استقبلت كوالالمبور عاصمة ماليزيا هذا العام أحد أبرز التجمعات المهنية في عالم الصحافة الاستقصائية؛ إذ استضافت المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية (GIJC)، الذي جمع نحو 1500 صحفي وصحفية من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب حضور لافت للباحثين والمدافعين عن حرية التعبير من دول متعددة.
ورغم تنوع الجلسات؛ من مكافحة الفساد العابر للقارات إلى الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي وصحافة البيانات وحقوق الإنسان، إضافة الى التغيّرات المناخية والقضايا البيئية وملف الطاقة، فإن ملفَي الهجرة والرقابة القانونية بدت لهما خصوصية واضحة؛ ليس فقط لقيمتهما الصحفية، بل لأنهما يكشفان معًا حدود ما يمكن للصحفيين فعله في عالم تتزايد فيه الانتهاكات وتتقلص فيه المساحات الحرة.
وفي هذا السياق برزت جلستان قدمتا شهادات ميدانية وتحليلية عميقة وهما جلسة Investigating Movement of Peoples حول الهجرة وجلسة Privacy vs Accountability حول التشريعات والقوانين المقيدة للصحافة.
وهكذا استعرضت الجلسة الأولى المعنونة "Investigating Movement of Peoples"، التي خُصصت لموضوع الهجرة والسؤال عن موقع الصحفيين على خطوط المسارات الخطرة، انصبّ النقاش على كيفية التحقيق في حركة الشعوب في عالم تتشابك فيه العوامل الأمنية والسياسية والإنسانية. وقدّم الصحفيون المتحدثون في الجلسة - من المغرب ومصر والمملكة المتحدة - خلاصات من تجاربهم الميدانية في تتبّع المسارات التي تسلكها العائلات الفارّة من النزاعات، والمهاجرون الباحثون عن مخرج من الفقر، واللاجئون الذين يحاولون الإفلات من الموت على الحدود.
رغم تنوع الجلسات؛ من مكافحة الفساد العابر للقارات إلى الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي وصحافة البيانات وحقوق الإنسان، إضافة الى التغيّرات المناخية والقضايا البيئية وملف الطاقة، فإن ملفَي الهجرة والرقابة القانونية بدت لهما خصوصية واضحة؛ ليس فقط لقيمتهما الصحفية، بل لأنهما يكشفان معًا حدود ما يمكن للصحفيين فعله في عالم تتزايد فيه الانتهاكات وتتقلص فيه المساحات الحرة.
وقدّمت الصحفية المغربية إيمان بلّامين من منصّة "الناس"، تجربتها في العمل داخل سياق يندر فيه الوصول إلى المعلومات وتزداد فيه الحساسية السياسية، حيث تُترك الحقائق موزّعة بين الصمت والخوف وتغييب البيانات المتعمّد. وأوضحت أن فريق Enass - بوصفه منصة مستقلة من الجنوب العالمي - يطوّر منهجه الخاص في التحقيق بعيدًا عن انتظار البيانات الرسمية التي غالبًا ما تكون ناقصة أو غامضة أو محذوفة بالكامل. لذلك يعتمد الفريق على العمل الميداني وعلى شبكة موازية من المصادر تشمل منظمات محلية ومحامين وفاعلين ميدانيين وأفرادًا من داخل المجتمعات المهاجرة نفسها، إضافة إلى الاستناد إلى الأرشيف الذي يصنعه المهاجرون بأنفسهم عبر مجموعات واتساب والتسجيلات الصوتية والصور والمواد الرقمية التي توثّق اختفاءاتهم وتحركاتهم.
وترى بلامين أنّ جوهر عملهم يقوم على وعد مهني واضح: إنتاج تحقيقات قد لا تكون مثالية، لكنها دقيقة مُتحقَّق منها، ومسندة إلى مصادر موثوقة. كما تعتقد أن التحقيق في قضايا الهجرة هو - قبل كل شيء - مواجهة لثقافة الأومرتا (الصمت) التي تطوّق ملفات الهجرة، خصوصًا في المناطق التي تُترك فيها العائلات بلا أجوبة حيث تفتح الحدود جراحا وغموضًا في آن واحد. كما شددت على أن كسر الصمت الرسمي ووضع الإنسان في قلب كل رواية، يشكّلان جوهر هذا العمل، بعيدًا عن الحياد الزائف الذي يُهمّش الضحايا. ولعل وصفة النجاح - وفق بلامين - هي بناء ثقة عميقة مع المجتمعات المهاجرة والتعامل معها باعتبارها صاحبة معرفة وليست مجرد "مصادر".
وبحسب المتحدّثة، فإن الهدف النهائي ليس فقط توثيق ما يحدث على الحدود، بل إنتاج صحافة تُعيد الصوت لمن فُقد صوته، وتُبقي مراكز القوة خاضعة للمساءلة، وتكشف ما يُحاول الخطاب الرسمي إخفاءه.
حوار مصوَّر مع الصحفية إيمان بلامين
وقدّمت مي بولمان رئيسة وحدة التحقيقات في Lighthouse Reports قراءة مختلفة تقوم على توظيف الأدلة البصرية المفتوحة، انطلاقًا من خبرتها في تغطية الانتهاكات الحدودية في البلقان وتركيا. وشرحت بولمان كيف تبدأ التحقيقات ببناء علاقة ثقة مع المهاجرين والعاملين في المناطق الحدودية، وكيف يمكن لصورة واحدة أو مقطع فيديو أن يكشف ممارسات غير قانونية؛ مثل الاحتجاز التعسفي والصدّ القسري.
كما استعرضت استخدام أدوات البحث في المصادر المفتوحة لإثبات مواقع الانتهاكات، وربط الصور بإحداثياتها الجغرافية الدقيقة، والوصول إلى حقيقة الوقائع حتى عندما تسعى السلطات إلى طمسها. وفي الوقت نفسه، نبّهت إلى أهمية التواجد الميداني مع الالتزام الصارم بسلامة الصحفيين؛ لالتقاط ما قد تعجز الأدلة الرقمية وحدها عن نقله.
أما الصحفي المستقل المصري سامح العبودي الذي يعمل بين القاهرة وأثينا، فقد نقل الجانب الأكثر قربًا من مسارات الموت؛ إذ عمل على تغطية حركة العائلات النازحة من السودان عبر الصحراء مستخدمًا أدوات بسيطة لكنها شديدة الفاعلية مثل واتساب وخرائط غوغل لتتبع الرحلات غير القانونية، وتحديد طرق المهربين والمواقع التي تنشط فيها شبكات الاتجار بالبشر في ليبيا.
وقد وثّق سامح قصصًا مروعة عن لاجئين اضطروا لبيع أعضائهم لتمويل رحلتهم، مبينًا كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة (رسالة صوتية، إحداثية جغرافية، أو خريطة أرسلها مهرب) أن تتحول إلى أدلة تقود إلى كشف شبكات تهريب كاملة.
تكشف الجلستان - على اختلاف موضوعيهما - عن خيط ناظم واحد يجمع بين تجارب الصحفيين المشاركين، مفاده أن الحقيقة تُنتَج من الهامش وتُحاصَر من المركز. ففي قضايا الهجرة، يجد الصحفي نفسه أمام حدود مغلقة ومعلومات محجوبة وتعطيلات بيروقراطية وميدانية معقّدة. أمّا في ملفات الرقابة والتشريعات فيواجه منظومات قانونية تتحوّل إلى أدوات ضغط، أو تُستخدم كسلاح لإسكات الأصوات الصحفية.
معركة الخصوصية والمساءلة
في جلسة «Privacy vs Accountability: Countering Regulations that Affect Investigative Journalists»، اتخذ النقاش منحى مختلفًا، لكنه ظلّ متصلًا بعمق بالتحديات التي يواجهها الصحفيون في ملفات الهجرة وغيرها؛ إذ تناول المتحدثون كيفية توظيف القوانين - مثل الدعاوى الكيدية والتشريعات المرتبطة بالخصوصية - لتكون أدوات لتجريم العمل الصحفي وتقويض قدرته على المساءلة.
وشارك في الجلسة خبراء قانونيون وصحفيون من مناطق مختلفة، قدّموا قراءات معمّقة حول سبل الدفاع عن الحق في النشر، في ظل منظومة تشريعية آخذة في الاتساع، تُستخدَم على نحو متزايد لتضييق المجال الإعلامي.
وبرزت في الجلسة مداخلة الصحفية التونسية رحمة الباهي من موقع الكتيبة المتخصص في الصحافة الاستقصائية في تونس، حيث قدّمت عرضًا تفصيليًا للتحوّلات التي شهدتها البلاد بعد 25 يوليو/تموز 2021، وما ترتّب عنها من تراجع غير مسبوق لحرية الصحافة.
وقدّمت الباهي مقارنة مركّزة بين وضع الإعلام التونسي خلال العقد الأول الذي تلا الثورة، حين اتّسم المشهد بتعددية إعلامية وتشريعات تضمن الحق في النفاذ إلى المعلومة ودور فاعل للمجتمع المدني، بين ذلك كله والواقع الحالي الذي يرزح تحت حزمة من التحديات، في مقدمتها القوانين الردعية، وعلى رأسها المرسوم 54، فضلًا عن حملات التشويه، وحلّ الهيئات المستقلة، وتصاعد الملاحقات القضائية بحق الصحفيين. كما أوضحت كيف أدّى هذا الواقع إلى تعقيد الوصول إلى المعلومات الرسمية، ودفع كثيرًا من المصادر إلى التزام الصمت خوفًا من الملاحقات. وتوقّفت عند سبل مواصلة العمل الصحفي في ظل هذه الظروف، وكيفية التعامل مع مصادر ترفض التعاون، إضافة إلى استعراض آليات وتقنيات بديلة للحصول على المعلومات والوثائق بطرق أخرى. إلى جانب ذلك، تشير الباهي إلى سبل مواجهة المؤسسات الإعلامية هذه التضييقات، عبر تعزيز فرقها القانونية واللجوء إلى الاستشارة المستمرة، واعتماد إستراتيجيات للأمن الرقمي والالتزام بالشفافية المالية والإدارية، بما يعزّز النزاهة ويغلق الباب أمام الابتزاز.
حوار مصوَّر مع الصحفية رحمة الباهي
تكشف الجلستان - على اختلاف موضوعيهما - عن خيط ناظم واحد يجمع بين تجارب الصحفيين المشاركين، مفاده أن الحقيقة تُنتَج من الهامش وتُحاصَر من المركز. ففي قضايا الهجرة، يجد الصحفي نفسه أمام حدود مغلقة ومعلومات محجوبة وتعطيلات بيروقراطية وميدانية معقّدة. أمّا في ملفات الرقابة والتشريعات فيواجه منظومات قانونية تتحوّل إلى أدوات ضغط، أو تُستخدم كسلاح لإسكات الأصوات الصحفية.
ومع ذلك، أظهر المؤتمر أن الصحافة الاستقصائية ليست مجرّد مهنة، بل ممارسة مركّبة تتطلّب معرفة تقنية وجرأة ميدانية وفهمًا قانونيًا والتزامًا صارمًا بالأخلاقيات، إضافة إلى شبكات تعاون عابرة للحدود. وبَيْن توثيق مسارات الموت في الصحراء، وكشف الانتهاكات على الحدود الأوروبية، والدفاع عن حرية الصحافة في بيئات سياسية مضطربة، بدا جليًا أن الصحفيين يخوضون معركة متعددة الوجوه، لكنها واحدة في جوهرها، عنوانها حماية الحق في الحقيقة.