كان أعظم إنجاز حقّقه الإنسان في العهود السّاحقة -وهو يدأب على الانفصال المؤلم عن الطبيعة، ليؤسّس شيئًا خاصًّا به يتعالى به على منطق الغابة- هو الثّقافة بوصفها أنساقًا وبنى سيضبط بها الجماعةَ وينظّم ردودَ أفعالها ويحاور بها الطّبيعة، ويبني بها تجربة قابلة للحياة من بعده. إنجازه هذا هو حين تمكّن من أن يربط كلمة بكلمات أخرى وأسَّس جملة. هذا البناء المدهش للّغة كان أعظم شيء قام به الإنسان الأوّل، أعظم من بناء الدّور والنُّصُبِ المَأثَمية والسّدود الصّغيرة وسواقي إيصال الماء، أعظم من أدوات الصّيد وقتال المجموعات المنافسة، بل أعظم حتّى من تدجين النّار والانتقال من النيِّئ إلى المطبوخ، وتدجين الحيوانات والاهتداء المبكّر جدًّا لتحريم زنا المحارم.
حين كان الإنسان الأوّل يجرّب ربط كلمة بكلمة، كان في الحقّ يضع أهمّ ما ستنجزه البشريّة في وجودها على الأرض؛ البناء الشّاهق الذي لن تنال منه تقلّبات الظّروف ولا عاديات الزّمان، ولن يطاله البلى ويصير أطلالًا يحلو عندها الوقوف أبد الدهر، بناء مسكن الكينونة: "اللّغة" على حدّ تعبير هايدغر، حيث سيقيم ويسمّي العالم من حوله ويصنّفه ويرتّبه ويعقِله، حيث سيتذكّر ويحلم ويتخيّل. والأهم من هذا كلّه حيث سيمتلك الأداة الّتي سيُعبِّر بها وينقل المظلم الّذي بداخله إلى نور الخارج.
ليست اللّغة شيئًا ابتكره الإنسان مع ما يفترضه هذا من أسبقيّة أنطولوجيّة له عليها، لسبب بسيط هو أنّه لم يصِر إنسانًا إلّا باللّغة، إنّها الشّرط الوجوديّ الأوّل الّذي انفصل به عن الطّبيعة وامتلك القدرة على أن يسمّيها، وخلق منذئذ الثّنائيّة الّتي يستوي عليها العالم في نظره: الصّوت ودلالته، الشّيء واسمه، العالم وتَهَجِّيه في كلمات، وما يوجد خارج اللّغة لا يوجد في الإدراك والفهم، كأنّ ما يحيط بالإنسان صار رهين التّحقّق في اللّغة ليتحقّق في الوجود.
لقد عرف الإنسان الأوّل مبكّرًا أنّه لا يملك إلّا السّرد لمواجهة عمل الزّمن وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالسّرد هو محاولات البشر الأوائل لتأسيس شيء يبقى للخلف، شيء ينقل الخبرة والرّؤيا والدّهشة والسؤال.
لم تكن اللّغة بديلًا عن العالم لأنّها هي العالم، وهي ليست مهمّة في حدّ ذاتها بقدر ما كانت قدرتها على منحه ملَكة السّرد بما فيه من محاكاة واسترجاع وبناء إدراكٍ للعالم كأشياء متسلسلة. الجمل الأولى الّتي بناها الإنسان لم تكن تأمُر ولا تسأل ولا تفسِّر، وإنّما تَسرُد مثلها مثل تلك الرّسومات الّتي كان ينجزها في الكهوف حفرًا أو تلوينًا لتخليد انتصاراته على أعدائه، أو لاستعادة مشهد صيد انتهى نهاية سعيدة، أو لتمجيد القوى الخارقة المحيطة به. لم تكن اللّغة آنذاك تَضيع في ابتذال الحياة اليوميّة. كانت لها مهمّة شبه مقدّسة وهي بناء الذّاكرة الجماعيّة والفرديّة لمراكمة الخبرات وما تمّ تحصيله من هذا الارتطام القاسي بالعالم. ولا ذاكرة دون سرد؛ لأنّ الذّاكرة نسيج سرديّ بالأساس، هي التّجربة حين يستولي عليها السّرد ويعيد بناءها.
لقد عرف الإنسان الأوّل مبكّرًا أنّه لا يملك إلّا السّرد لمواجهة عمل الزّمن وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالسّرد هو محاولات البشر الأوائل لتأسيس شيء يبقى للخلف، شيء ينقل الخبرة والرّؤيا والدّهشة والسؤال. وبشكل مبكّر، صار لكلّ شيء من أشياء العالم الغريبة والمُلغِزَة حكاية، وصارت الحكاية هي الأداة العجيبة الّتي ابتكرها الإنسان لتدجين العالم من حوله وأنسَنَةِ توحُّشِه ومنح إجابات للأسئلة الكثيرة الملقاة في المسارب. وفي الحكاية، تكلّم الإنسان وتكلّم كلّ ما حوله أيضًا، لم يكن يهمّه صوته بقدر ما كانت تهمّه استضافة الأصوات القادمة من السّماء في شكل رعد وصواعق، ومن الأرض في شكل زلازل وبراكين وينابيع، ومن الأشجار والنّباتات في شكل تخلّق معجِز للحياة والموت وفق فصول معيّنة، ومنحها معنى في حياته. في رحم الحكاية، وُلدت الأساطير والأديان. لم يُرَوِّع الإنسان شيء من أشياء العالم مثل ما روّعه الموت، ولم يجد ما يقاوم به هذه الحقيقة المرعبة غير أن يؤصّل التّجربة في حكاية أو مَثَل أو قول مأثور، ويبني ما يبقى في منجاة من آلة المحوِ الرّهيبة.
إنّ الإنسان لغة وسرديّة بناها قطعةً قطعة ليرى فيها نفسه ولِيُهَرّب بداخلها ما يمكن تهريبه من تجارب وحكم ورؤى للعالم. كلّ العالم الّذي يحيط بالإنسان أصمّ، قاسٍ، غريب، والأَنْسَنة الوحيدة الممكنة لكلّ هذا الجَفَاء هو بناء سرديّة تدجّن وتفسّر وتمنح معاني لكلّ الأشياء المفتقدة للدّلالة. وُلدت الرّواية والصّحافة الحديثة من رحِم واحدة، كانتا حاجة وأداة لما تَخَلَّقَ من تحوّلات كبيرة أخرجت أوروبا من نمط إنتاجيّ إلى نمط آخر، ومن بنية ثقافيّة إلى بنية أخرى، ومن أنساق اجتماعيّة ونفسيّة إلى أنساق جديدة، ومن مراكز ثقل وتأثير وجاذبيّة إلى مراكز أخرى. صارت الرّواية والصّحافة مع التّحوّلات جنبًا إلى جنب، تأثّرتا بها وأثّرتا فيها. ويمكن القول بكل اطمئنان بأنّ أزمنة الحداثة والأنوار لم تجد من يعبّر عنها ويجسّدها أكثر من الرّواية والصّحافة، بل من يمنحها كثافتها الوجودية كنقلة كبيرة في تاريخ البشريّة مثلهما. ولنا أن نتساءل عن شروط وسياقات تحقّق هذه النّقلة النّوعيّة في أشكال تداول المعرفة وملكات التّعبير وتمثّل الوقائع الجديدة:
1- كان الشّرط الأوّل مجالِيّا؛ إذ انتقل مركز الثّقل من البادية إلى المدينة، ومن الحياة المنغلقة داخل جماعات محدودة إلى حياة مفتوحة وسط أمشاج وأخلاط بشريّة، من رابطة الدّم والقرابة إلى رابطة الانتماء للمجال والقرابة فيه، من مجال يَعرِف فيه الكلُّ الكلَّ إلى مجال الغُفْلْيَة حيث لا يعرف الجار جاره، من الكنيسة وقصر السّيّد إلى السّاحة العامّة والشّارع وبنايات الإدارات ومراكز التّجارة ومؤسّسات الترفيه، ومن سلطة الواحد إلى رحَابة التّعدّد.
إن كانت القرية واحدة، فإنّ المدينة هي مدن عديدة داخل المدينة الواحدة؛ أحياء وفئات اجتماعيّة وبؤر جاذبة. المدن أيضًا لغات وتعدّد ثقافيّ ونسيج معقّد من المختلف والمؤتلف، وإن كانت البادية (القرية) تنتج الحدث في دار السّيّد أو الكنيسة، فإنّ المدينة تنتجه في كلّ ركن وزاوية وشارع وبنايات وفضاء عام. حتّى الحدث نفسه تغيّر؛ لم يعُد يتعلّق بالسّيّد وحروبه مع السّادة المجاورين ومآثره وبطولاته وكرمه، صار الحدث أيضًا متعدّدًا ومركّبًا يمَسّ جوانب مختلفة فيها السّياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ. الخبر لم يكن حاجة حقيقيّة في البادية، لكنّه صار مهمًّا جدًّا في المدينة.
من يملك الخبر الصحيح ومن يكون سبّاقًا له، بإمكانه أن ينال مغانم كثيرة من ذلك في السّياسة وعالم المال والصّفقات التّجاريّة. لا تلد البادية إلّا المكرور والمعتاد، بينما تلد المدينة المفاجئ والاستثنائيّ وتمنح حياتها المتحوّلة دومًا إمكانيّة لقاءات الصّدفة الّتي تغيّر المصائر وتلد التحوّلات الكبرى في المسارات: كلّ من الرّواية والصّحافة بُنِيَ على فضول معرفة ما يحدُث، ما يُدَشَّن، ما يَفتَحُ أفقًا، وما يبشّر بصيرورة ما، الوقائع في المدينة حبلى، وقد ولَدَتا معًا لتتعهّدا الوليد وترافقاه في رحلة الحياة.
صارت الرّواية والصّحافة مع التّحوّلات جنبًا إلى جنب، تأثّرتا بها وأثّرتا فيها. ويمكن القول بكل اطمئنان بأنّ أزمنة الحداثة والأنوار لم تجد من يعبّر عنها ويجسّدها أكثر من الرّواية والصّحافة، بل من يمنحها كثافتها الوجودية كنقلة كبيرة في تاريخ البشريّة مثلهما.
2- لم تمنح المدينة السّلطة للمتعدّد ضدًّا في الواحد فقط، بل منحت زمانها للتّاجر الّذي أعطاها تصوّره للزمن. زمن التّاجر ليس هو زمن رجل الدّين كما يبيّن ذلك جاك لوكوف: زمن رجل الدّين دائريّ شعائريّ له مواقيت محدّدة، وللمواقيت طقوس وفيها فصول، وداخل كلّ فصل هناك أنشطة محدّدة، وما يُنجَز في الحاضر هو ما أُنجِزَ في الماضي بنفس الرّوح ونفس الدّأب. أمّا زمن التّاجر فمندفع نحو الأمام لا يحدّه شيء ولا يتعلّق بشيء. إنّه زمن المنفعة والتّعاقد والبحث عن الأسواق. لا يكترث التّاجر بالفرق ولا بالخصوصيّات، ما يهمّه هو السّلعة والثّمن، والباقي صغائر.
لقد دفع التّاجر المدن لتمجيد الزّمن، حتى إنّ كبرياتها أصبحت تضع نُصُبًا لساعات عملاقة في ساحاتها. لا سلطة إلّا سلطة الزّمن بوصفه صيرورة لا تنتظر أحدًا. الزّمن، بما يحدثه في النّاس والمصائر والرّتب والأحاسيس وفي الأنساق، وبما يرعى تخلّقه البطيء، هو مَن منح مادّة عمل كلّ من الرّوائيّ والصّحفيّ. إنّه اليد الماهرة الّتي تحرّك مسرح عرائس الأفراد والجماعات والمؤسّسات، وما يُنتسَج بينهم من صراعات، وتحالفات ومآسٍ ومهازل. لا يولد التّاريخ إلّا لأنّ هناك زمنًا وسردًا لما جرى. يلاحق الصّحفيّ الزّمن السّريع، زمن الواقعة المفردة الّتي تملك سحر التّحوّل إلى خبر. لا يهمّه الخبر المتواتر بل خبر الآحاد، ما حدث وفيه صفة الفرادة ويستحقّ أن يروى. أمّا الروائي فتستهويه الأزمنة البطيئة وعمل الخيال، ولا ينشغل بالخبر من حيث هو خبر، ولا بما وقع لأنّه وقع، ما يهمّه بالأساس هو ما هي الصّيرورة الّتي قادت للواقعة، وما هي الملابسات المحيطة بها. الصّحفيّ متعجِّل يتحقّق ممّا بين يديه ويسير إلى ما هو مهمّ، أمّا الرّوائيّ فبطيء يملك الوقت والحيّز المكانيّ لإعادة بناء الواقعة حين كانت خاطرة في قلب الأحداث. لا أحد يطالب الرّوائيّ بإثبات ولا حجّة، ولا باحترام لمنطق الأشياء. إنّه حرّ لا تقيّده إلّا قواعد التذكير والتأنيث وقواعد السّرد.
لا تلد البادية إلّا المكرور والمعتاد، بينما تلد المدينة المفاجئ والاستثنائيّ وتمنح حياتها المتحوّلة دومًا إمكانيّة لقاءات الصّدفة الّتي تغيّر المصائر وتلد التحوّلات الكبرى في المسارات: كلّ من الرّواية والصّحافة بُنِيَ على فضول معرفة ما يحدُث، ما يُدَشَّن، ما يَفتَحُ أفقًا، وما يبشّر بصيرورة ما، الوقائع في المدينة حبلى، وقد ولَدَتا معًا لتتعهّدا الوليد وترافقاه في رحلة الحياة.
3- في زمن سيطرة القيمة التّبادليّة على القيمة الاستعماليّة للشّيء، في زمن التّشييء والاستهلاك، الزّمن الّذي صار كلّ شيء فيه صناعة عليها أن تدِرّ الربح، وعوض أن يتحكّم الإنسان فيما يُنتج، كما بيَّن جورج لوكاتش في كتابه "التّاريخ والوعي الطّبقيّ 1923"، صارت الأشياء الجامدة المنفصلة عنه تتحكّم فيه، بل إنّ صِلاتِه مع العالم ومع الآخرين ومع نفسه صارت محكومة بهذا المنطق التّشييئيّ. كلّ شيء صار بعيدًا عن الإنسان، حتّى العواطف لم تعد عواطف، صارت صناعة يخالط فيها الواقع الوهم والمعيش المستهلَكَ والحياة الفُرجَةَ، بل يذهب لوكاتش إلى أنّ الصّحافة تحوّلت إلى "تعهير" للتّجارب المعيشة وللقناعات؛ لأنّها جعلت الواقع يفقد واقعيّته ويتحوّل إلى فرجة ومشهد لإرضاء الفضول.
هذا الفرد الّذي فقد القدرة على إدراك الواقع المحيط به، الّذي فقد ملكة التّمييز، الّذي صالحه الإعلام مع المذابح الجماعيّة وتشريد الآلاف وصور الأشلاء والجثث والمدن المخرّبة، والّذي يرى صور الكوارث كأنّها فُرجة لا تعنيه ولا مسؤوليّة له فيما وقع، وهو في كلّ الأحوال غير مطالب بإبداء موقف، وظيفتُه الوحيدة هي أن يرى ويستهلِك ويسمع، هو مَن كرّست له الرّواية تاريخها الطويل، الفرد المعزول، المحطّم، بلا صفات، والّذي يشبه الحشرة، والّذي يوجد تحت رحمة قوى غامضة تتلاعب بمصيره، الفرد المذنِب الّذي يعرف العقاب ولا يعرف الجُرم الّذي ارتكبه، عالم الاستهلاك والفُرجة وفقدان معاني الأشياء والجَرْي المحموم وراء سَرَابات الحياة الّتي لم تعُد تخضع حاجيّات النّاس فيها لاختبارات الاستعمال والجدوى والحاجة، بل لاعتبارات الموضة و"الترند والموجة، هو من أعطى للصّحافة إيقاعها وبعض مواضيعها وأعطى للرّواية شُخوصها المعطوبة.
4- كان اليَوميّ في الأزمنة القديمة محتقرًا لا يُلتفت له ولا يَشغل أحدٌ نفسه به. اليوميّ هو الوضيع، والعابر، والرّوتينيّ، والمُفتقِد للدّلالة. لا يمكن لكبار الحوادث أن تحدث في اليَوميّ إلّا كانقطاع مفاجئ واستثنائيّ، وحتى لو وُلِدت هذه الحوادث في مجراه فإنّ إنكار أُمُومة اليوميّ للحدث كان أمرًا مُجمَعًا عليه. مع الأزمنة الحديثة سيتغيّر الأمر، سيتعاظم شأن اليوميّ شيئًا فشيئًا وستتغيّر النّظرة إليه، بل يمكن اعتبار الحداثة في جوهرها تمجيدًا لليوميّ؛ لهذا النّسيج الذي تتحقّق فيه الحياة قطرةً قطرة، لهذا الحاضر الأبديّ الّذي ما ينفكّ يَغزِل الماضي كشيء انقضى بالمستقبل كاحتمال، لهذا الّذي تتخاصر فيه الأشياء التّافهة والّتي لا تكاد تُرى في ابتذالها وتكرارها، والأشياء الفارقة الكبيرة والمنذِرة بالعَصف العظيم. لا حدث مهما كَبُر يمكن أن يتشكّل بعيدا عن اليوميّ؛ إنّه المسرح الّذي لا يمكن أن تُمَثّل مسرحيّة الحياة إلّا على خَشَبته، الحروب والثّورات وسقوط الأنظمة والديكتاتوريّات والآفات العظيمة تحدث في اليوميّ تفصيلًا بعد تفصيل.
فهمت الرّواية والصّحافة هذا مبكّرًا، وصار عملهما بالأساس يَنصبّ على التقاط اليوميّ، تعلّقتا بالتفاصيل، بما يُولَد على حين غرّة، وما تهبُهُ المدن كفاكهة تُزهِر في الحياة المشتركَة. وسط هذه الأمواج المتلاطمة في الشّوارع وحين يتدافع السّياسيّون ورجال الأعمال والمال، ووسط الحروب الصّغيرة للسّلطة، وفي الزّوايا المظلمة حيث يَفتِك المُهمّشون ببعضهم البعض، كان الصّحفيّ يجد خبرًا والرّوائيّ يجد قصّة، وبينهما تتوثّق عُروة وغِوايَة سردِ ما يجري.
أخذت الرّواية من الصّحافة جُلّ حكاياتها؛ فأكبر هواة صفحات الحوادث هم الرّوائيّون، وتأثّر بعض الرّوائيّين بالجملة الصّحفيّة الموجَزة والّتي تسير نحو الدّلالة دون بَهرجةٍ بلاغيّة زائدة.
المدينة والزّمن وتشييء الحياة وصعود اليوميّ حَضَنوا الرّواية والصّحافة، وهيّؤوا لهما مجالًا للتّفاعل والتّمازج والتّنافس أيضًا، وسهَّلَ يُسْرُ الانتقال بينهما ظهور أسماء كبيرة وهبت العالم نصوصًا عظيمة في الأدب لأنّها اشتغلت في مجال الصّحافة وكتبت الرّواية. أخذت الرّواية من الصّحافة جُلّ حكاياتها؛ فأكبر هواة صفحات الحوادث هم الرّوائيّون، وتأثّر بعض الرّوائيّين بالجملة الصّحفيّة الموجَزة والّتي تسير نحو الدّلالة دون بَهرجةٍ بلاغيّة زائدة (حالة همينغواي مثلًا الّذي اشتغل مراسلًا). وعمد بعض الرّوائيّين إلى اختيار عناوين لرواياتهم مستقاة من عناوين الأخبار الصّحفيّة المثيرة (مثل وقائع موت معلن لغابرييل غارسيا ماركيز الّذي اشتغل في مجال الصّحافة أيضا). كما أنّ تقنية الروبورتاج وكيفيّة بنائه وتقطيعه صارت من أكثر التّقنيات توظيفًا في الرّواية. والكتابة الصّحفيّة أيضًا أخذت الكثير من عوالم الرّواية، لعلّ أبرزها آليّات بناء الإثارة والتّشويق، وزرع نفَس شعريّ في الكتابة ينأى بها عن المباشرة والتّقريريّة. كما أنّ هذه الكتابة الّتي كانت في البداية تلاحق الخبر فقط وتنشره، صارت بتأثير من الرّواية تبحث عن الدّوافع الّتي خلقته وحفّزت صناعته. لولا الرّواية لما ازدهرت في العالم صحافة التّحقيق وإعادة بناء الأحداث في تعقُّدِها وتعدّدِ مفاصلها.