أنا ملك زريد زوجة الشهيد الصحفي إسماعيل الغول، معلمة للغة العربية في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وأم لطفلة واحدة اسمها زينة. أعيش في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. من موقعي كرفيقة درب، أروي تفاصيل مسيرته المهنية والإنسانية؛ لأخذكم إلى ما هو أبعد من المشهد الإخباري، إلى الحكاية التي لا تراها العدسات: كيف عاش، كيف قاوم، وكيف رحل... وكيف بقي أثره في قلبي وفي قلب ابنته زينة شاهدا على ثمن الكلمة في فلسطين، وثمن الحقيقة حين تُروى بدم صاحبها.
وُلد إسماعيل في غزة عام 1989، وكبر وهو يحمل في قلبه شغف الكلمة والصورة. درس الصحافة في الجامعة الإسلامية، وبدأ خطواته الأولى في صحيفتي الرسالة وفلسطين، ثم اتجه إلى العمل التلفزيوني. بالنسبة إليّ لم يكن إسماعيل الغول يوما مجرد صحفيّ فلسطيني من غزة ظهر على شاشة الجزيرة على مدى ثلاثمئة يوم من الحرب ثم انقضى أثره بانتهاء مهمته، بل كان إنسانا عشت معه تفاصيل الحياة بحلوها ومرها، رجلا أحبّ الكلمة وأخلص لها حتى ارتقى وهو يحمل كاميرته يلاحق بها الحقيقة في شوارع غزة المحاصرة. لم يكن يركض خلف الأخبار فحسب، بل اختار أن يكون إلى جانب الناس في أصعب لحظاتهم حاملا وجعهم إلى العالم.
مع اندلاع الحرب، اختار إسماعيل البقاء في شمال القطاع، فيما اضطررتُ مع ابنتي للتوجه جنوبا؛ حيث روّج الاحتلال أن المنطقة هناك أكثر أمانا. في الشهور الأولى من نزوحنا انقطع الاتصال كليا؛ لا شبكة ولا إنترنت ولا أي خبر عنه. كنا نعيش عزلة ثقيلة تشبه الموت البطيء. وبعد أسابيع طويلة من الغياب التقط أخي صوته عبر قناة الجزيرة - بالصوت فقط - مستخدما تقنية اتصال بسيطة، يومها فقط شعرت أنني ما زلت أتنفّس.
في الشهور الأولى من نزوحنا انقطع الاتصال كليا؛ لا شبكة ولا إنترنت ولا أي خبر عنه. كنا نعيش عزلة ثقيلة تشبه الموت البطيء. وبعد أسابيع طويلة من الغياب التقط أخي صوته عبر قناة الجزيرة - بالصوت فقط - مستخدما تقنية اتصال بسيطة، يومها فقط شعرت أنني ما زلت أتنفّس.
كانت البداية عبر مداخلاته على الهاتف من غزة، لكنّ صوت إسماعيل لم يدخل بيوت أهل غزة وحدها، إنما تسلل صوته إلى كل بيوت العالم حاملا الحقيقة في كل كلمة، وكأنه يرسم بخطوط الضوء خريطة صمود أهل غزة. في مرحلة لاحقة، بدأ إسماعيل بتصوير تقارير مرئية وإرسالها إلى الجزيرة، ثم تطوّر الأمر ليبدأ بتغطية الأحداث مباشرة من مستشفى الشفاء في غزة. وبعد عدة أشهر، وقّع عقدًا مع قناة الجزيرة ليُصبح مراسلا رسميّا في شمال القطاع قبل أن يتعرض للأسر هناك.
لم تكن تغطيته مجرد نقل للأخبار، بل كانت مواجهة وجودية مع الواقع، حتى إن وسائل إعلام غربية كبرى طالبت بتقاريره لإعادة بثها للرأي العام الدولي؛ لنقل الرواية الأخرى والحقيقة التي لم يكن للاحتلال أي مصلحة في وصولها للعالم.
في كل مرة أراه على الشاشة كنت أشعر بالفخر والقلق في الوقت نفسه؛ لأنه كان يعيش حُلمه لكنه كان أيضا عرضة للخطر في كل لحظة. ومع كل تقرير جديد، كان شعوري يتأرجح بين الخوف عليه والفخر بما يقدّمه وهو يواجه آلة الحرب بعدسة مرتجفة وقلب لا يلين.
ظل إسماعيل وفيّا لغزة على مدار عشرة أشهر. كانت كاميراته بمثابة عينيه التي تُري العالم ما لم يكن قادرا على رؤيته من يوميات القصف والقتل وآثار الدمار والصرخات، والدموع. وما مكّنه أكثر جهدُه الكبير في التنقل السريع بين مناطق متباعدة؛ إذ كان إسماعيل حاضرا في أحداث كبرى عبر مداخلات مباشرة وتقارير ميدانية غطّى خلالها مجازر وأحداثا فائقة الخطورة.
ففي السابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 - أي بعد خمسين يومًا من الحرب - كان إسماعيل الصحفي الوحيد الذي وصل بكاميراته إلى ميناء غزة بعد انسحاب جزئيّ للاحتلال، وعلى بعد أمتار من تمركز الدبابات الإسرائيلية وقف إسماعيل ليوثّق الدمار في شارع الرشيد وأحياء غرب المدينة، ومن أقصى غرب غزّة إلى أقصى شرقها تنقل بلا كلل؛ يوثق ويصوّر ويروي للعالم ما حاولت إسرائيل حجبه من مجازر وأحداث يومية وأهوال عايشها الناس. كان يرى نفسه واحدا من أبناء هذا الشعب المكلوم الذي يقع على عاتقه تقديم رواية واضحة عن مدينته التي اتفق العالم على استباحة دمها. وعليه، وجد إسماعيل نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت بصمت، أو الصراع من أجل البقاء والحرية.
كان إسماعيل عين الجزيرة وعين العالم على أهوال الحصار وما عايشه المرضى والجرحى، وشهد مجازر أخرى مثل مجزرة "الأفواه الجائعة" يوم 25 يناير/ كانون الثاني 2023 عند دوار الكويت؛ حيث باغتهم الاحتلال بالرصاص وقتل العشرات. ومن الأحداث الكبرى التي وثّقها الحصار الثاني لمستشفى الشفاء؛ حيث احتجزه الاحتلال لساعات قبل أن يفلت ويعود إلى الشاشة ليحكي ما اقترفه الجنود الإسرائيليون.
كنت أعيش معه هذه المعركة يوما بيوم. وكلما غادر إلى الميدان ترك خلفه قلبي معلّقا ما بين خبر عاجل واتصال مفقود وانتظار طويل. أذكر كل المرات التي كنت أردد فيها على مسمعه "ما بدنا كل شغل الصحافة" لأنني أعرف جيدا مخاطر هذه المهنة وأعرف ما حدث لمراسلي الجزيرة في غزة، فكان يردُّ عليّ بثقة وعناد المؤمن برسالته: "لازم نوصل صوت الناس بغزة، هاد مش وقت الحزن، هاد وقت الرسالة".
كنت أتمنى أن يبقى إسماعيل معنا، خصوصًا في ظل ظروف الحرب، لكنه في النهاية اختار هذا الطريق رغم كل الصعوبات ورغم بُعده عنا.
كنت أعيش معه هذه المعركة يوما بيوم. وكلما غادر إلى الميدان ترك خلفه قلبي معلّقا ما بين خبر عاجل واتصال مفقود وانتظار طويل. أذكر كل المرات التي كنت أردد فيها على مسمعه "ما بدنا كل شغل الصحافة" لأنني أعرف جيدا مخاطر هذه المهنة وأعرف ما حدث لمراسلي الجزيرة في غزة.
وبينما كان يواجه القصف والدمار هناك، كنت أواجه خوف الانتظار هنا، نعيش الحرب في مكانين مختلفين لكن بقلق واحد مشترك. أكثر ما يثقل قلبي هو علاقة إسماعيل بابنتنا زينة؛ فقد كان حنونا جدًّا معها لكن جاءت الحرب لتفصلها عنه قسرا. زينة - إلى اليوم - لا تزال تحمل في ذاكرتها وُعوده؛ إذ كان يقول لها دائمًا: "هآجي وآخذك بالسيارة" فدايما بتستناه.
كان أكثر ما يؤلمه أن يشاهد مقاطع فيديو لها وهي تسأل: "هاد بابا؟" أو حين ترى وجهه في وجوه المارة. كان قلبه يتمزق لكنه يخفي حزنه بابتسامة ويقول: "ما بدي تقلقي... أنا بس مشتاق، مشتاقلكم وبدي أشوف زينة". ورغم رحيله ما زال صوته حاضرا. زينة ما زالت تراه في الحلم، وتروي لي: "بيجيني، بيحضني، وبيطعمني، وبيبوسني". آملُ أن تعوّض هذه اللحظات في الحلم قليلا من الشوق الذي كان بين زينة ووالدها. تحمل صورته دوما وتقبّلها، وتكرر أمام الجميع: "هاد بابا... بابا بالجنة، عنده موز وتفاح".
كل ابتسامة من زينة كانت تمنحه سببا إضافيا ليواصل يوما آخر في الميدان. حلمه الوحيد كان أن يراها ويضمني مرة أخرى، لكنه استُشهد قبل أن يتحقق له ذلك، تاركا وراءه وجعا لا يهدأ وسؤالا بلا جواب: لماذا يُقتل الصحفي وهو يحمل الكاميرا لا السلاح؟
برحيل إسماعيل تغيّرت كل حياتي. في كل مرة أشعر كأنه اليوم الأول؛ نفس الوجع نفس الغصة. كنت أظن أنني مستعدة لأن إسماعيل كان يهيّئني دائما لهذا اليوم، لكن الحقيقة أنني لم أكن جاهزة أبدًا. كان سندي وصديقي وأبي الثاني. حتى اليوم أنسى أحيانًا أنه رحل، وأتخيله يدخل البيت فجأة. لهذا أدعو الله دائمًا: "يارب، تلحقنا بإسماعيل".
ورغم رحيله ما زال صوته حاضرا. زينة ما زالت تراه في الحلم، وتروي لي: "بيجيني، بيحضني، وبيطعمني، وبيبوسني". آملُ أن تعوّض هذه اللحظات في الحلم قليلا من الشوق الذي كان بين زينة ووالدها.
لكنني أعلم في قرارة نفسي أن إسماعيل كان يعرف الثمن، وكان مستعدا له. كان يرى في الصحافة جبهة مواجهة، ليست أقل خطرا من خندق النار. وكان يهيّئني نفسيّا لما هو قادم، كان دائمًا يقول لي: "خليكي صابرة، فكّري ببنتك". وقبل رحيله بأيام قال لي وكأنه يقرأ نهايته: "أنا مش خايف على زينة لما أستشهد... أنا خايف عليكي إنتِ". كلمات شاهدة على رجل اختار أن يروي الحقيقة حتى آخر نفس، ودفع ثمنها من دمه.
في ضوء هذه التجربة القاسية، أصف حجم الخوف الذي كان يعيشه أهالي الصحفيين خلال الحرب قائلة: "الخوف والقلق ما زالا مستمرين إلى اليوم؛ لدرجة أنني عندما أقرأ خبر استشهاد أحد الصحفيين - رغم أنه مرّ عام تقريبًا على استشهاد إسماعيل- بينقبض قلبي من جديد، بنسى للحظة وبفكر إنه يمكن يكون إسماعيل، بعدين بتذكر إنه هو راح... بس الوجع ما راح".
أستعيد ذكريات كثيرة مع إسماعيل خاصة في رمضان: كان زوجي في الشمال، بياكل دقّة وحمص، بينما أنا في الجنوب - رغم الظروف - كان الأكل متوفر نوعًا ما. أتذكر في رمضان، نكون عاملين مفتول دجاج، وأسأله شو فطرت؟ ما كان يرضى يحكي حتى ما يزعّلني. أصرّ عليه: إيش أكلت؟ فيرد: حمص... عاملين حمص. فأنا كنت أحكي كيف أنا بدي آكل مفتول ولحمة وزوجي بالشمال بيفطر على حمص... وإسماعيل كان من النوع اللي بيعزّ الأكل جدًا.
أحاول أن أكمل ما انتهى عنده إسماعيل بوجود زينة، أحاول أن أكون مكان أبيها، لكنني مهما حاولت لا أستطيع أن أملأ مكان الأب. مهما كنت حنونة وأحبها فإنّ إسماعيل كان أحنّ وأطول بالا عليها. أحاول أن أربيها تربية طيبة، وأحميها من وجع الفقد، وأُبقي حضوره في حياتها حيًّا. في العيد أقول لها: "هاي العيدية من بابا"، وعندما أشتري لها طعاما تحبه أقول: "بابا بعتلك إياه". صورته دائمًا في محفظتي أخرجها وأُقبّلها؛ لتبقى ذكراه معنا حيّة في كل لحظة.
لماذا زوجي استُشهد؟ لأجل مَن؟ استشهد وهو يظن أن الحقيقة ستترك أثرا... لكن العالم بقي صامتا.
لم يكن إسماعيل يومًا مجرد رقم أو صورة مرّت في الأخبار. كان إنسانا حقيقيا صحفيا يحمل أحلاما وطموحات، وله زوجة وابنة وعائلة، له حياة ومستقبل. آمن بمهنته وآمن بواجبه في إيصال الحقيقة، وفي أن يصل صوت غزة إلى العالم، وربما هذا ما يدفعني اليوم لأن أقول لكل الصحفيين الذين قرّروا أن يكملوا على هذا الطريق ألا ينسوا زملاءهم الذين سبقوهم ودفعوا حياتهم ثمنا للحقيقة... ألا يركضوا فقط وراء الشهرة وألا ينسوا المعنى العميق للرسالة التي يحملونها.
ورغم كل شيء ما زلت أرى إسماعيل حيًّا في ابنتنا، وفي كل كاميرا تصرخ بالحقيقة من قلب غزة؛ فالصحافة كانت معركته، وأنا شاهدة على أنه خاضها حتى النفس الأخير.
على مدار عشرة أشهر وقف إسماعيل أمام عدسة الكاميرا يسرد جراح غزة مداريا جروحه هو وشوقه لعائلته ولرؤية طفلته الصغيرة التي كان يراها في كل طفل في شمال غزة. كان يرى في الكاميرا سلاحه، وفي الصحافة رسالته، وفي الحق طريقه، وظل ثابتا في زمن حاولوا فيه إسكات صوت غزة وإغلاق أبوابها أمام العالم.
ورغم الفقد، ما زالت زينة تبحث عن أبيها في وجوه الناس، وما زالت مَلك تحمل صوته في قلبها وتحفظ رسالة الحقيقة في روحها. في شهادتها الموجعة تُجسّد ملك زريد حجم التضحيات التي يقدمها الإعلاميون الفلسطينيون في ساحات الصراع، وتُضيء على أهمية الاستمرار في نقل الحقيقة رغم المخاطر، وتُبرز الدور الحيوي للعائلات التي تقف خلف كل صوت صحفي دفع حياته ثمنا للمهنة.
يبقى إرث إسماعيل حيًّا في كل كاميرا تنقل الحقيقة من قلب غزة، وفي كل صحفي يواصل نقل صرخات وطنه. تذكّرنا رسالته بأن الصحافة ليست مجرد مهنة بل معركة من أجل الحق والإنسانية، وأن صوت غزة لن يصمت ما دام هناك من يؤمن بها ويحمل رسالتها.