لنبدأ بسؤال: من أين يأتي القرّاء؟ كيف وصلتَ إلى هذا المقال وكيف وصل هذا المقال إلى علمك؟ قد تكون قارئا وفيا لمجلة الصحافة يطل على موقعها من حين إلى آخر، ويجوز أن تكون وصلت إلى هنا مدفوعا بسؤال ألقيته على محرك بحث أو بِداعٍ من فضول حرّكه فيك منشور على فيسبوك، أو ربما وصلتكَ رسالة في بريدك الإلكتروني تخبرك أن أحدهم نصّب غوغل رئيس تحرير علينا!
فأنت هنا وهناك بين مواقع الإنترنت –أفترض أنك تفتح عدة نوافذ في متصفحّك- إما من دون وساطة أي بعدما كتبت اسم الموقع الإلكتروني مباشرة في متصفّح الإنترنت، وهو ما يسمى بالوصول المباشر، وإما أنك وصلت إلى حيث أنت بواسطة من:
- محركات البحث (ويسمى هذا الطريق البحث الأصيل أو العضوي).
- الشبكات الاجتماعية (أقل أصالةً).
- مواقع إنترنت أخرى (عبر رابط يحيلك من موقع إلى آخر).
- النشرات البريدية.
- قائمة المصادر التي تعقب الأجوبة في برامج الدردشة الموصولة بالإنترنت (مثل كوبايلوت Copilot أو جيميناي Gemini).
لكن الإحصاءات تقول إنك تزور كثيرا من المواقع أساسا قادما من محرك بحث؛ فحسب بيانات توزيع حصص السوق بين مختلف الوسائل المذكورة في النقاط السابقة، فإن قرابة 53 في المئة من زوار المواقع يفدون عليها من معابر محركات البحث، و 81 في المئة يأتون من معبر غوغل. ولا يهمنا هنا سؤال هل وصول القارئ إلى ضالته نتيجة إعلان مدفوع في تلك المنصات أم لا، بقدر ما يهمنا أن تلك المنصات تفرض نفسها محطة عبور إلى كل موقع، وأساسا لمواقع الإعلام.
من زاوية القارئ، هذا مسار سريع ومريح، يكفي أن يسأل غوغل عن أحوال الطقس أو الحروب أو نتائج المباريات فيحيله على أفضلها في لمح البصر. والآن، مع برامج الدردشة المزودة بالذكاء الاصطناعي صار كل مستخدم قادرا على الحصول على ما يريد حتى قبل أن يرتد إليه طرفه!
من زاوية الصحافة والتحرير هذا مسار معقد ومربك. تصدّر نتائج صفحة محرك بحث (Search Engine Results Pages) معضلة فعلية؛ لأن غوغل يفرض أحيانا ما يصل إلى 200 شرط قبل أن يمنح موقعا تأشيرة الظهور في الصفحة الأولى للنتائج.
هذا النهج الواقعي من غوغل في التعاطي مع الأبحاث وترشيح مواقع دون أخرى، سيتسرّب إلى طريقة تعاطي الصحافة مع البيانات وإستراتيجياتها في تحقيق انتشار أكبر وتوسيع قاعدة قرائها ومشتركيها.
ما شروط غوغل لتصدّر نتائج البحث؟
يفرض غوغل نوعين من الشروط: تقنية وتحريرية. والنوعان مترابطان ومتداخلان. ترتبط الشروط التقنية أساسا بمعايير من قبيل سرعة تحميل الموقع والصفحات، ووضوح الصور، وتماسك الروابط الداخلية، وأحيانا أقدمية نطاق الإنترنت، وسعة الخوادم وغيرها.
أما المعايير التحريرية، التي تهمنا أكثر، فترتبط بمعايير تحريرية من يضعها ليس رئيس التحرير وإنما محرك البحث. وتتصل بأسئلة من مثل:
- هل تمت تغطية موضوع البحث من الزوايا كلها؟
- هل الكلمة المفتاح حاضرة في الرابط والعنوان ومقدمة المقال والفقرة الأولى؟
- هل الروابط ضمن المقال مرتبطة بموضوعه؟
- ما معدل البقاء في الصفحة؟ (كلما طال عُدَّ المقال "نتيجة جيّدة" ونجاحا لغوغل).
- هل المقال جزء من شبكة مقالات تغطي الموضوع من جوانب أخرى (يميز غوغل بين المقال الأساس (Cornerstone content) مثلا "تفاصيل صفقة لتبادل الأسرى بين المقاومة والاحتلال" ومقالات تابعة قد تحكي عن بعض كواليس المفاوضات أو أسماء بعض الأسرى أو ردود فعل عائلات...)
- هل المقال مقدم في شكل نقاط واضحة ودقيقة؟
والبحث عن تلبية هذه المعايير هو منطلق ما يعرف في أدبيات التسويق والإعلام بـ"تحسين الترتيب بنتائج محركات البحث" (Search Engine Optimization)، التي تعني بكل بساطة العمل على استجابة المحتوى لأكبر عدد من شروط غوغل.
وغوغل يرى إلى حد ما أن هذه الشروط هي ما يفترض أن يكون عليه أي محتوى يحترم نفسه، لكن المشكل هنا أن كثيرين صاروا قادرين على استنساخ تجارب عليلة في مضمونها، لكنها –شكلًا- مقدمة بالأشكال والصيغ التي يريدها غوغل. وبشكل عام، تهدف هذه الشروط إلى تشجيع الكتابة جوابا عن أبحاث المستخدمين أو نواياهم (User Intent) من وراء كل كلمة البحث.
وهذا النهج الواقعي من غوغل في التعاطي مع الأبحاث وترشيح مواقع دون أخرى، سيتسرّب إلى طريقة تعاطي الصحافة مع البيانات وإستراتيجياتها في تحقيق انتشار أكبر وتوسيع قاعدة قرائها ومشتركيها، وسط حيرة وممانعة وأسئلة عن كيفية توزيع الجهد بين رسالة الصحافة وأهدافها وما يبحث عنه الناس أو ما يريدونه منها.
يؤكد تقرير لنيويورك تايمز أن قصة تحقق 100 ألف مشاهدة أو 200 ألف مشاهدة تجعل القارئ يشعر بأنه يحصل على تفاصيل وتحليل لا يجدهما في مكان آخر هي أكثر قيمة بالنسبة للصحيفة من خبر مسلٍّ ينتشر كالنار في الهشيم وقلّما يغري أحدا بالاشتراك.
حيرة نيويورك تايمز
سنة 2017، خلصت صحيفة نيويورك تايمز إلى أنها "تخصص نسبة كبيرة من الموارد لقصص يقرؤها عدد قليل نسبيا من القراء" وإلى أن "قرّاءها متعطشون لقراءة نصائح من التايمز". تقصد بالنصائح الإرشادات والتوجيهات التي تساعد الإنسان في معاشه اليومي (ماذا أرتدي لهذا الحفل؟ كيف أطبخ الحريرة؟ كيف أكتب رسالة وداع...).
كانت الصحيفة قد كلّفت مجموعة مكونة من سبعة صحفيين في تلك السنة بكتابة تقرير يستكشف مدى قدرة الصحيفة على تحقيق أهدافها المسطرة برسم سنة 2020، وفي صلب تلك الأهداف مضاعفة أرباحها من الاشتراكات لتصل إلى 800 مليون دولار.
رجّح التقرير أن تعجز صحيفة تايمز عن مضاعفة أرباحها إذا "'ما واصلت ببساطة تحسين أدائها فيما تحسن القيام به مسبقا"، موصيا بتخصيص حيّز أكبر للمقالات التي تقدم نصائح للناس وإرشادات عملية لري عطش القرّاء إلى الأجناس الخدماتية، حسبما رصد معدو التقرير مما قلّبوا من بيانات وآراء. تعكس لغة التقرير، رغم ذلك، ممانعة صامتة أو حيرة في التعاطي مع الحقائق التي تأتي بها البيانات عمّا يريده القراء.
مثلا، من ناحية يؤكد التقرير أن قصة تحقق 100 ألف مشاهدة أو 200 ألف مشاهدة تجعل القارئ يشعر بأنه يحصل على تفاصيل وتحليل لا يجدهما في مكان آخر هي أكثر قيمة بالنسبة للصحيفة من خبر مسلٍّ ينتشر كالنار في الهشيم وقلّما يغري أحدا بالاشتراك، هذا إن أغرى من أحد أصلا. ثم يعترف التقرير في فقرة لاحقة بأن "تحقيق التوازن المطلوب صعب"، فـ"نحن لا نبحث عن اعتبار حجم الجمهور دليلا على قيمة العمل الصحفي ولا نحن نريد العودة للأيام التي كنا نقنع فيها أنفسنا بأن المادة الصحفية قيّمة لمجرّد أنها نُشرت على صفحات ذا نيويورك تايمز".
نموذج لحاجات القراء
حيرة شبيهة انتهت بمسؤول النمو الرقمي السابق بالخدمة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، ديميتري شيشكين، إلى تصميم نموذج لحاجات القراء بعد أن لَحِظ أن 70 في المئة من المحتوى المنتج موجه لتقديم "المستجدات"، بينما عدد مشاهدات هذه "المستجدات" لا يتجاوز 7 في المئة! أي إن جهد المؤسسة الإعلامية في واد وما يبحث عنه جمهورها في واد آخر.
لتحقيق "التوازن الصعب" بكلمات نيويورك تايمز، اقترح شيشكين نموذجا لحاجات القراء ينقسم إلى حاجات "عاطفية" وأخرى "عملية". ووضع في قسم الحاجات العاطفية "الإلهام" و"التسلية" و"التعلّم"، وفي قسم الحاجات العملية "تتبع المستجدات"، و"معرفة الاتجاهات السائدة" (تريندز)، و"استكشاف آفاق جديدة". (سيُحدّث شيكشكين تقسيم هذا النموذج لاحقا منهجيا، لكن من دون الخروج عن هذه التصنيفات كثيرا.
يعطي شيشكين مثالا قويا على تغيير مقاربة المؤسسة في التعاطي مع الموضوعات لتستطيع جذب فئات مختلفة بدلا من تركيزها على تقديم الموضوعات في صيغة مستجدات جافة، بخبر فوز إيمانويل ماكرون بأول عهدة رئاسية له سنة 2017. "هذا الخبر قد لا يكون مهما لقرّاء في دول عديدة من العالم بهذا الشكل؛ لذا قدمنا الخبر من زاوية أن ماكرون هو أصغر الرؤساء في العالم، والأصغر منذ نابوليون بونابارت في فرنسا، إلى جانب لائحة بأصغر زعماء العالم سنا".
يمكن للصحافة أن تلعب مع الكبار بأساليبهم. يكفي أن تفهم رغبات الجمهور الخاص بها وتقسمه إلى فئات وتقطع مع فكرة النظر إلى الجمهور على أنه كتلة صمّاء لوجوه متشابهة، مع اقتراح خدماتها الخاصة يقدم تجربة إبحار في الأخبار ماتعة وتستبق بقدر الممكن ما يبحث عنه قرّاؤها.
القفز على غوغل
وفي الواقع، تظل الشبكات الإعلامية الكبرى مثل بي بي سي والجزيرة وسي أن أن أقدر على مواجهة تحديات محركات البحث وجدران عمالقة التكنولوجيا من غيرها، ولا سيما بالرهان على سمعتها ورصيدها لتحويل قرائها إلى مشتركين وربطهم مع تطبيقاتها الهاتفية أو خدماتها على مواقعها على الإنترنت مباشرة، ثم الذهاب لغزو قاعدة جديدة من القراء، وربطها من جديد مباشرة بخدماتها.بالمقابل، تواجه وسائل الإعلام الأصغر حجما التي تعتمد على الزيارات القادمة من محركات البحث والشبكات الاجتماعية تحديا أصعب؛ فتجد نفسها في حرب مفروضة مع كبار السوق، سواء من شركات التكنولوجيا أو الشركات الإعلامية المنافسة.
لا يوجد حل سحري لوضع معقد، ولا يمكن للصحافة أن تصعد إلى برج عاجي وتنتظر توافد المريدين، لكن بإمكانها القفز على جدران الكبار بالتزام بعض المبادئ:
- تقديم محتوى رفيع وعالي الجودة.
- الحرص على إنتاج محتويات "تُستهلك بالكامل".
- تحليل البيانات الخاصة بسلوك القرّاء وأنماط استهلاك المحتوى (متى وكيف ولكم من الوقت..) وترتيب نتائج عن ذلك.
يمكن للصحافة أن تلعب مع الكبار بأساليبهم. يكفي أن تفهم رغبات الجمهور الخاص بها وتقسمه إلى فئات وتقطع مع فكرة النظر إلى الجمهور على أنه كتلة صمّاء لوجوه متشابهة، مع اقتراح خدماتها الخاصة (تطبيق هاتفي) يقدم تجربة إبحار في الأخبار ماتعة وتستبق بقدر الممكن ما يبحث عنه قرّاؤها.
لا تحتاج الصحافة للركض وراء علامات الإعجاب والانتشار على حساب الجودة، إذا التزمت فعليّا بالجودة، ودافعت بعد ذلك عن حقوقها في الملكية الفكرية، ولا سيما لدى الجيل الجديد من محركات البحث التحاورية (كوبايلوت، تشات جي بي تي، جيميناي)، التي لم تعد تنقل القارئ إلى الموقع أصلا، وإنما تحبسه عندها وتطعمه من أخبارك!