لم تتح لي الفرصة لأن أعرف الصحفي محمد وشاح مراسل قناة الجزيرة مباشر عن قرب، استشهد محمد بتاريخ 8 نيسان 2026 بعد استهدافٍ مباشر لمركبته في غزة، لتبقى صورته داخل خيمة الصحفيين في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، مثل حضور صامت يذكر بأن الغياب لا يعني النهاية، بل بداية سؤال آخر: من يروي حكاية الصحفي حين يغيب صاحبها؟
في الحروب الممتدة، لا يقتصر الاستهداف على الأجساد، بل يمتد إلى الذاكرة أيضًا. ومع تسارع الأحداث وتراكم أعداد الضحايا، تتحول حيوات كاملة إلى أخبار عابرة، ويُختزل أصحابها في لحظة موتهم. يصبح الصحفي الذي أمضى سنوات في توثيق حياة الآخرين خبرًا عاجلًا لبضع ساعات، قبل أن تتجاوزه دورة الأخبار المتلاحقة، وتطوى حكايته مع كل استهداف وكل مجزرة جديدة، وكل عاجل يزاحم ما قبله.
لكن السؤال لا يتعلق بكيفية استشهاد الصحفي فحسب، بل بكيفية تمثيله بعد رحيله، ومن يمتلك حق رواية قصته. فالمعركة لا تنتهي عند لحظة الاستهداف، بل تبدأ بعدها معركة أخرى على المعنى والذاكرة والرواية، تتداخل فيها أصوات العائلة والزملاء والمؤسسات الإعلامية والجمهور، وتتنافس روايات مختلفة على إنتاج صورة الصحفي الذي لم يعد موجودًا للدفاع عن نفسه أو استكمال حكايته.
لا يتعلق السؤال بكيفية استشهاد الصحفي فحسب، بل بكيفية تمثيله بعد رحيله، ومن يمتلك حق رواية قصته. بعد لحظة الاستهداف، تبدأ معركة على المعنى والذاكرة والرواية، تتداخل فيها أصوات العائلة والزملاء والمؤسسات الإعلامية والجمهور، وتتنافس روايات مختلفة على إنتاج صورة الصحفي الذي لم يعد موجودًا للدفاع عن نفسه أو استكمال حكايته.
حين يكون صاحب السيرة حاضرًا، يمتلك، ولو جزئيًا، حق تعريف نفسه. أما بعد الموت، فتنتقل هذه السلطة إلى الآخرين؛ يصبح الصحفي الشهيد موضوعًا للرواية بدل أن يكون صانعًا لها. وهنا تكمن الإشكالية الأخلاقية والمعرفية في آن واحد: كيف نكتب عن شخص لم يعد قادرًا على تصحيح ما يُقال عنه؟
في حالة محمد وشاح، تبدو هذه الإشكالية واضحة. فالشهادات التي جمعتها من عائلته وزملائه وأصدقائه لا تقدم رواية واحدة مكتملة، بل روايات متعددة، تتقاطع أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى. كل شهادة تكشف جانبًا من شخصيته، وتترك جوانب أخرى في الظل.
يقول زميله أشرف السراج إن محمد كان يوصيهم بأن يجيبوا عن سؤال واحد بعد رحيله: أين كان محمد خلال الحرب؟ وكان يجيب بنفسه: "كنت في المجازر والاستهدافات، وبين الجرحى أنقل معاناتهم." وكأنه كان يدرك أن عليه أن يترك خيطاً أو معلومات تدل عليه لمن سيكتب حكايته يوماً بعد رحيله.
لكن حتى هذه المحاولة تبقى قاصرة. فالصحفي محمد أبو شعر يرى أن أي محاولة لكتابة سيرة محمد ستظل ناقصة بالضرورة؛ ليس فقط لأن هناك جوانب من حياته لم تكن معروفة للعلن، بل لأن أشخاصًا كانوا يحملون أجزاء من حكايته استشهدوا أيضًا خلال الحرب. وهكذا تصبح السيرة مشروعًا غير مكتمل بطبيعته، ويصبح ما يُروى عن الصحفي الشهيد أجزاء متناثرة من حياة لم يعد صاحبها قادرًا على الدفاع عنها أو استكمالها.
وربما هنا تبدأ المشكلة الأوسع: ماذا يحدث للصحفي حين يتحول من شاهد على الحرب إلى موضوع لها؟
تشير دراسة "واقع الإعلاميات الفلسطينيات تحت الإبادة"، أن الصحفيين والصحفيات قد وجدوا أنفسهم في قلب (معركة رواية الحقيقة)، وهم يواصلون عملهم رغم الاستهداف والنزوح وفقدان أدوات العمل، ليصبحوا هم أنفسهم جزءًا من الرواية التي حاولوا نقلها إلى العالم. (1)
لذلك، فإن استشهاد الصحفي لا يعني فقدان شخص فحسب، بل يعني أيضًا فقدان شاهد كان يحمل جزءًا من ذاكرة الحرب، ويعرف تفاصيلها ووجوهها وقصصها. فالصحفي في الحرب لا ينقل ما يحدث فحسب؛ بل يحفظ تفاصيله، ويسمي ضحاياه، ويوثق الأمكنة، ويمنح التجربة الإنسانية لغة وصورة وذاكرة. وعندما يغيب هذا الشاهد، لا يغيب جسده وحده، بل تنقطع أيضًا رواية كان يمكن أن تستمر في إنتاج المعرفة عن الحرب.
ومن هذا المنظور، يلتقي استهداف الصحفي مع مفهوم "الإبادة المعرفية"، حيث لا يقتصر الاستهداف على البشر والمؤسسات، بل يمتد إلى الشهود والذاكرة وإنتاج المعرفة نفسها. فالصحفي ليس ناقلًا للأحداث فحسب، وإنما أحد صنّاع الشهادة عليها.
لكن محمد وشاح لم يكن شاهدًا على الحرب فقط. في ذاكرة زوجته وزملائه وأصدقائه، كان أبًا يحلم بمستقبل أطفاله، وزوجًا أثقلت الحرب سنوات ابتعاده عن أسرته، وصديقًا لم يبخل بخبرته على الصحفيين الشباب. كان يحلم بمستقبلٍ مهني يلبي طموحاته ويرى في الصحافة رسالة تتجاوز حدود المهنة.
لم يكن يكتفي بنقل معاناة الناس، بل كان يحاول مساعدتهم؛ يسعى لتأمين كفالات للأيتام، ويبحث عن فرص عمل للمحتاجين، ويشارك معداته وخبراته مع زملائه الصحفيين.
استشهاد الصحفي يعني غياب شاهد كان يحمل جزءًا من ذاكرة الحرب، ويعرف تفاصيلها ووجوهها وقصصها. فالصحفي في الحرب لا ينقل ما يحدث فحسب؛ بل يحفظ تفاصيله، ويسمي ضحاياه، ويوثق الأمكنة، ويمنح التجربة الإنسانية لغة وصورة وذاكرة. وعندما يغيب هذا الشاهد، لا يغيب جسده وحده، بل تنقطع أيضًا رواية كان يمكن أن تستمر في إنتاج المعرفة عن الحرب.
هذه التفاصيل ليست هامشية، بل هي جوهر السيرة. فالخبر الذي يعلن استشهاد صحفي لا يخبرنا من كان هذا الإنسان قبل أن يصبح رقمًا في قائمة الضحايا، ولا يخبرنا ماذا كان يحلم، أو من كان ينتظره في البيت، أو كم مرة عاد من تغطية ميدانية وهو يخفي خوفه عن أطفاله.
وهنا تكمن وظيفة السيرة؛ فهي لا تنافس الخبر، بل تكمله. إنها تعيد إلى الصحفي إنسانيته التي قد تختفي تحت ضغط العناوين العاجلة. وأحياناً يتحول الإنسان إلى رمز: رمز للمهنة، أو للضحايا، أو للاستهداف. لكن الرمزية، مهما كان توظيفها ضرورياً في لحظة الحرب، قد تأتي أحيانًا على حساب الإنسان نفسه.
كان محمد يعيش هذا الخوف قبل أن يصبح ضمن قائمة الشهداء. يقول محمد أبو شعر إن الخوف كان رفيقًا دائمًا له، شأنه شأن جميع الصحفيين العاملين في غزة، لكنه كان يحاول التعايش معه دون أن يتخلى عن أحلامه. وكان يتحدث بفخر عن ابنته سمية، ويتخيل مستقبلها بعد عقدين من الزمن كصحفية تعمل في كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية، فيما كان يدرك في الوقت نفسه أنه قد لا يبقى حيًا ليشهد ذلك المستقبل. ويلخص أبو شعر هذه المفارقة: "كان يخطط لأبعد مدى ممكن، وفي الوقت نفسه يتوقع أن يستشهد بعد نصف ساعة".
عاش محمد نحو عامين تحت وطأة التهديد المستمر، بحسب زميله أشرف السراج، سواء عبر المكالمات المباشرة أو حملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي. ولم تقتصر التهديدات عليه، بل امتدت لانتهاك خصوصية أسرته واختراق حسابات أطفاله ما فرض عليه مواجهة يومية صعبة مع احتمالية الفقد المباغت.
هذه الطبقات الإنسانية المعقدة تطرح إشكالية "سلطة السرد": من يمتلك حق تمثيل الصحفي بعد رحيله؟ فالرواية ليست منفصلة عن موقع من ينتجها، ولا عن القوة التي تملك المنبر الأوسع لفرضها وتعميمها.
في مقاله "أي صورة ستبقى في الذاكرة العالمية عن غزة؟"، يناقش حسن عبيد علاقة الإعلام بالذاكرة، وكيف لا تقتصر التغطية الإعلامية على نقل الأحداث، بل تسهم في تشكيل الصورة التي تستقر في المخيلة العالمية عن غزة، وتحديد ما الذي يبقى حاضرًا وما الذي قد يُهمَّش أو يُنسى تحت وطأة التدفق المتواصل للأخبار والصور. (2) وإذا كان السؤال هنا هو: أي صورة ستبقى في الذاكرة العالمية عن غزة؟ فإن السؤال في حالة الصحفيين الشهداء يصبح أكثر حميمية: أي صورة ستبقى عن الصحفي الذي حاول أن يوثق غزة؟ هل سيُذكر بوصفه اسمًا في قائمة الشهداء، أم بوصفه إنسانًا عاش الحرب وخاف منها، وحلم رغمها، وترك خلفه حياة كاملة لا تختصرها لحظة استشهاده؟ لكن السؤال لا يتعلق بالذاكرة وحدها، بل بالسلطة التي تصوغها.
وفي عرضه لأفكار إدوارد سعيد في مقالته إذن السرد (Permission to Narrate)، يوضح عبيد أن العلاقة بين السرد والسلطة ترتبط بقدرة الشعوب على تقديم تجربتها من موقعها الخاص، وبامتلاك المنابر التي تتيح لروايتها أن تُسمع ويُعترف بها، في مقابل روايات أخرى تمتلك قدرة أكبر على تحديد ما يُرى وما يُسمع وما يُعترف به.
ومن هذا المنظور، فإن القدرة على السرد لا تتعلق فقط بامتلاك قصة، بل بامتلاك المساحة التي تسمح لهذه القصة بأن تُسمع ويُعترف بها. فالصراع لا يدور حول ما حدث فحسب، بل حول من يملك القدرة على رواية ما حدث، ومن يملك المنبر الذي يسمح لروايته بالوصول إلى الجمهور وتشكيل الذاكرة.
فالصحفي الذي أمضى سنوات في محاولة رواية حياة الآخرين يجد نفسه بعد غيابه موضوعًا لروايات قد لا يملك السيطرة عليها. وقد تُنتزع قصته من سياقها، أو يُعاد تقديمه من خارج تجربته، أو يُعاد تعريفه وفق الأطر التي يختارها من يملك المنصة والقدرة على الوصول إلى الجمهور. وهكذا، فإن السؤال عن سيرة محمد وشاح لا ينفصل عن سؤال أوسع: من يملك حق رواية الصحفي الفلسطيني؟
هل هي المؤسسة الإعلامية التي عمل فيها؟ أم عائلته التي عرفته زوجًا وأبًا؟ أم زملاؤه الذين عاشوا معه تفاصيل الحرب؟ أم الجمهور الذي عرفه من خلال الشاشة؟ أم أن المشكلة تكمن في أن أي رواية منفردة ستظل عاجزة عن استيعاب حياة كاملة؟
ربما لا يكون الحل في البحث عن رواية واحدة نهائية، بل في الاعتراف بتعدد الأصوات التي تصنع السيرة، مع الانتباه إلى أن بعض الأصوات تملك من القوة والانتشار ما يجعلها أكثر قدرة على فرض صورتها بوصفها الحقيقة.
استعادة سيرة الصحفي الشهيد ليست ترفًا ولا احتفاءً بالماضي، بل فعل مقاومة للنسيان، ومساءلة لسلطة التمثيل، ودفاع عن حق الإنسان في أن يُروى كما عاش، لا كما اختُزل في لحظة رحيله.
في حالة محمد وشاح، يشير زملاؤه إلى أن بعض المنصات الإعلامية قدمته ضمن روايات بعيدة عن هويته المهنية والإنسانية، بينما سعت روايات أخرى إلى تأكيد صفته الصحفية وإبراز سياق استهدافه أثناء عمله. ولا يعكس هذا التباين اختلافًا في توصيف شخص واحد فحسب، بل يكشف صراعًا أوسع على المعنى والشرعية داخل الفضاء الإعلامي.
فالصراع لا ينتهي عند تحديد ما حدث، بل يمتد إلى الكيفية التي سيفهم بها الحدث ويتذكر لاحقًا. وبين رواية تسعى إلى تثبيت صورة الصحفي بوصفه شاهدًا على الحرب، وأخرى تحاول إعادة تأطيره خارج هويته المهنية، تتحول الذاكرة نفسها إلى ساحة مواجهة.
يقول وائل أبو محسن إن الجميع في غزة أصبحوا خبرًا ينقضي خلال أربع وعشرين ساعة. وربما تختصر هذه العبارة واحدة من أكبر المعضلات الأخلاقية التي تواجه التغطية الإعلامية للحرب؛ فالموت الذي يفترض أن يثير الصدمة يتحول إلى خبر روتيني، والسيرة الإنسانية تصبح تفصيلًا ثانويًا أمام ضغط الأحداث المتلاحقة.
الخبر يقول إن صحفيًا استشهد. أما السيرة فتسأل: من كان هذا الصحفي قبل أن يصبح شهيدًا؟ ماذا كان يحلم؟ من أحب؟ من خاف عليه؟ وما الذي ظل يفعله رغم خوفه؟
وبين السؤالين تتحدد المسافة بين الإنسان والرمز. لهذا، فإن كتابة حياة الصحفيين الذين قتلوا في الحرب ليست مجرد عمل تذكاري، بل محاولة لحماية الذاكرة من الاختزال. فكلما أُعيدت حياة الصحفي إلى سياقها الإنساني والمهني، استعاد حضوره بوصفه إنسانًا كاملًا، لا مجرد صورة للشهيد أو رقمًا في قائمة الضحايا.
قصة محمد، بهذا المعنى، ليست قصة محمد وحده. إنها قصة عشرات الصحفيين الذين كانوا شهودًا على الحرب، ثم تحولوا بعد استشهادهم إلى موضوع للرواية. بعضهم بقيت صوره، وبعضهم بقي اسمه، وبعضهم ابتلعته سرعة الأخبار. لكن وراء كل اسم حياة كاملة لم تُروَ بما يكفي.
ربما لهذا السبب لا تكمن أهمية رواية حكاية محمد وشاح في الوصول إلى نسخة نهائية ومكتملة من سيرته؛ فمثل هذه النسخة لن تكون ممكنة. هناك دائمًا تفاصيل غائبة، وأصوات لم تُسمع، وأجزاء من الحكاية رحلت مع أصحابها. لكن قيمة المحاولة تكمن في إبقاء هذه المساحة مفتوحة أمام الذاكرة، وفي مقاومة الرواية الواحدة التي تختزل الإنسان في لحظة موته.
استعادة سيرة الصحفي الشهيد ليست ترفًا ولا احتفاءً بالماضي، بل فعل مقاومة للنسيان، ومساءلة لسلطة التمثيل، ودفاع عن حق الإنسان في أن يُروى كما عاش، لا كما اختُزل في لحظة رحيله. تقول زوجة محمد: "ولا لحظة حسيت محمد مش معنا، صحيح رحل جسده، ولكن هو معنا دائمًا في كل تفاصيلنا."
وبين ذاكرة الأسرة التي تستعيده زوجًا وأبًا، وذاكرة الزملاء التي تستعيده شاهدًا على الحرب، تتشكل سيرة لا يستطيع طرف واحد احتكارها.
ويعبّر زميله محمد أبو صفية عن هذا المعنى بقوله: "قبل الحرب من حق عيلته تحكي عنه، ولكن بعد الحرب بشعر إنه من حق زملائه يحكوا عنه، لأنه خلال سنتين الحرب عشنا مع بعض أكثر مما عشنا مع أهلنا، فمن حقنا كصحفيين نحكي سيرته...".
ربما هنا تكمن الإجابة الأقرب إلى السؤال الذي تركته صورة محمد معلقة في خيمة الصحفيين: لا أحد يملك الحكاية كاملة، لكن من حق الجميع أن يحاولوا إنقاذ ما يستطيعون منها.