على مدار سنوات من العمل الصحفي الميداني في لبنان، أعتقد أنّ مفهومي الشخصي حول القصص الإنسانية تبدّل وتطور، وأصبح اليوم محكومًا بوظيفة القصة نفسها، وفائدتها في إنتاج مادة ذات قيمة إبداعية ومعلوماتية على حدٍّ سواء، انسجامًا مع مفهوم "أنسنة الصحافة".
هذه المهمة، تبدو أكثر صعوبة من جعل القصّة الصحفية (الفيتشر) وسيلة لبناء مادة غايتها القصوى إثارة المشاعر على اختلاف أشكالها.
بين التمهل والسرعة
في السابق، كنت أندفع للعمل سريعًا على كل مقترح أو تكليف بإنجاز تقرير "فيتشر"، باعتباره فرصة لتحرير المهارات من القوالب التقليدية للعمل الصحفي. لكن مع مراكمة الخبرة والتدرب المستمر على فهم سياقات الأحداث صرت أشعر بمسؤولية مضاعفة، وصار إنجاز قصة صحفية يستغرق مسارًا زمنيًا متمهلًا من تحديد زاويتها ومكانها وزمانها، إلى توظيف روايات شخصياتها في خدمة الهدف العام للمادة. وإذا كان التمهل ينطوي على الالتزام بمعايير أخلاقية ومهنية معينة قد يتنافى نظريًا مع تنامي ظاهرة "الوجبات السريعة" للقصص التي يغدقها على نحو مشوه أو مبتور من سياقه عدد كبير من منصات الإعلام؛ في معركة تنافسية عنوانها حصد أكبر قدر ممكن من القراءات والمشاهدات.
"الأنسنة" التي وصلت إلى الصحافة العربية متأخرة عن الصحافة الأجنبية، وضعتنا أمام أسئلة مهنية كثيرة حول الأهداف والوظائف في زمن السرعة والتدفق الهائل بالقصص والمعلومات التي تحتاج إلى التدقيق بصحتها.
ضرورة "الفيتشر"
في تعريفها الأكاديمي، نجد أن ثمة أبحاثًا ومقالات كثيرة دُبجت حول خصائص وشروط إنجاز القصة الصحفية (الفيتشر)، سواء أكانت مصورة أو مكتوبة أو متعددة الوسائط. و"الفيتشر" (Feature) هو في خلاصة تعريفاته نمط غير تقليدي في الصحافة، يرتكز على فنّ كتابة / أو تصوير القصّة، عبر توظيف التجربة الإنسانية في إطار درامي – معلوماتي متجانس لقضية أو ظاهرة ما، مرتبطة بفرد أو مجموعة من الأفراد. وهذا النمط من العمل، صار يستوجب علينا - نحن الصحفيين - إثقال قدراتنا في نفض الغبار عن جوانب غير مرئية من القضايا التي غالبًا ما يهملها الإعلام، لكنها تضمر مخزنًا يمكن التقاط الأفكار منه وبلورتها.
ونحن الصحفيين سواء أكنا مستقلين أو نعمل مع مؤسسات إعلامية نجد أننا اليوم مطالبون أكثر من أيّ وقت مضى بـ "أنسنة" المادة الصحفية، وحتى في الموضوعات الخبرية التي اعتادت وسائل الإعلام على تغطيتها بأسلوب القوالب التقليدية.
مثلًا، عندما يشهد بلد ما انهيارًا في عملته المحلية، كما يحدث في لبنان وسوريا وإيران، ومثلما حصل في تركيا ومصر وغيرهما، تسارع وسائل الإعلام إلى إنجاز تغطية خبرية تشرح الحدث بخلفياته وأبعاده الاقتصادية والسياسية، وتكون المادة عبارة عن سلسلة من فتح مزدوجين بعد كل "قال وأردف وأوضح وأضاف..".
لكن إذا أردنا "أنسنة" تغطيتنا لهذا الخبر، وجذب أبناء البلد والغرباء عنه إلى متابعته فقد نجد زاويتها في تفاصيل يوميات بائع قهوة متجول أو عامل نظافة أو صاحب مؤسسة ناشئة أو موظف حكومي أو ربة أسرة أو عاطل عن العمل... أكثر مما يأتي على لسان مسؤول رسمي أو مصرفي أو خبير اقتصادي؛ ذلك أن حكايا الناس وأثر الأحداث على تفاصيل حياتهم اليومية التي غالبًا ما تسعى السلطات إلى طمسه يساعدنا في فهم سياق الأزمات وجذور الفساد والقرارات الحكومية والسجالات الدائرة حولها، كما تساعدنا في تحويل أرقام ومعطيات متضاربة قد تخفي الكثير من الحقائق، إلى مادة حيّة "من لحم ودم".
مسار الأنسنة
اصطلاحيًا، قد لا نجد شرحًا لكلمة "أنسنة" في المعاجم اللغوية، وعلى رأسها معجم "لسان العرب" لابن منظور. لكن هذا المصطلح الذي شاع فلسفيًا وثقافيًا ومدنيًا (نسبة إلى المدينة)، وهو اشتقاق من كلمة "إنسان"، بدا كنوع من بثّ الروح في الشيء أو القضية إلخ. ولعلّ أكثر الأمثلة شيوعًا الانتشار العالمي لمفهوم "أنسنة المدن" (Humanizing Cities) الذي يتمحور حول كيفية إضفاء الطابع الإنساني على المدن والأمكنة، وجعلها أكثر ملاءمة واتساقًا مع الإنسان.
لكن "الأنسنة" التي وصلت إلى الصحافة العربية متأخرة عن الصحافة الأجنبية، وضعتنا أمام أسئلة مهنية كثيرة حول الأهداف والوظائف في زمن السرعة والتدفق الهائل بالقصص والمعلومات التي تحتاج إلى التدقيق بصحتها.
راهنًا، نشهد في عدد كبير من وسائل الإعلام العربية وعلى منصات التواصل الاجتماعية، طفرة من القصص التي يجري تقديمها بصورة فظّة، أو بلغة مبالغة. مثلا، خلال الحروب والأحداث الأمنية والكوارث الطبيعية (كزلزال تركيا وسوريا 2023)، نطالع عددًا كبيرًا من القصص التي تركز على الضحايا، متجاوزة الكثير من المعايير المهنية، وتقتحم مساحات حرجة من دون موافقة أصحابها، وتتمحور حول أسئلة من قبيل "بماذا شعرت حين دمر منزلك؟ أو حين قتل ابنك؟ أو حين فقدت عائلتك تحت الركام؟
هل فعلًا ننتظر أجوبة الضحايا عن شعورهم في مثل هذه اللحظات؟
بعيدًا عن غياب الجدوى من الأسئلة العاطفية في الأحداث الساخنة، فإن هؤلاء الضحايا الذين تكبدوا خسائر هائلة بشرية ومادية، يمكننا من خلال قصصهم، أن نحصل على معلومات حول القتلى والمفقودين والجرحى والإغاثة وتصرف الجهات الرسمية أو المسيطرة على المنطقة معهم، وما سبق الحادث من أحداث مترابطة... حتى نتمكن من تركيب جزء كبير من المشهد، وفهم الحقيقية الكامنة وراء ما حصل ويحصل. وربما هذا أحد سبل "أنسنة" عملنا.
خلافًا للإبداع في الأدب، فإن معيار الإبداع في القصة الصحفية محكوم بالمعلومات والوقائع، وحضور الإنسان فيها حقيقي وميداني، لا يحتمل المبالغات في الوصف أو تشويه وإنقاص المعلومات اللازمة.
تجربة الشعور
في الواقع، نجد أن ثمة أنواعًا وطبقات من القصة الصحفية الإنسانية، وأسهلها تلك التي تبغي الاستعطاف المجاني، باعتبار أن الجمهور المستهدف عاطفيّ بطبعه وينجذب لكل ما يثير مشاعره. علمًا أنه خلافًا للإبداع في الأدب، فإن معيار الإبداع في القصة الصحفية محكوم بالمعلومات والوقائع، وحضور الإنسان فيها حقيقي وميداني، لا يحتمل المبالغات في الوصف أو تشويه وإنقاص المعلومات اللازمة.
لكن إذا سألنا عن سبب الأثر الكبير الذي تتركه القصص الإنسانية لدى قاعدة واسعة من المتلقين، قد يكمن في مشاركة هذه المواد لـ "تجربة الشعور"، إذ إن تجربة الشعور لفرد أو جماعة معينة، مهما تمايزنا أو تشابهنا معها، فهي مشتركة وواحدة بين الناس، من تعاطف وحب وفرح وحزن وغضب وسخط وخيبة وقلق وسعادة وانكسار على اختلاف سياقاتها وأزمنتها وأمكنتها..
لكن، هل يمكننا فعلًا تقديم القصة الصحفية بصورة مهنية تضمن مشاركة "تجربة الشعور" الإنسانية مقابل توظيفها في تعزيز المعلومات لما وراء هذا الخبر أو ذاك في آن معًا؟
عمليًا، فإنّ ملامح الناس ولغة أجسادهم هي مرآة مشاعرهم التي تخفي الكثير من حقائق لا تُقال. وإذا تدربنا على حسن مراقبتها أثناء عملنا الصحفي، قد تساعدنا في التحليل والفهم وتوجيه الأسئلة، بغية بناء قصة نضمن ديمومتها وعدم موتها بانتهاء مفعول الحدث أو الخبر.
وكعدد كبير من الصحفيين الذين يثيرهم ما يدور حول الأحداث أكثر من الأحداث نفسها، فإنني أجد أن كل موضوع قابل للأنسنة، سواء كان سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا أو حقوقيًا... وحتى في المقابلات الصحفية مع الشخصيات البارزة والمؤثرة بالمشهد العام. فكل حدث له أبطاله، ويمكن أن يكونوا مسؤولين سياسيين أو ضحايا أو مجرمين أو فاسدين أو مظلومين...
مثلًا، في كل بلد يشهد انتخابات برلمانية أو رئاسية، نلحظ أن معظم وسائل الإعلام تركز على القوائم الانتخابية ومعارك المرشحين والأحزاب والأصوات والأرقام، وما يدور حولها من استقطاب حاد، يجذب المتابعين ويجعل منها واحدة من أبرز أحداث الساعة في العالم. وهذا ما يحصل في الانتخابات التركية، وما شهدناه في الانتخابات التونسية والأمريكية والفرنسية وغيرها.. لكن هناك فئة من الصحفيين التي لا تكتفي بالتغطية الخبرية، بل تسلط الضوء على تفاصيل جانبية للمرشحين والناخبين ولخصوصية الأمكنة، وتنجز قصصًا تحمل بصمتهم الخاصة بنقل تجربة إنسانية حية، تساعد المتلقين على فهم الكواليس التي تشكّل المشهد العام.
ملامح الناس ولغة أجسادهم هي مرآة مشاعرهم التي تخفي الكثير من حقائق لا تُقال. وإذا تدربنا على حسن مراقبتها أثناء عملنا الصحفي، قد تساعدنا في التحليل والفهم وتوجيه الأسئلة، بغية بناء قصة نضمن ديمومتها وعدم موتها بانتهاء مفعول الحدث أو الخبر.
تجارب شخصية
أرغب، هنا، في إعطاء أمثلة من قصص صحفية عملت عليها خلال السنتين الماضيتين، وتحديدًا في الموضوعات التي غالبًا ما نتهاون بالتعاطي مع الجانب الإنساني منها.
ففي الانتخابات البرلمانية التي شهدها لبنان في مايو/ أيار 2022 مثلًا، ركزت في التغطية على الأحداث الجانبية التي تدور حول أهم المتغيرات السياسية لتلك الانتخابات. مثلًا، جرت الانتخابات لأول مرة بغياب زعيم أكبر تيار سني سياسي في لبنان، المتمثل بتيار المستقبل بزعامة سعد الحريري. لكن كيف يمكن أن نفهم معنى هذا الغياب وأثره على قاعدة شعبية واسعة في بلد ينقسم على ذاته طائفيًا ومناطقيًا؟ وهل تكفي التغطية التقليدية لفهم كل هذه التحولات؟
حينها، في واحدة من القصص الصحفية التي أنجزتها مع الجزيرة نت، كانت حول مشاهدات حية من المناطق ذات الغالبية السنية. وانطلقنا في القصة من حكاية صاحب محل خضار صغير في منطقة "طريق الجديدة" في بيروت، قبل أن نعبر مناطق أخرى، وتمكنا من نقل خلفيات المقاطعة للانتخابات لدى جمهور "المستقبل" - وربطها بالسياق التاريخي - بينما كان يواصل رفع صور سعد الحريري ووالده الراحل رفيق الحريري وبعضها ممهورة بعبارة "اللي خلف ما مات".
وفي سلسلة المقابلات السياسية التي أعددناها حول الانتخابات، حاولت "أنسنة" الحوار في وصف الشخصيات وتفكيك هواجسها بالأسئلة والفهم والتحليل. مثلًا، في مقابلة أجريناها مع زعيم التيار الوطني جبران باسيل، سلطنا الضوء على تصدره المشهد السياسي كزعيم لتيار مسيحي كبير وحليف لحزب الله وعلى خصومة مع مختلف الأحزاب الأخرى، لديه طموح بالوصول إلى رئاسة الجمهورية بعد عمه الرئيس السابق ميشال عون. وفي مقدمة المقابلة، حاولت وصف هذه الشخصية ربطًا بالمعطيات السياسية والإقليمية التي تحيطها.
ومما جاء في المقدمة: "يظهر القلق على ملامح وجهه، وليس في ذلك ما يدعو للاستغراب، لأن الانتخابات البرلمانية المقبلة بالغة الأهمية بالنسبة له، ويتوقف على نتائجها الكثير من مستقبله السياسي في السنوات المقبلة".
كما يمكن أن نعطي مثالًا آخر عن "أنسنة" القصة الأمنية، التي تساعدنا في إنجاز تحقيقات استقصائية وإخبارية، في القضايا المتعلقة باللاجئين والمهاجرين ومختلف الفئات المستضعفة في مناطق النزاع والأزمات. في العام الماضي، وبعد متابعات كثيرة لقصص المهاجرين، عملت على تحقيق استغرق نحو ستة أشهر، حول رحلات الهجرة غير النظامية عبر البحر من شمال لبنان إلى أوروبا[3]، وتضم لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. وفي هذا التحقيق الذي كشف لأول مرة تفاصيل رحلات خطيرة يقودها مهربون وسماسرة بين لبنان وسوريا، ارتكز على خط درامي للأحداث والرصد الميداني للمعلومات من قصص الضحايا والمتواطئين، قبل أن يقاطعها مع معلومات وأرقام حصرية من الجيش والجهات الرسمية، وهو ما ساعد في انجاز قصة إنسانية متكاملة بأبعاد أمنية وسياسية واقتصادية ومعلوماتية.
وواقع الحال، حين نحرص كصحفيين على أنسنة عملنا، قد نجد في القصة جسرًا للعبور إلى ما وراء الخبر والأحداث. وهذه الرحلة رغم مشقتها، التي تستوجب علينا التعلم والتدرب اليومي، قد نساهم فيها، ولو قليلًا، في توثيق أحداث الذاكرة الجماعية في مجتمعاتنا وبلادنا التي تواجه أشرس وأخطر معارك التضليل الإعلامي.