لم تكن هذه الحرب على قطاع غزة تقليدية أو عادية، بل مواجهة شاملة استهدفت الإنسان والمكان وحتى الرواية. وفي عمق هذا الحدث المركب، لم يكن الإعلام الغزّي مجرد ناقل للحدث، بل كان هدفًا مباشرا في معركة السيطرة على الحقيقة؛ فقد استشهد صحفيون أثناء التغطية، وأصيب آخرون، وتعرّضت مؤسسات إعلامية للتدمير، وحوصرت الحقيقة في محاولة لإسكات الصوت الذي نقل للعالم مشاهد الإبادة والدمار على مدار عامين كاملين.
ومع تراجع القصف والأمل بتوقف الحرب، لم يعد التحدّي يتعلّق بالبقاء والتمسك بالأمل فحسب، بل بـ "العودة" إلى الحياة من جديد، ومعها يبرز تحدٍّ من نوع آخر: كيف يتعافى الإعلام في غزة بعد حرب استنزفت مؤسساته ومقدراته، وأرهقت صحفييه، ووضعت رسالته أمام تحديات معقدة وغير مسبوقة؟
هذا الواقع جعل الحديث عن التعافي الإعلامي ضرورة ملحة تتجاوز إعادة تشغيل أجهزة البث والإنتاج أو استعادة المباني المدمرة، فالمسألة أعمق وأعقد من ذلك بكثير؛ إذ تتصل بعودة الروح وبإعادة بناء الدور الوظيفي للإعلام في مجتمع خرج لتوّه من حرب مدمّرة، التعافي هنا يعني الانتقال من إعلام الأزمات والكوارث الذي تحكمه السرعة والصدمة إلى إعلام العمق والتحليل والتفسير بوصفه إطارا علميا منظما، من أجل محاولة فهم وتفكيك ما جرى ووضعه في سياقاته المختلفة، وطرح الأسئلة الكبرى: ماذا حدث فعلا؟ ما تداعيات ما جرى؟ وإلى أين تمضي غزة سياسيا وإعلاميا واجتماعيا؟
وفي نموذج قطاع غزة أيضا، يكتسب هذا المفهوم بعدا إضافيا خاصا؛ نظرا لاستمرار معركة الرواية ومحاولات الاحتلال إعادة إنتاج سردية تُجرّده وتبرؤه من صفة الجاني وتُعيد تقديم حربه باعتبارها "دفاعا عن النفس"، وفي المقابل، على الجانب الفلسطيني لا يكمن التحدي في نقل ما جرى فحسب، بل في الرهان على دور الصحافة في مرحلة ما بعد الصدمة لبناء خطاب إعلامي متوازن يحفظ الذاكرة الجماعية دون أن يكتفي بالبكاء عليها، ويقدّم تحليلا عميقا دون أن يفقد حساسيته الإنسانية: خطاب يزاوج بين توثيق الجريمة وحفظ الشهادات، والمساهمة في إعادة بناء المجتمع وكشف زيف الخطاب الإسرائيلي.
على الجانب الفلسطيني لا يكمن التحدي في نقل ما جرى فحسب، بل في الرهان على دور الصحافة في مرحلة ما بعد الصدمة لبناء خطاب إعلامي متوازن يحفظ الذاكرة الجماعية دون أن يكتفي بالبكاء عليها
واقع مأزوم
يعتقد أستاذ الإعلام في الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة الدكتور أحمد الشقاقي أنّ واقع المنظومة الإعلامية خلال الحرب كان مأزوما من زوايا متعددة سواء على الصعيد المؤسسي أو الهياكل التنظيمية، مع عدم إغفال امتلاك هذه المنظومة زخما مستمرا على صعيد رمزية دورها في تقديم الرواية الفلسطينية، لافتا إلى وجود واقع إعلامي تشكل خلال فترة حرب الإبادة على القطاع وهو إعلام "الأزمة" ولا يزال مستمرا حتى الآن رغم واقع اتفاق وقف إطلاق النار وأسباب ذلك متعددة لكنها في النهاية تجعل الواقع الإعلامي هشا وضعيفا".
ويربط الشقاقي نجاح خطة التعافي الإعلامي في غزة ببناء حالة إعلامية جديدة متناسقة ومتكاملة ومتطورة، ليس المطلوب فيها العودة إلى الواقع الذي كان قائما قبل الحرب، بل العمل في مسارات متعددة تشكل الحالة الإعلامية في قطاع غزة سواء المرسل (الصحفي) أو المؤسسات (الوسيلة) أو المحتوى (الرسالة) وكذلك الجمهور (المستقبل)، لذلك لا بدَّ من وضع خطط تعافٍ لكل هذه العناصر بشكل يؤهلها للتفاعل الإعلامي البنّاء وبما يخدم السردية الفلسطينية ويعزز حضورها على المستويات كافة.
ويرى الشقاقي أن الكادر البشري هو الركيزة الأساسية في نظرية تعافي القطاع الإعلامي؛ فبرغم قسوة الحرب، أسهمت التجربة في صقل مهارات الصحفيين وتعزيز قدرتهم على إدارة الأزمات وابتكار بدائل مهنية لضمان استمرار نقل الحقيقة، ويوازي ذلك ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية المدمَّرة، وتوفير إطار قانوني يحمي حرية العمل الصحفي إلى جانب إصلاح السياسات التحريرية عبر خطط واضحة؛ للانتقال من تغطية الجرائم إلى أدوار إعلامية أوسع وأكثر تطويرا.
لذلك، فإن غياب إطارٍ للتعافي سيؤدي إلى مشكلات متعددة على مختلف المستويات، كما يقول الشقاقي: "مشكلات للصحفيين المنهكين، وهو ما قد ينعكس سلبا على جودة العمل أو في اتجاه بعضهم إلى التفكير في الهجرة، فضلًا عن حالة الفوضى في المحتوى الإعلامي الذي يصل إلى الجمهور، واستمرار الشائعات التي تقوّض القيم المجتمعية وتمنح الاحتلال فرصة لبثّ روح الانكسار."
رغم قسوة المشهد، يجب التفكير بإعادة تقييم التجربة الإعلامية برمتها، فالتعافي يمكن أن يشكّل فرصة لتعزيز أخلاقيات المهنة، وتطوير الصحافة بشكل عام، والحد من الفوضى المعلوماتية، خاصة في ظل انتشار الأخبار المضللة والشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما يتيح المجال لتكريس إعلام مجتمعي واعٍ يعبّر عن هموم المواطنين وتطلعاتهم بدون أي تداخلات.
بناء على ذلك، يرى المدير العام لصحفية فلسطين المحلية إياد القرا أنّ الحرب أثّرت بشكل مباشر وعميق على سير العمل الإعلامي، خاصة بسبب الانقطاعات الطويلة في الاتصالات والإنترنت وصعوبة التنقل؛ حيث أدى تدمير المطابع إلى توقف الصحف الورقية عن الصدور والتوزيع منذ بداية الحرب، فانعكس ذلك على طبيعة المحتوى وانتقلت غالبية المؤسسات إلى النشر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، مع تقليص التغطيات الميدانية بسبب المخاطر الأمنية ونقص الإمكانيات.
ساهمت الأوضاع القاسية التي واجهتها المؤسسات الإعلامية في تعقيد المشهد أكثر. ويشرح القرا في حديثه لـ "مجلة الصحافة" أن مؤسسته لم تكن استثناءً؛ إذ تعرضت - كغيرها من المؤسسات في قطاع غزة - لأضرار جسيمة بعدما دُمر المبنى الذي كان يضم مقر الصحيفة، وفُقدت الأجهزة والمعدات الصحفية المستخدمة في التصوير وإعداد الموادّ. ولم تقف الخسائر عند هذا الحدّ؛ فقد استشهد عدد من كوادرها الصحفية، وهو ما جعل مواصلة العمل تحديا يوميًا يثقل كاهل من تبقى منهم.
يرى الشقاقي أن الكادر البشري هو الركيزة الأساسية في نظرية تعافي القطاع الإعلامي؛ فبرغم قسوة الحرب، أسهمت التجربة في صقل مهارات الصحفيين وتعزيز قدرتهم على إدارة الأزمات وابتكار بدائل مهنية لضمان استمرار نقل الحقيقة.
لم يكن مشهد التدمير خلال الحرب على قطاع غزة عابرا أو مقتصرا على البنية المدنية، بل امتدّ ليطال الإعلام الفلسطيني بوصفه هدفا مباشرا في حرب استهدفت المكان والرسالة معًا؛ فقد ارتفع عدد الشهداء الصحفيين إلى 262 صحفيا منذ بداية حرب الإبادة، بينهم مراسلون ومصورون ومحررون يعملون في وسائل إعلام محلية ودولية، كما تعرّضت - بحسب المكتب الإعلامي الحكومي - 143 مؤسسة إعلامية للاستهداف، بينها 12 صحيفة ورقية، و23 صحيفة إلكترونية، و11 إذاعة، و4 قنوات فضائية، إضافة إلى تدمير مقرات 12 فضائية عربية ودولية. هذا الواقع دفع مؤسسات إعلامية وصحفية عريقة إلى التوقف عن الصدور بعد فقدان مقراتها ومطابعها ومصادر تمويلها.
وقدّر المكتب خسائر القطاع الإعلامي في غزة بأكثر من 400 مليون دولار، نتيجة ما وصفه بـ "حرب شاملة استهدفت البشر والحجر، والصورة والصوت والكلمة".
وكغيرها من المؤسسات المتضررة تعمل صحيفة فسطين حاليا في ظروف استثنائية وقاسية، من خلال نقاط عمل مؤقتة داخل خيام أو مراكز إعلامية مشتركة تتبع نقابات واتحادات محلية؛ حيث يعتمد العمل بشكل أساسي على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي بوصفها بديلا مرحليا، مع استخدام الحد الأدنى من الإمكانيات المتاحة، وغالبا عبر معدات شخصية للصحفيين.
رغم أهمية هذا التحول، يواجه الإعلام في غزة جملة من التحديات بحسب القرا؛ أبرزها ضعف التمويل، وفقدان الكوادر الصحفية وعدم توفير الحماية لهم، ومنع إدخال معدات التصوير والتسجيل والمونتاج، واستمرار القيود العسكرية الإسرائيلية، وعدم ضمان استمرارية العمل الإعلامي كما يضاف إلى ذلك الإرهاق المجتمعي العام الذي يحدّ من قدرة الجمهور على التفاعل مع المحتوى الإعلامي.
مواقف غير مسبوقة
لاحقت الحرب الصحفيين أكثر فأكثر، وكأنها تنتقم ممن يذكّرها بالحقائق الصادمة حول الجرائم، وفقا لما قالته مراسلة تلفزيون تي أر تي التركي ربا العجرمي:
"إنّ الجمع بين التجربة الشخصية القاسية ومتطلبات العمل المهني - في قطاع غزّة - يفرض تحديا مركّبا؛ إذ تحوّل الصحفي إلى هدف مباشر، وكان كثيرون ينقلون المأساة وهم جزء منها، في وقت كانت فيه عائلاتهم ومحيطهم يواجهون ظروفا شديدة القسوة." وتصف العجرمي هذه التجربة بأنها "بالغة القسوة، لكنها في المقابل عمقت الخبرة المهنية، وكشفت عن صلابة الصحفي الفلسطيني وقدرته على نقل الحقيقة بمستوى عالٍ من المهنية رغم الظروف القاهرة، وهو ما جعله أحد أعمدة الصمود المدني".
ولم تخفِ العجرمي أن الصحفيين أظهروا مستوى رفيعا من المهنية والتجرد؛ إذ نقلوا الوقائع كما هي؛ دون تهويل أو تجميل، لأن حجم الجرائم المرتكبة كان كفيلا بعكس فداحتها دون أي خروج عن الأطر المهنية.
وفي خضم هذه الحرب، لم تعد المعركة محصورة في الميدان، بل وصلت شظاياها إلى إعادة إعمار الإنسان نفسه، وإدراك تحديات التعافي وما ستطلبه من تدخلات نفسية واجتماعية لمواجهة التأثيرات طويلة الأمد. وتُبرز العجرمي أن الصحفيين بحاجة إلى برامج دعم نفسي واجتماعي جراء الصدمات الكبيرة والمشاهد القاسية والصعبة التي تعرضوا لها أثناء التغطية الإعلامية، وكذلك لدعم مهني ودورات متقدمة في صحافة الأزمات والتحقق من المعلومات، ويوازي ذلك توفير الاحتياجات الضرورية لهم سواء كل ما يتعلق بأدوات السلامة المهنية الأساسية وحتى الاحتياجات الضرورية؛ لنضمن استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المهني".
يواجه الإعلام في غزة جملة من التحديات بحسب القرا؛ أبرزها ضعف التمويل، وفقدان الكوادر الصحفية وعدم توفير الحماية لهم، ومنع إدخال معدات التصوير والتسجيل والمونتاج، واستمرار القيود العسكرية الإسرائيلية، وعدم ضمان استمرارية العمل الإعلامي كما يضاف إلى ذلك الإرهاق المجتمعي العام
خطة تعافٍ مرحلية
تبنت نقابة الصحفيين الفلسطينيين خطة تعافٍ مرحلية شملت إنشاء ثلاثة مراكز تضامن إعلامي في غزة، ودعم الصحفيين صحيّا وإغاثيّا، وربطهم بمؤسسات محلية ودولية لتعزيز صمودهم في مرحلة التعافي المؤقتة، بعد أن دفعهم هذا الواقع الصعب للعمل من المستشفيات ومراكز الإيواء والخيام وسط أزمات لوجستية خانقة، أبرزها صعوبة التنقل وانقطاع الإنترنت ومنع إدخال معدات السلامة المهنية.
ويشرح ذلك أمين سرِّ نقابة الصحفيين في قطاع غزة الدكتور عاهد فروانة قائلا: "رغم ظروف الحرب، عملت النقابة على إعداد دراسة شاملة بالتعاون مع اليونسكو لإعادة بناء قطاع الإعلام، وعُرضت ضمن مؤتمر دولي عُقد في رام الله بمشاركة قطاع غزة، إلا أن عراقيل الاحتلال ما زالت تعيق التنفيذ".
ويعتقد فروانة أن الإطار القانوني لتعافي الإعلام في غزة يستند إلى دعم حكومي رسمي، عبر إنشاء صندوق وطني للتعافي الإعلامي بتمويل مشترك بين الحكومة والجهات الداعمة، إلى جانب تحرك سياسي وقانوني لضمان حماية الصحفيين وفق قرارات مجلس الأمن 1738 و2222، واتفاقية جنيف الرابعة، وبالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين.
يُستشف مما سبق أن تعافي الإعلام في غزة في الوقت الحالي، يرتبط بإيجاد تقييم شامل للأضرار، وتحديد الرسالة الإعلامية بعد الحرب، وحماية ودعم الكوادر نفسيّا ومهنيّا، وتكامل الجهود الحكومية والنقابية المحلية والعربية والدولية، وتحويل الدعم من وعود على الورق إلى برامج عملية في الواقع تضمن بقاء الإعلام شاهدا حيًّا على الحقيقة وعنوانا بارزً لها، لا ضحيةً إضافية للحرب.