السرد الصحفي أو إعادة اكشاف "اليومي المحتقر"

السرد الصحفي أو إعادة اكشاف "اليومي المحتقر"

 

كان أعظم إنجاز حقّقه الإنسان في العهود السّاحقة -وهو يدأب على الانفصال المؤلم عن الطبيعة، ليؤسّس شيئًا خاصًّا به يتعالى به على منطق الغابة- هو الثّقافة بوصفها أنساقًا وبنى سيضبط بها الجماعةَ وينظّم ردودَ أفعالها ويحاور بها الطّبيعة، ويبني بها تجربة قابلة للحياة من بعده. إنجازه هذا هو حين تمكّن من أن يربط كلمة بكلمات أخرى وأسَّس جملة. هذا البناء المدهش للّغة كان أعظم شيء قام به الإنسان الأوّل، أعظم من بناء الدّور والنُّصُبِ المَأثَمية والسّدود الصّغيرة وسواقي إيصال الماء، أعظم من أدوات الصّيد وقتال المجموعات المنافسة، بل أعظم حتّى من تدجين النّار والانتقال من النيِّئ إلى المطبوخ، وتدجين الحيوانات والاهتداء المبكّر جدًّا لتحريم زنا المحارم.

حين كان الإنسان الأوّل يجرّب ربط كلمة بكلمة، كان في الحقّ يضع أهمّ ما ستنجزه البشريّة في وجودها على الأرض؛ البناء الشّاهق الذي لن تنال منه تقلّبات الظّروف ولا عاديات الزّمان، ولن يطاله البلى ويصير أطلالًا يحلو عندها الوقوف أبد الدهر، بناء مسكن الكينونة: "اللّغة" على حدّ تعبير هايدغر، حيث سيقيم ويسمّي العالم من حوله ويصنّفه ويرتّبه ويعقِله، حيث سيتذكّر ويحلم ويتخيّل. والأهم من هذا كلّه حيث سيمتلك الأداة الّتي سيُعبِّر بها وينقل المظلم الّذي بداخله إلى نور الخارج.

ليست اللّغة شيئًا ابتكره الإنسان مع ما يفترضه هذا من أسبقيّة أنطولوجيّة له عليها، لسبب بسيط هو أنّه لم يصِر إنسانًا إلّا باللّغة، إنّها الشّرط الوجوديّ الأوّل الّذي انفصل به عن الطّبيعة وامتلك القدرة على أن يسمّيها، وخلق منذئذ الثّنائيّة الّتي يستوي عليها العالم في نظره: الصّوت ودلالته، الشّيء واسمه، العالم وتَهَجِّيه في كلمات، وما يوجد خارج اللّغة لا يوجد في الإدراك والفهم، كأنّ ما يحيط بالإنسان صار رهين التّحقّق في اللّغة ليتحقّق في الوجود.

لقد عرف الإنسان الأوّل مبكّرًا أنّه لا يملك إلّا السّرد لمواجهة عمل الزّمن وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالسّرد هو محاولات البشر الأوائل لتأسيس شيء يبقى للخلف، شيء ينقل الخبرة والرّؤيا والدّهشة والسؤال.

لم تكن اللّغة بديلًا عن العالم لأنّها هي العالم، وهي ليست مهمّة في حدّ ذاتها بقدر ما كانت قدرتها على منحه ملَكة السّرد بما فيه من محاكاة واسترجاع وبناء إدراكٍ للعالم كأشياء متسلسلة. الجمل الأولى الّتي بناها الإنسان لم تكن تأمُر ولا تسأل ولا تفسِّر، وإنّما تَسرُد مثلها مثل تلك الرّسومات الّتي كان ينجزها في الكهوف حفرًا أو تلوينًا لتخليد انتصاراته على أعدائه، أو لاستعادة مشهد صيد انتهى نهاية سعيدة، أو لتمجيد القوى الخارقة المحيطة به. لم تكن اللّغة آنذاك تَضيع في ابتذال الحياة اليوميّة. كانت لها مهمّة شبه مقدّسة وهي بناء الذّاكرة الجماعيّة والفرديّة لمراكمة الخبرات وما تمّ تحصيله من هذا الارتطام القاسي بالعالم. ولا ذاكرة دون سرد؛ لأنّ الذّاكرة نسيج سرديّ بالأساس، هي التّجربة حين يستولي عليها السّرد ويعيد بناءها.

لقد عرف الإنسان الأوّل مبكّرًا أنّه لا يملك إلّا السّرد لمواجهة عمل الزّمن وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالسّرد هو محاولات البشر الأوائل لتأسيس شيء يبقى للخلف، شيء ينقل الخبرة والرّؤيا والدّهشة والسؤال. وبشكل مبكّر، صار لكلّ شيء من أشياء العالم الغريبة والمُلغِزَة حكاية، وصارت الحكاية هي الأداة العجيبة الّتي ابتكرها الإنسان لتدجين العالم من حوله وأنسَنَةِ توحُّشِه ومنح إجابات للأسئلة الكثيرة الملقاة في المسارب. وفي الحكاية، تكلّم الإنسان وتكلّم كلّ ما حوله أيضًا، لم يكن يهمّه صوته بقدر ما كانت تهمّه استضافة الأصوات القادمة من السّماء في شكل رعد وصواعق، ومن الأرض في شكل زلازل وبراكين وينابيع، ومن الأشجار والنّباتات في شكل تخلّق معجِز للحياة والموت وفق فصول معيّنة، ومنحها معنى في حياته. في رحم الحكاية، وُلدت الأساطير والأديان. لم يُرَوِّع الإنسان شيء من أشياء العالم مثل ما روّعه الموت، ولم يجد ما يقاوم به هذه الحقيقة المرعبة غير أن يؤصّل التّجربة في حكاية أو مَثَل أو قول مأثور، ويبني ما يبقى في منجاة من آلة المحوِ الرّهيبة.

إنّ الإنسان لغة وسرديّة بناها قطعةً قطعة ليرى فيها نفسه ولِيُهَرّب بداخلها ما يمكن تهريبه من تجارب وحكم ورؤى للعالم. كلّ العالم الّذي يحيط بالإنسان أصمّ، قاسٍ، غريب، والأَنْسَنة الوحيدة الممكنة لكلّ هذا الجَفَاء هو بناء سرديّة تدجّن وتفسّر وتمنح معاني لكلّ الأشياء المفتقدة للدّلالة. وُلدت الرّواية والصّحافة الحديثة من رحِم واحدة، كانتا حاجة وأداة لما تَخَلَّقَ من تحوّلات كبيرة أخرجت أوروبا من نمط إنتاجيّ إلى نمط آخر، ومن بنية ثقافيّة إلى بنية أخرى، ومن أنساق اجتماعيّة ونفسيّة إلى أنساق جديدة، ومن مراكز ثقل وتأثير وجاذبيّة إلى مراكز أخرى. صارت الرّواية والصّحافة مع التّحوّلات جنبًا إلى جنب، تأثّرتا بها وأثّرتا فيها. ويمكن القول بكل اطمئنان بأنّ أزمنة الحداثة والأنوار لم تجد من يعبّر عنها ويجسّدها أكثر من الرّواية والصّحافة، بل من يمنحها كثافتها الوجودية كنقلة كبيرة في تاريخ البشريّة مثلهما. ولنا أن نتساءل عن شروط وسياقات تحقّق هذه النّقلة النّوعيّة في أشكال تداول المعرفة وملكات التّعبير وتمثّل الوقائع الجديدة:

1- كان الشّرط الأوّل مجالِيّا؛ إذ انتقل مركز الثّقل من البادية إلى المدينة، ومن الحياة المنغلقة داخل جماعات محدودة إلى حياة مفتوحة وسط أمشاج وأخلاط بشريّة، من رابطة الدّم والقرابة إلى رابطة الانتماء للمجال والقرابة فيه، من مجال يَعرِف فيه الكلُّ الكلَّ إلى مجال الغُفْلْيَة حيث لا يعرف الجار جاره، من الكنيسة وقصر السّيّد إلى السّاحة العامّة والشّارع وبنايات الإدارات ومراكز التّجارة ومؤسّسات الترفيه، ومن سلطة الواحد إلى رحَابة التّعدّد.

 إن كانت القرية واحدة، فإنّ المدينة هي مدن عديدة داخل المدينة الواحدة؛ أحياء وفئات اجتماعيّة وبؤر جاذبة. المدن أيضًا لغات وتعدّد ثقافيّ ونسيج معقّد من المختلف والمؤتلف، وإن كانت البادية (القرية) تنتج الحدث في دار السّيّد أو الكنيسة، فإنّ المدينة تنتجه في كلّ ركن وزاوية وشارع وبنايات وفضاء عام. حتّى الحدث نفسه تغيّر؛ لم يعُد يتعلّق بالسّيّد وحروبه مع السّادة المجاورين ومآثره وبطولاته وكرمه، صار الحدث أيضًا متعدّدًا ومركّبًا يمَسّ جوانب مختلفة فيها السّياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ. الخبر لم يكن حاجة حقيقيّة في البادية، لكنّه صار مهمًّا جدًّا في المدينة.

من يملك الخبر الصحيح ومن يكون سبّاقًا له، بإمكانه أن ينال مغانم كثيرة من ذلك في السّياسة وعالم المال والصّفقات التّجاريّة. لا تلد البادية إلّا المكرور والمعتاد، بينما تلد المدينة المفاجئ والاستثنائيّ وتمنح حياتها المتحوّلة دومًا إمكانيّة لقاءات الصّدفة الّتي تغيّر المصائر وتلد التحوّلات الكبرى في المسارات: كلّ من الرّواية والصّحافة بُنِيَ على فضول معرفة ما يحدُث، ما يُدَشَّن، ما يَفتَحُ أفقًا، وما يبشّر بصيرورة ما، الوقائع في المدينة حبلى، وقد ولَدَتا معًا لتتعهّدا الوليد وترافقاه في رحلة الحياة.

صارت الرّواية والصّحافة مع التّحوّلات جنبًا إلى جنب، تأثّرتا بها وأثّرتا فيها. ويمكن القول بكل اطمئنان بأنّ أزمنة الحداثة والأنوار لم تجد من يعبّر عنها ويجسّدها أكثر من الرّواية والصّحافة، بل من يمنحها كثافتها الوجودية كنقلة كبيرة في تاريخ البشريّة مثلهما.

2- لم تمنح المدينة السّلطة للمتعدّد ضدًّا في الواحد فقط، بل منحت زمانها للتّاجر الّذي أعطاها تصوّره للزمن. زمن التّاجر ليس هو زمن رجل الدّين كما يبيّن ذلك جاك لوكوف: زمن رجل الدّين دائريّ شعائريّ له مواقيت محدّدة، وللمواقيت طقوس وفيها فصول، وداخل كلّ فصل هناك أنشطة محدّدة، وما يُنجَز في الحاضر هو ما أُنجِزَ في الماضي بنفس الرّوح ونفس الدّأب. أمّا زمن التّاجر فمندفع نحو الأمام لا يحدّه شيء ولا يتعلّق بشيء. إنّه زمن المنفعة والتّعاقد والبحث عن الأسواق. لا يكترث التّاجر بالفرق ولا بالخصوصيّات، ما يهمّه هو السّلعة والثّمن، والباقي صغائر.

لقد دفع التّاجر المدن لتمجيد الزّمن، حتى إنّ كبرياتها أصبحت تضع نُصُبًا لساعات عملاقة في ساحاتها. لا سلطة إلّا سلطة الزّمن بوصفه صيرورة لا تنتظر أحدًا. الزّمن، بما يحدثه في النّاس والمصائر والرّتب والأحاسيس وفي الأنساق، وبما يرعى تخلّقه البطيء، هو مَن منح مادّة عمل كلّ من الرّوائيّ والصّحفيّ. إنّه اليد الماهرة الّتي تحرّك مسرح عرائس الأفراد والجماعات والمؤسّسات، وما يُنتسَج بينهم من صراعات، وتحالفات ومآسٍ ومهازل. لا يولد التّاريخ إلّا لأنّ هناك زمنًا وسردًا لما جرى. يلاحق الصّحفيّ الزّمن السّريع، زمن الواقعة المفردة الّتي تملك سحر التّحوّل إلى خبر. لا يهمّه الخبر المتواتر بل خبر الآحاد، ما حدث وفيه صفة الفرادة ويستحقّ أن يروى. أمّا الروائي فتستهويه الأزمنة البطيئة وعمل الخيال، ولا ينشغل بالخبر من حيث هو خبر، ولا بما وقع لأنّه وقع، ما يهمّه بالأساس هو ما هي الصّيرورة الّتي قادت للواقعة، وما هي الملابسات المحيطة بها. الصّحفيّ متعجِّل يتحقّق ممّا بين يديه ويسير إلى ما هو مهمّ، أمّا الرّوائيّ فبطيء يملك الوقت والحيّز المكانيّ لإعادة بناء الواقعة حين كانت خاطرة في قلب الأحداث. لا أحد يطالب الرّوائيّ بإثبات ولا حجّة، ولا باحترام لمنطق الأشياء. إنّه حرّ لا تقيّده إلّا قواعد التذكير والتأنيث وقواعد السّرد.

لا تلد البادية إلّا المكرور والمعتاد، بينما تلد المدينة المفاجئ والاستثنائيّ وتمنح حياتها المتحوّلة دومًا إمكانيّة لقاءات الصّدفة الّتي تغيّر المصائر وتلد التحوّلات الكبرى في المسارات: كلّ من الرّواية والصّحافة بُنِيَ على فضول معرفة ما يحدُث، ما يُدَشَّن، ما يَفتَحُ أفقًا، وما يبشّر بصيرورة ما، الوقائع في المدينة حبلى، وقد ولَدَتا معًا لتتعهّدا الوليد وترافقاه في رحلة الحياة.

3- في زمن سيطرة القيمة التّبادليّة على القيمة الاستعماليّة للشّيء، في زمن التّشييء والاستهلاك، الزّمن الّذي صار كلّ شيء فيه صناعة عليها أن تدِرّ الربح، وعوض أن يتحكّم الإنسان فيما يُنتج، كما بيَّن جورج لوكاتش في كتابه "التّاريخ والوعي الطّبقيّ 1923"، صارت الأشياء الجامدة المنفصلة عنه تتحكّم فيه، بل إنّ صِلاتِه مع العالم ومع الآخرين ومع نفسه صارت محكومة بهذا المنطق التّشييئيّ. كلّ شيء صار بعيدًا عن الإنسان، حتّى العواطف لم تعد عواطف، صارت صناعة يخالط فيها الواقع الوهم والمعيش المستهلَكَ والحياة الفُرجَةَ، بل يذهب لوكاتش إلى أنّ الصّحافة تحوّلت إلى "تعهير" للتّجارب المعيشة وللقناعات؛ لأنّها جعلت الواقع يفقد واقعيّته ويتحوّل إلى فرجة ومشهد لإرضاء الفضول.

هذا الفرد الّذي فقد القدرة على إدراك الواقع المحيط به، الّذي فقد ملكة التّمييز، الّذي صالحه الإعلام مع المذابح الجماعيّة وتشريد الآلاف وصور الأشلاء والجثث والمدن المخرّبة، والّذي يرى صور الكوارث كأنّها فُرجة لا تعنيه ولا مسؤوليّة له فيما وقع، وهو في كلّ الأحوال غير مطالب بإبداء موقف، وظيفتُه الوحيدة هي أن يرى ويستهلِك ويسمع، هو مَن كرّست له الرّواية تاريخها الطويل، الفرد المعزول، المحطّم، بلا صفات، والّذي يشبه الحشرة، والّذي يوجد تحت رحمة قوى غامضة تتلاعب بمصيره، الفرد المذنِب الّذي يعرف العقاب ولا يعرف الجُرم الّذي ارتكبه، عالم الاستهلاك والفُرجة وفقدان معاني الأشياء والجَرْي المحموم وراء سَرَابات الحياة الّتي لم تعُد تخضع حاجيّات النّاس فيها لاختبارات الاستعمال والجدوى والحاجة، بل لاعتبارات الموضة و"الترند والموجة، هو من أعطى للصّحافة إيقاعها وبعض مواضيعها وأعطى للرّواية شُخوصها المعطوبة.

4- كان اليَوميّ في الأزمنة القديمة محتقرًا لا يُلتفت له ولا يَشغل أحدٌ نفسه به. اليوميّ هو الوضيع، والعابر، والرّوتينيّ، والمُفتقِد للدّلالة. لا يمكن لكبار الحوادث أن تحدث في اليَوميّ إلّا كانقطاع مفاجئ واستثنائيّ، وحتى لو وُلِدت هذه الحوادث في مجراه فإنّ إنكار أُمُومة اليوميّ للحدث كان أمرًا مُجمَعًا عليه. مع الأزمنة الحديثة سيتغيّر الأمر، سيتعاظم شأن اليوميّ شيئًا فشيئًا وستتغيّر النّظرة إليه، بل يمكن اعتبار الحداثة في جوهرها تمجيدًا لليوميّ؛ لهذا النّسيج الذي تتحقّق فيه الحياة قطرةً قطرة، لهذا الحاضر الأبديّ الّذي ما ينفكّ يَغزِل الماضي كشيء انقضى بالمستقبل كاحتمال، لهذا الّذي تتخاصر فيه الأشياء التّافهة والّتي لا تكاد تُرى في ابتذالها وتكرارها، والأشياء الفارقة الكبيرة والمنذِرة بالعَصف العظيم. لا حدث مهما كَبُر يمكن أن يتشكّل بعيدا عن اليوميّ؛ إنّه المسرح الّذي لا يمكن أن تُمَثّل مسرحيّة الحياة إلّا على خَشَبته، الحروب والثّورات وسقوط الأنظمة والديكتاتوريّات والآفات العظيمة تحدث في اليوميّ تفصيلًا بعد تفصيل.

فهمت الرّواية والصّحافة هذا مبكّرًا، وصار عملهما بالأساس يَنصبّ على التقاط اليوميّ، تعلّقتا بالتفاصيل، بما يُولَد على حين غرّة، وما تهبُهُ المدن كفاكهة تُزهِر في الحياة المشتركَة. وسط هذه الأمواج المتلاطمة في الشّوارع وحين يتدافع السّياسيّون ورجال الأعمال والمال، ووسط الحروب الصّغيرة للسّلطة، وفي الزّوايا المظلمة حيث يَفتِك المُهمّشون ببعضهم البعض، كان الصّحفيّ يجد خبرًا والرّوائيّ يجد قصّة، وبينهما تتوثّق عُروة وغِوايَة سردِ ما يجري.

أخذت الرّواية من الصّحافة جُلّ حكاياتها؛ فأكبر هواة صفحات الحوادث هم الرّوائيّون، وتأثّر بعض الرّوائيّين بالجملة الصّحفيّة الموجَزة والّتي تسير نحو الدّلالة دون بَهرجةٍ بلاغيّة زائدة.

المدينة والزّمن وتشييء الحياة وصعود اليوميّ حَضَنوا الرّواية والصّحافة، وهيّؤوا لهما مجالًا للتّفاعل والتّمازج والتّنافس أيضًا، وسهَّلَ يُسْرُ الانتقال بينهما ظهور أسماء كبيرة وهبت العالم نصوصًا عظيمة في الأدب لأنّها اشتغلت في مجال الصّحافة وكتبت الرّواية. أخذت الرّواية من الصّحافة جُلّ حكاياتها؛ فأكبر هواة صفحات الحوادث هم الرّوائيّون، وتأثّر بعض الرّوائيّين بالجملة الصّحفيّة الموجَزة والّتي تسير نحو الدّلالة دون بَهرجةٍ بلاغيّة زائدة (حالة همينغواي مثلًا الّذي اشتغل مراسلًا). وعمد بعض الرّوائيّين إلى اختيار عناوين لرواياتهم مستقاة من عناوين الأخبار الصّحفيّة المثيرة (مثل وقائع موت معلن لغابرييل غارسيا ماركيز الّذي اشتغل في مجال الصّحافة أيضا). كما أنّ تقنية الروبورتاج وكيفيّة بنائه وتقطيعه صارت من أكثر التّقنيات توظيفًا في الرّواية. والكتابة الصّحفيّة أيضًا أخذت الكثير من عوالم الرّواية، لعلّ أبرزها آليّات بناء الإثارة والتّشويق، وزرع نفَس شعريّ في الكتابة ينأى بها عن المباشرة والتّقريريّة. كما أنّ هذه الكتابة الّتي كانت في البداية تلاحق الخبر فقط وتنشره، صارت بتأثير من الرّواية تبحث عن الدّوافع الّتي خلقته وحفّزت صناعته. لولا الرّواية لما ازدهرت في العالم صحافة التّحقيق وإعادة بناء الأحداث في تعقُّدِها وتعدّدِ مفاصلها.

More Articles

From News Reporting to Documentation: Practical Lessons from Covering the War on Gaza

From the very first moment of the genocidal war waged by Israel on Gaza, Al Jazeera correspondent Hisham Zaqout has been a witness to hunger, devastation, war crimes, and the assassination of his colleagues in the field. It is a battle for survival and documentation, one that goes beyond mere coverage and daily reporting.

Hisham Zakkout Published on: 26 Jan, 2026
Investigating the Assassination of My Own Father

As a journalist, reporting on the murder of my father meant answering questions about my own position as an objective observer.

Diana López Zuleta
Diana López Zuleta Published on: 16 Jan, 2026
What Image of Gaza Will the World Remember?

Will the story of Gaza be reduced to official statements that categorise the Palestinian as a "threat"? Or to images of the victims that flood the digital space? And how can the media be transformed into a tool for reinforcing collective memory and the struggle over narratives?

Hassan Obeid
Hasan Obaid Published on: 13 Jan, 2026
Bridging the AI Divide in Arab Newsrooms

AI is reshaping Arab journalism in ways that entrench power rather than distribute it, as under-resourced MENA newsrooms are pushed deeper into dependency and marginalisation, while wealthy, tech-aligned media actors consolidate narrative control through infrastructure they alone can afford and govern.

Sara Ait Khorsa
Sara Ait Khorsa Published on: 10 Jan, 2026
Generative AI in Journalism and Journalism Education: Promise, Peril, and the Global North–South Divide

Generative AI is transforming journalism and journalism education, but this article shows that its benefits are unevenly distributed, often reinforcing Global North–South inequalities while simultaneously boosting efficiency, undermining critical thinking, and deepening precarity in newsrooms and classrooms.

Carolyne Lunga
Carolyne Lunga Published on: 2 Jan, 2026
Intifada 2.0: Palestinian Digital Journalism from Uprising to Genocide

From underground newsletters during the Intifadas to livestreams from Gaza, Palestinian journalism has evolved into a decentralised digital practice of witnessing under occupation. This article examines how citizen journalists, fixers and freelancers have not only filled gaps left by international media, but fundamentally transformed how Palestine is reported, remembered and understood.

Zina Q.
Zina Q. Published on: 24 Dec, 2025
How Can Journalism Make the Climate Crisis a People’s Issue?

Between the import of Western concepts and terminology that often fail to reflect the Arab context, and the denial of the climate crisis, or the inability to communicate it in clear, accessible terms, journalism plays a vital role in informing the public and revealing how climate change directly affects the fabric of daily life in the Arab world.

Bana Salama
Bana Salama Published on: 19 Dec, 2025
Inside Vietnam’s Disinformation Machine and the Journalists Exposing It from Exile

Vietnam’s tightly controlled media environment relies on narrative distortion, selective omission, and propaganda to manage politically sensitive news. Exiled journalists and overseas outlets have become essential in exposing these practices, documenting forced confessions and smear campaigns, and preserving access to information that would otherwise remain hidden.

AJR Contributor Published on: 15 Dec, 2025
What It Means to Be an Investigative Journalist Today

A few weeks ago, Carla Bruni, wife of former French president Nicolas Sarkozy, was seen removing the Mediapart logo from view. The moment became a symbol of a major victory for investigative journalism, after the platform exposed Gaddafi’s financing of Sarkozy’s election campaign, leading to his prison conviction. In this article, Edwy Plenel, founder of Mediapart and one of the most prominent figures in global investigative journalism, reflects on a central question: what does it mean to be an investigative journalist today?

Edwy Plenel
Edwy Plenel Published on: 27 Nov, 2025
In-Depth and Longform Journalism in the AI Era: Revival or Obsolescence?

Can artificial intelligence tools help promote and expand the reach of longform journalism, still followed by a significant audience, or will they accelerate its decline? This article examines the leading AI tools reshaping the media landscape and explores the emerging opportunities they present for longform journalism, particularly in areas such as search and content discovery.

. سعيد ولفقير. كاتب وصحافي مغربي. ساهم واشتغل مع عددٍ من المنصات العربية منذ أواخر عام 2014.Said Oulfakir. Moroccan writer and journalist. He has contributed to and worked with a number of Arab media platforms since late 2014.
Said Oulfakir Published on: 24 Nov, 2025
Leaked BBC Memo: What Does the Crisis Reveal?

How Should We Interpret the Leak of the “BBC Memo” on Editorial Standards? Can we truly believe that the section concerning U.S. President Donald Trump was the sole reason behind the wave of resignations at the top of the British broadcaster? Or is it more accurately seen as part of a broader attempt to seize control over editorial decision-making? And to what extent can the pressure on newsrooms be attributed to the influence of the Zionist lobby?

 Mohammed Abuarqoub. Journalist, trainer, and researcher specializing in media affairs. He holds a PhD in Communication Philosophy from Regent University in the United States.محمد أبو عرقوب صحفي ومدرّب وباحث متخصص في شؤون الإعلام، حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الاتّصال من جامعة ريجينت بالولايات المتحدة الأمريكية.
Mohammed Abuarqoub Published on: 20 Nov, 2025
Crisis of Credibility: How the Anglo-American Journalism Model Failed the World

Despite an unprecedented global flood of information, journalism remains strikingly impotent in confronting systemic crises—largely because the dominant Anglo-American model, shaped by commercial imperatives and capitalist allegiances, is structurally incapable of pursuing truth over power or effecting meaningful change. This critique calls for dismantling journalism’s subordination to market logic and imagining alternative models rooted in political, literary, and truth-driven commitments beyond the confines of capitalist production.

Imran Muzaffar
Imran Muzaffar, Aliya Bashir, Syed Aadil Hussain Published on: 14 Nov, 2025
Why Has Arab Cultural Journalism Weakened in the Third Millennium?

The crisis of cultural journalism in the Arab world reflects a deeper decline in the broader cultural and moral project, as well as the collapse of education and the erosion of human development. Yet this overarching diagnosis cannot excuse the lack of professional training and the poor standards of cultural content production within newsrooms.

Fakhri Saleh
Fakhri Saleh Published on: 10 Nov, 2025
Podcasters, content creators and influencers are not journalists. Are they?

Are podcasters, content creators, and influencers really journalists, or has the word 'journalist' been stretched so thin that it now covers anyone holding a microphone and an opinion? If there is a difference, where does it sit? Is it in method, mission, accountability, or something else? And in a media landscape built on noise, how do we separate a journalist from someone who produces content for clicks, followers or sponsors

Derick Matsengarwodzi
Derick Matsengarwodzi Published on: 7 Nov, 2025
The Power to Write History: How Journalism Shapes Collective Memory and Forgetting

What societies remember, and what they forget, is shaped not only by historians but by journalism. From wars to natural disasters, the news does not simply record events; it decides which fragments endure in collective memory, and which fade into silence.

Daniel Harper
Daniel Harper Published on: 30 Oct, 2025
Journalism in Spain: Why Omitting Ethnicity May Be Doing More Harm Than Good

In Spain, a well-intentioned media practice of omitting suspects’ ethnic backgrounds in crime reporting is now backfiring, fuelling misinformation, empowering far-right narratives, and eroding public trust in journalism.

Ilya إيليا توبر 
Ilya U Topper Published on: 10 Sep, 2025
Interview with Zina Q. : Digital Cartography as a Tool of Erasure in Gaza

Amid Israel’s war on Gaza, Zina Q. uncovers how Google Maps and satellite imagery are being manipulated; homes relabelled as “haunted,” map updates delayed, and evidence of destruction obscured, revealing digital cartography itself as a weapon of war. By exposing these distortions and linking them to conflicts from Sudan to Ukraine, she demonstrates how control over maps and AI surveillance influences not only what the world sees, but also what it remembers.

Al Jazeera Journalism Review
Al Jazeera Journalism Review Published on: 6 Sep, 2025
Canadian Journalists for Justice in Palestine: A Call to Name the Killer, Not Just the Crime

How many journalists have to be killed before we name the killer? What does press freedom mean if it excludes Palestinians? In its latest strike, Israel killed an entire Al Jazeera news crew in Gaza—part of a systematic campaign to silence the last witnesses to its crimes. Canadian Journalists for Justice in Palestine (CJJP) condemns this massacre and calls on the Canadian government to end its complicity, uphold international law, and demand full accountability. This is not collateral damage. This is the targeted erasure of truth.

Samira Mohyeddin
Samira Mohyeddin Published on: 14 Aug, 2025
Protecting Palestinian Journalists Should be First Priority - Above Western Media Access

Why demand entry for foreign reporters when Palestinian journalists are already risking—and losing—their lives to tell the truth? Real solidarity means saving journalists' lives, amplifying their voices, and naming the genocide they expose daily.

Synne Furnes Bjerkestrand
Synne Bjerkestrand, Kristian Lindhardt Published on: 10 Aug, 2025
The Washington Post: When Language Becomes a Veil for Pro-Israel Bias

How did The Washington Post's coverage differ between Israel’s bombing of Gaza hospitals and Iran’s strike on an Israeli hospital? Why does the paper attempt to frame Palestinian victims within a “complex operational context”? And when does language become a tool of bias toward the Israeli narrative?

Said Al-Azri
Said Al-Azri Published on: 6 Aug, 2025
In the War on Gaza: How Do You Tell a Human Story?

After nine months of genocidal war on Palestine, how can journalists tell human stories? Which stories should they focus on? And does the daily, continuous coverage of the war’s developments lead to a “normalisation of death”?

Yousef Fares
Yousef Fares Published on: 8 Jul, 2025
How Much AI is Too Much AI for Ethical Journalism

As artificial intelligence transforms newsrooms across South Asia, journalists grapple with the fine line between enhancement and dependency

Saurabh Sharma
Saurabh Sharma Published on: 1 Jul, 2025
How to Tell the Stories of Gaza’s Children

Where does compassion end and journalism begin? How can one engage with children ethically, and is it even morally acceptable to conduct interviews with them? Palestinian journalist Reem Al-Qatawy offers a profoundly different approach to human-interest reporting. At the Hope Institute in Gaza, she met children enduring the harrowing aftermath of losing their families. Her experience was marked by intense professional and ethical challenges.

Rima Al-Qatawi
Rima Al-Qatawi Published on: 26 Jun, 2025
Do Foreign Journalists Matter in Covering Genocide? A Look into Bosnia, Rwanda, and Gaza

How did foreign journalists cover the killings in both Bosnia-Herzegovina and Rwanda? Did they contribute to conveying the truth and making an impact? Would the entry of foreign journalists into the Gaza Strip change the reality of the ongoing genocide? And would their coverage of the famine and massacres add to the daily coverage of local journalists? Why is the local press's coverage of wars seen as deficient compared to Western journalism, even though they incur greater losses and casualties?

Saber Halima
Saber Halima Published on: 20 Jun, 2025