تنشر القصة ضمن المجموعة الفائزة بجائزة الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية 2026
في أحد أحياء وسط عمّان القديمة، يصعد الأربعيني أبو عبد الباسط 20 مترا من الطوب المرصوف على أدراج توصله إلى بيت استأجره منذ عام 2014، غرفتين وعلى يسار الداخل مطبخ صغير، ثبتت على جدرانه عوارض خشبية مطلية بالأبيض تُستخدم رفوفا لأدوات الطهي.
لجأ أبو عبد الباسط إلى الأردن عام 2013، باحثا عن ملاذ آمن لعائلته، هاربا من النزاع في السودان، مصطحبا زوجته وابنهما البكر عبد الباسط الذي يبلغ اليوم 15 عاما، يقول إنه مُنح بعد عام صفة اللجوء، وبدأ يتلقى مساعدات من مفوضية شؤون اللاجئين بلغت 15 دينارا أردنيا للفرد (قرابة 21 دولارا أمريكياً)، إضافة إلى بطاقة تموينية من برنامج الغذاء العالمي بنحو 23 دينارا.
منذ وصوله أصبح البحث عن عمل تحديا يوميا؛ فأمامه 120 دينارا أجرة لمسكنه، وأسرة تكبر سنة بعد أخرى، ولم يكن يعرف عملا آخر غير الزراعة، يقول: "ما أقدر أشتغل بالزراعة ولا غيرها من دون تصريح عمل… بس مجبور على شان الأولاد تأكل".

لاحقا جرب العديد من الأعمال، اشتغل في التنظيف والتحميل والإنشاءات، يقول: "لما أطلع أبحث؛ إما الشغل غير مسموح، أو واحد يشغلك بأجرة أقل، أو تشتغل أيام ويقولك خلص، وما يعطيك.."
يضاف إلى قلقه بصعوبة توفير فرص العمل تفاقم أعباء المعيشة مع تراجع المساعدات الإنسانية التي تعتمد عليها أسرته. يوضح أن بطاقة التموين التي كانت تبلغ 23 دينارا للفرد، خفضت لاحقا إلى 15 دينارا فقط، إلى جانب تقليص عام في المساعدات بنسبة تقارب 25%.
تصف زوجته، أم عبد الباسط، تفاصيل يومية لا تظهر في الأرقام والتقارير، بعد أن فردت عبوات الأدوية التي تتناولها علاجا للربو: "وضعنا صعب. البيت صغير وقديم جدا، وصار عندنا خمسة أبناء، بنتان وثلاثة أولاد، أولادي كبروا، فابني الكبير المفروض ينام لحاله".
تجربة مماثلة
لا تختلف قصة عائلة أبي عبد الباسط السوداني كثيرا عن اللاجئ اليمني عبد الله الذي وصل إلى الأردن عام 2013 هاربا من الحرب والظروف الاقتصادية القاسية، يلخّص بهذه الكلمات واقعا يعيشه منذ أكثر من عقد.
يقول "كل فرصة عمل أتقدم لها يقولوا لي آسفين ما بنشغل لاجئين نتخالف، ما معك تصريح" قبل أن يضيف بصوت يختلط فيه القلق بالاستسلام: "أحيانا أفكر إذا رجعت زوجتي إلى اليمن أرسل معها الأطفال، أو أبحث عن طريقة لطلب اللجوء في أوروبا".
عند وصوله إلى الأردن عمل عبد الله في أعمال حرة وبنظام المياومة، ظل يتقاسم غرفة صغيرة مع لاجئين يمنيين مقابل 20 دينارا شهريا، في عام 2016 حصل على صفة لاجئ، وبعد سنوات من التنقل وعدم الاستقرار، قرر عام 2020 تأسيس أسرة، واستقر في وسط العاصمة عمّان مستأجرا مكانا لا يختلف كثيرا عن غرفتَي أبي عبد الباسط.
رزق بطفليه في عامي 2021 و 2022، وحصلا على حق اللجوء، منذ ذلك الحين أصبح المعيل الوحيد لأسرة تزداد احتياجاتها بينما يعاني من قيود فرص العمل على اللاجئين. يقول بمضض: "صار لي أكثر من شهرين وأنا بالبيت، كل ما أطلع الصبح أرجع بنفس الكلمة.. آسفين"، ويتابع كيف يجر خطاه يائسا من شارع إلى آخر وهو يتأمل الإعلانات هنا وهناك "مطلوب عامل"، يقول إنه ما إن ينظر للإعلانات يتذكر احتياجات البيت ومتطلبات طفليه في شقته الفارغة.
ترى منظمات حقوقية أن ما عرف بـ (اتفاق الأردن) عام 2016 شكل نقطة تحول انعكست على الحق في العمل، وأسهمت في تكريس التمييز داخل فئة اللاجئين نفسها
واقع قاس بظل القانون
قصتان ليستا بمعزل عن سياق أوسع، فالأردن الذي استقبل موجات لجوء متعاقبة، لا يملك حتى اليوم تشريعا وطنيا للجوء، ولم يوقع على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 أو بروتوكولها لعام 1967، مكتفيا بمذكرة تفاهم مع مفوضية شؤون اللاجئين.
وفي هذا السياق ترى منظمات حقوقية أن ما عرف بـ (اتفاق الأردن) عام 2016 شكل نقطة تحول انعكست على الحق في العمل، وأسهمت في تكريس التمييز داخل فئة اللاجئين نفسها، إذ تقول ليندا كلش مديرة منظمة" تمكين" للمساعدة القانونية:" الاتفاق سمح للاجئين السوريين بالحصول على تصاريح عمل، بينما بقي اللاجئون من الجنسيات الأخرى مستثنين".
وبحسب بيانات رسمية بلغ عدد تصاريح العمل الصادرة للاجئين السوريين حتى سبتمبر 2023 نحو 400 ألف تصريح، وفي عام 2021 وقعت مذكرة تفاهم بين وزارة العمل والاتحاد العام لنقابات عمال الأردن، لإصدار تصاريح عمل مرنة للاجئين سوريين تسمح لهم بالعمل لدى أكثر من جهة عمل. وتوضح كلش أن الحق في العمل صار رهن إجراءات إدارية، دفع كثيرين إلى العمل في الاقتصاد غير النظامي، حيث غياب الحماية والخوف من المساءلة؛ ما أدى لانتهاكات متنوعة تشمل الاستغلال وعدم دفع الأجور والتهديد.

وسجلت منظمة تمكين خلال عام 2024 والنصف الأول من عام 2025 ، قرابة 68 شكوى للاجئين تتعلق بمنح تصاريح العمل تنوعت طبيعتها؛ فمنها 44 شكوى من اللاجئين سودانيين، و15 شكوى من لاجئين قادمين من غزة، و7 شكاوى من لاجئين يمنيين واثنين عراقيين.
وكشف البحث في موقع قسطاس القانوني عن عشرات القضايا المنظورة أمام المحاكم بحق شركات وأصحاب عمل استخدموا عمالة أجنبية دون تصريح عمل، بينهم سودانيون ويمنيون عثر معهم على بطاقة صفة اللجوء، منذ عام 2016 وحتى 2024، بعد أن رصدت فرق التفتيش التابعة لوزارة العمل هذه المخالفات، وهو ما فسر قانونيا كإجراء تنظيمي لضبط العمالة الوافدة وحماية فرص الأردنيين.
بين النصوص القانونية وقيود السياسات العامة بشأن اللاجئين، تتشابه أيام أبي عبد الباسط، يعلق على أثر ذلك على حياته اليومية: "الواحد يسأل نفسه كيف عايش، وكيف أعدي الله أعلم، اقتصاديا ما تضبط، بس الواحد عايش" يسترسل ويعد على أصابعه :" عندي أجرة مكسورة لشهرين، وفواتير كهرباء ومياه متراكمة، وأنا مريض بالأكزيما وزوجتي تعاني من الربو بسبب رطوبة البيت" ولا يكاد يمر شهر بلا ديون بحسب قوله.
يتقاطع وصفه لما أشار إليه التقرير السنوي لعام 2024م من ارتفاع نسبة الفقر بين اللاجئين بشكل عام وارتباطه بانخفاض التمويل المخصص للاستجابة من الدول المانحة، إذ تجاوزت النصف بين عامي 2021 و2023م.

إقرار المفوضية وضعف الحلول
تقر مفوضية شؤون اللاجئين بأن المساعدات النقدية لا تلبّي كامل تكاليف المعيشة، خاصة مع ارتفاع الأسعار، يقول يوسف طه الناطق باسم المفوضية في الأردن: "إن المفوضية تدرك أن محدودية الوصول إلى العمل تزيد من مستوى الضعف" وفي حديثه عن الحلول، يؤكد بأن المفوضية تعمل على تعزيز برامج سبل العيش وتنمية المهارات حيثما أمكن، منوها أن التقليص لم يستهدف جنسية بعينها، بل خضع لمعايير الاستضعاف.
بمسحة من الضيق والحزن يعلق أبو عبد الباسط أن فرصة الحصول على مقعد ضمن برامج التدريب تلك محدودة جدا، وإن وجدت فرصة فهي مقيدة بالعمر، مضيفا: "صار لي 13 سنة في الأردن وأنا فوق الأربعين، بينما الفرص لمن هم تحت الثلاثين، وإن تدربت على مهارة فغير مسموح لي بالعمل" ما يعده صعوبة في التعايش في ظل هذه القيود.
ولا تقتصر تبعات الآلية الجديدة وما رافقها من تشديد الرقابة على عمل اللاجئين غير السوريين على الجانب المعيشي فحسب، بل تخلّف آثارا اجتماعية ونفسية بحسب كلش، تقول: "إن العجز عن إعالة الأسرة، والاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية، وغياب الشعور بالاستقرار والأمان، جميعها عوامل تولد مشاعر الإحباط والاكتئاب وفقدان الكرامة الإنسانية."
في المقابل، تؤكد المفوضية أنها تدعو إلى توفير فرص عمل متساوية لجميع اللاجئين، وتحافظ على حوار مستمر مع الحكومة لتوسيع فرص العمل لجميع اللاجئين خلال التوصيات، بما يتماشى مع القوانين الوطنية واحتياجات سوق العمل.
وعلى الرغم من دعوات المفوضية، يكشف تقرير الاستعراض الشامل لحقوق الإنسان في الأردن لعام 2024 أن الأردن أصدر تعديلات محدودة لتعزيز حقوق الإنسان، لكنه لم يتطرق لمسألة تصاريح العمل لغير اللاجئين السوريين.
وفي ذات التقرير، دعت توصية كندا رقم 127-77 الأردن إلى اتخاذ جميع الخطوات لضمان حصول اللاجئين من جميع الجنسيات، بمن فيهم غير السوريين، على الخدمات العامة وفرص كسب العيش لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
تؤكد المفوضية أنها تدعو إلى توفير فرص عمل متساوية لجميع اللاجئين، وتحافظ على حوار مستمر مع الحكومة لتوسيع فرص العمل لجميع اللاجئين خلال التوصيات، بما يتماشى مع القوانين الوطنية واحتياجات سوق العمل.
من منظور حقوقي وإنساني، ترى كلش أن الحل الجذري يكمن في إقرار قانون وطني شامل للجوء يضمن المساواة في الحقوق والواجبات لجميع اللاجئين، مع منحهم حق العمل وتوسيع الحماية الاجتماعية، ودمجهم في برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي لضمان استقلالهم المعيشي وتقليل اعتمادهم على المساعدات.
ولكن بحسب المفوضية فإن الأردن - كما دول أخرى - لم تمنح كل اللاجئين حق العمل سوى حق التعليم والرعاية الصحية، ناهيك أن دول التوطين التي تقدم عملاً ومسكناً لهم لا تقبل إلا 1% من ملفات طلبات التوطين عبر العالم سنويا.
بين قصتين تشبهان مئات القصص الأخرى، يتّضح أن العمل بالنسبة للاجئين غير السوريين في الأردن ليس مسألة قانونية فحسب، بل شرط أساسي للكرامة والاطمئنان، يحدق أبو عبد الباسط طويلا في السقف، مراقبا الرطوبة تتساقط في أرجاء الغرفة بين الفينة والأخرى كندف الثلج تزكم أنفه، ليقول" لو يسمحوا لنا بالعمل" يصمت لبرهة سارحا بخياله وينهي جملته العالقة:" كان كل شيء تغير".