يكون عملاً سينمائيا - شهادة على ما تبقى من الصحافة في غزّة.
لم تكن فارسي تخطط لصناعة فيلم عن غزّة بالمعنى التقليدي بقدر ما كانت تحاول أن تفعل ما عجز عنه مئات المراسلين الدوليين؛ وهو أن تصل إلى الحدث. حاولت الدخول عبر معبر رفح بعد أشهر من عدوان تشرين الأول 2023 ومُنعت، فبقيت في القاهرة حيث التقت لاجئين غزّيين عرّفوها إلى شابة من حي التفاح في مدينة غزّة: فاطمة حسونة.
فاطمة حسونة لم تكن شخصية عابرة اختارتها الكاميرا بالصدفة؛ كانت مصورة صحفية متخرجة من برنامج الوسائط المتعددة في جامعة غزة للعلوم التطبيقية، عملت مع «الغارديان» ومنصة «أنتولد بالستاين»، واكتسبت لقب "عين غزّة" لطريقتها في توثيق الحرب منذ اليوم الأول. بمعنى آخر، لم يكن موضوع الفلم الصحفيّة بذاتها، بل وثّق ممارستها لعملها حتى اللحظة الأخيرة بكاميرا هاتفها في مدينة أُغلقت أمام كل كاميرا أخرى. هذا الفارق جوهري: إسرائيل لم تمنع الصحافة الأجنبية من التغطية فحسب، بل استهدفت الصحفيين الفلسطينيين بشكل ممنهج، وهو ما جعل الصحفيَّ المحليَّ الشاهدَ الوحيد على ما يجري. حسونة كانت واحدة من هؤلاء، وقد دفعت الثمن الذي دفعه عشرات الزملاء قبلها وبعدها.

بنيوياً، يرفض الفيلم كل ما اعتدنا عليه في الصحافة المرئية التقليدية: لا تعليق صوتي عليم، لا مونتاج يُعيد ترتيب الوقائع، لا محاولة لخلق قصة "متوازنة" بجمع وجهات نظر متعددة. كل ما فيه محادثات مقطوعة، صمت طويل، انقطاع كهرباء أو إنترنت، وانفجار قريب يُنهي جملة في منتصفها. هذا الشكل غير المستقر ليس عيباً تقنياً يمكن غفرانه بسبب الظرف، بل هو -من زاوية صحفية- قرار أخلاقي يعني أن تترك الشكل يعكس الواقع بدل أن تُجمّله. حين يفشل خبر "من مصدر مطّلع" في نقل ما يعنيه أن تعيش تحت الحصار، تنجح هذه المكالمة المتقطعة في نقله لأنها لا تدّعي شيئاً غير ما هي عليه؛ فهي اتصال هشّ بين إنسانين، أحدهما يُراقب الآخر وهو يقترب من نهايته دون أن يعرف بذلك بعد.
يرفض الفيلم كل ما اعتدنا عليه في الصحافة المرئية التقليدية: لا تعليق صوتي عليم، لا مونتاج يُعيد ترتيب الوقائع، لا محاولة لخلق قصة «متوازنة» بجمع وجهات نظر متعددة. كل ما فيه محادثات مقطوعة، صمت طويل، انقطاع كهرباء أو إنترنت، وانفجار قريب يُنهي جملة في منتصفها.
هذا التعتيم ليس ظرفا عابرا، بل سياسة ممنهجة يعرفها كل من يتابع تغطية غزة منذ تشرين الأول 2023، تسعى إلى منع دخول المراسلين الأجانب إلا ضمن جولاتٍ مرافَقةٍ عسكرياً ومحدودة الزمن والمضمون، مقابل استهداف مباشر ومتكرر للصحفيين الفلسطينيين داخل القطاع، والنتيجة هي عملية إحلال قسري يتولى فيها من هم في الميدان - بلا تدريب مؤسسي ولا حماية قانونية ولا حتى خوذة واقية - مهمة كانت تقليدياً من اختصاص شبكات إخبارية كبرى. فارسي التي تدرك هذا الفراغ جيداً لم تُرسِل مصورا ولا فريق تصوير؛ استعانت بما هو متاح: هاتف فاطمة وهاتفها هي وشبكة اتصال متعثرة تفصل بينهما آلاف الكيلومترات. بهذا المعنى، الفيلم ليس استثناءً في المشهد الإعلامي الغزّي، بل نموذج مكثّف عنه: صحافة تُصنع بالضرورة لا بالاختيار، من فتات الإمكانات.
تجربة فارسي نفسها ليست بلا سوابق في هذا النوع من العمل المقتصد؛ فقد سبق لها أن صوّرت أحد أفلامها بهاتف محمول مخفيّ عن تدقيق السلطات الإيرانية، حين كانت الرقابة تمنعها من العمل بمعدات تصوير رسمية. هذا التاريخ الشخصي يفسّر جزئياً لماذا لم تتردد أمام فكرة بناء فيلم كامل من مكالمات فيديو؛ فبالنسبة لها، الكاميرا المخفية والهاتف المهرَّب ليسا حلا بديلا اضطراريا فحسب، بل أسلوب عمل تعرفه من الداخل، من تجربتها الخاصة مع القمع قبل أن تُطبّقه على تجربة غيرها.
ومع ذلك، لا يمكن لمقالٍ عن هذا العمل أن يمرّ دون سؤال إشكاليّ: من يملك حق رواية القصة؟ سيبيده فارسي مخرجة إيرانية تعيش في باريس منذ عقود، هربت من طهران في الثامنة عشرة بعد اعتقالها في السادسة عشرة إثر إخفائها صديقة خلال حملة قمع 1981. سيرتها الشخصية تمنحها موقعا حقيقيا بصفتها منفيّة تعرف معنى الاستبداد، لكنها تبقى امرأة تُشاهد الحصار من شاشة بينما تعيشه حسونة بجسدها. تظهر هذه الفجوة في لحظات قليلة لكنها دالّة؛ حين تُصرّ فارسي على أسئلة تخصّ الحجاب أو موقف حسونة من أحداث تشرين الأول، فتبدو الأسئلة - من موقع باريسي مرتاح - بعيدة عن أولويات شابة تُحصي جثث جيرانها. الفيلم لا يُخفي هذا التوتر، وهذا لصالحه، لكنه يُذكّرنا بأن "إعطاء الصوت" لأحد ليس دائما معادلا لمساواته في السرد، وأن حسن النية لا يُلغي فوارق الموقع.
المفارقة الكبرى التي تمنح الفيلم ثقله الصحفي الفعلي جاءت خارج الكادر؛ فبعد يوم واحد فقط من الإعلان عن اختيار الفيلم للعرض في قسم «أسيد» الموازي لمهرجان كان 2025، قُتلت فاطمة حسونة مع عدد من أفراد عائلتها في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم. لم يعد الفيلم - من تلك اللحظة - عملا عن صحفية تعيش تحت الخطر، بل أرشيفا لصحفية قُتلت بسبب عملها أو على الأقل بينما كانت تمارسه. وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول الفيلم صحفيا بامتياز: نحن أمام تسجيل يمكن أن يُستخدم كما استُخدمت شهادات أخرى مادةً في ملفات توثّق استهداف الصحفيين في غزة، حيث دمّر القصف عشرات المؤسسات الإعلامية وأخرج مئات المراسلين من الخدمة، بعضهم بالقتل المباشر.
بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن اختيار الفيلم للعرض في قسم «أسيد» الموازي لمهرجان كان 2025، قُتلت فاطمة حسونة مع عدد من أفراد عائلتها في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم. لم يعد الفيلم - من تلك اللحظة - عملا عن صحفية تعيش تحت الخطر، بل أرشيفا لصحفية قُتلت بسبب عملها
ما جرى في كان بعد الحادثة يستحق وقفة صحفية منفصلة. عُرض الفيلم كما كان مقرراً، وأُهدي العرض لذاكرة حسونة، فيما واصلت الدورة احتفالاتها المعتادة على السجادة الحمراء أياماً بعد مقتلها. هذا التزامن بالذات - بين مأتم لم يُقم بعد ومهرجان في أوج بريقه - يختصر مفارقة يعرفها كل من يعمل في تغطية الحروب؛ وهي أن آلة الأخبار والترفيه تستوعب المأساة كخبر عابر ثم تمضي، بينما يبقى العمل التسجيلي - حين يُصنع بأمانة - الأثرَ الوحيدَ الذي يرفض أن يُطوى مع نهاية الدورة الإخبارية. من زاوية عملية، تكتسب هذه التسجيلات بعد مقتل بطلتها قيمة تتجاوز الصالة السينمائية؛ فمواد كهذه الموثّقة بتواريخ ومواقع وشهادة حيّة من الضحية نفسها قبل مقتلها، هي بالضبط نوع المصدر الذي تعتمد عليه لجان التحقيق الدولية والمنظمات الحقوقية في بناء ملفات الإبادة الجماعية، حتى لو لم تُصنع أصلا بهذا القصد القانوني.

يطرح الفيلم أيضاً سؤالا يخصّ صناعة الأخبار أكثر مما يخصّ السينما: لماذا يحتاج العالم - لكي يلتفت لإبادة جماعية موثّقة بالأرقام والتقارير الأممية منذ أشهر- إلى وجه واحد وابتسامة واحدة؟ هناك تقليد صحفي وسينمائي معروف يقوم على "أنسنة" الأرقام عبر قصة فردية، وقد يراه البعض تبسيطا مخلّا بالتعقيد السياسي، فيما يراه آخرون الطريقة الوحيدة لكسر لامبالاة الجمهور. الفيلم لا يحسم هذا الجدل، لكنه ينحاز عمليا إلى الخيار الثاني وينجح؛ لأن حسونة نفسها لم تكن "حالة" يختارها أحد، بل صحفية اختارت أن تكون مرئية رغم الثمن.
أين تنتهي "أنسنة" الخبر ويبدأ استثمار ألم شخص بعينه لأغراض الاستعطاف؟ الفارق - كما يظهر في هذا العمل تحديدا - ليس في اختيار وجه واحد بدل الأرقام، إنما في مدى احترام ذلك الوجه واستقلاليته أثناء العملية.
هذا النقاش يُعيدنا إلى سؤال أعمق يشغل غرف الأخبار قبل قاعات السينما: أين تنتهي "أنسنة" الخبر ويبدأ استثمار ألم شخص بعينه لأغراض الاستعطاف؟ الفارق - كما يظهر في هذا العمل تحديدا - ليس في اختيار وجه واحد بدل الأرقام، إنما في مدى احترام ذلك الوجه واستقلاليته أثناء العملية. حسونة لم تكن مادة خام تنتظر من يُشكّلها؛ كانت هي من تُقرر ماذا تُصوّر ومتى تتحدث ومتى تصمت، وفارسي اختارت أن تبقى في موقع المُصغية أكثر من كونها المُخرجة المتحكمة بالسرد. هذا هو الحد الفاصل عمليا بين توثيق يحترم مصدره وبين استغلال يتخفّى بغطاء إنساني.
من الناحية الفنية البحتة، هناك ما يستحق التحفظ؛ وهو أنّ الاعتماد شبه الكلي على تسجيلات المكالمات قد يبدو - في لحظات - مرهقاً بصرياً، وبعض المقاطع الإخبارية المُدرجة بصفتها سياقا تبدو أقل حرفية من بقية العمل، لكن هذه ملاحظات ثانوية أمام ما يقدّمه الفيلم كوثيقة؛ فهو شهادة مباشرة غير مُعاد إنتاجها، من امرأة اختارت الكلمة والصورة سلاحا وحيدا في مواجهة آلة حرب كاملة.
في نهاية المطاف، "ضع روحك على يدك وامشِ" هو ما يتبقّى حين تُغلق كل قنوات الصحافة الرسمية: مكالمة فيديو، وصوت متقطع، ووجه يرفض أن يُمحى. عنوانه مأخوذ من جملة قالتها حسونة نفسها لوصف الخروج اليومي من المنزل تحت القصف. وربما هذا أدقّ تعريف يمكن أن نمنحه اليوم لمهنة الصحافة في غزة: كل من يرفع كاميرا هناك يضع روحه على يده حرفياً، ويمشي.