محمولًا على الهواتف الذكية، يخرج البودكاست الغزي من وسط مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، محاولًا إيجاد مساحة لرواية حكايات الغزيين، وحفظ ذاكرتهم الجمعية، وبث صوتهم إلى العالم بلا قيود. في غزة، التي فقدت كثيرًا من استوديوهاتها ومؤسساتها الإعلامية، وجد جيلٌ من الشباب الإعلامي في البودكاست نافذة لسماع حكايات القتل والتشريد والتجويع والنزوح من أصحابها بعيدًا عن إيقاع الأخبار العاجلة.
لكن هذه الصناعة لم تكن لتجد طريقها في بدايات الحرب وأوج الإبادة، بحكم ما تخلل تلك الفترة من ضراوة في القصف والقتل والتشريد، إذ كانت الظروف القاسية حائلًا دون تقدمها أو توفير البيئة اللازمة لإنتاجها. ومع الاستقرار النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار، بدأ صنّاع المحتوى في إنتاج حلقات البودكاست، بحثًا عن مساحة أوسع للحكاية: ماذا عاش الناس؟ وكيف تغيرت حياتهم؟ وما الذي يمكن أن يبقى من تجاربهم بعد انقضاء الخبر؟
من قلب الحرب ولدت الفكرة
تقول الإعلامية يسرى العكلوك، مقدمة بودكاست "من غزة" عبر منصة "أثير"، إنّ فكرة البودكاست الذي تقدمه نشأت وتطورت في قلب الحرب، لكن التصعيد الأمني حال دون تنفيذها، خاصة أن فريق العمل كان في أغلبه من منطقة شمال القطاع، الذي شهد فترات تصعيد قاسية، كانت سببًا لتأجيل الفكرة إلى حين عودة الهدوء النسبي.
تضيف العكلوك لمجلة الصحافة: "ما يميز تجربة منصة أثير في إطلاقها بودكاست من غزة، أننا نسعى على الدوام لأن تكون تجربة توثيقية كاملة، تحفظ الذاكرة الجمعية، وتوثق أحداث الإبادة وتفاصيلها الإنسانية". ولا يقتصر ما تطمح إليه العكلوك على إنتاج حلقات مرئية فحسب، وإنما توظيف البودكاست كوسيلة لحفظ ذاكرة الأجيال مستقبلًا، سواء في غزة أو خارجها.
وتقول: "ما نعمل عليه اليوم هو أرشفة رقمية لكل ما مر به الناس في غزة، ومع مرور السنوات وتعاقب الأجيال، سيكون بمقدور أي شخص سمع مثلًا عن الحصار الإسرائيلي لمجمع الشفاء الطبي أو مستشفى كمال عدوان أو غيرها من الأحداث، أن يشاهد الحلقات ويستمع عن قرب لمن عاصر هذه اللحظات".
تقنيًا، لم تعد فكرة إنتاج البودكاست بما تحمله من معدات وأجهزة أمرًا بالغ التعقيد في العالم، إلا أنها في غزة تبدو كنحتٍ في الصخر؛ إذ يمنع الاحتلال إدخال المعدات والأجهزة الإلكترونية منذ بداية الحرب
صناعةٌ تنحت في الصخر
تقنيًا، لم تعد فكرة إنتاج البودكاست بما تحمله من معدات وأجهزة أمرًا بالغ التعقيد في العالم، إلا أنها في غزة تبدو كنحتٍ في الصخر؛ إذ يمنع الاحتلال إدخال المعدات والأجهزة الإلكترونية منذ بداية الحرب، وبات إنتاج أي عمل إعلامي ينصب على ما هو متوفر من أجهزة داخل القطاع المحاصر، حتى لو ارتفع سعرها وتراجعت كفاءتها، لأنها ببساطة هي البديل الوحيد المتاح أمام الإعلاميين.
حول تلك الصعوبات، تشرح العكلوك قائلة: "نعمل بالمعدات المتاحة من ميكروفونات وبطاريات وكشافات الإضاءة، ورغم أنها لم تكن الأفضل في مجال إنتاج البودكاست، بحكم تشديد القيود على إدخال الأجهزة الإلكترونية، إلا أن تكلفتها كانت أضعاف أسعارها الطبيعية، وهذا بحد ذاته كان تحديًا استطعنا التغلب عليه لأجل بث الصورة وإيصال الصوت من غزة".
بيد أن شح المعدات ليس العائق الوحيد في رحلة إنتاج الحلقات، فتوفير المكان في بيئة مدمرة ليس بالأمر السهل، إذ تواجه العكلوك مع فريق عملها صعوبات تتعلق باختيار موقع التصوير، والذي تفضله في مكانٍ مفتوح يجمع بين جمالية المشهد ويعكس واقع الحياة في مدينة مُدمّرة.
وفي إحدى الحلقات التي اختارت فيها العكلوك ساحة مجمع الشفاء الطبي للتصوير، اضطرت مع فريق العمل إلى إيقاف التصوير عدة مرات نتيجة وصول شهداء ومصابين إلى المجمع، فضلًا عن امتزاج صوت الضيف بأصوات سيارات الإسعاف. تحمل هذه التفاصيل تحديًا إضافيًا للإنتاج، إلا أن العكلوك تراها في الوقت نفسه عنصرًا جيدًا لإضفاء الواقعية على الحلقة، وإن كانت تستهلك مزيدًا من الوقت والجهد لإخراج المشاهد واللقطات بالصورة التي تظهر فيها للمتلقي.
البحث عن الحكاية التي لم تُروَ
كل شخص في غزة لديه قصة خلال الحرب تستحق أن تُروى، بيد أن اختيار ضيوف الحلقات، بحسب العكلوك، يعتمد على بحثٍ مُطوّل يجريه فريق متكامل، ومن أهم معاييره أن تكون الشخصية قد خاضت تجارب تستحق أن تروى ترتبط بظروف الإبادة والحرب، والأهم أن تكون قادرة على إيصال هذه التجارب إلى الجمهور والتعبير عنها.
لكن هذا البحث قد يصطدم أحيانًا بأن بعض من يتحدثون عن واقع القطاعات التي عملت وأسهمت إنسانيًا خلال الحرب، معروفون لدى الجمهور ووسائل الإعلام، وهو ما قد يؤدي إلى تكرار ما سبق أن رووه. لذلك، يبدأ التنقيب عما هو أعمق في مكنونات الشخصية، بحثًا عن جوانب جديدة لم تُكشف من قبل، بحيث تحمل كل حلقة إضافة حقيقية للمتلقي، من خلال قصص لم يسمح لها أصحابها أن تموت وتدفن.
وتجد العكلوك أن نشر الحلقة بحد ذاته هو العنصر الأهم؛ لتوثيق هذه المرحلة والحفاظ على القصص التي رُويت، حتى تُحفظ للأجيال القادمة، إلى جانب أهمية التفاعل مع الحلقات محليًا وعربيًا ودوليًا، وما يقاس به من أرقام وأعداد مشاهدات تبيّن معدل الانتشار.
لكن خلال تقديم الحلقات، هل تسمح العكلوك لنفسها أن تشارك الضيف رواية الحدث بحكم التجربة المشتركة؟
لا تغفل العكلوك أهمية أن يكون مقدم البودكاست قد عايش ظروف الحرب وأهوال الإبادة والمجاعة، لأنه سيتشارك مع الضيف في تجارب مشابهة، لكنها ترى في ذلك معضلة خفية، فبعض التجارب ستكون مفهومة لكليهما، لكنها قد تبدو مبهمة للجمهور من خارج غزة، وهو ما يستدعي من المُقدم توضيحها وتبسيطها.
وهنا يظهر خيط رفيع يجب على مقدم البودكاست، من غزة تحديدًا، أن يوازن فيه، بين إبداء مشاعره وإظهار تجربته الشخصية، وبين المساحة التي يجب أن يمنحها للضيف؛ بحيث يستخدم تجربته لفهم الحكاية لا لمصادرتها، ولتوضيحها للمتلقي لا لتحويلها إلى قصة شخصية بديلة عن قصة الضيف. ويظل استمرار الحرب تحديًا حقيقيًا بالنسبة للعكلوك، لأن العاملين في هذا المجال لا يعلمون ما الذي يمكن أن يواجهوه من ظروف تحت التهديد الدائم.
يظهر خيط رفيع يجب على مقدم البودكاست، من غزة تحديدًا، أن يوازن فيه، بين إبداء مشاعره وإظهار تجربته الشخصية، وبين المساحة التي يجب أن يمنحها للضيف؛ بحيث يستخدم تجربته لفهم الحكاية لا لمصادرتها، ولتوضيحها للمتلقي لا لتحويلها إلى قصة شخصية بديلة عن قصة الضيف.
البودكاست الذي جاء متأخرًا
على غرار العكلوك، يرى يوسف فارس، مقدم بودكاست "حكي البلاد"، أن ظروف الحرب أسهمت في صعود البودكاست كلونٍ صحفي مميز، ذاع وانتشر في الحرب، لكن مع فارق أن الغزيين في المراحل الأولى من عمرها كانوا ينظرون إلى الحياة من خلال ما فرضته الحرب من تفاصيل قاسية تلاشت معها ملامح الحياة الطبيعية. وبمرور الوقت، تراجع الإدراك لدى الناس أن الحياة الطبيعية فيها تيار كهربائي وأجهزة كهربائية، وأن الإنسان قد يجد في حياته متسعًا من الوقت لحضور برنامج حواري قد يمتد لثلاث ساعات، في وقت كانوا يعانون فيه مرارة الحرب والنزوح وتأمين أساسيات الحياة.
لأجل ذلك، كان فارس يعتذر عن محاولات تقديم أي حلقة، أو أن يحل ضيفًا على أي بودكاست، لأن إيقاع المتابعة اللحظية المتسارعة للمجازر كان طاغيًا حينها على إنتاج بودكاست يحتاج إلى ظروف أكثر استقرارًا. لكن هذه النظرة تغيرت مع استقرار الأوضاع الأمنية نسبيًا، وبات فارس أكثر تقبلًا للفكرة على اعتبار أن البودكاست أصبح لغة العصر، فضلًا عن أنه يمنح الضيف هامشًا أوسع للبوح بتفاصيل دقيقة تهم المتابعين ما لم يجده في تجاربه الأخرى سواء في تقارير صحفية مكتوبة أو متلفزة أو عبر المنصات الرقمية.
يقول فارس لـ"مجلة الصحافة"، إن جميع هذه الأشكال الصحفية لا تبرز جميع الجوانب في حياة الشخصيات كما يفعل البودكاست، الذي يمنح هذه الميزة ويترك للضيف عالمًا واسعًا من الحديث.
سدّ فراغ الإعلام التقليدي
يرى فارس أن البودكاست قد يسد جزءًا من الفراغ الذي نشأ بسبب تدمير الإذاعات الفلسطينية، باعتباره محاولة لترميم المصادر الإعلامية التي كان الناس يستقون منها معلوماتهم ويبنون عليها آراءهم وأفكارهم.
ويشبه حلقة البودكاست بأنها رحلة يصطحب فيها المشاهد بوجدانه، منسجمًا مع الضيف، ولذلك يتفق مع زميلته العكلوك، في أن اختيار الضيوف يتحدد بكون الشخصية مركبة؛ بمعنى أنها تعمل في مجالها، كالقطاع الصحي مثلًا، وغزيرة التجارب خلال الحرب، ولديها حضور وقدرة على التعبير وجذب المتابعين. وتتنوع حلقاته بين قصص الناس اليومية والقضايا التي تهم الشارع والرأي العام.
وعلى الرغم من حداثة تجربة فارس في تقديم البودكاست، فإنها أصبحت توازي في اهتمامه عمله الإعلامي منذ اليوم الأول للحرب، فقد حاز البودكاست على شغفه وبات يوليه مساحة واسعة من الاهتمام. لكن كيف يرى التداخل بين مقدم البودكاست والضيف خلال الحلقة؟
يقول: "إن الحرب هشمت الحدود بين الضحية ومن يكتب عنها، لأنه ببساطة بات يعيش دورها بأكمله".
ويضيف: "معنى أن تعيش هذه التجارب هو أن تصبح أكثر قربًا لفهمها، لأن معايشة الأحداث حتمًا تصقل شخصية مقدم البودكاست، ويؤثر جدًا أن تعيش التجربة في أن تنقلها، لذلك يصبح مقدم الحلقة أكثر قدرة على الشعور بضيفه وطرح الأسئلة التي يعتمد عليها البودكاست".
من تجربة الميدان إلى قراءة الأكاديمي
تكشف تجربتا فارس والعكلوك أن البودكاست لم يظهر في غزة بوصفه رفاهية تقنية أو تقليدًا لاتجاهٍ إعلامي عالمي فحسب، وإنما فرضته الحاجة إلى إيجاد مساحة أوسع للحكاية في بيئة أغلقت فيها الحرب أبواب المؤسسات والاستوديوهات، وضاقت فيها مساحة الإعلام التقليدي. لكن هل ما يحدث في غزة مجرد موجة إعلامية مؤقتة فرضتها الحرب، أم أن البودكاست يؤسس فعلًا لتحول أعمق في طريقة إنتاج الرواية الفلسطينية وحفظها؟
يرى أستاذ الإعلام في جامعة قطر، محسن الإفرنجي، أن صعود البودكاست اليوم يشكل ظاهرة عالمية بدأت تشق طريقها بقوة نحو المنصات الرقمية، لتميزه بعدد من السمات المرتبطة بسهولة إنتاجه وتوزيعه، والموضوعات التي يتناولها، وقربه من الجمهور، وتنوعه الواسع، وطريقة طرحه للموضوعات بلغة الإنسان البسيط.
لكن خصوصية التجربة في غزة، بحسب الإفرنجي، ترتبط بالسياق الذي ظهرت فيه؛ فالبودكاست بدأ يظهر بقوة في العام الثالث من حرب الإبادة الجماعية، في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم غير مسبوقة.
تكشف تجربتا فارس والعكلوك أن البودكاست لم يظهر في غزة بوصفه رفاهية تقنية أو تقليدًا لاتجاهٍ إعلامي عالمي فحسب، وإنما فرضته الحاجة إلى إيجاد مساحة أوسع للحكاية في بيئة أغلقت فيها الحرب أبواب المؤسسات والاستوديوهات، وضاقت فيها مساحة الإعلام التقليدي.
ويقول الإفرنجي لـ"مجلة الصحافة"، إن الحاجة كانت ماسة إلى نقل السردية الفلسطينية بشكل أعمق وأكثر شمولية، من خلال وسيلة لا تكتفي بالخبر المجرد أو حتى القصة العابرة المؤثرة، وهنا جاءت الحاجة إلى البودكاست لحفظ الذاكرة والسردية الفلسطينية بكافة جوانبها وأبعادها وتداعيات حرب الإبادة المتواصلة عليها. ويشير إلى أن برامج بودكاست عربية وأجنبية تحدثت منذ بدايات الحرب عن غزة وما يدور فيها، وحظي بعضها بانتشار واسع، لكن معظم تلك البرامج كان يُنتج من خارج القطاع، نظرًا لخطورة الوضع الأمني.
وفي العام الثالث من الحرب، ظهرت مشاريع بودكاست من داخل غزة لتوثيق شهادات الناجين، وهو ما يكشف، بحسب الإفرنجي، انتقال الظاهرة من المبادرات الفردية إلى مشروعات مهنية إعلامية. ويشير إلى أنه عندما تتعرض مدينة لتدمير واسع، ويتعرض الصحفيون والمؤسسات الإعلامية للاستهداف والتدمير، يصعب توفير استوديوهات مجهزة وطواقم إنتاج؛ لذا يصبح الصوت وسيلة قادرة على البقاء والتعبير عن التجربة الفلسطينية.
فالبودكاست يمكن إنتاجه بواسطة هاتف ذكي وميكروفون ومعدات بسيطة، وقد أثبتت التجربة إمكانية الاعتماد على المقابلات والرسائل الصوتية للوصول إلى الصحفيين الموجودين داخل غزة وتوثيق يوميات الحرب، في وقت تعذر فيه وصول الطواقم الصحفية إلى أماكن مدمرة ومستهدفة. ولعل السبب الأهم هنا ليس تقنيًا أو فنيًا، بقدر ما هو الحاجة الماسة إلى توثيق يوميات حرب الإبادة، وتفاصيل المعاناة الفلسطينية، وتوثيق القصص وتجارب الإنسان الفلسطيني التي لم تستطع العدسات نقلها للجمهور.
ويلفت الإفرنجي إلى أن الحرب خلقت حاجة هائلة إلى توثيق شهادات شهود العيان على الإبادة في كافة مواقعهم، من صحفيين وأطباء وممرضين ومسعفين ومواطنين وغير ذلك، لأن صوتهم جميعًا هو أقوى وثيقة على حقيقة الإبادة. وهنا يمثل البودكاست شكلًا من أشكال التاريخ الشفوي، لتوثيق الصوت والذاكرة وضمان حفظها وعدم محوها.
من محتوى عابر إلى أرشيف تاريخي
يقول محمد ياسين، رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين، إن البودكاست يمثل تلبية لحاجة إعلامية وضرورة للتعمق في الأبعاد الإنسانية وتوثيقها كأرشيف رقمي، بالتوازي مع كونه استجابة لروح العصر والتقنيات الحديثة، في بيئة إعلامية منسجمة مع عالم الذكاء الاصطناعي.
عمليًا، يرى ياسين أن البودكاست يمثل تعويضًا عن فقدان وسائل إعلامية وازنة بطابعها المؤسساتي، وهو ما أدى إلى تشكل فرق إعلامية شبابية تسعى إلى تقديم محتوى هادف. ويشير إلى أن صعود البودكاست الغزي دليل على قدرة الإعلاميين على التكيف مع البدائل الجديدة، إذ همشت الحرب الإعلام التقليدي؛ فتوقفت الصحف عن الطباعة، وغاب أثير الإذاعات، فيما تدمرت مقار القنوات الفضائية واستوديوهاتها وأجهزة البث فيها.
أما على صعيد المتلقي، فإن غالبية سكان القطاع والنازحين الذين فقدوا منازلهم يعتمدون بدرجة كبيرة على أجهزة الهاتف المحمول لتلقي المعلومات، وهو ما دفع المؤسسات الإعلامية إلى زيادة الاهتمام بالأدوات الرقمية.
ولأن البودكاست أداة مهمة للتوثيق وأرشفة الذاكرة الفلسطينية، لفت ياسين إلى ضرورة حفظ حلقات البودكاست وحمايتها من الضياع، لأن ما يُنتج اليوم يمثل وثائق مرئية لتاريخ معاصر، مضيفًا: "يجب التعامل مع الحلقات باعتبارها أرشيفًا وليس مجرد محتوى عابر عبر الإنترنت". لذلك يدعو إلى إطلاق مبادرات تقوم بحفظ هذه الحلقات في منصات آمنة، وتصنيفها وفق الموضوعات والتواريخ وأسماء أصحاب الشهادات.
ويذكر أن الناس تريد أن تروي الحكاية وتسمع القصة، لأن الأخبار العاجلة لا تعطي كل التفاصيل، وهذا ما يمنحه البودكاست.
وهنا يختصر الإفرنجي الفارق بالقول، إنّ الإعلام الإخباري يوثق الحدث، أما البودكاست فيوثق تجربة الإنسان داخل سياق الحدث، ويتجاوزها إلى تداعيات ورؤى مستقبلية لما بعد حرب الإبادة. فالحرب لا تنتج خبرًا واحدًا فقط، وإنما تنتج طبقات متراكمة من الخوف والفقد والنزوح والانتظار، وهي تفاصيل يصعب أن تجد لها مساحة في التغطية اليومية السريعة.
ويرى الإفرنجي أن أهم ما يميز البودكاست عامة هو القدرة على تقديم الحدث الواحد بزوايا وعيون متعددة، وتفاصيل مغرقة ومهمة، لنقل التجربة الإنسانية كاملة وغير مجتزأة كما يحدث في الأخبار. وهو لا يهتم كثيرًا بالمعلومة السريعة، لأن أثرها ينقضي سريعًا، بل يعمد إلى التفاصيل، وإلى الخوض في غمار كيف عاش الإنسان ما حدث؟ وماذا بقي منه بعد الحدث؟ وما أبرز المواقف والتفاصيل والتداعيات في جميع جوانب تجربة المواطن الغزي الذي عاش هذا الحدث؟
وهنا تكمن قوة السرد الصوتي تحديدًا؛ فالصوت يحمل التردد والصمت والبكاء والانفعال وطريقة الكلام وكل تفاصيل لغة الجسد، وهي عناصر تمنح الشهادة الإنسانية عمقًا لا توفره الصورة دائمًا. ويرى الإفرنجي أن هذه تجربة جديدة كونها تتيح للضيف مساحة في تحديد كيفية رواية قصته وتجربته الإنسانية المؤلمة، بدون قيود المؤسسة الإعلامية، وبلغة أقرب إلى الناس.
مواجهة الرواية المضادة
ومع اتساع مساحة البودكاست، تتجاوز وظيفته حدود التوثيق الداخلي إلى معركة أوسع تتعلق بمن يملك حق رواية ما جرى، فالحرب على غزة لم تكن حربًا عسكرية وإنسانية فقط، بل رافقتها معركة متواصلة على الصورة والرواية والتفسير.
وفي هذا السياق، يرى الإفرنجي أن مصادر قوة ماكينة الدعاية الإسرائيلية من خارجها أكثر منها من داخلها، بمعنى زخم الدعم الغربي الذي تحصل عليه، خاصة من الإعلام الرسمي الغربي المنحاز ومحاولات تبرير حرب الإبادة الجماعية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن هل يستطيع البودكاست الفلسطيني وحده أن يواجه الأكاذيب والادعاءات وروايات التضليل وماكينة الدعاية الإسرائيلية، التي تتوفر لها إمكانات مالية وفنية وبشرية ضخمة؟
الإفرنجي ينفي ذلك، لأن الجهد المطلوب جماعي وتراكمي وليس فرديًا، ويحتاج إلى عمل دؤوب ومنهجي من كافة وسائل الإعلام، وباستخدام كافة أدوات الإعلام وأشكاله وقوالبه، لعرض المحتوى بأشكال مختلفة ومبتكرة يمكنها مواجهة تلك الدعاية.
ومن يمكنه التصدي لهذه الدعاية، كما يرى، هو مشروع فلسطيني وعربي متكامل، يستند إلى سردية فلسطينية لم تبدأ مع فجر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بل تنطلق من سياقات القضية الفلسطينية التي سبقت نكبة العام 1948، وربما تبدأ بالمواطن الفلسطيني في غزة نفسه الذي يتعرض للقتل والتهجير والتجويع، ولا تنتهي بالصحفيين والمؤثرين وصنّاع المحتوى والمؤسسات الإعلامية.
من انتشار التجربة إلى حماية استمراريتها
غير أن قوة الرواية لا تتوقف عند القدرة على الوصول إلى الجمهور، بل ترتبط أيضًا بطريقة إنتاجها، ومدى قدرتها على البقاء بوصفها مادة موثوقة يمكن الرجوع إليها مستقبلًا. فإذا كان فارس يرى أن الخوف الأكبر يكمن في استمرارية التجربة، فإن الإفرنجي يضع مجموعة من المعايير التي يمكن أن تجعل البودكاست الغزيّ يتجاوز لحظة الحرب، ويتحول من ظاهرة إعلامية إلى مشروع توثيقي طويل الأمد.
يقول الإفرنجي، إن أهم هذه المعايير هو الدقة والتحقق من الشهادات المقدمة، واحترام مشاعر الضحايا وخصوصياتهم، وعدم استغلالها إعلاميًا لجذب المشاهدات والمتابعات، مع ضرورة الفصل بين الشهادة المقدمة والتعليق الذي يعقبها، وكذلك التوثيق والأرشفة بأشكالها المختلفة حفاظًا على الذاكرة الفلسطينية.
ومن المعايير المهمة أيضًا الاستمرارية، وعدم التوقف عن تقديم التجربة الإنسانية الفلسطينية خلال حرب الإبادة الجماعية بما يفتح الملفات المتعلقة بإعادة الإعمار والتعليم والصحة والثقافة والشباب والمرأة والأطفال والرياضة وغير ذلك. ويشدد كذلك على ضرورة التنسيق والتركيز، والانتباه إلى أهمية تركيز البرامج ومحاولة التنسيق فيما بينها منعًا للتكرار الممل، وللاستفادة من كل الطاقات، مع الحرص على تقديم مشروعات البودكاست القائمة، ومعظمها يقدم بأسلوب بودكاست مرئي "فودكاست"، بصورة أكثر مهنية في مجالي الصوت والصورة، لأن بساطة المعدات لا تعني رداءة جودة المحتوى والمنتج.
ومن المعايير المهنية الواجب مراعاتها أيضًا التنوع السردي، وكسر نمط اقتصار المحتوى على سرد الآلام فقط، والانتقال إلى سرد قصص الصمود والأمل والتكافل الاجتماعي والفنون والثقافة والرياضة تحت الحرب، لضمان عدم إصابة الجمهور بما يسمى "إرهاق التعاطف" (Compassion Fatigue).
من التجربة الفردية إلى منظومة إعلامية
لا تبدو المشكلة إذن في قدرة الغزيين على إنتاج البودكاست؛ فقد أثبتت التجربة أن الصحفي قادر على صناعة الحلقة بما هو متاح، حتى في ظل نقص المعدات وانقطاع الكهرباء وغياب الاستوديوهات. لكن التحدي الحقيقي هو كيفية نقل هذه التجربة من جهود فردية متفرقة إلى منظومة إعلامية قادرة على الاستمرار والوصول إلى جمهور أوسع.
وهنا يقترح الإفرنجي البناء على ما أُنتج في غزة من برامج بودكاست، عبر تطوير التجربة الفلسطينية والاستفادة من التجارب العربية والدولية، وتقديم البودكاست ضمن منظومة إعلامية رقمية متكاملة عبر عدة منصات، مع مراعاة طبيعة كل منصة وجمهورها. فلا ينبغي نشر الحلقة وتوزيعها كملف صوتي أو فيديو واحد فقط، وإنما إنتاج مقاطع قصيرة واقتباسات نصية ومواد أخرى تعيد تقديم مضمون الحلقة وفق طبيعة كل منصة.
ويلفت إلى أهمية الاستثمار بصورة أكبر في الصحافة الإنسانية و«أنسنة السرد القصصي الصوتي»، التي تنطلق من الإنسان وتفاصيله وتجاربه، وكذلك الاهتمام بالبودكاست المتخصص أكثر من العام. ولتجاوز تحدي التمويل يمكن بناء شراكات وبرامج رعاية مع المؤسسات الوطنية والتعليمية والاقتصادية والثقافية، بما يفسح المجال لإنتاج محتوى أغزر وأكثر مهنية وتخصصًا.
وفي هذا السياق، يرى الإفرنجي أن المؤسسات الإعلامية والجامعات ومؤسسات التدريب مطالبة بفتح مسارات تعليمية وتدريبية لصنّاع البودكاست، من خلال مختبرات للسرد الرقمي، والتدريب على الإنتاج والتحقق والسلامة الرقمية، وتوفير المعدات بصورة مشتركة، وإنشاء أرشيف للقصص والشهادات، وترجمة أفضل الحلقات إلى الإنجليزية وغيرها.
من الأكاديمية إلى المؤسسة الإعلامية
تضع قراءة الإفرنجي البودكاست أمام مسؤولية أكبر من مجرد مواكبة اتجاه رقمي صاعد؛ فهو يرى فيه مشروعًا للذاكرة الفلسطينية، ويضع له شروطًا تتعلق بالمهنية والأرشفة والاستمرارية والتنوع. لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع لا يعتمد على الصحفيين وحدهم، فالتجربة تحتاج إلى بيئة إعلامية قادرة على احتضانها، ومؤسسات تدرك أن ما يسجله الصحفيون اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من الأرشيف الوطني الفلسطيني.
ومن هنا تتسع زاوية النظر من تجربة صناع البودكاست أنفسهم إلى سؤال المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، ودورها في دعم هذه الصناعة وحمايتها، خصوصًا في ظل تدمير جزء كبير من البنية الإعلامية التقليدية.
هذا التدمير المادي، قابله ياسين بوصف محاولات التدمير المعنوي بما شكله أكثر من ألف يوم من الضغط النفسي الناجم عن تغطية الحرب المستمرة، وهو تحد كبير أمام صناع البودكاست، فهم يعيشون الأحداث التي يوثقونها بأنفسهم.
ويشير ياسين إلى أن الإعلاميين في غزة -بلا استثناء- بحاجة إلى سنوات للتعافي من آثار الحرب وتغطيتها، التي شهدت مآسي كبيرة، معتبرًا أن هذه الأعباء النفسية لا تنفصل عن طبيعة العمل الصحفي الذي يفرض على صاحبه أن يكون حاضرًا في قلب الأحداث، وأن ينقل آلام الآخرين في الوقت الذي يعيش فيه الألم نفسه.
تكشف تجربتا العكلوك وفارس، إلى جانب قراءة الإفرنجي وياسين، أن البودكاست الغزّي لم يظهر بوصفه رفاهية تقنية أو مجرد تقليد لاتجاه إعلامي عالمي، بل كاستجابة لحاجة فرضتها الحرب: إيجاد مساحة أوسع للحكاية في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على العمل.
لكن قيمة التجربة لا تقاس فقط بعدد الحلقات المنتجة أو حجم الوصول إلى الجمهور، وإنما بما إذا كانت هذه الحلقات ستبقى بعد انتهاء اللحظة الخبرية، بوصفها شهادات يمكن الرجوع إليها. وهنا تتقاطع تجربة صناع البودكاست مع مسؤولية أوسع تتعلق بالأرشفة والتحقق وحماية خصوصية الضحايا والاستمرارية والتنوع السردي. فالحلقة التي تنتج اليوم تحمل قيمة أكثر من كونها مادة عابرة تنتهي صلاحيتها بعد انتشارها؛ هي جزء محتمل من أرشيف مرحلة تاريخية.
وهكذا، لا يبدو البودكاست الغزي مجرد لون إعلامي جديد فرضته ظروف الحرب، ولا مجرد بديل مؤقت عن الاستوديوهات والإذاعات التي دمرت؛ بل يتحول تدريجيًا إلى مساحة للبوح والتوثيق، ومنصة لاستعادة الإنسان الغزي صوته، وأداة لحفظ تفاصيل مرحلة قد تضيع إذا لم تُسجل بأصوات أصحابها.
وفي غزة، حيث ضاقت المساحات وتراجعت الإمكانات وتهاوت المؤسسات، بقي الهاتف المحمول نافذة مفتوحة على العالم، وبقي أمام الصحفيين أن يحفظوا ما تقوله الذاكرة قبل أن يطويه الزمن، وأن يمنحوا الأجيال القادمة فرصة لسماع نبض غزة من أهلها، لا من روايات الآخرين عنها.